روابط مصاحف م الكاب الاسلامي

روابط مصاحف م الكاب الاسلامي
 

Translate

الأربعاء، 1 يونيو 2022

تفسير جزء عم المؤلف د. مساعد بن سليمان الطيار

تفسير جزء عم 

د . مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار 

المقدمة :

 

الحمد لله الرحمن ، علم بالقلم ، علم البيان ، علم الإنسان ما لم يعلم ، أنزل خير كتبه عربياً ، على النبي الأمي العربي خير أنبيائه ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين .

 

أما بعد ، فإن علم التفسير من أشرف العلوم ؛ لأنه يتعلق ببيان كلام رب السموات والأرض ، الذي هو أشرف كلام ، وأعلاه وأجله ، وقد أردت أن أنخرط في سلك من ألف في هذا العلم ، وأحوز شرف بيان كلام الرب ، وأسأل الله سبحانه أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم ، وأن يكون من الخير المقدم بين يدي يوم ألقاه ، وأن يكون شافعاً لي يوم العرض الأكبر .

 

وسيكون مجال هذا التأليف في الجزء الأخير من أجزاء القرآن ؛ لكثرة تزداده بين المسلمين في الصلوات وغيرها .

 

ولم أدخل فيه العلوم التي يتطرق إليها المفسرون ، ويتوسعون بذكرها ، كعلم النحو ، وعلم البلاغة ، وعلم الفقه ، وغيرها . كما لم أدخل فيه الفوائد والاستنباطات التي هي خارجة عن حد التفسير ، وبها تتمايز كتب التفسير في المنهج ، وتطول أو تقصر بسببها .

 

وسلكتُ في بيان هذا الجزء وتفسيره طريق المتن والحاشية .

 

أما المتن ، فجعلته في صلب التفسير ، وجعلته – قدر المستطاع – واضح المعنى ، سهل العبارة ، مع الحرص على بيان مفردات القرآن اللغوية في ثناياه .

 

وأما الحاشية ، فجعلتها للاختلاف الوارد في التفسير عن السلف ، ولتوجيه أقوالهم ، وبيان سبب الاختلاف ، وذكر الراجح من الأقوال ، كل ذلك قدر الإمكان ، والله المستعان.

 

ولا تخلو الحاشية من بعض الفوائد الأخرى ، لكنها لما لم تكن هي المقصد في هذا التأليف، فإنها جاءت قليلة ، وليس لها نظام ، وإنما هي مما يطرأ خلال البحث ، أو يجر إليه .

 

وقد اعتمدت في الوارد عن السلف في التفسير ، على تفسير الإمام ابن جرير الطبري (ت : 310) ، وإن نقلت عن غيره أفصحت عن ذلك ، وإن كان موطن التفسير في الآية من السورة المفسرة ، لم أذكر الجزء ولا الصفحة ؛ لسهولة الرجوع إليها ، وإن كان في غير موطن الآية ذكرتهما .

 

كما حرصت على نقل ترجيحاته وتعليقاته على أقوال المفسرين ، لما فيها من الفوائد في قواعد الترجيح وضوابطها ، وبيان المفردات اللغوية وشواهدها ، وغير ذلك مما لا يخفى على من قرأ ترجيحاته وتعليقاته التفسيرية .

 

ورجعت إلى بعض التفاسير ، ولم أكثر ، لعدم حاجة المنهج الذي سلكته في هذا التفسير، فرجعت إلى دقائق التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن تيمية (ت : 728) ، وتفسير ابن القيم (ت:751) في كتابه التباين في أقسام القرآن ، وغيرها من كتبه ، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (ت:774) ، والتحرير والتنوير للطاهر بن عاشور (ت:1393) .

 

وقبل أن أشرع في التفسير ، سأذكر بعض ما يسمر في هذا البحث من المسائل المتعلقة بالتفسير وأصوله ، والله المستعان .

 

المسألة الأولى : مفهوم التفسير :

 

التفسير في اللغة : الإيضاح والكشف والبيان ، ومنه : فسر عن ذراعه : إذا كشفها.

 

أما في الاصطلاح ، فله عدة تعاريف عند العلماء ، وكثير منها يدخل فيه بعض علوم القرآن على سبيل الوصف لهذا العلم ، لا بيان الحد المطابق الذي قد يتعذر في تعريف بعض العلوم ، فيكون التعريف بالوصف أوضح لها .

 

وبعيداً عن هذه التعاريف والنظر في اختلافها ، أذهب بك إلى محاولة لوضع ضابط لما يخص هذا العلم من المعلومات التي تجدها في كتب التفسير ، ويكون ما وراء هذا الضابط من متممات التفسير وعلومه ، لا من صلبه وأصله .

 

إذا انطلقت من التعريف اللغوي الذي هو البيان ، وعرف التفسير بأنه : بيان القرآن الكريم وإيضاح معانيه ، فإن الضابط فيما يدخل في صلب التفسير هو البيان ؛ أي : ما كان فيه بيان عن المعنى المراد بالآية ، فهو من صلب التفسير ، وما كان خارجاً عن حد البيان ، بحيث يفهم المعنى من دونه ، فهو من متممات التفسير وعلومه ، لا من صلبه واصله ، إذ المقصود من التفسير فهم معاني القرآن ، فإذا حصل هذا الفهم وصح ، صحت الفوائد المستنبطة عليه غالباً ، وإذا كان الفهم غير صحيح ، كانت الفوائد المستنبطة والمترتبة عليه غير صحيحة .

 

وهذه العلوم التي ترد في كتب التفسير ، وهي خارجه عن حد البيان ، لا يعني أنها غير مفيدة ، بل الفائدة موجودة فيها قطعاً ، وإنما النظر هنا إلى كونها ينطبق عليها مصطلح البيان، أو لا ينطبق .

 

فمن الأمثلة التي ينطبق عليها ضابط البيان ، تفسير قوله تعالى : {وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا} [النبأ : 14] ، فإن لا يمكن أن تفهم المعنى على تمامه إذا لم تعلم معنى {المعصرات} ومعنى {ثجاجا} ، فإذا علمت أن {المعصرات} هي السحاب ، وأن {ماء ثجاجا} هو الماء المنصب بكثرة وغزارة ، أتضح لك المعنى العام للآية ، وصار بيانها : وأنزلنا من السحاب ماء منصباً بكثرة وغزارة ، وهو المطر .

 

ومن الأمثلة التي لا ينطبق عليها ضابط البيان ، تفسير قوله تعالى : {ولم يكن له كفواً أحد} [الإخلاص : 4] ، قال الطاهر بن عاشور : "وتقديم خبر (كان) على أسمها ؛ للرعاية على الفاصلة ، وللاهتمام بذكر الكفؤ عقب الفعل المنفي ، ليكون أسبق إلى السمع"([1]) .

 

ذكر الطاهر بن عاشرو فائدتين من تقديم خبر كان ، وهاتان الفائدتان من علوم التفسير، لا من صلبه ؛ لأنك لو لم تعلمهما ، فإنه لا يخفى عليك المعنى المراد بالآية ، وهو التفسير ، وإن كان في ذكرهما فائدة .

 

وقس على هذا كثيراً من مسائل النحو ، والفقه ، والبلاغة ، وغيرها مما يتفنن بذكره من ألف في التفسير ، فإنه إنما زادت المؤلفات وتنوعت بسبب الاهتمام بعلوم التفسير ، لا بصلبه ، ولو اعتنى المفسرون بصلبه فقط ، لتقاربت مناهجهم ، وإنما تمايزت بسبب إدخالهم هذه العلوم التي قد تبعد طالب التفسير عنه ، بل قد تزهده بصلبه ، وهو لا يدري أنه هو المراد الأول ، والمطلب الأمثل لدارس التفسير ، وأن هذه الفوائد إنما تبنى على صحة التفسير ، فإذا كان الفهم خطأ ، كانت الفوائد المترتبة عليه أخطاء كذلك ، فلا تغفل عن هذا المعنى ، وتأمله ، وقلبه في فكرك لتتبين صحته من خطئه ، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .

 

المسألة الثانية : أنواع الاختلاف وأسبابه :

 

التفسير : إما أن يكون مجمعاً عليه ، وإما أن يكون مختلفاً فيه . وإما أن يكون متعلقاً بتفسير الألفاظ ، وإما أن يكون متعلقاً بالمعاني .

 

والاختلاف الوارد في التفسير : إما أن يرجع إلى معنى ، وإما أن يرجع إلى أكثر من معنى ، وهذا ما سأذكر تفصيله .

 

أولاً : الاختلاف الذي يرجع إلى معنى واحد :

 

يرد في هذا القسم ثلاثة أنواع من الاختلاف ، وهي :

 

النوع الأول : أن يذكر من الأسم العام أمثلة له ، فتكون كلها عائدة إلى معنى واحد ، وهو المعنى العام ، ومن أمثلته : تفسير قوله تعالى : {علمت نفس ما قدمت وأخرت} [الإنفطار : 5] ، وقوله تعالى : {وشاهد ومشهود} [البروج : 3] ، وقوله تعالى : {النجم الثاقب} [الطارق: 3] ، وقوله تعالى : {والذي قدر فهدى} [الأعلى : 3] ، وقوله تعالى : {فإذا فرغت فأنصب} [الشرح : 7] ، وغيرها .

 

النوع الثاني : أن يفسر اللفظ بألفاظ متقاربة ، وكلها تعود إلى معنى واحد ، ومن أمثلته: تفسير قوله تعالى : {واليل وما وسق} [الانشقاق : 17] ، وقوله تعالى : {والقمر إذا أنسق} [الانشقاق : 18] ، وغيرها .

 

النوع الثالث : أن يحتمل المفسر أكثر من وصف ، فيذكر كل مفسر وصفاً من هذه الأوصاف ، كلها تعود إلى معنى واحد ، مثل تفسير قوله تعالى : {عن النبإ العظيم} [النبأ :2] ، وتفسر قوله تعالى : {وكأساً دهاقا} [النبأ : 34] ، وقوله تعالى : {والتين والزيتون} [التين :1] وغيرها .

 

وهذا الأنواع كلها تدخل في اختلاف التنوع ؛ لأن الآية يمكن أن يتحمل على جميع المعاني الصحيحة الواردة فيها بلا تعارض ولا تناقص وإن قدم أحدها في الترجيح ، فعلى سبيل اختيار القول الأولى ، دون اطراحِ غيرها من الأقوال ، والله أعلم .

 

ثانياً : الاختلاف الذي يرجع إلى أكثر من معنى :

 

وهذا الاختلاف نوعان ، وذلك بحسب احتمال الآية له .

 

النوع الأول : أن تحتمل الآية الأقوال الواردة فيها ويدخل بذلك في اختلاف التنوع ، ومن أمثلته : تفسير قوله تعالى : {لتركبن طبقاً عن طبق} [الانشقاق : 19] ، وقوله تعالى : {ثم السبيل يسرم} [عبس : 20] ، وغيرها .

 

ويكثر في هذا النوع ما يرد من أوصاف تحتمل أكثر من موصوف ، فيحملها المفسر على أحد هذه الموصوفات ، ويحملها غيره على موصوف آخر ، ومن أمثلته : تفسير قوله تعالى : {يوم يقوم الروح} [النبأ : 38] ، وقوله تعالى : {والنازعات} [النازعات : 1] ، وما بعدها من الأوصاف ، وقوله تعالى : {فلا أقسم بالخنس} [التكوير : 15] ، وغيرها .

 

النوع الثاني : أن لا تحتمل الآية الأقوال الواردة فيها ، وذلك بسبب التضاد ، وهو أنك إذا حملت الآية على قول انتفى الآخر ؛ كاختلافهم في تفسير (القرء) من قوله تعالى : {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة : 228] ، وهذا النوع قليل في التفسير الوارد عند السلف .

 

ويلاحظ أن بعض التضاد يمكن أن تحتمله الآية لسبب خاص بها ، ومن ذلك تفسير قوله تعالى : {والليل إذا عسعس} [التكوير : 17] ، حيث فسر بـ "أقبل" ، و "أدبر" ، وهما معنيان متضادان ، لكن لما كان محل الإقبال – وهو أول الليل – والإدبار – وهو آخر الليل – مختلفاً ، جاز حمل الآية على المعنيين معاً ؛ ليكون الإقسام بأول الليل وآخره .

 

ومنه تفسير قوله تعالى : {وإذا البحار سجرت} [التكوير : 6] ، فقد ورد في تفسيرها : امتلأت، ويبست ، وهما من معاني التسجير في اللغة ، ولكنها ضدان ، فإذا حملتهما على اختلاف الزمن الحاصل فيه هذا الفعل ، وجعلت الفعل دالاً على هذين الحالين ، صح حمل الآية عليهما معاً ، لهذا السبب ، والله أعلم .

 

أما أسباب الاختلاف في التفسير فكثيرة ، ويلاحظ أن أنواع الاختلاف السابقة في حقيقتها أسباب اختلاف ، كما يلاحظ أن أسباب الاختلاف كأنواعه ، منها ما هو اختلاف محقق، ومنها ما الاختلاف فيه أشبه بالصوري ؛ لائتلاف الأقوال في النهاية على قول واحد ، ولذا سأذكر بعضها في الأسباب ، ومنها :

 

1- الاشتراك اللغوي ، وهو أن يكون للفظ أكثر من معنى في لغة العرب ، ومنه تفسير قوله تعالى : {وأنزلنا من المعصرت} [النبأ : 14] ، وقوله تعالى {ولا يذوقون فيها رداً} [النبأ : 24] ، وقوله تعالى : {يسقون من رحيق مختوم} [المطففين : 25] ، وغيرها .

 

2- التواطؤ : وهو أن يشترك الأفراد في المسمى اشتراكاً متساوياً ، فنسبة أحدهم إلى المسمى كنسبة الآخر ، ويشمل التواطؤ الأوصاف التي تحتمل أكثر من وصف ؛ كالنازعات ، والخنس ، والغاشية ، والفجر ، والعاديات ، وغيرها .

 

كما يشمل الضمير الذي يحتمل رجوعه إلى أكثر من مرجع ؛ كما في تفسير قوله تعالى {ياأيها الإنسن إنك كادح إلى ربك كدحا فملقيه} [الانشقاق : 6] فقيل : ملاق ربك ، وقيل : ملاق عملك ، وقوله تعالى : {وإنه على ذلك لشهيد} [العاديات : 7] ، قيل : إن الإنسان...، وقيل : إن ربه ...، وغيرها من الأمثلة .

 

3- التفسير بالمثال ، والاختلاف فيه يعود إلى قول واحد ، وإنما ورد الاختلاف بينهم بسبب أنهم عمدوا إلى ذكر أمثلة للمعنى العام ؛ كتفسيرهم قول الله تعالى : {وأما بنعمة ربك فحدث} [الضحى : 11] ، وقوله تعالى : {ثم لتسئلن يؤمئذ عن النعيم } [التكاثر : 8] ، والله أعلم .

 

4- أن يكون تفسير المفسر على اللفظ ، ويكون تفسير غيره على المعنى أو القياس، وهذه هي الأصول التي يعود إليها التفسير :

 

أما التفسير على اللفظ ، فهو تفسير اللفظ بما ورد في لغة العرب .

 

وأما التفسير على المعنى ، فهو ما كان خارجاً عن المعنى المطابق للفظ في لغة العرب ، مبيناً للمعنى المراد من اللفظ في الآية ، ولم يكن من باب القياس ؛ كتفسير قتادة لقوله تعالى : {أو إطعم في يوم ذي مسغبة} [البلد : 14] ، قال : يوم يشتهى الطعام ، والمسبغة : المجاعة ، فعبر عنها بهذا التعبير ، وهو أعم من يوم المجاعة ؛ لأن الطعام يشتهى في كل وقت ، لكنه في يوم المجاعة أكثر .

 

وكذا تفسيره لقوله تعالى : {والنهار إذا جلها} [الشمس : 3] ، قال : إذا غشيها ، والتجلية : الإظهار والإيضاح ، فإذا جلاها النهار ، فقد غشيها ، فيكون تعبيراً عن لازم اللفظ، لا عن معناه في اللغة ، والله أعلم .

 

وأما التفسير على القياس ، فهو حمل الآية على ما يشابهها في المعنى ، أو تدل عليه بدلالة الإشارة ، كتفسير سورة النصر بأنها قرب أجل الرسول صلى الله عليه وسلم ، قال ابن عباس : "كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر ، فكان بعضهم وجد في نفسه ، فقال : لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله ؟ فقال عمر : إنه من حيث علمتم ، فدعا ذات يوم ، فأدخلني معهم ، فما رئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم .

 

قال : ما تقولون في قوله تعالى : {إذا جاء نصر الله والفتح} [النصر : 1] ؟ فقال بعضهم : أمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا ، وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً .

 

فقال لي : أكذاك يا ابن عباس ؟ قلت : لا ، قال : فما تقول ؟ قلت : هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له ، قال : إذا جاء نصر الله والفتح ، وذلك علامة أجللك ، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً .

 

فقال عمر : ما أعلم منها إلا ما تقول " .

 

وأسباب الاختلاف غير هذه كثيرة، وإنما أشرت هنا إلى بعضها ، والله أعلم .

 

المسألة الثالثة : طبقات السف في التفسير :

 

فسر السلف القرآن باجتهادهم ، وكان ممن خاض فيه : الصحابة والتابعون وأتباع التابعين . وهؤلاء هم الذين نقلت أقوالهم الكتب التي تحرص على التفسير المأثور عنهم .

 

وقل أن تجد بعد هذه الطبقات من اشتهر برأيه في التفسير ، بل صار الحال على نقل أقوالهم ، ولا يعرف من كان له اجتهاد بارز فيمن تأخر عنهم كاجتهاد ابن جرير الطبري (ت:310) ، فقد كان يتخير من أقوالهم ، وينقد بعضها بأسلوب علمي متين ، ويسير في ذلك على قواعد واضحة ، حتى برزت فيه شخصية المفسر المرجح ، أو المفسد الناقد ؟

 

وقد برز في جيل الصحابة حبر الأمة وترجمان القرآن : عبد الله بن العباس بن عبد المطلب (ت :65) ، وكان بحق رائد التفسير ، وأستاذه الذي لا يجاريه فيه أحد .

 

وبرز بعده تلاميذه ؛ كسعيد بن جُبير (ت : 94)  ومجاهد بن جبر (ت:104) ، وعكرمة (ت : 105) ، وعطاء بن أبي رباح (ت : 114) ، وغيرهم .

 

وبرز فيه من أهل البصرة : أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي (ت : 93) الذي أخذ عن أهل المدينة وعن ابن عباس، فكانت مشاربه العلمية مختلفة ، والحسن البصري (ت : 110)، وتلميذه قتادة بن دعامة السدوسي (ت : 117) .

 

وبرز في المدينة : محمد بن كعب القرظي ( ت : 118) ، وزيد بن أسلم (ت : 136) .

 

وبرز في الكوفة : أبو صال باذام ، مولى أم هائ ، وإبراهيم النخعي (ت : 96) ، وعامر الشعبي (ت : 103) ، وأبي مالك غزوان الغفاري .

 

وبرز في الكوفة : أبو صالح باذام ، مولى أم هانئ ، وإبراهيم النخعي (ت: 96) ، وعامر الشعبي (ت : 103) ، وأبي مالك غزوان الغفاري .

 

وفي جيل أتباع التابعين ، برز في مكة : عبد الملك بن جريج (ت : 150) ، وسفيان الثوري (ت : 161) الذي كان منشأ حياته في الكوفة ، ثم سكن مكة والمدينة ، وسفيان بن عيينة (ت : 195) الكوفي الذي استوطن مكة .

 

وبرز في المدينة  عبد الرحمن بن زيد بن اسلم (ت : 182) .

 

وبز في الكوفة : إسماعيل بن عبد الرحمن السدي (ت : 128) ، ومحمد بن السائب الكلبي (ت : 146) .

 

وبرز في بغداد : مقاتل بن سليمان البلخي (ت : 150) .

 

وبرز في خراسان : الربيع بن أنس البكري ، البصري ثم الخراساني (ت : 139) ، والضحاك بن مزاحم البلخي (ت : 105) ، ومقاتل بن حيان البلخي (ت:150) .

 

وفي الشام : عطاء بن أبي مسلم ميسرة الخرساني (ت : 135) .

 

والموضوع في المفسرين وتراجمهم يطول ، وهذه الإشارة لا تغن ، وإنما ذكرتهم لتعرف طبقاتهم ووفاتهم إذا مر بك تفسير من تفاسيرهم ، وليس هؤلاء كل المفسرين في هذه الطبقات ، وإنما هم أمثلة تيسرت لي أثناء هذه الكتابة ، فقيدتهم ؟

 

وأسأل الله تعالى أن يوفقني للكتابة في هذا الموضع ، إنه مجيب الدعاء ؟

 

المسألة الرابعة : تفسير السلف للمفردات :

 

طبقات السلف في التفسير ثلاثة ، وهي : طبقة الصحابة ، طبقة التابعين ، وطبقة أتباع التابعين ؟

 

وهذه الطبقات هي التي نقل عنها التفسير ، وغالب من كتب بعدهم ينقل أقوالهم ، حتى جاء ابن جرير فظهر في منهجه التفسيري المفسر الناقد ، أو المرجح ، فأخذ هذه الأقوال ووازن بينها ، وبين الراجح منها على غيره بقواعد كان ينتهجها ويسير عليها .

 

والمقصود أن السلف في طبقاتهم الثلاث تكلموا في التفسير أو نقله ممن تقدمهم ، ويرد عنهم – كثيراً – تفسيرات لألفاظ القرآن ، فما الموقف منها من حيث اللغة ؟ .

 

أما الصحابة فلا خلاف في حجيتهم في اللغة ، وأن الوارد عنهم كالوارد من غيرهم من شعراء الجاهلية وغيرهم من العرب ، ويلحق بهم التابعون الذين عاصروا زمن الاحتجاج ، ولا يخرج أحدهم من الاحتجاج بقوله إلا بعلة ظاهرة .

 

أما أتباع التابعين ، فقد كان في أول عصر تدوين اللغة ، ولذا ، فإن لم تحتج بما ورد عنهم من تفسيرات لغوية في ثبوت معاني الألفاظ في اللغة ، فالأقرب أن يكونوا من نقلة اللغة .

 

وإذا نظرت في تدوين معاني مفردات اللغة وجدت أنه بدأ في النصف الثاني من القرن الثاني على يد جمع من علماء اللغة ، وكانت كتاباتهم أشبه بالرسائل الصغيرة تكون في الموضوع والموضوعين ، أو في أشياء شتى ؟ في كتابه العين ، ثم تبعه غيره من علماء اللغة ؛ كالتلميذة النضر بن شميل (ت : 204) الذي ألف كتاب الجيم ، وأبي عمرو شمر بن حمدويه (ت : 255) الذي ألف كتاب الجيم ، وأبي طالب المفضل بن سلمة (ت : 321) الذي ألف كتابه الجمهرة في اللغة، وغيرهم .

 

وهذه المؤلفات اللغوية وغيرها مما ألفه علماء اللغة فيها ، صارت المرجع لأي دارس يبحث عن معاني مفردات كلام العرب ، فهل يعني أن هذه المؤلفات اللغوية شملت كل معاني مفردات ألفاظ العرب ؟

 

قال أبو عبيد القاسم بن سلام (ت : 224) : "... الجدف : لم أسمعه إلا في هذا الحديث، وما جاء إلا وله أصل ، ولكن ذهب من كان يعرفه ويتكلم به ، كما ذهب من كلامهم شيء كثيرا"([2]) .

 

وقال الأزهري (ت : 370) : "وروي عن إبراهيم أن المسيح : الصديق . قال أبو بكر([3]) : : واللغويون لا يعرفون هذا ، قال : ولعل هذا قد كان مستعملاً في بعض الأزمان فدرس فيما درس من الكلام .

 

قال : وقال الكسائي : قد درس من كلام العرب شيء كثير"([4]) .

 

وقد ورد هذا المعنى عن غير واحد من اللغويين ، فإن كان ذلك كذلك ، فاعلم أنه قد ورد عن السلف تفسير لبعض المفردات قد لا تجدها في معاجم اللغة ، فما الموقف منها ؟

 

لأذكر لك مثال يجري عليه التطبيق ، وهو تفسير قوله تعالى : {وإذا الوحوش حشرت} [التكوير : 5] ، فقد ورد عن أبي بن كعب تفسير حشرت : اختلطت ، وإذا رعت إلى المعاجم([5]) لا تجد هذا المعنى ، بل تجد أن الحشر : جمع مع سوق ، كما تجد حكاية تفسير ابن عباس لهذه الآية ، وهو أن الحشر : الموت ، فما الموقف من تفسير أبي بن كعب ؟

 

الموقف الأول : أن تجعل هذا المعنى الذي ذكره الصحابي ابي بن كعب معنى لغوياً لهذه اللفظة ، فيكون أحد معانيها التي لم يطلع عليها اللغويون ، وكادت أن تندرس مع ما اندرس من كلام الرعب ، فلم ينقلوها ، ويكون معنى الحشر في لغة العرب : الجمع ، والموت ، والخلط .

 

الموقف الثاني : إن ترد هذا المعنى ولا تقبله ، وتقول : إنه غير معروف من كلام العرب؛ لأنك لما بحثت في كتب اللغة لم تجد هذا المعنى ، ولا وجدت شاهداً يدل عليه من لغتها .

 

وإذا ذهبت هذا المذهب ، فلاحظ أنك وقعت في عدم الاعتداد بقول الصحابي العربي الذي هو أدرى بلغته وبتفسير كلام ربه منك ، وأنك حملته على ما نقله من جاء بعده ممن جهل هذا المعنى فلم ينقله ، ولم تجعل تفسير الصحابي أصلاً تعتمده ، وتجعله هو بذاته شاهداً عربياً كغيره من شواهد العربية عند اللغويين .

 

وأنت بهذا الفعل كأنك ممن يحمل المتقدمين على مصطلحات من جاء بعدهم فتلزمهم بها، وهذا العمل معروف بطلانه وما فيه من الخطأ ؛ أعني : كأنك تريده على ما علمه من جاء بعده دون ما علمه هو ، وليس هذا المعنى الذي عرفته – وهو الجمع – مما قد خفى عليه ، بل هو مشهور معروف في كلامه ؟

 

الموقف الثالث ك إن تتوسط بين الموقفين السابقين ، فتجتهد في توجيه المعنى الذي ذكره إلى المعنى المشهور ، فتقول : إن أبي بن كعب فسر حشرت باختلطت من باب التفسير بلازم اللفظ ، بمطابقه ، ذلك أن كل جمع بين أشياء يلزم منه الاختلاط ، فيكون عبر عن المعنى اللازم دون البيان عن معنى الكلمة المباشر في لغة العرب ؟ وتكون بهذا قبلت قوله ، وجعلته مندرجاً تحت المعنى المشهور من اللفظ ، والله أعلم .

 

وهذا الموقف الأخير لا يتأتى في كل مثال وارد عن السلف في معاني المفردات التي لا تجدها في كتب اللغة ، فكن على علم بذلك .

 

ومما أختم به هذه المسألة : أن تفرق بين ترجيح قول من أقوالهم ، وبين الاعتراض عليه لغة ، والأمر في هذا أنك لو رجحت معنى الجمع في تفسير الحشر ، فإن هذا لا يعني أنك ترد الدلالات اللغوية الأخرى الواردة عن السلف ، أما إذا أنكرت أن يكون الخلط من معاني الحشر في اللغة ، فقد وقعت في رد ما ورد عنهم ، فتأمل الفرق بين الأمرين ، والله الموفق .

 

وأخيراً ن هذا جهدي ، فما كان فيه من خطأ وزلل فمني وحدي ، وما كان فيه من صواب فبفضل الله ومنته .

 

وفي ختام هذه المقدمة اسأل الله القبول ، والثبات على دينه حتى الممات ، واسأله أن يسير لي خدمة كتابه ، إنه على كل شيء قدير ، والحمد لله رب العالمين .

 

كتبه : مساعد بن سليمان الطيار

 

المملكة العربية السعودية / الرياض

 

ص.ب : 43058 / الرياض : 11561

 

ناسوخ (فاكس) : 4923616

 

 

 

 

 

سورة النبأ

 

آياتها : 40

 

 

 

سورة النبأ

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

عم يتساءلون * عن النبأ العظيم * الذي هم فيه مخلفون * كلا سيعلمون * ثم كلا سيعلمون * ألم نجعل الأرض مهدا * والجبال أوتادا * وخلقناكم أزواجا * وجعلنا نومكم سباتا * وجعل الليل لباسا * وجعلنا النهار معاشا * وبنينا فوقكم سبعا شدادا * وجعلنا سراجا وهاجا * وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا * لنخرج به حبا ونباتا * وجنات ألفافا * إن يوم الفضل كان ميقاتا * يوم ينفخ في الصور فتأتون فواجا * وفتحت السماء فكانت أبوابا * وسيرت الجبال فكان سرابا * إن جهنم كانت مرصادا * للطاغين مئابا * لبثين فيها أحقابا * لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا * إلا حميما وغساقا * جزاء وفاقا * إنهم كانوا لا يرجون حسابا * وكذبوا بآياتنا كذابا * وكل شيء أحصيناه كتبا * فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا * إن للمتقين مفازاً * حدائق وأعنابا * وكواعب أترابا * وكأساً دهاقا * لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا * جزاء من ربك عطاء حسابا * رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا * يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا * ذلك اليوم الحق فمن شاء أتخذ إلى ربه مئاباً * إنا أنذرنكم عذابا قريباً يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر ياليتني كنت تراباً } .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سورة النبأ

 

1- قوله تعالى : {عم يتساءلون } أي : عن أي شيء يسال كفار مكة بعضهم بعضاً .

 

2- قوله تعالى : {عن النبأ العظيم} ؛ أي : يتساءلون عن الخبر العظيم الذي استطار أمره بينهم ، وهو القرآن ، ويحتمل أن يكون البعث([6]) .

 

3- قوله تعالى : {الذي هم فيه مختلفون } ؛ أي : صاروا فيه فرقاً في حقيقة هذا النبأ وصحته([7]) .

 

4- 5- قوله تعالى : {كلا سيعلمون * ثم كلا سيعلمون } ؛ أي : ليس الأمر([8]) كما يزعم هؤلاء المختلفون في النبأ ، وسيعلمون عاقبة اختلافهم فيه([9]) ، وهذا وعيد للمختلفين في النبأ ، وكرر الوعيد لتأكيده .

 

6- عدد الله في هذه الآيات نعمة الكونية على الناس ، والتي لو تفكر فيها هؤلاء الكفار، لما وقع منهم اختلاف في النبأ العظيم الذي جاءهم من عند الله ، فقال تعالى : {ألم نجعل الأرض مهدا} ، وهو استفهام على سبيل التقرير ، معناه : أن الله جعل هذه الأرض البسيطة مهيئة للناس كالمهاد الذي يمتهدونه ويفترشونه .

 

7- قوله تعالى : {والجبال أوتادا} ؛ أي : وجعلنا الجبال الراسيات كالوتد الذي تشد به أطناب الخيمة ، فتمسك الأرض كي لا تميد بأهلها كما تمسك الأوتاد الخيمة فلا تسقط .

 

8- قوله تعالى : {وخلقناكم أزواجاً} ؛ أي : أنشأناكم وقدرناكم وجعلناكم أيها الناس من ذكر وأنثى .

 

9- قوله تعالى : {وجعلنا نومكم سباتا} ؛ أي : جعلنا نومكن راحة ودعة لكم ، تهدأون به وتسكنون([10]) .

 

10- قوله تعالى : {وجعلنا الليل لباسا} ؛ أي : جعلناه يغشاكم بظلامه ، فيكون لكم كاللباس الذي سيتركم([11]) ، فتستريحون فيه بعد عناء التقلب في النهار .

 

11- قوله تعالى : {وجعلنا النهار معاشا} ؛ أي : جعلنا لكم النهار المبصر وقتاً للتعيش ؛ أي : طلب المعاش الذي تقوم به حياتكم .

 

12- قوله تعالى : {وبنينا فوقكم سبعا شدادا } ، أي : رفعنا فوقكم بناء : سبع سماوات محكمة قوية البنيان ، ليس فيهافطور ، ولا خلل في الخلق .

 

13- قوله تعالى : {وجعلنا سراجا وهاجا} ؛ أي : جعلنا في السماء الشمس كالسراج المتقد المضيء .

 

14- قوله تعالى : {وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا} ؛ أي : أنزلنا من السحاب([12]) مطراً غزيراً .

 

15- قوله تعالى : {لنخرج به حبا ونباتا} أي : أنزلنا المطر من السحاب لأجل أن نخرج الحب ، وهو شامل الجميع الحبوب ؛ كالقمح والشعير والأرز ، وغيرهما ، ونخرج النبات ، وهو ما عدا الحبوب مما ينبت في الأرض ؛ كالنخيل والرمان والأعناب ، وغيرها .

 

16- قوله تعالى {وجنات ألفافا}([13]) ؛ أي : ونخرج بالمطر البساتين([14]) التي التفت أغصان أشجارها بعضها على بعض([15]) .

 

17- قوله تعالى : {إن يوم الفصل كان ميقاتا} ؛ أي : إن يوم القيامة كان موعدا مؤقتا للجمع بين هذه الخلائق ، ليفصل الله فيه بينها([16]) .

 

18- قوله تعالى : {يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا} ؛ أي : يوم الفصل هو يوم ينفخ إسرافيل عليه اسلام النفخة الثانية في البوق ، فتجيئون إليه الناس زمراً زمر ، وجماعات جماعات([17]).

 

19- قوله تعالى : {وفاتحت السماء فكانت أبواباً} ؛ أي : صار في السماء فروج على هيئة الأبواب ، حتى أن الناظر إليها يراها أبواباً مفتحة([18]) .

 

20- قوله تعالى : {وسيرت الجبال فكانت سراب} ؛ أي : يجعل الله هذه الجبال الأوتاد للأرض تسير ، حتى تصل إلى مرحلة الهباء الذي يتطاير ، فيحسبه الرائي جبلاً ، وإذا هو كالسراب الذي يراه الرائي على أنه ماء ، وهو ليس كذلك([19]) .

 

21- قوله تعالى : {إن جهنم كانت مرصادا} ؛ أي : إن نار جهنم كانت ذات ارتقاب، ترقب من يجتازها وترصدهم([20]) .

 

22- قوله تعالى : {للطاغين مئابا } ؛ أي : إن جهنم للذين تجاوزوا الحد في العصيان حتى بلغوا الكفر ، مرجع ومصير يصيرون إليه وستقرون فيه .

 

23- قوله تعالى : {لابثين فيها أحقابا} أي : إن هؤلاء الطاغين ماكثون ومقيمون في النار أزماناً طويلة تلو أزمان لا انقطاع لها([21]) .

 

24- قوله تعالى : {لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا} ؛ أي : لا يحسون ولا يطعمون فيها هواء يبرد حر السعير عنهم([22]) ، ولا يشربون شيئاً يروى عطشهم الذي نتج عن هذا الحر .

 

25- قوله تعالى : {إلا حميما وغساقا} ؛ أي : لا يذوقون البرد والشراب ، لكن يذوقون الماء الذي بلغ النهاية في حرارته ، وصديد أهل النار المنتن الذي بلغ النهاية في برودته([23]).

 

26- قوله تعالى : {جزاء وفاقا} ؛ أي ك ثواباً موافقاً لأعمالهم([24]) .

 

27- قوله تعالى : {إنهم كانوا لا يرجون حسابا} ؛ أي : إن هؤلاء الطاغين كانوا في الدنيا لا يخافون([25]) أن يجازيهم أحد على سوء أعمالهم ، فوقعت منهم هذه الأعمال التي جوزوا عليها جزاء وفاقا .

 

28- قوله تعالى : {وكذبوا بآياتنا كذابا} ؛ أي : كذبوا تكذيباً شديداً ، ولم يصدقوا بالقرآن وغيره من الآيات .

 

29- قوله تعالى : {وكل شيء أحصيناه كتابا} ؛ أي : ضبطنا وعددنا عليهم كل شيء عملوه ، فكتبناه وحفظناه عليهم([26]) .

 

30- قوله تعالى : {فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا} ؛ أي : ذوقوا أيها الكفار الطاغون من عذاب هذه الأحقاب ، فلن نزيدكم إلا عذاباً من جنس عذاب النار([27]) ؛ كما قال تعالى : {هذا فليذوقوه حميم وغساق * وءاخر من شكله أزواج} ، والعياذ بالله ، وهذه الآية من أشد ما نزل في عذاب الكفار([28]) .

 

31- قوله تعالى : {إن للمتقين مفازا} : عقب بذكر المتقين على عادة القرآن في ذكر الفريقين وأحوالهم ومآلهم . والمعنى : إن للذين اتقوا الله بطاعته وتجنب معصيته مكان فوز ، وهو الجنة([29]) .

 

32- قوله تعالى : {حدائق وأعنابا} ؛ أي : إن مكان الفوز هو هذه البساتين المسورة : إما بجدار ، وإما بأشجار ، وخص العنب لفضله عندهم .

 

33- قوله تعالى : {وكواعب أترابا} ؛ أي : ومن المفاز : الجواري المستويات الأسنان، اللواتي قد استدارت نهودهن وتفلكت .

 

34- قوله تعالى : {وكأسا دهاقا} ؛ أي : ومن المفاز : إناء الخمر ، أو غيره ، المملوء عن آخره ، الذي يشربونه صافياً متتابعاً بلا انقطاع([30]) .

 

35- قوله تعالى : {لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا} ؛ أي : لا يسمعون في الجنة التي هي المفاز([31]) أي كلام باطل ، ولا يكذب بعضهم بعضا([32]) .

 

36- قوله تعالى : {جزاء من ربكم عطاء حسابا} ؛ أي : أثابهم الرب([33]) بهذا المفاز وما فيه من النعيم المذكور مقابل أعمالهم الصالحة في الدنيا ، ثم إنه تفضل عليهم بالعطاء الذي فيه الكفاية لهم([34]) ، وهو عطاء من غير مقابل ، وهو زيادة في الجنة يزيدها الرب لمن شاء من عباده .

 

37- قوله تعالى : {رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا} ؛ أي : هذا الرب الذي جازاهم وأعطاهم هو رب السموات والأرش وما بينهما ، وهو الرحمن الذي بيده جلائل النعم ، وفي هذا تنبيه على أنه أعطاهم ما أعطاهم بربوبيته وملكه ورحمته لهم .

 

وقوله : {لا يملكون منه خطابا} ؛ أي : هؤلاء الخلق المذكورون في قوله : {السموات والأرض وما بينهما} لا يستطيعون مخاطبة الله في يوم القيامة إلا بإذنه ، كما سيرد في الآية بعدها.

 

38- قوله تعالى : {يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا} ؛ أي : لا يملك الخلق من الله مخاطبته في هذا اليوم الذي يقوم فيه هذا الخلق العظيم -لروح([35]) والملائكة – صفا ، تعظيماً لله  كما لا يستطيعون مكالمته إلا من قبل الله منه أن يتكلم،

 

وتكلم بالحق ، وعمل به في الدنيا . وأعظم الحق قول لا إله إلا الله ، والعمل بها([36]) .

 

39- قوله تعالى : {ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مئابا} ؛ أي : ذلك اليوم الذي يقوم فيه الروح والملائكة ، هو اليوم الكائن الثابت الذي لا شك فيه ، فمن أراد منكم أيها العباد النجاة في ذلك اليوم ، فليتخذ من الأعمال الحسنة ما يكون لا سبيلاً ومرجعاً يرجع به إلى الله سبحانه([37]) .

 

40- قول تعالى : {إنا أنذرناكم عذاباً قريباً يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا} ؛ أي : إنا حذرناكم أيها لعباد([38]) عذاباً قد دنا منكم وقرب ، وذلك كائن يوم ينظر المرء منكم إلى أعماله التي قدم بها إلى الله ، ويوم يتمنى الذي لم يؤمن بربه وكفر به أن لو جعل تراباً ، كما يصير للبهائم في ذلك اليوم([39]) ، والله أعلم .

 

 

 

 

 

سورة النازعات

 

آياتها : 46 .

 

 

 

سورة النازعات

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

والنازعات غرقا * والناشطات نشطا * والسابحات سبحا * فالسابقات سبقا * فالمدبرات أمرا * يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة * قلوب يومئذ واجفة * أبصرها خاشعة * يقولون أءنا لمردودون في لحافرة * أءذا كنا عظاما نخرة * قالوا تلك إذا كرة خاسرة * فإنما هي زجر وحده * فإذاهم بالساهرة * هل أتاك حديث موسى * إذا ناداه ربه بالواد المقدس طوى * أذهب إلى فرعون إنه طغى * فقل هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك فتخشى * فأراءه الآية الكرى* فكذب وعصى * ثم أدبر يسعى * فحسر فنادى * فقال أنا ربكم الأعلى * فأخذه الله نكال الأخره والأولى * إن في ذلك لعبرة لمن يخشى * ءأنتم أشد خلقا أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها * وأغطش ليلها وأخرج ضحها * والأرض بعد ذلك دحها * أخرج منها ماءها ومرعاها * والجبال أرساها * متاعا لكم ولأنعامكم * فإذا جاءت الطامة الكبرى * يوم يتذكر الإنسان ما سعى * وبرزت الجحيم لمن يرى * فأما من طغى * وءاثر الحياة الدنيا * فإن الجحيم هي المأوى * وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإنه الجنة هي المأوى * يسألونك عن الساعة أيان مرساها * فيم أنت من ذكراها * إلى ربك منتهاها * إنما أنت منذر من يخشاها * كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحها *

 

سورة النازعات

 

1- قوله تعالى : {والنازعات غرقا} : يقسم ربنا الملائكة التي تجذب أرواح الكفار من أجسادهم عند الموت جذباً شديداً ، كما يشد الرامي بالقوس السهم إلى آخر مداه([40]).

 

2- قوله تعالى : {والناشطات نشطا} : ويقسم بالملائكة أن تسل روح المؤمن من جسه بخفة وسهولة([41]) .

 

3- قوله تعالى {والسابحات سبحا} : ويقسم بالملائكة التي تجوب آفاق السماء ، وتنزل إلى الأرض بأمر الله([42]) .

 

4- قوله تعالى : {فالسابقات سبقا} : عطف السابقات على السابحات بالفاء ، ومعنى ذلك : أن السابقات من جنس السابحات ، وهي الملائكة التي يسبق بعضها بعضاً في تدبير أمر الله تعالى([43]) .

 

5- قوله تعالى : {فالمدبرات امرا} : أجمع المفسرون على أنها الملائكة التي تنفذ ما أمر الله به من قضائه([44]) ؛ كالملائكة الموكلون بأعمال العباد ، والموكلون بالنار ، والموكلون بالجنة ، وغرهم .

 

وجواب هذا الأقسام محذوف([45]).  ولما كان موضوع السورة في البعث ، جاز تقدير الجواب ـ "لتبعثن" ، ويكون المعنى  والنازعات لتبعثن ، وهكذا .

 

6-7- قوله تعالى : {يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة} ؛ أي لتبعثن يوم تهتز وتضطرب الأرض بسبب النفخة الأولى التي تتبعها النفخة الثانية ([46]).

 

8- قوله تعالى : {قلوب يومئذ واجفة} ؛ أي : قولب خلق من خلقه يوم تقع هذه الأحداث ، خائفة([47]) .

 

9- قوله تعالى : {أبصارهم خشعة} ؛ أي : أبصار أصحابها ذليلة مما قد نزل بها من الخوف والرعب([48]) .

 

10- قوله تعالى : {يقولون أءنا لمردودون في الحافرة} ؛ أي : يقول أصحاب هذا القلوب الذين أنكروا البعث في الدنيا : أنرجعُ إلى الحياة بعد أن نموت وندفن تحت التراب؟([49]) .

 

11- قوله تعالى : {أءذا كنا عظاما نخرة} ؛ أي : كيف نرجع إلى حالنا الأول ، وقد تحللت أجسامنا وصرنا عظاماً بالية فارغة([50]) .

 

12- قوله تعالى : {قالوا تلك إذا كره خاسرة} ؛ أي : إن الرجعة إلى الحياة بعد الممات رجعة لا خير فيها ، بل فيها غبن لهم ([51]) .

 

13- قوله تعالى : {فإنما هي زجرة وحدة} ؛ أي : إن الأمر لا يحتاج إلى كبير عناء ، بل هي صيحة واحدة لا ثانية لها ينفخها إسرافيل في الصور ، فيقومون من قبورهم أحياء([52]) .

 

14- قوله تعالى : {فإذا هم بالساهرة} ؛ أي : بعد أن يسمعوا الصيحة فإنهم سرعان ما سيكونون على الأرض([53]) .

 

15-16- قوله تعالى : {هل أتاك حديث موسى * إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى} : استفهام للتشويق لخبر موسى بن عمران ، والمعنى : هل جاءك خبر موسى حن كلمه الله نداء في وادي طوى المطهر([54]) .

 

17- قوله تعالى : {أذهب إلى فرعون إنه طغى} ؛ أي : ناداه أن أذهب إلى فرعون مصر، إنه قد تجاوز الحد في العدوان والتكبر([55]) .

 

18- قوله تعالى : {فقل هل لك إلى أن تزكى} ؛ أي : اعرض عليه أن يتطهر من الكفر والتجبر ، فيسلم لله([56]) .

 

19- قوله تعالى : {وأهديك إلى ربك فتخشى} ؛ أي : أدلك وأرشد إلى الطريق الموصول لمن ملكك بربوبيته ، وهو الاستسلام لله ، فيخضع قلبك ويلين ويطيع ، بعد أن كان قاسياً بعيداً عن الخير([57]) .

 

20- قوله تعالى : {فأراه الآية الكبرى} ؛ أي : فأظهر موسى عليه السلام لفرعون العصا واليد علامة واضحة على نبوته وصدقه فيما جاء به([58]) .

 

21- قوله تعالى : {فكذب وعصى} ؛ أي : كانت نتيجة هذه المقابلة وعرض الآية لم يصدقها فرعون ، وخالف من أمره به موسى عليه السلام من الطاعة .

 

22- قوله تعالى : {ثم أدبر يسعى} ؛ أي : ثم أعرض عن الإيمان بما جاء به موسى عليه السلام ومضى في عمل الفساد .

 

23- 24- قوله تعالى : {فحشر فنادى * فقال أنا ربكم الأعلى} ؛ أي : من سعيه بالفساد أنه جمع قومه وأتباعه ، ونادى فيهم قائلاً : أنا ربكم الأعلى ، وفي هذه رد لما جاء به موسى عليه السلام من دعوته لربه ، فزعم أنه رب لقومه .

 

25- قوله تعالى : {فأخذه الله نكال الآخرة والأولى} ؛ أي : فناله الله بعقوبة الدنيا بالغرق، والآخرة بالنار ، على ما فعله في أول أمره وآخره([59]) .

 

26- قوله تعالى : {إن في ذلك لعبرة لمن يخشى } ؛ أي : إن في ما حدث لفرعون موعظة لمن يتعظ ويخاف عقاب الله([60]) .

 

27- قوله تعالى : {ءانتم أشد خلقاً أم السماء بناها } يقول تعالى للمكذبين بالبعث القائلين : {أءذا كنا عظاما نخرة} : أأنتم أيها الناس أصعب في الإيجاد ، أم إيجاد السماء وابتداعها أصعب ؟ ولا شك أن خلق السماء أصعب ، وفي هذه دلالة على وقوع البعث الذي أنكروه .

 

ثم بين كيفية خلقه للسماء بجمل متعاقبة ، فقال : {بناها} ؛ أي : شيدها .

 

28- قوله تعالى ك {رفع سمكها فسوها} بين كيف بناؤها بقوله : {رفع سمكها} ؛ أي جعل ارتفاعها ارتفاعاً عالياً في البناء ، معتدلة الأرجاء ، لا فطور فيها ، ولا تفاوت .

 

29- قوله تعالى : {وأغطش ليلها وأخرج ضحاها} ؛ أي : جعل ليل السماء مظلماً ، وأظهر ضحاها بنور الشمس([61]) .

 

30- قوله تعالى : {والأرض بد ذلك دحاها} ؛ أي : بسط الأرض([62]) بعد خلق السماء وإغطاش ليلها وإخراج ضحاها([63]) .

 

31- قوله تعالى : {أخرج منها ماءها ومرعاها} ؛ أي : أظهر من الأرض ماءها وكلأها من النبات([64]) .

 

32- قوله تعالى : {والجبال أرساها} ؛ أي : ثبت الجبال في الأرض ، فهي مثبتة للأرض، والأرض مثبتة لها([65]) .

 

33- قوله تعالى : {متاعا لكم ولأنعامكم} ؛ أي : ما ذكره من خلق السماء ودحو الأرض وإرساء الجبال منفعة لكم ، تنتفعون به أنتم وأنعامكم مدة من الزمان ، ثم ينتهي هذا الانتفاع .

 

34- قوله تعالى : {فإذا جاءت الطامة الكبرى} ؛ أي : إذا جاءت الساعة([66]) التي تطم (أي : تغمرها بعظيم هولها ، حتى لا يوجد أكبر منها عرفوا سوء عاقبتهم وتكذيبهم بالبعث([67]).

 

35- قوله تعالى : {يوم يتذكر الإنسان ما سعى} : أي : إذا جاءت الطامة ، كان من الإنسان المؤمن والكافر تذكر ما عمله في حياته من خير وشر([68]) .

 

36- قوله تعالى : {وبرزت الجحيم لمن يرى} ؛ أي : جيء بجهنم فأظهرت ، ليراها من يبصر في هذا اليوم ، كما ورد في حديث ابن مسعود : يؤتي بجهنم يومئذ ، لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها([69]) .

 

37- قوله تعالى : {فأما من طغى} : تفصيل في حال الفريقين من أهل السعي من الناس؛ فبدأ بالذي تجاوز الحد في أعماله ، وهو المكذوب بالبعث ؛ لأن السورة في النعي عليه ، وإثبات ما أنكره .

 

38- قوله تعالى : {وءاثر الحياة الدنيا} ؛ أي : قدم الحياة الدنيا بما فيها من الملذات الزائلة عن نعيم الآخرة .

 

39- قوله تعالى : {فإن الجحيم هي المأوى} ؛ أي : مآل هذا المكذب بالبعث ومسكنه النار التي قد تجحمت من شدة الإيقاد .

 

40- قوله تعالى : {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى} ، هذا الفريق الثاني، وهو من امتلأ قلبه بالخوف من قيام أمام ربه ، وكف نفسه عن ما ترغبه من المعاصي([70]) .

 

41- قوله تعالى : {فإن الجنة هي المأوى} هذا جواب أما ، والمعنى : أن الجنة هي مرجع ومستقر من خاف مقام ربه ، ونهى النفس عن الهوى .

 

42- قوله تعالى : {يسألونك عن الساعة أيان مرساها} ؛ أي : يسألك المكذبون بالبعث متى تقع الساعة ؟

 

43- قوله تعالى : {فيم أنت من ذكراها} ؛ في أي شيء أنت من ذكر الساعة والبحث عن وقت وقوعها ؟ ؛ أي ليس هذا من شأنك ، بل شأنك الإعداد لها ، كما قال صلى الله عليه وسلم للسائل عنها : ماذا أعدت بها .

 

44- قوله تعالى : {إلى ربك منتهاها } ؛ أي : إلى ربك مرجع علم وقوعها ، وعلم ما فيها .

 

45- قوله تعالى : {وإنما أن منذر من يخشاها} : هذا بيان لمهمة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهي تخويف الناس وتحذيرهم من الساعة وأهولها ، وخص الخائفين ، منها بالذكر لأنهم المنتفعون بها .

 

46- قوله تعالى : {كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها} ؛ أي : كأن هؤلاء المكذبين بالبعث يوم يعاينون الساعة بأبصارهم ، ولم يمكثوا في هذه الدنيا إلا زمناً يسيراً ، لا يتجاوز قدره آخر النهار ، أو أوله ، والله أعلم .

 

 

 

 

 

سورة عبس

 

آياتها : 42

 

سورة عبس

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

{ عبس وتولى * أن جاءه الأعمى * وما يدريك لعله يزكى * أو يذكر فتنفعه الذكرى * أما من استغنى * فأنت له تصدى * وما عليك إلا يزكى * وأما من جاءك يسعى * وهو يخشى * فأنت عنه تلهى * كلا إنها تذكرة * فمن شاء ذكره * في صحف مكرمة * مرفوعة مطهرة * بأيدي سفرة * كرام بررة * قتل الإنسان ما أكفره * من أي شيء خلقه * من نطفة خلقه فقدره * ثم السبيل يسره * ثم أماته فأقبره * ثم إذا شاء أنشره * كلا لما يقض ما أمره * فلينظر فيها حبا * وعنبا وقصبا * وزيتونا ونخلا * وحدائق غلبا * وفاكهة وأبا * متاعا لكم ولأنعامكم * فإذا جاءت الصاخة * يقوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصاحباته وبنيه * لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه * وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة * ووجوه يومئذ عليها برة * ترهقها فترة * أولئك هم الكفرة الفجرة } .

 

سورة عبس

 

نزلت سورة عبس بشأن عبد الله بن أم مكتوم ، قالت عائشة : أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول : أرشدني ، وعنده من عظماء المشركين . قال : فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ، ويقبل على الآخر ، ويقول : أترى بما أقوله بأساً ؟ فيقول : لا ، ففي هذا أنزلت : {عبس وتولى} .

 

1-2- قوله تعالى : {عبس وتولى * إن جاءه الأعمى} ؛ أي : قطب وجهه وكلح ؛ لأجل أن جاءه الأعمى يسترشد عن الدين ، وأعرض وانشغل عنه بالغني الكافر رجاء أن يسلم([71]) .

 

3- قوله تعالى : {وما يدريك لعله يزكى} ؛ أي : وما يعلمك ، لعل هذا الأعمى الذي عبست في وجهه يتطهر من ذنوبه بموعظتك ، فيسلم؟([72]) ..

 

4- قوله تعالى : {أو يذكر فتنفعه الذكرى} ؛ أي : فإن لم يقع منه تزك ، حصل الاتعاظ بالموعظة ، فتنفعه ولو بعد حين؟([73]) .

 

5-6- قوله تعالى : {أما من استغنى * فأنت له تصدى} ؛ أما من عد نفسه غنياً عنك ، وعن الإيمان بك([74]) ، فأنت تتعرض له .

 

7- قوله تعالى {وما عليك ألا يزكى} ؛ أي : أي شيء سيلحقك إذا لم يسلم هذا الكافر؟([75]) .

 

8-10- قوله تعالى : {وأما من جاء يسعى * وهو يخشى * فأنت عنه تلهى} ؛ أي : أما هذا الأعمى الذي أتى حيث الخطي إليك بنفسه ، وقد وفر في قلبه الخوف من الله ، فأنت تنشغل عنه بهذا الكافر المظنون إسلامه .

 

11- قوله تعالى : {كلا إنها تذكرة} ؛ أي : ما الأمر كما فعلت يا محمد عليه الصلاة والسلام – من أن تعبس في وجه من جاء يسعى . إن هذه الآيات موعظة وتذكرة لمن أراد أن يتذكر .

 

12- قوله تعالى : {فمن شاء ذكره} ؛ أي : فمن أراد من عباد الله – صادقاً في إرادته- أن يتعظ بالقرآن وآياته حصل له الاتعاظ([76]) .

 

13- قوله تعالى : {في صحف مكرمة} ؛ أي : هذا القرآن مكتوب في صحف الملائكة ، وهي صحف شريفة رفيعة القدر([77]) .

 

14- قوله تعالى : {مرفوعة مطهرة} ؛ أي : هي في مكان عال وقدر رفيع ؛ لأنها بأيدي الملائكة ، ولذا فإن الدنس لا يقربها .

 

15- قوله تعالى : {بأيدي سفرة} ؛ أي : هذه الصحف التي كتب بها القرآن بأيدي رسل الله من الملائكة الذين يؤدون عنه وحيه إلى عباده([78]) .

 

16- قوله تعالى : {كرام برره} ؛ أي ك هؤلاء السفرة من الملائكة في مرتبة شريفة عند الله ، حيث خصهم بوحيه([79]) ، وهم كثيرو الخير ، كثيرو الطاعة : {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون}([80]) [التحريم : 6] .

 

17- قوله تعالى : {قتل الإنسان ما أكفره} : هذا دعاء على الإنسان الكافر([81]) بالقتل([82]) ، لشدة كفره بالله([83]) ، ومن لازم ذلك لعنه وطرده من رحمة الله .

 

18- قوله تعالى : {من أي شيء خلقه} : استفهام على سبيل التقرير ، والمعنى : ما أصل خلق هذا الإنسان حتى يستغني عن الإيمان بربه ويكفر ؟ .

 

19- قوله تعالى : {من نطفة خلقه فقدره} : بين الله في هذا أصل الإنسان ، وأن منشأه من ماء قليل هو أصل هذا التناسل البشري ، وأنه قدره بعد ذلك أطواراً في الخلق ، حتى صار جنيناً في بطن أمه .

 

20- قوله تعالى : {ثم السبيل يسره} ؛ أي : ثم بعد هذه الأطوار التي عاشها في بطن أمه، سهل الله له الخروج من هذا البطن([84]) .

 

21- قوله تعالى : {ثم أماته فأقبره} ؛ أي : حكم الله عليه بالموت بعد أن عاش في هذه الحياة ، وأمر بدفنه في باطن الأرض ([85]).

 

22- قوله تعالى : {ثم إذا شاء أنشره} ؛ أي : بعد أن يموت هذا الإنسان ، فإن الله سيبعثه إذا أراد ذلك ، وهو كائن يوم ينفخ في الصور([86]) .

 

23- قوله تعالى : {كلا لما يقض ما أمره} ؛ أي : ليس الأمر على ما يظنه من اشتد كفره من انه أدى حق الله ، بل إنه لم يؤد أوامر الله التي أنزلها على رسوله صلى الله عليه وسلم([87]).

 

24- قوله تعالى : {فلينظر الإنسان إلى طعامه} ؛ أي : فيعتبر هذا الكافر([88]) مستعيناً بما وهبه الله من النظر بعينيه إلى الأحوال التي يمر بها طعامه ، حتى يصل إليه ، فإنه لو اعتبر لترك كفره([89]) .

 

25- قوله تعالى : {أنا صببنا الماء صبا} : هذا البدء بذكر أحوال الطعام ، والمعنى : فلينظر إلى إلقائنا المطر من السماء إلى الأرض بغزارة وقوة([90]) .

 

26- قول تعالى : {ثم شققنا الأرض شقا} ؛ أي : لما أنزلنا هذا المطر على الأرض واستقر بها مدة ، أنبت النبات ، ففتق هذا النبات الأرض وخرج منها .

 

27-29- قوله تعالى : {فأنبتنا فيها حبا * وعنبا وقضبا * وزيتونا ونخلا} ؛ أي : فأنبتنا في هذه الأرض المتشققة : الحبوب ، وكروم العنب ، والعلف([91]) ، والزيتون ، ,النخيل ، وكلها كانت معروفة لهم يستفيدون من شجرها وثمرها .

 

30- قوله تعالى : {وحدائق غلبا} ؛ أي : وبساتين قد أحيط عليها بسور من شجر أو حجر أو غيره ، وهذا البساتين شجرها عظيم الجذع ، ملتف بعضها على بعض لطولها([92]) .

 

31- قوله تعالى : {وفاكهة وأبا} ؛ أي : وأنبتنا بهذا الماء المنصب : فاكهة من ثمار هذه الأشجار يتفكه الناس بأكلها ، وعشباً تأكله أنعامهم في المرعى([93]) .

 

32- قوله تعالى : {متاعاً لكم ولإنعامكم } ؛ أي جعلنا هذا الطعام منفعة لكم ، تنتفعون به أنتم وأنعامكم مدة من الزمان ، ثم ينتهي هذا الانتفاع .

 

33- قوله تعالى : {فإذا جاءت الصاخة} ؛ أي : تنتفعون بهذا المتاع الذي سرعان ما ينتهي ، وذلك بمجيء تلك الصيحة العظيمة التي تصك الآذان بشدة صوتها([94]) .

 

34-36- قوله تعالى : {يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصاحبته وبنيه} ؛ أي : إذا جاءت تلك الصيحة وقع هروب الإنسان من هؤلاء القرابة ، وهم الأخوة والأبوان والزوجة والأبناء .

 

37- قولهم تعالى : {لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه} ؛ أي : يهرب هؤلاء من بعضهم لأن كل منهم حاله التي تشغله من غيره([95]) .

 

38- 39- قوله تعالى : {وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة} ؛ أي : في ذلك اليوم ينقسم الناس إلى فريقين : فريق قد أضاء وجهه واستنار، فهو منبسط منشرح بسبب ما سيلاقيه من النعيم .

 

40-42- قوله تعالى : {ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها فترة * أولئك هم الكفرة الفجرة} ؛ أي : وفريق قد تغبرت وجوههم ، وعلاها السود والظلمة بسبب ما هي صائرة إليه من العذاب ، وهي وجوه الذين ستروا فطرهم بالكفر ، وشقوا ربقة الإيمان بأعمال الفجور، فجمعوا بين فساد الاعتقاد والعمل ، والله أعلم .

 

 

 

سورة التكوير

 

آياتها : 29

 

سورة التكوير

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

إذا الشمس كورت * وإذا النجوم أنكدرت * وإذا الجبال سيرت * وإذا العشار عطلت * وإذا الوحوش حشرت * وإذا البحار سجرت * وإذا النفوس زوجت * وإذا الموؤدة سئلت * بأي ذنب قتلت * وإذا الصحف نشرت * وإذا السماء كشطت * وإذا الجحيم سعرت * وإذا الجنة أزلفت * علمت نفس ما أحضرت * فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس * والليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس * إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين * وما صاحبكم بمجنون * ولقد راءه بالأفق المبين * وما هو على الغيب بضنين * وما هو بقول شيطان رجيم * فأين تذهبون * إن هو إلا ذكر العالمين * لمن شاء منكم أن يستقيم * وما تشاءون إلا أن يشاء رب العالمين .

 

سورة التكوير

 

قال صلى الله عليه وسلم : من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين ، فليقرأ : {إذا الشمس كورت} ، و {إذا السماء انفطرت} ، و {إذا السماء انشقت} .

 

وقد ورد عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن الآيات لست الأولى تكون في آخر الزمان والناس ينظرون إليها ، ولست الأخيرة تكون في يوم القيامة .

 

1- قوله تعالى : {إذا الشمس كورت} ؛ أي : إذا جمع جرم الشمس ، وذهب ضوؤها، فألقيت في النار([96]) .

 

2- قوله تعالى : {وإذا النجوم انكدرت} ؛ أي : وإذا نجوم السماء وقعت وانتثرت ، فتغيرت وطمس ضوؤها([97]) .

 

3- قوله تعالى : {وإذا الجبال سيرت} ؛ أي : وإذا هذه الجبال العظيمة قد أمر الله بتحريكها من مكانها ، فسارت([98]) .

 

4- قوله تعالى : {وإذا العشار عطلت} ؛ أي : وإذا النوق الحوامل التي بلغت الشهر العاشر من حملها ، التي هي أنفس أموالهم ، قد أهملها أهلها وتركوها من هول الموقف([99]) .

 

5- قوله تعالى : {وإذا الوحوش حشرت} ؛ أي : وإذا الحيوانات البرية التي لم تأنس بالإنسان جمعت معه وزال ما بينهما من الاستيحاش بسبب هول الموقف([100]) .

 

6- قوله تعالى : {وإذا البحار سجرت} ؛ أي : وإذا هذه البحار امتلأت بالماء ، ففاضت به ، ثم أوقدت ، فذهب ما فيها من الماء([101]) .

 

7- قوله تعالى([102]) : {وإذا النفوس زوجت} ؛ أي : إذا الأشخاص الذين يعملون أعمالاً متشابهة ، يقرن بينهم ، فيقرن الكافر مع الكافر ، والمؤمن مع المؤمن ، واليهودي مع اليهودي ، والنصراني مع النصراني ، وهكذا([103]) .

 

8-9- قوله تعالى :{وإذا الموءدة سئلت * بأي ذنب قتلت} ؛ أي : وإذا سأل الله البنت المدفونة وهي على قيد الحياة : ما الجريمة التي فعلتيها حتى يدفنك أهلك ، فيقتلونك بهذا الدفن([104])؟ ، وهذا فيه تبكيت لقاتلها ، وتهويل للموقف الذي يسأل فيه المجني عليه ، فما ظنك بما يلاقيه الجاني لهذا الجناية البشعة ؟ .

 

10- قوله تعالى : {وإذا الصحف نشرت} ؛ أي : وإذا ما كتبت به أعمال العباد من الصحف قد فتحت ، ليقرأ كل كتاب أعماله ؛ كقوله تعالى : {أقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} [الإسراء : 14] .

 

11- قوله تعالى : {وذا السماء كشطت} ؛ أي : وإذا نزعت السماء كما ينزع الجلد من الذبيحة([105]) .

 

12- قوله تعالى : {وإذا الجحيم سعرت} ؛ أي : وإذا نار الجحيم أوقدت ، فزاد حرها.

 

13- قوله تعالى : {وإذا الجنة أزلفت} ؛ أي : وإذا الجنة التي أعدت للمتقين ، قربت وأدنيت([106]) .

 

14- قوله تعالى : {علمت نفس ما أحضرت} ؛ أي : إذا وقعت هذه الأحداث ، فإن كل نفس مؤمنة وكافرة تعلم علماً يقيناً بالذي جاءت به من الأعمال لهذا اليوم ؛ كما قال تعالى : {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء نود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا}([107]) [آل عمران : 30] .

 

15- 16- قوله تعالى : {فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس} : لما ذكر الآيات التي تكون في آخر هذا العالم وفي يوم القيامة ، أتبعه بالقسم على القرن([108]) ، فالقسم ربنا([109]) بالنجوم التي تكون مختفية قبل ظهورها بالليل ، الجارية في فلكها ، والداخلة وقت غروبها في النهار إذا طلع ، كما تدخل بقر الوحش والظباء في كناسها ؛ أي : بيتها([110]) .

 

17- قوله تعالى {والليل إذا عسعس} ؛ أي : وأقسم بالليل إذا أقبل أو أدبر([111]) .

 

18- قوله تعالى : {والصبح إذا تنفس} ؛ أي : وأقسم بالصبح إذا بزغ ضوؤه ، وانتشرت نسماته الباردة .

 

19- قوله تعالى : {إنه لقول رسول كريم} هذا جواب القسم ، والمعنى : إن القرآن تبليغ جبريل أشرف الملائكة([112]) .

 

20- قوله تعالى : {ذي قوة عند ذي العرش([113]) مكين} ؛ أي : جبريل صاحب قوة عظيمة ، وهو ذو مكانة ومنزلة عند الله سبحانه ، ولذا خصه بوحيه ، فهو أمين السماء .

 

21- قوله تعالى : {مطاع ثم أمين} ؛ أي : جبريل المؤتمن على الوحي ، الذي لا يخون، يطيعه أهل السموات .

 

22- قوله تعالى : {وما صاحبكم بمجنون} ؛ أي : وما محمد الذي لازمكم أكثر من أربعين عاماً ، فلا تخفى عليكم دقائق أحواله ، ما هو بمخبول ولا بممسوس من الجن كما تزعمون.

 

23- قوله تعالى : {ولقد رءاه بالأفق المبين} ؛ أي ك أقسم أن محمداً رأى جبريل على صورته الملكية في أفق السماء الواضح ، مكان طلوع الشمس أو غروبها ، ولم يكن ذلك رئياً من الجن كما تزعمون .

 

24- قوله تعالى : {وما هو على الغيب بضنين} ؛ أي : ليس محمد صلى الله عليه وسلم ببخيل عليكم([114]) فيما بلغه من الوحي ، فيكتمه عنكم ، أو يأخذ عليه أجراً كما يأخذه الكاهن الذي يأتيه من الجن([115]) .

 

25- قوله تعالى : {وما هو بقول شيطان رجيم} ؛ أي : ليس القرآن من كلام الشيطان الملعون المطرود ، ولكنه كلام الله ووحيه .

 

26- قوله تعالى : {فأين تذهبون} ؛ أي : ما هو المسلك الذي ستسلكونه بعد هذا البيان والإيضاح عن صدق القرآن ؟

 

27- قوله تعالى : {إن هو لا ذكر للعالمين} ؛ أي : ما هذا القرآن الذي ذكرت لكم أحواله إلا موعظة لكم أيها المكلفون من الإنس والجن .

 

28- قول تعالى : {لمن شاء منكم أن يستقيم} ؛ أي : هذا القرآن موعظة لمن صدق في توجهه إلى الله ، وأراد أن يكون مسلماً لله ، مستقيماً على دينه ، وفي هذا دلالة على أن العبد قد يحجب نفسه عن الهداية ؛ كما قال تعالى : {وقد خاب من دساتها} [الشمس : 10] .

 

29- قوله تعالى : {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} ؛ أي : ولا تقع منكم إرادة كائنة ما كانت ، إلا بعد أن يأذن الله بوقوعها ؛ لأنه رب جميع العوالم ، فلا يقع في ملكه إلا ما يشاء([116]) .

 

سورة الانفطار

 

آياتها : 19

 

سورة الانفطار

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

إذا السماء انفطرت * وإذا الكواكب انتثرت * وإذا الحبار فجرت * وإذا القبور بعثرت * علمت نفس ما قدمت وأخرت * يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذي خلقك فسواك فعدلك * في أي صورة ما شاء ركبك * كلا بل تكذبون بالدين * وإن عليكم لحافظين * كراماً كاتبين * يعلمون ما تفعلون * إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم * يصلونها يوم الدين * وما هم عنها بغائبين * وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين * يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله .

 

سورة الانفطار

 

1- قوله تعالى : وإذا السماء انفطرت} ؛ أي : إذا انشقت السماء ، كما قال تعالى:{إذا السماء انشقت} [الانشقاق : 1] ، وغيرها .

 

2- قوله تعالى : {وإذا الكواكب انتثرت} ؛ أي  وإذا كواكب السماء ، وهي نجومها، تساقطت وتفرقت([117]) .

 

3- قوله تعالى : {وإذا البحار فجرت} ؛ أي : وإذا هذه البحار العظيمة قد فتح بعضها على بعض فصارت بحراً واحداً ممتلئا([118]) .

 

4- قوله تعالى : {وإذا القبور بعثرت} ؛ أي : وإذا القبور التي دفن بها الموتى أثيرت وقلبت، فجعل أعلاها أسفلها ، فخرج ما بها([119]) .

 

5- قوله تعالى : {علمت نفس ما قدمت وأخرت} ؛ أي : علمت كل نفس الذي عملته من أعمال الخير والشر ، والذي لم تعلمه منهما([120]) .

 

6- قوله تعالى : {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم } ؛ أي : يا أيها الإنسان الكافر([121])، أي شيء سول لك وجعلك تخالف أمر ربك الذي أوجدك وربك بنعمه ، ولم يعاجلك بعقوبته بكرمه ؟ ، سول لك جهلك ، أو شيطانك([122]) ؟‍‍!

 

7- قوله تعالى : {الذي خلقك فسواك فعدلك} ؛ أي : ربك الكريم : الذي أوجدك من العدم ، فجعل خلقك سوياً قويماً لا خلل فيه ، وجعله متناسباً في الخلق يدان ورجلان وعينان .. إلخ ، وكل في مكانه المناسب له .

 

8- قوله تعالى : {في أي صورة ما شاء ركبك} ؛ أي : جمع خلقك في شكل خاص بك، مائل في الشبه إلى أم أو أب و عم أو خال أو عيرهم([123]) .

 

9- قوله تعالى : {كلا بل تكذبون بادين} هذا خطاب للكفار ، والمعنى : ليس الأمر كما تظنون يا من اغتررتم بجهلكم فكفرتم بربكم ، ولكن أنتم تكذبون بيوم الجزاء والحساب، ولا تصدقون به ، فتعملون له([124]) .

 

10- قوله تعالى : {وإن عليكم لحافظين} ؛ أي : وإن عيكم حفظه من الملائكة يرقبون أعمالكم ويسجلونها عليكم([125]) .

 

11- 12- قوله تعالى : {كراماً كاتبين * يعلمون ما تفعلون} ؛ أي : هؤلاء الحفظة من الملائكة شرفاء أمناء يحفظون بالتدوين والكتابة أعمالكم كلها التي يسر الله لهم أن يطلعوا عليها، فلا يزيدون فيها ، ولا ينقصون .

 

13- قوله تعالى : {إن الإبرار لفي نعيم } ؛ أي : إن الذين اتصفوا بكثرة الطاعات يحيط بهم التنعم الدائم الذي لا يزول ، وهو نعيم الجنة .

 

14- قوله تعالى : {وإن الفجار لفي جحيم} ؛ أي : وإن الذين شقوا ستر الدين بالكفر، وفجروا في أعمالهم ، وكفروا بالبعث ، يحيط بهم عذاب النار ، ويخلدون فيها بسبب كفرهم .

 

15- قوله تعالى : {يصلونها يوم الدين} ؛ أي : يدخلونها فتحرقهم بحرها وتشويهم في ذلك اليوم العظيم : يوم الجزاء والحساب .

 

16- قوله تعالى {وما هم عنها بغائبين} ؛ أي : هم خالدون فيها أبد الآباد([126]) ؛ كما قال تعالى : {وما هم بخرجين من النار} [البقرة : 167] .

 

17-18- قوله تعالى : {وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين} ؛ أي : أي شيء تعلم عن يوم الجزاء والحساب ، ذلك اليوم العظيم([127]) ؟ ، وكرر الاستفهام لتهويل أمر هذا اليوم وتعظيمه([128]) .

 

19- قوله تعالى : {يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله} . هذا بيان لذلك اليوم ؛ أي : ذلك اليوم هو يوم لا يستطيع أن ينفع أحد من البشر غيره ، فبطل كل ملك وأمر، وصار الأمر والإذن كله لله وحده([129]) ، كما قال تعالى : {لمن الملك اليوم لله الواحد القاهر}([130]) [غافر : 16] .

 

 

 

سورة المطففين

 

آياتها : 39

 

سورة المطففين

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون * ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم عظيم * يوم يقوم الناس لرب العالمين * كلا إن كتاب الفجار لفي سجين * وما أدراك ما سجين * كتاب مرقوم * ويل يومئذ للمكذبين * الذين يكذبون بيوم الدين * وما يكذب به إلا كل معتد أثيم * إذا تتلى عليه آياتنا قال أسطير الأولين * كلا بل ران على قبولهم ما كانوا يكسبون * كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون * ثم إنهم لصالوا الجحيم * ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون * كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين * وما أراك ما عليون * كتاب مرقوم * يشهده المقربون * إن الأبرار لفي نعيم * على الأرائك ينظرون * تعرف في وجوهم نضرة النعيم * يسقون من رحيق مختوم * ختمه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون * ومزاجه من تسنيم * عينا يشرب بها المقربون * إن الذين أجرموا كانوا من الذين ءامنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على الأرائك ينظرون * هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون .

 

سورة المطففين

 

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما قدم نبي الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، كانوا من أخبث الناس كيلا ، فأنزل الله : {ويل للمطففين} ، فحسنوا كيلهم .

 

1- قوله تعالى : {ويل للمطففين} : يتوعد الله سبحانه بالهلال والخسارة ، الذين يبخسون حق الناس بأخذ القليل منه : إما بنقص كيل الناس ووزنهم  وإما بزيادتهم كيل أنفسهم ووزنه على حساب الناس .

 

2-3- قوله تعالى : {الذين إذا اكتلوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} : هذا بيان للتطفيف الذي يكون من هؤلاء المطففين ، وذلك أنهم إذا أخذوا كيلهم أو وزنهم من الناس أخذوه تاما غير ناقص ، وذا أعطوا الناس كيلهم أو وزنهم نقصوا منه الشيء القليل ، ظلماً منهم ولؤماً([131]) .

 

4-5- قوله تعالى : {ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم عظيم} ؛ أي : ألا يقع في حس هؤلاء المطففين أنهم سيبعثون يوم القيامة الذي عظم بما يقع فيه من الأهوال ، ويحاسبون على تطفيفهم ؟

 

6- قوله تعالى : {يوم يقوم الناس لرب العالمين} : هذا بيان لليوم العظيم ، وهو يوم قيام الناس أمام ربهم للحساب ، كما قال صلى الله عليه وسلم : يوم يقوم الناس لرب العالمين، "حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنية" .

 

7-9- قوله تعالى : {كلا إن كتب الفجار لفي سجين * وما أدراك ما سجين * كتاب مرقوم} : رد على المطفيين بأن الأمر ليس كما يعتقدون من عدم البعث ، ثم أخبر عن كتاب الذين فجروا في أعمالهم أنه في سفال وخسار في الأرض السفلى([132]) ، ولتهويل أمر هذا الكتاب استفهم على طريقة القرآن في الاستفهام عن سجين ، وبين أن كتابهم قد فرغ منه ، فلا يزاد فيه ولا ينقص منه([133]) ، ولا يزول رقمه كما لا يزال الخيط الذي على الثوب ، والله أعلم .

 

10-11- قوله تعالى : {ويل يومئذ للمكذبين * الذين يكذبون بيوم الدين} ؛ أي : يوم يقوم الناس لرب العالمين فالهلاك والثبور لمن كذب بيوم الجزاء والحساب .

 

12- قوله تعالى : {وما يكذب به إلا كل معتد أثيم} ؛ أي : ما يقع التكذيب بيوم الدين إلا من كل من هو متجاوز لما أحل الله ، مرتكب لما حرم الله .

 

13- قوله تعالى : {إذا تتلى عليه آياتنا قال أسطير الأولين} ؛ أي : من صفة هذا المعتدي الأثيم أنه إذا قرأت عليه آيات القرآن قال عنها : إنها شبه الأقاصيص المكذوبة والمخترعة على السابقين من الأمم .

 

14- قوله تعالى : {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} ؛ أي : ليس الأمر كما يقول هذا المكذب في القرآن ، ويعتقد في ابعث ، ولكن غلب على قلبه وغطاه ما كسبه من الذنوب ، فجعلته لا يبصر الحق ، كما قال صلى الله عليه وسلم : "إذا أذنب العبد نكت في قلبه نكتة سوداء ، فإن تاب ، صقل منها ، فإن عاد ، عادات ، حتى تعظم في قلبه ، فذلك الران الذي يقول الله : {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}([134]) ".

 

15-17- قوله تعالى {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون * ثم إنهم لصالوا الجحيم * ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون} : هذا تكرار للرد على أولئك المكذبين ، وبيان أنهم ممنوعون من رؤية الله سبحانه([135]) ، ثم إنهم سيدخلون النار التي تشويهم بحرها ، ثم تقول لهم ملائكة العذاب: هذا العذاب الذي كنتم لا تصدقون به .

 

18-20- قوله تعالى :{كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين * وما أدراك ما عليون * كتاب مرقوم} ؛ أي : ليس الأمر كما تقولون من تكذيبكم بالجزاء والعذاب ، ثم أخبر عن كتاب الذين أطاعوا ربهم فأكثروا ، وعبدوه فأحسنوا ، أخبر أن كتابهم عال قدرة في السماء السابعة([136])، ولتعظيم أمر هذا الكتاب استفهم عن موضع كتابهم على طريق القرآن في الاستفهام ، فقال : وما أعلمك ما عليون ؟ ، ثم بين أن كتابهم قد فرغ منه ، فلا يزاد فيه ولا ينقص منه ، ولا يزول رقمه كما لا يزول الخيط الذي على الثوب ، والله أعلم .

 

21- قوله تعالى : {يشهده المقربون} ؛ أي : يحضر كتاب هؤلاء الأبرار مقربو كل سماء([137]).

 

22- 24- قوله تعالى : {إن الأبرار لفي نعيم * على الأرائك ينظرون * تعرف في وجوهم نضرة النعيم} ؛ إن الذين بروا باتقاء الله وأداء فراضه لفي تنعم دائم لا يزول ، وذلك في الجنة ، التي يجلسون على سررها المزينة في الغرف([138]) ، ينظرون – وهم عليها – إلى ما آتاهم الله من النعيم ، وأعلى هذا النعيم رؤية الباري جل وعز([139]) . وإذا رأيتهم ، فإنك ترى أثر التنعم على وجوههم بما يظهر عليها من الحسن والبهاء .

 

25- 26- قوله تعالى : {يسقون من رحيق مختوم * ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} ؛ أي : يسقيهم خدمهم من خمر الجنة([140]) الذي قد خلط بالمسك ، وجعل في نهايته([141]) ، فهم يشمونه من أول شربهم إلى آخره وفي طلب هذا التنعم يجب أن يتبارى ويتسابق في الحصول عليه الذين يريدون النعيم الأبدي([142]) .

 

27-28- قوله تعالى : {ومزاجه من تنسيم * عينا يشرب بها المقربون} ؛ أي : وهذا الرحيق المختوم بالمسك يخلط به ماء من عين تسنيم ، التي نزل عليها ماؤها من أعلى الجنة ، فيشربه([143]) المقربون صرفاً غير مخلوط ، ويشربه سائر المؤمنين مخلوطاً بغيره([144]) .

 

29- قوله تعالى : {إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون} ؛ أي : إن الكفار الذين اكتسبوا المآثم ، كانوا في الدنيا يهزأون بالمؤمنين ويضحكون منهم([145]) .

 

30- قوله تعالى :{وإذا مروا بهم يتغامزون} ؛ أي : وإذا مر الكفار بالمؤمنين، أشاروا إليهم : إما باليد ، وإما بالعين ، سخرية واستهزاء([146]) .

 

31- قوله تعالى : {وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين}؛ أي : وإذا عاد هؤلاء الكفار إلى بيوتهم بعد أعمالهم هذه التي عملوها للمؤمنين ، عادوا وهم متلذذون بما فعلوا .

 

34- قوله تعالى : {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يحضكون} ؛ أي : فاليوم الذي هو يوم القيامة يضحك المؤمنون من الكفار لما يرونهم فيه من الخزي ، وهذا مقابل ضحك الكفار عليهم في الدنيا .

 

35- قوله تعالى : {على  الأرائك ينظرون} ؛ أي : هؤلاء المؤمنون جالسون على سرر في مكان مزين لهم ينظرون إلى الكفار وهم يعذبون ، فيسرون بذلك ، ويضحكون من أعداء الله الذي كانوا يضحكون منهم في الدنيا([147]) .

 

36- قوله تعالى :{هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون} ؛ أي : هل جوزي الكفار بهذا العذاب الذي رآه المؤمنون بما فعلوا ؟ ولا شك أنهم قد جوزوا بسوء عملهم ، والله أعلم .

 

سورة الإنشقاق

 

آياتها : 25

 

سورة الانشقاق

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

إذا السماء انشقت * وأذنت لربها وحقت * وإذا الأرض مدت* وألقت ما فيها وتخلت * وأذنت لربها وحقت * يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه * فأما من أوتى كتابه بيمنه * فسوف يحاسب حساباً يسيراً * وينقل إلى أهله مسروراً * وأما من أوتي كتابه وراء ظهره * فسوف يدعوا ثبورا * ويصلى سعيرا * إنه كان في أهله مسرورا * إنه ظن أن لن يحور * بلى إن ربه كان به بصيرا * فلا أقسم بالشفق * والليل وما وسق * والقمر ذا اتسق * لتركبن يسجدون * بل الذين كفروا يكذبون * والله أعلم بما يوعون * فبشرهم بعذاب أليم * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير منون .

 

سورة الانشقاق

 

1-2- قوله تعالى : {إذا السماء انشقت * وأذنت لربها وحقت} ؛ أي : إذا السماء تصدعت وتقطعت ، وسمعت وأطاعت أمر بها في تصدعها([148]) ، وحق لها أن تطيع ، فهي أهل لهذه الطاعة([149]) .

 

3-5- قوله تعالى : {وإذا الأرض مدت * وألقت ما فيها وتخلت * وأذنت لربها وحقت} ؛ أي : وإذا الأرض بسطت يوم القيامة([150]) ، فزيد في سعتها([151]) ، وأخرجت ما في بطنها من الموتى وغيرهم([152]) ، وسمعت وأطاعت أمر ربها في مدها وإخراج ما في بطنها ، وحق لها أن تطيع، فهي لا تعصي أمره([153]) .

 

6- قوله تعالى : {يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه} ؛ أي : إنك تعمل عملاً تلقى الله به ، خيراً كان أم شراً([154]) .

 

7-9- قوله تعالى : {فأما من أوتى كتابه بيمينه * فسوف يحاسب حساباً يسيراً * وينقلب إلى أهله مسروراً} : هذا تفصيل لأهل الكدح ، فمن أعطي صحيفة أعماله بيده اليمنى، فإن الله يعرض عليه ذنوبه ولا يدقق عليه ، فلا يحاسبه بها ، بل يسهل أمره ، ويتجاوز عنه([155]) ، ثم ينصرف بعد هذا الحساب اليسير إلى أهله في الجنة([156]) ، وهو فرح بما أعطي .

 

10-12- قوله تعالى : {وأما من أوتي كتابه وراء ظهره * فسوف يدعوا ثبورا * ويصلي سعيراً} : هذا الفريق الثاني من أهل الكدح ، وهم من يُعطي صحيفة أعماله السيئة بيده الشمال من وراء ظهره([157]) ، فأولئك ينادون بالهلاك على أنفسهم([158]) ، ويدخلون نار جهنم التي أوقدت مرة بعد مرة ، فتشويهم وتحرقهم بحرها([159]) .

 

13-15- قوله تعالى : {إنه كان في أهله مسروراً * إنه ظن أن لن يحور بلى إن ربه كان به بصيراً} ؛ أي : إن هذا الذي أوتي كتابه وراء ظهره كان في أهله في الدنيا([160]) فرحاً لما هو فيه من المعاصي ، وكان يعتقد أنه لن يرجع إلى الحياة بعد الممات([161]) ، ولذا كان يركب المعاصي ولا يبالي ، ولكنه مخطئ في هذا الاعتقاد ، بل سيرجع ويحاسب على أعماله التي كان الله مطلعاً عليها .

 

16-18- قوله تعالى : {فلا أقسم بالشفق * والليل وما وسق * والقمر إذا اتسق} : يقسم الرب سبحانه بحمرة الأفق التي تظهر عند غروب الشمس([162]) ،  ويقسم بالليل وما جمع فيه

 

 

من الخلق وحواهم([163]) ، ويقسم بالقمر إذا تمت استدارته ، واجتمع فصار بدراً ([164]).

 

19- قوله تعالى : {لتركبن طبقاً عن طبق} : هذا جواب القسم ، والمعنى : إنكم أيها الناس ستمرون بأحوال تركبونها حالاً بعد حال ، من ابتداء أمركم بكونكم نطفاً في الأرحام إلى خروجكم من بطون أمهاتكم ، إلى معاينتكم أحوال الدنيا ونكدها ، إلى وصولكم لأحوال الآخرة وهولها ، حتى يدخل كل فريق منزله : الجنة أو النار([165]) .

 

20- قوله تعالى : {فما لهم لا يؤمنون} ؛ أي : لم لا يصدق هؤلاء المشركون بالله، ويقرون بالبعث ، مع ما قد عاينوا من حجج الله بحقيقة توحيده ؟

 

21- قوله تعالى : {وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون } ؛ أي : ولم إذا تلي عليهم كتاب الله لا يخضعون فيسجدون لله تعالى تعظيماً واحتراماً ؟ .

 

22- قوله تعالى : {بل الذين كفروا يكذبون * والله أعلم بما يوعون} ؛ أي : ولكن الذين كفروا من سجيتهم تكذيب ما جاء عن الله تعالى : الذي هو عالم بما تحويه صدورهم وتخفيه من التكذيب بكتاب الله ورسوله ، وغيره .

 

24-25- قوله تعالى : {بشرهم بعذاب أليم * إلا الذي آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون} ؛ أي : فأخبرهم بما سيلقونه بسبب تكذيبهم من العذاب المؤلم ، لكن من تاب منهم فآمن وعمل من الأعمال الصالحات بأداء فرائض الله واجتناب نواهيه ، فإن لهم ثواباً من الله لا ينقص لا يُقطع ، بل هو دائم . والله أعلم .

 

 

 

سورة البروج

 

آياتها : 22

 

سورة البروج

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

ولسماء ذات البروج * واليوم الموعود * وشاهد ومشهود * قتل أصحاب الأخدود * النار ذات الوقود * إذ هم عليها قعود * وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود * وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد * الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شيء شهيد * إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق * إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير * إن بطش ربك لشديد * إنه هو يبدىء ويعيد . وهو الغور الودود * ذو العرش المجيد * فعال لما يريد * هل أتاك حديث الجنود * فرعون وثمود * بل الذين كفروا في تكذيب * والله من وراءهم محيط * بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ .

 

سورة البروج

 

1- قوله تعالى : {والسماء ذات البروج} : يقسم ربنا بالسماء صحابة النجوم ومنازلها([166]).

 

2- قوله تعالى : {واليوم الموعود} : ويقسم ربنا باليوم الذي وعد به عباده للفصل بينهم، وهو يوم القيامة .

 

3- قوله تعالى : {وشاهد ومشهود} : ويقسم ربنا بكل راء مشاهد ومرئي مشاهد، وكل شاهد على أحد ومشهود عليه ؛ كيوم الجمعة شاهد لمن حضره ، وهو مشهود بمن حضره، وكذا يوم عرفة ، أو الرسول صلى الله عليه وسلم شاهد على أمته ، وأمته مشهودة عليها ، وكذا غيرها من الأقوال([167]) .

 

وجواب القسم محذوف ، تقديره : "لتبعثن" بدلالة قوله تعالى : {واليوم الموعود}، وهو اليوم الذي يكذب به الكفار .

 

4-5- قوله تعالى : {قتل أصحاب الأخدود * النار ذات الوقود} : أصحاب الأخدود([168]) هم الذين أمروا بحفر الشقوق الكبيرة في الأرض ، وملئها بالنار ، وإلقاء المؤمنين بها، والمعنى : ليحصل القتل لهؤلاء الكافرين الذين عذبوا المؤمنين بإلقائهم في النار التي تشعل بالحطب وغيره مما توقد به النار .

 

6- قوله تعالى : {إذ هم عليها قعود} ؛ أي : إذ هؤلاء الكفار قعود حول النار، وهم متمكنون منها ، يلقون فيها من شاءوا من المؤمنين .

 

7- قوله تعالى : {وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود} ؛ أي : وهؤلاء الكفار يشهدون على أنفسهم بما فعلوه بالمؤمنين ، بعد أن حضروا تعذيبهم .

 

8-9- قوله تعالى : {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد* الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شيء شهيد} ؛ أي : ما أنكر هؤلاء الكفار على المؤمنين إلا إيمانهم بالله القوي الذي لا يقهر ، والمحمود الذي يكثر منه فعل ما يحمده عليه خلقه . والذي له كل ما في السموات والأرض ملكاً وحكماً ، وهو مطلع على كل شيء لا تخفى عليه منهم خافية، وهو مطلع على فعله هؤلاء الكفار بأوليائه .

 

10- قوله تعالى : {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق} ؛ أي : إن الذين عذبوا المؤمنين بالنار([169]) – من الكفار أو غيرهم ممن اتصف بعداء أولياء الله([170]) – إذا لم يتوبوا إلى الله من فعلهم فيصيروا بهذه التوابة من أولياء([171]) ، فإن الله سيعذبهم بنار جهنم التي تبطق عليهم بظلماتها ، وبنار الحريق التي تحرقهم([172]) .

 

11- قوله تعالى : {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير} ؛ أي : إن الذين أقروا بتوحيد الله من الذين عذبوا بالنار وغيرهم من المؤمنين، وعملوا بطاعة الله : بفعل أوامره واجتناب نواهيه ، لهم بساتين تجري على أرضها البن والعسل والماء ، وذلك النعيم هو الظفر الكبير الذي ينتظرهم في الآخرة .

 

12- قوله تعالى : {إن بطش ربك لشديد} ؛ أي : إن أخذ ربك ما محمد وانتقامه قوي، كما أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : "إن الله ليملي للظالم ، حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ : {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} .

 

13-14- قوله تعالى : {إنه هو يبدئ ويعيد * وهو الغفور الودود} ؛ أي : إن الله ذا البطش الشديد يبدئ العذاب على الكافرين في الدنيا ، ويعيده عليهم في الآخرة([173]) ، وإنه الذي ستر الذنب فلا يعاقب به ، ويحب أولياءه ويحبونه([174]) .

 

15- قوله تعالى : {ذو العرش المجيد} ؛ أي : الله الكريم([175]) الذي له صفات الكمال هو صاحب العرش الذي وسع السموات والأرض([176]) .

 

16- قوله تعالى : {فعال لما يريد} ؛ أي : من كمال هذا الرب المجيد أنه يفعل ما يشاء، متى شاء ، وكيف شاء ، ولا يرده أحد عن شيء ولا يحده ، فمتى شاء ضحك ، ومتى شاء سخط، ومتى شاء أحيا ، ومتى شاء أمات ، وهكذا غيرها من أفعاله .

 

17-18- قوله تعالى : {هل أتاك حديث الجنود * فرعون وثمود} : هذا مثال لأم وقع عليها بطش الله ، والمعنى : قد أتاك فيما أنزل عليك خبر الجموع الكافرة المتجندة لحرب أولياء الله ، وهم فرعون وقومه الذين كذبوا موسى عليه السلام ، وقوم ثمود الذين كذبوا صالحاً عليه السلام ، وهم قد كفروا برسلهم عن علم ، فكان كفرهم كفر جحود .

 

19-20- قوله تعالى : {بل الذين كفروا في تكذيب * والله من وراءهم محيط} ؛ أي : لكن الذين كفروا من قومك ينسبونك إلى الكذب ولا يصدقونك فيما تخبر به من الوحي، والله المطلع عليهم متمكن منهم ، فهم لا يفلتون منه ، ولا يعجزونه ، ولا مكان لهم يؤويهم من عذابه.

 

21-22- قوله تعالى : {بل هو قرءان مجيد * في لوح محفوظ} ؛ أي : لكن هذا الوحي الذي يكذبون به كلام متلو باللسان ، وهو كلام كريم شريف([177]) ؛ لأنه كلام رب العالمين، وهو محفوظ مصون في اللوح المحفوظ ، محفوظ من كل ما يشينه وينقصه([178]) ، فلا تصل إليه يد التخريب([179]) ، والله أعلم .

 

سورة الطارق

 

آياتها : 17

 

سورة الطارق

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

والسماء والطارق * وما إدراك ما الطارق * النجم الثاقب * إن كل نفس لما عليها حافظ * فلينظرا لإنسان مم خلق * خلق من ماء دافق * يخرج من بين الصلب والترائب * إنه على رجعه لقادر * يوم تبلى السرائر * فما له من قوة ولا ناصر * والسماء ذات الرجع * والأرض ذات الصدع * إنه لقول فصل * وما هو بالهزل * إنهم يكيدون كيدا * وأكيد كيدا * فمهل الكافرين أمهلهم رويدا .

 

سورة الطارق

 

1-3- قوله تعالى : {والسماء والطارق * وما أدراك ما الطارق * النجم الثاقب}: يقسم ربنا بالسماء وما يأتي ويطرق فيها ليلاً ، ثم استفهم مشوقاً لهذا الطارق فقال : وما أعلمك ما الطارق ، ثم أجاب عنه بأنه النجوم المتقدة المضيئة في السماء.

 

4- قوله تعالى : {إن كل نفس لما عليها حافظ} : هذا جواب القسم ، والمعنى : لا توجد نفس من نفوس بني آدم إلا عليها حافظ من الملائكة يحفظون عليهم أعمالهم ، ثم يحاسبون عليها بعد البعث .

 

5-6- قوله تعالى : {فلينظر الإنسان مم خلق * خلق من ماء دافق} ؛ أي : فلينظر الكار الذي ينكر البعث ، فلينظر مادة خلقه ، وهي المني النصب ، فالذي خلقه من هذه النطفة الحقيرة قادر على إعادته .

 

7- قوله تعالى : {يخرج من بين الصلب والترائب} ؛ أي : يخرج هذا الماء المنصب من موضع العمود الفقري وأضلاع الصدر التي تضع المرأة القلادة عليها([180]) .

 

8-9- قوله تعالى : {إنه على رجعه لقادر * يوم تبلى السرائر} ؛ أي : إن الله يستطيع أن يرد الإنسان بعد موته ، فيحييه ، وذلك كائن يوم تخبر ضمائر الناس وما يخفونه ، فتظهر هذه المخفيات أمامهم([181]) .

 

10- قوله تعالى : {فما له من قوة ولا ناصر} ؛ أي : في هذا اليوم ليس لهذا الإنسان الكافر من قوة في ذاته يدفع بها عن نفسه ، ولا أحد من الخلق معين له من عذاب الله .

 

11-14- قوله تعالى : {والسماء ذات الرجع * والأرض ذات الصدع * إنه لقول فصل * وما هو بالهزل} : يقسم ربنا بالسماء التي يرجع منها المطر مرة بعد مرة([182]) ، وبالأرض التي تتشقق فيخرج منها النبات([183]) ، أن هذا القرآن الذي أنزله على عباده قول جد ، وهو فرقان

 

يفرق الله به بين الحق والباطل([184]) ، وليس لعباً ولا لهواً من القول .

 

15-16- قوله تعالى : {إنهم يكيدون كيدا * وأكيد كيدا} ؛ أي : إن هؤلاء المكذبين بالبعث والقرآن يدبرون الحيل ويمكرون ، والله يكيدهم كما هم يكيدون ، ولذا ينقلب عليهم كيدهم خسراناً وهلاكاً ، فمن ذا الذي يستطيع حرب الله والكيد له ؟! .

 

17- قوله تعالى : {فمهل الكافرين أمهلم رويدا} ؛ أي : اتركهم ، ولا تتعجل عليهم، واصبر عليهم قليلاً قليلاً ، فإنهم سيلاقون ما أوعدهم الله جزاء لكيدهم ، والله أعلم .

 

سورة الأعلى

 

آياتها : 19

 

سورة الأعلى

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى * والذي أخرج المرعى * فجعله غثاء أحوى * سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى * ونيسرك لليسرى* فذكر إن نفعت الذكرى * سيذكر من يخشى * ويتجنبها الأشقى * الذي يصلى النار الكبرى * ثم لا يمون فيها ولا يحيى * قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى * بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى * إن هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم وموسى .

 

سورة الأعلى

 

 

 

كان صلى الله عليه وسلم يقرأها في صلاة العيد ، وفي صلاة الشفع قبل الوتر ، وفي صلاة الجمعة .

 

1- قوله تعالى : {سبح اسم ربك الأعلى} ؛ أي : نزه ربك الذي علا على خلقه في السماء([185]) ، نزهه ناطقاً باسمه ومتكلماً به عند ذكر إياه ، وتعظيمك له ،وصلاتك له ([186]).

 

2- قوله تعالى : {الذي خلق فسوى} ؛ أي : سبحه لأنه خلق الخلق ، وجعل كل مخلوق مناسباً لما خلقه له ، فهو يقوم بالأعمال التي تناسبه .

 

3- قوله تعالى : {والذي قدر فهدى} ؛ أي : والذي قدر لكل مخلوق مقاديره ، وهداه لإتيان هذه الأقدار ؛ كتقدير الإنسان للشقوة والسعادة ، والبهائم للمراتع ، وغيرها من أنواع

 

التقدير([187]) .

 

4-5- قوله تعالى : {والذي أخرج المرعى * فجعله غثاء أحوى} ؛ أي : والذي أخرج المرعى نباتاً أخضر ، فصيره بعد ذلك هشيماً يابساً متغيراً مائلاً إلى السواد من شدة اليبس([188]) .

 

6-7- قوله تعالى : {سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى} : هذا وعد من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يجعله قارئاً للقرآن حافظاً له ، فلا يقع منه نسيان له([189]) ، إلا ما نسخ الله تلاوته ، ثم أخبره قائلاً : إن الله يعلم ما يقع منك من عمل أظهرته، وعمل كتمته فلم تظهره فهو يعلم جميع أحوالك سرها وعلانيتها .

 

8- قوله تعالى : {ونيسرك لليسرى} : وهذا وعد آخر لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يسهل على عمل الخير الموصل للجنة .

 

9- قوله تعالى : {فذكر إن نفعت الذكرى} : هذا بيان لمهمة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهي تذكر الناس كافة ، فمن آمن كانت هذه الذكرى نافعة له ، وهو المعني بقوله : {سيذكر من يخشى} ، وإن لم يتذكر كانت حجة عليه ، وهو المعني بقوله تعالى : {ويتجنبها الأشقى}([190]) .

 

10- قوله تعالى : {يذكر من يخشى} : هذا بيان للفريقين اللذين يسمعان الذكرى ، فالفريق الأول هو الذي حصلت آثار التذكير في قلبه ، فوقع منه التذكر ، وهو الذي يخاف الله على علم وتعظيم ومحبة له .

 

11-13- قوله تعالى : {ويتجنبها الأشقى * الذي يصلى النار الكبرى * ثم لا يموت فيها ولا يحيى} : وهذا الفريق الثاني الذي يسمع الذكرى ، ولكنه يتباعد عنها ، فلا يقع في قلبه تذكر ، فهو شديد الشقوة ، فلا يسعد بسبب تلك الشقوة التي حصلت له بسبب كفره بالله.

 

وهذا الأشقى سيدخل النار الكبرى التي هي شديدة العذاب والألم ، فتشويه بحرها، ثم هو لا يموت فيستريح من عذابها ، ولا يحيى حياة كريمة لا إهانة فيها ، ومعنى ذلك أنه لا يزول عنه الإحساس ، بل هو باق فيه ، فيذوق به العذاب ، والعياذ بالله .

 

14-15- قوله تعالى : {قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى} أي : حصل الظفر والفوز والنجاح لمن جعل نفسه زاكية بترك السيئات ، وحلاها بالعمل الصالح ، وذكر ربه بقلبه ولسانه ، فأقام الصلاة لله([191]) .

 

16-17- قوله تعالى : {بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى} ؛ أي : ولكنكم أيها الأشقون تختارون زينة الحياة الدنيا على نعيم الآخرة الذي هو أدوم وأعلى من نعيم الدنيا كما وكيفاً ومكاناً وزماناً وهيئة .

 

18-19- قوله تعالى : {إن هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم وموسى} ؛ أي: إن هذه الموعظة التي في قوله تعالى : {قد أفلح من تزكى} وما بعدها ([192]) موجودة في ما أنزله الله من الكتب على نبييه إبراهيم وموسى ، والله أعلم .

 

 

 

سورة الغاشية

 

آياتها : 26

 

سورة الغاشية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

هل أتاك حديث الغاشية * وجوه يومئذ خاشعة * عاملة ناصبة * تصلى ناراً حامية * تسقى من عين ءانية * ليس لهم طعام إلا من ضريع * لا يسمن ولا يغني من جوع * وجوه يومئذ ناعمة * لسعيها راضية * في جنة عالية * لا تسمع فيها لاغية * فيها عين جارية * فيها سرر مرفوعة * وأكواب موضوعة * ونمارق مصفوفة * وزرابي مبثوثة * أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت * فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمصيطر * إلا من تولى وكفر * فيعذبه الله العذاب الأكبر * إن إلينا إيابهم * ثم إن علينا حسابهم .

 

سورة الغاشية

 

ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأها في صورة العيد والجمعة .

 

1- قوله تعالى : {هل أتاك حديث الغاشية} : يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : هل أتاك خبر يوم القيامة التي تخشى الناس بأهوالها وتعظيمهم([193]) ؟.

 

2- قوله تعالى : {وجوه يومئذ خاشعة} ؛ أي : يوم الغاشية تكون وجوه حاضرة له ذليلة في النار([194]) ، وهي وجوه الكفار .

 

3- قوله تعالى : {عاملة ناصبة} ؛ أي ك هذه الوجوه الكافرة عاملة في النار ، تعمل من الأعمال ما به مشقة وتعب ، ومن ذلك جر السلاسل والأغلال وغيرها من أنواع العذاب التي تعملها في النار([195]) .

 

4- قوله تعالى : {تصلى نار حامية} ؛ أي : ترد هذه الوجوه ناراً قد اشتد حرها ، فتشويها بحرها .

 

5- قوله تعالى : {تسقى من عين ءانية} ؛ أي : تسقى ملائكة العذاب هذه الوجوه الكافرة من ماء عين قد بلغت حرارتها أشد ما يكون من الحرارة([196]) .

 

6- قوله تعالى : {ليس لهم طعام إلا من ضريع} ؛ أي : ليس لهذه الوجوه الكافرة في النار طعام يأكلون إلا نباتاً من الشوك ، وهو الشبرق اليابس([197]) .

 

7- قوله تعالى : {لا يسمن ولا يغني من جوع} ؛ أي : هذا الشبرق اليابس الذي يأكلونه في النار لا يسمن آكليه ، ولا يسد رمق جوعهم .

 

8- قوله تعالى : {وجوه يومئذ ناعمة} ؛ أي : ووجوه في يوم الغاشية قد ظهر عليها الحسن والبهاء الذي يكون من أثر النعيم ، وهذه وجوه المؤمنين .

 

9- قوله تعالى : {لسعيها راضية} ؛ أي : لعلها الذي عملته في الدنيا حامدة غير ساخطة، وذلك لما وجدت من الثواب عليه .

 

10-11- قوله تعالى : {في جنة عالية * لا تسمع فيها لاغية} ؛ أي : هذه الوجوه المؤمنة في بساتين مرتفعة ، لا تسمع في هذه الجنة العالية كلمة باطل([198]) ؛ لأن الجنة طيبة ، طيب ما فيها ، وهي دار سلام وأمن دائم .

 

12-16- قوله تعالى : {فيها عين جارية * فيها سرر مرفوعة * وأكواب موضوعة * ونمارق مصفوفة * وزرابي مبثوبة} ؛ أي : في هذه الجنة العالية من جنس عين الماء ، تجري على أرضها من غير أخدود ، وفيها السرر مرتفعة وعالية يجلسون عليها ويضطجعون ، لينظروا ما حولهم من النعيم ، وفيها أواني الشرب معدة عندهم إذا أرادوا أن يشربوا من العين و غيرها، وفيها الوسائد التي قد رص بعضها بجوار بعض([199]) ، وفيها البسط الكثيرة الوفيرة المنتشرة بين يدي المؤمن .

 

17- قوله تعالى : {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} : لما ذكر أهل الشقاء في أول السورة ومآلهم ، ذكر هنا سبب ذلك الشقاء ، وهو إعراضهم عن دلائل التوحيد ، فقال : {فلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} ؛ أي : هؤلاء المنكرون لقدرة الله ، أفلا ينظرون نظر اعتبار وتفكر إلى الإبل التي هو مركوبهم الأول ، ينظرون كيف خلقها الله بما فيها من العظمة والكبر؟ ، وكيف ذللها مع هذا العظم في خلقها ؟ .

 

18-20- قوله تعالى : {وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت} ؛ أي : وينظرون معتبرين إلى هذه السماء العظيمة التي تغطيهم كيف رفعها الله من غير عمد يرونها ؟

 

وإلى هذه الجبال العظيمة التي يتخذونها مأوى لهم ، كيف أقامها الله شامخة عالية ؟

 

وإلى الأرض ، كيف بسطها الله لهم ومهدها لسكنهم وتقلبهم فيها ؟ .

 

21- قوله تعالى : {فذكر إنما أنت مذكر} : هذا بيان لمهمة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي التذكير ، وأن عليه ألا ييأس مما يجده من إعراض هؤلاء المنكرين لقدر الله تعالى توحيده .

 

22- قوله تعالى : {لست عليهم بمصيطر} ؛ أي لست مسلطاً عليهم تحملهم على ما تريد، وتكرههم على الإيمان .

 

23-24- قوله تعالى : {إلا من تولى وكفر * فيعذبه الله العذاب الأكبر} ؛ أي : لكن من أعراض عن التذكر وتركه ، وكفر بالله فلم يؤمن ، فإن الله يعذبه في جنهم ، وهو العذاب الأكبر منه .

 

25-26- قوله تعالى : {إن إلينا إيابهم * ثم إن علينا حسابهم} أي : أن رجوعهم إلى الله ، وإن مجازاتهم على أعمالهم على الله ، فهو يجازيهم بها ، والله أعلم .

 

 

 

سـورة الفجــر

 

آياتها : 30

 

سورة الفجر

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

والفجر * وليال عشر * والشفع والوتر * واليل إذا يسر * هل في ذلك قسم لذي حجر * ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذي الأوتاد * الذين طغا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك لبالمرصاد * فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن * وأما إذا ما ابتلاه فقد عليه رزقه فيقول ربي أهانن * كلا بل لا تكرمون اليتيم * ولا تحضون على طعام المسكين * وتأكلون التراث أكلاً لما * وتحبون المال حبا جما * كلا إذا دكت الأرض دكا دكا * وجاء ربك والملك صفا صفا * وجاىء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى * يقول ياليتني قدمت لحياتي * فيومئذ لا يعذب عذابه أحد * ولا يوثق وثاقه أحد* يأيتها النفس المطمئنة * أرجعي إلى ربك راضية مرضية * فأدخلي في عبادي * وادخلي جنتي .

 

سورة الفجر

 

1- قوله تعالى : {والفجر} : يقسم ربنا بالفجر الذي هو أول النهار([200]) .

 

2- قوله تعالى : {وليال عشر} : ويقسم ربنا بليال عدتها عشر ، وهي ليالي عشر من ذي الحجة([201]) .

 

3- قوله تعالى {والشفع والوتر} : ويقسم ربنا بما هو شفع ، وما هو وتر ؛ كالعاشر من ذي الحجة : يوم النحر ، والتاسع من ذي الحجة : يوم عرفة ([202]).

 

4- قوله تعالى : {والليل إذا يسر} : ويقسم ربنا بالليل إذا ذهب وسار([203]) .

 

5- قوله تعالى : {هل في ذلك قسم لذي حجر} : يقول تعالى : هل فيما أقسمت به من هذه الأمور مقنع لصاحب عقل([204]) ؟ ، والمعنى : إن هذه الأقسام فيها مكتفي لمن له عقل يتدبر ويتفكر ، فيعل عن ربه وأوامره ونواهيه .

 

وجواب القسم محذوف ، وتقديره لتجازن بأعمالكم .

 

6- 8- قوله تعالى : {ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلد} : ألم تنظر يا محمد صلى الله عليه وسلم بعين قبلك إلى ما فعل الله بقبيلة عاد إرم([205]) ذات البيوت التي يقوم بناؤها على الأعمدة ؛ كالخيام أو غيرها([206]) ؟ ، وفي هذا إشارة إلى ارتفاع بنائهم وقوته ، مما يدل على قوتهم ، ولذا قال : التي لم يخلف في بلاد الله التي حولهم مثلهم في القوة والشدة ؛ كما قال الله فيهم : {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة} [الأعراف : 69] ، وقال : {وإذا بطشتم بطشتم جبارين} [الشعراء : 130] .

 

9- قوله تعالى : {وثمود والذين جابوا الصخر بالواد} ؛ أي : وكيف فعل بثمود قوم النبي صالح عليه السلام الذين شقوا الجبال([207]) التي في واديهم فنحتوا منهم البيوت ؟ ؛ كما قال الله عنهم : {وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً ءامنين} [الحجر : 28] .

 

10- قوله تعالى : {وفرعون ذي الأوتاد} ؛ أي : وألم ترك كيف فعل ربك بفرعون مصر صاحب الأوتاد ؟ ، وهي أخشاب أو حديد يثبتها في الأرض ، كان يعذب بها الناس ، أو هي الملاعب التي صنعت له منها([208]) .

 

11-14- قوله تعالى : {الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك لبالمرصاد} ؛ أي : عاد وثمود وفرعون الذين تجاوزوا ما أباح الله، وكفروا به في البلاد التي كانوا يسكنونها . فأكثروا في هذه البلاد المعمورة المعاصي وركوب ما حرم الله . فأنزل الله عليهم عذابه ونقمته . والله يرقب أعمال هؤلاء الكافرين الذين أنزل بهم عقوبته ، وهو بالمرصاد لكل الكافرين فلا يفلت منهم أحد .

 

15-16- قوله تعالى : {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن* وأما إذا ما ابتلاه فقد عليه رزقه فيقول ربي أهنن} : لما ذكر الله أنه واقع العذاب بهذه الأمم الكافرة التي كانت في منعة وقوة ، نبه على اعتقاد خاطئ عند الناس ، وهو أن التوسعة على العبد في الرزق دليل على تكريم الله له ، وأن التضييق عليه في الرزق دليل على غضب الله عليه ، وهذا المفهوم مما يقع فيه الإنسان الكافر([209]) الذي إذا امتحنه ربه المنعم عليه ، فأنعم عليه بالمال، ووسع عليه ، فرح وجعل هذا دليلاً على رضا الله عنه ، ومحبته له ، وأما ما امتحنه فضيق عليه في الإنعام ، وجعله فقيراً ، فإنه يجعل ذلك دليلاً على إذلال الله له ، وعدم محبته له .

 

17-20- قوله تعالى {كلا بل لا تكرمون اليتيم * ولا تحضون على طعام المسكين * وتأكلون التراث أكلا لما * وتحبون المال حبا جما} ؛ أي : ليس الأمر كما يعتقد هذا الكافر في دليل إكرام الله وإهانته([210]) ،  ولكنكم لا تنفعون من مات عنه أبوه وهو دون سن البلوغ ، فتنعمون عليه بإعطائه مما أعطاكم الله ، ولا يحث بعضكم بعضاً على إعطاء الطعام لمن أصابته الفاقة والمسكنة ، وأنتم تأخذون ما يرثه مع ما ترثونه أخذاً بالباطل، فتأكلونه جميعاً([211]) ، وتحرصون على جمع المال وتحبونه حباً كثيراً شديداً .

 

21-23- قوله تعالى {كلا إذا دكت الأرض دكا دكا * وجاء ربك والملك صفا صفا* وجاىء يومئذ بجنهم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى} : ليس الأمر كما تتعاملون به في هذه الأعمال المذكورة ، ثم أخبر عن أسفهم على هذه الأعمال القبيحة إذا دكت الأرض دكا دكا وما بعدها من الأهوال ، فإنه يتذكرون حين لا ينفعهم التذكر ، فقال : {إذا دكت الأرض دكا دكا} ؛ أي : حطمت الأرض وضب بعضها ببعض ، وجاء الرب سبحانه مجيئاً يليق بجلاله وعظمته ، وملائكته في هذا الحال يقفون صفوفاً تعظيماً له ، وجاءت ملائكة العذاب يوم أن دكت الأرض وجاء الرب ، جاءوا بجهنم يجرونها لها سبعون ألف زمام ، لكل زمام سبعون ألف ملك يجرونها ، فعند ذلك يتعظ الإنسان ويتنبه إلى ما كان عليه من الضلال ، ولكن لا ينفعه هذا التذكر والاتعاظ ؛ فكيف تنفعه الذكرى وهي ليست في وقتها ؟ .

 

24- قوله تعالى : {يقول يا ليتني قدمت لحياتي} ؛ أي : لما عاين هذا الإنسان المفرط هذه الأمور ، يقول متمنياً : يا ليتني قدمت عملا صالحاً لحياتي الآخرة الباقية التي لا موت بعدها.

 

25-26- قوله تعالى : {فيومئذ لا يعذب عذابه أحد * ولا يوثق وثاقه أحد} ؛ أي : ففي هذا اليوم لا أحد يعذب في الدنيا كعذاب الله للكافر ، ولا أحد يقيد بالرباط في الدنيا كتقييد الله للكافر([212]) ، وهذا لشدة عذابهم .

 

27- 30- قوله تعالى : {يا أيتها النفس المطمئنة أرجعي إلى ربك راضية مرضية * فأدخلي في عبادي * وادخلي جنتي} ؛ أي : تنادى هذه النفوس التي هدأت وسكنت إلى وعد الله لها([213]) : ............................................................................... ارجعي إلى خالقك([214]) راضية بما قسم الله لك ، مرضيا عنك من الله ، فادخلي في عبادي الصالحين([215]) ؛ كقوله تعالى : {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين} [العنكبوت : 9] وادخلي في جنتي التي وعدتك بها في الآخرة ، والله أعلم .

 

 

 

سورة البلد

 

آياتها : 20

 

سورة البلد

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

لا أقسم بهذا البلد * وأنت حل بهذا البلد * ووالد وما ولد * لقد خلقنا الإنسان في كبد * أيحسب أن لن يقدر عليه أحد * يقول أهلكت مالا لبدا * أيحسب أن لم يره أحد * ألم نجعل له عينين * ولسانا وشفتين * وهديناه النجدين * فلا أقتحم العقبة * وما أدراك ما العقبة * فك رقبة * و إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيماً ذات مقربة * أو مسكيناً ذا متربة * ثم كان من الذين آمنوا وتواصلوا بالصبر وتواصلوا بالمرحمة * أولاءك أصحاب الميمنة * والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة * عليهم نار مؤصدة .

 

سورة البلد

 

1- قوله تعالى : {لا أقسم بهذا البلد} : يقسم ربنا بمكة([216]) .

 

2- قوله تعالى : {وأنت حل بهذا البلد} ؛ أي : وأنت بمكة حلال لك أن تصنع فيها ما تشاء مما هو حرام في غي هذا الوقت الذي أحل لك ، فلا إثم عليك ولا حرج([217]) .

 

3- قوله تعالى : {ووالد وما ولد} : ويقسم ربنا بكل والد وولده([218]) .

 

4- قوله تعالى : {لقد خلقنا الإنسان في كبد} : هذا جواب القسم ، والمعنى : أن الله أوجد الإنسان وأخرجه وهو يكابد أحوال الدنيا ومشقاتها ومصاعبها ، فهو يخرج من تعب فيها إلى تعب ، كما قال تعالى : {لتركبن طبقا على طبق} [الانشقاق : 19] على أحد التفسيرات فيها([219]).

 

5- قوله تعالى : {أيحسب أن لن يقدر عليه أحد} ؛ أي : أيظن هذا الإنسان الكافر المخلوق في كبد أنه لا أحد يقهره ويغلبه ؟!

 

6- قوله تعالى : {يقول أهلكت مالا لبدا} ؛ أي : يقول هذا الكافر المغتر بقوته : أنفقت مالاً متراكماً بعضه على بعض من كثرته ، وهو إنما أهلكه في الباطل ، فيفتخر بذلك .

 

7- قوله تعالى : {أيحسب أن لم يره أحد} ؛ أي : أيظن هذا الكافر أن الله لم يطلع عليه، وهو ينفق ماله في الباطل ؟!

 

8-10- قوله تعالى : {ألم نجعل له عينين * ولسان وشفتين * وهديناه النجدين} : يقول الله : ألم نجعل لهذا الإنسان عينين يبصر بهما ، ولساناً وشفتين ينطق بهما ويعبر عما يريد ، وأرشدناه وبينا له طريق الخير والشر ؟ ، كما قال تعالى : {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلته سمعياً بصيراً} [الإنسان : 2] ([220]) .

 

11-12- قوله تعالى : {فلا اقتحم العقبة * وما أدراك ما العقبة} ؛ أي : أفلا دخل في هذا الطريق الصعب ؟ ، وما أعلمك عن هذا الطريق ؟ ، إنه القيام بهذه الأعمال الصالحة المذكورة بعد هذه الآية ، وهذه الجملة متصلة بقوله تعالى : {وهديناه النجدين} ، والمعنى : هديناه إلى الطريقين ، فلم يسلك طريق الخير بالدخول في هذه الأعمال الصالحة الشاقة على النفس من فك الرقبة ، وما بعدها .

 

13-16- قوله تعالى : {فك رقبة * أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيما ذا مقربة * أو مسكينا ذا متربة} : هذا بيان للعقبة التي تقتحم ، وهي هذه الأعمال الصالحة الشاقة على النفس([221])، وهي : عتق المسلم من الرق ، وتقديم الطعام للقريب الذي فقد أباه وهو دون سن البلوغ ، وللمحتاج الذي لصق بالأرض من شدة الفاقة([222]) ، تقديمه في اليوم شديد المجاعة([223]) لهؤلاء المحتاجين .

 

17-18- قوله تعالى : {ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحة * أولاءك أصحاب الميمنة} : أي : ثم كان هذا المقتحم قبل أن يقتحم العقبة من المؤمنين الذين آمنوا بالله ، وأوصى بعضهم بعضاً بالصبر على الطاعات وأقدار الله ، والصبر عن المعاصي ، وأوصى بعضهم بعضاً بالتراحم فيما بينهم ([224]) ، فمن تحققت فيه هذه الأوصاف فهم أصحاب اليمين : أهل الجنة .

 

19-20- قوله تعالى : {والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة * عليهم نار موصده} ؛ أي : والذين كفروا بأدلتنا من الكتب والرسل هم أصحاب الشؤم وأهل الشمال، وهم أهل النار التي هي مطبقة عليهم يوم القيامة([225]) .

 

سورة الشمس

 

آياتها : 15

 

سورة الشمس

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

والشمس وضحها * والقمر إذا تلاها * والنهار إذا جلاها * والليل إذا يغشها * والسماء وما بناها * والأرض وما طحاها * ونفس وما سواها * فألهما فجورها وتقواها * وقد أفلح من زكاها* وقد خاب من دساها * كذبت ثمود بطغواها * إذا أنبعث أشقاها * فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقيها * فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها * ولا يخاف عقباها .

 

سورة الشمس

 

1- قوله تعالى : {والشمس وضحاها} : يقسم ربنا بالشمس وبضوئها الذي يكون أول النهار([226]) .

 

2- قوله تعالى : {والقمر إذا تلاها} : ويقسم ربنا بالقمر إذا تبع الشمس بخروجه([227]).

 

3- قوله تعالى : {والنهار إذا جلاها} : ويقسم ربنا بالنهار إذا أظهر الشمس وضوءها([228]).

 

4- قوله تعالى : {والليل إذا يغشها} : ويقسم ربنا بالليل إذا يغطي الشمس حتى تغيب، فتظلم الآفاق([229]) .

 

5- قوله تعالى : {والسماء وما بناها} : ويقسم ربنا بالسماء وبمن بناها ، أو وببنائها([230]).

 

6- قوله تعالى : {والأرض وما طحاها} : ويقسم ربنا بالأرض وبمن بسطها أو ببسطها([231]).

 

7- قوله تعالى : {ونفس وما سواها} : ويقسم ربنا بنفس الإنسان التي خلقها ، وبمن خلقها سوية ، معتدلة غر متفاوتة ، أو بتسويتها .

 

8- قوله تعالى : {فألهمها فجورها وتقواها} ؛ أي : خلق النفس مستوية ، فألقى فيها علماً من غير تعليم ، ألقى فيها ما ينبغي لها أن تأتي من خير وتدع من شر([232]) .

 

9-10- قوله تعالى : {قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها} : هذا جواب الأقسام الماضية([233]) ، والمعنى : قد نال الظفر والفوز من طهر نفسه من المعاصي ، وأصلحها بالأعمال الصالحة([234]) ، وقد حسر وفاته الفوز من دس نفسه فأخفاها وأخملها بفعل المعاصي ،

وترك الطاعات([235]) .

 

11- قوله تعالى : {كذبت ثمود بطغواها} هذا مثال لقوم خابوا بتدسيتهم أنفسهم ، وهو ثمود قوم صالح عليه السلام ، الذين بان لهم الحق وظهور كظهور الشمس المقسم بها في أول السورة ، والمعنى : كذبت ثمود نبيه صالحاً عليه السلام بسبب تجاوزها الحد فيما أحل الله ، وارتكابها ما حرم الله([236]) .

 

12- قوله تعالى : {إذا انبعث أشقاها} ؛ أي : الوقت الذي ظهر فيه شدة طغيان ثمود هو وقت انتداب أشقى ثمود لقتل الناقة ، وأشقاها هو قدار بن سالف([237]) .

 

13- قوله تعالى : {فقال لهم رسول الله ناقة اله وسقياها} ؛ أي : فقال لهم نبيهم صالح عليه السلام : احذروا ناقة الله ، اخذروا سقيا الناقة الذي اتفقت معكم على أن يكون لها يوم تشرب فيه من الماء ، ولكم شرب يوم آخر ، احذروا أن تعدوا عليهما([238]) .

 

14-15- قوله تعالى : {فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها * ولا يخاف عقباها} ؛ أي : فكذبت ثمود صالحاً عليه السلام في أمر الناقة ، ولم يصدقوه ، ولم يأخذوا بتحذيره ، فقتل أشقاها الناقة ، ورضوا بذلك فكانوا مشاركين له في القتل([239]) ، فأطبق الله عليهم عذابه ، وهو الصيحة والرجفة التي أهلكوا بها ، وذلك بسبب ما فعلوه من تكذيب صالح عليه السلام وعقر الناقة ، فجعل هذه الدمدمة نازلة عليهم على السواء ، فلم يفلت منهم أحد([240]) . ولا يخاف الله عاقبة تعذيبه لهؤلاء من أن يسأله أحد عن فعله ، فهو الفعال لما يريد ن لا يسأل عما يفعل ، وهم يسألون([241]) ، والله أعلم .

 

 

 

سـورة الليـل

 

آياتها : 21

 

سورة الليل

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

والليل إذا يغشى * وانهار إذا تجلى * وما خلق الذكر والأنثى * إن سعيكم لشتى * فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى * وما يغني عنه ماله إذا تردى * إن علينا للهدى * وإن لنا للآخرة والأولى * فأنذرتكم نار تلظى * لا يصلاها إلا الأشقى * الذي كذب وتولى * وسيجنبها الأتقى * الذي يؤتى ماله يتزكى * وما لأحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى * ولسوف يرضى.

 

سورة الليل

 

1-2- قوله تعالى : {والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى} : يقسم ربنا بالليل إذا غطى النهار بظلامه ، وبالنهار إذا هو أضاء فأنار الأرض ، وظهر للأبصار .

 

3- قوله تعالى : {وما خلق الذكر والأنثى} : ويقسم ربنا بمن خلق الذكر والأنثى ، أو يخلق الذكر والأنثى([242]) .

 

4- قوله تعالى : {إن سعيكم لشتى} : هذا جواب الأقسام الماضية([243]) ، والمعنى : إن عملكم الذي تعملونه لمختلف ، فمنكم من يعمل بالطاعة ، ومنكم من يعمل بالمعصية .

 

5-7- قوله تعالى : {فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى} : هذا تفصيل لأهل السعي وسعيهم ، والصنف الأول : من أنفق من ماله في سبيل الله ، وتجنب محارم الله فلم يواقعها([244]) ، وصدق بموعد الله من الخلف عن المنفق ماله في سبيل الله([245]) ، وبالجنة التي هي الموعد الأكبر للمنفق ، فإن الله ييسر له العمل بما يرضاه الله ، ليصل به إلى الجنة .

 

8-11- قوله تعالى : {وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى* وما يغني عنه ماله إذا تردى} : هذا الصنف الثاني من أهل السعي ، وهم من لم ينفق ماله في سبيل الله ، بل قبضه وبخل به ، واستغنى بنفسه وماله عن ربه وعبادته([246]) ،ولم يصدق بموعد الله من الخلف من الله ، ولا بالجنة([247]) ، فهذا يسهل الله له عمل الشر والوقوع فيه ، جزاء له على استغنائه عن ربه ، وعدم إنفاق ماله في الخير ، وتكذيبه بالحسنى([248]) ، فمن كان من هذا الصنف ، فإن الذي بخل به ، ولم ينفقه في سبيل الله ، لن يفيده إذا سقط وهوى في جنهم([249]) .

 

12-13- قوله تعالى : {إن علينا للهدى * وإن لنا للآخرة والأولى} ؛ أي : أن على الله ابيان : بيان الحق من الباطل ، والطاعة من المعصية([250]) ، وإن الحياة الدنيا والحياة الآخرة وما فيهما ملك لله ، يعطي من يشاء ويحرم من يشاء ، ومن ذلك أنه وفق من أحب لطاعته  وخذل من أبغض بمعصيته([251]) .

 

14-16- قوله تعالى : {فأنذرتكم ناراً تلظى * لا يصلاها إلى الأشقى * الذي كذب وتولى} ؛ أي : فحذرتكم أيها الناس النار التي تتوهج وتلتهب من شدة إيقادها ، تلك النار التي لا يدخلها ويشوى فيها إلا الذي شقي في حياته فكذب بما جاء عنه ربه ، وأعرض عنه فلم    يؤمن به .

 

17-21- قول تعالى : {وسيجانبها الأتقى * الذي يؤتى ماله يتزكى * وما لأحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى * ولسوف يرضى} ؛ أي : وسيبعد عن هذه النار الذي بلغ الكمال في التقوى ، الذي من صفته أنه يُعطى ماله في الدنيا المحتاجين ، وينفقه في سبيل الله  لأجل أن يتطهر بإعطائه هذا المال من الذنوب ، وما أعطى هؤلاء المحتاجين لأن بينه وبينهم منفعة أعطاه إياهم من أجلها ، ولكن أعطاه إياهم لأجل أن يرضى عنه ربه العالي على خلقه ، ولسوف يرضى هذا المعطي بما سيخلفه الله عليه في الآخرة من الثواب([252]) .

 

 

 

سـورة الضحـى

 

آياتها : 11

 

سورة الضحى

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى * وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى * ألم يجدك يتيما فأوى * ووجدك ضالا فهدى * ووجدك عائلا فأغنى * فأما اليتيم فلا تقهر * وأما السائل فلا تنهر * وأما بنعمة ربك فحدث .

 

سورة الضحى

 

ثبت في الصحيحين عن جندب بن عبد الله البجلي ، قال : دميت أصبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاشتكى، فلم يقم ليلتين أو ثلاثاً ، فجاءت امرأة – وهي أم جميل بنت حرب ، زوج أبي لهب - ، فقالت : يا محمد ، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك ، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث ، فأنزل الله : {والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى} ، وحكي غير هذا السبب ، وكلها في تأخر نزول الوحي عنه صلى الله عليه وسلم ، وادعاء المشركين أن ربه قد تركه وقلاه .

 

1-2- قوله تعالى : {والضحى * والليل إذا سجى} : يقسم ربنا بأول ساعات النهار، وهو الضحى([253]) ، وبالليل إذا أقبل بظلامه وسكن([254]) .

 

3- قوله تعالى : {ما ودعك ربك وما قلى} : هذا جواب القسم ، والمعنى : ما تركك ربك يا محمد صلى الله عليه وسلم وما أبغضك .

 

4- قوله تعالى : {وللآخرة خير لك من الأولى} : يقسم ربنا لنبيه صلى الله عليه وسلم أن الدار الآخرة بما أعده الله له فيها خير له من الدنيا وما فيها ، وهذه بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم فيها تأكيد عدم ترك الله وبغضه له ، فلا يحزن مما يقع له .

 

5- قوله تعالى : {ولسوف يعطيك ربك فترضى} : ويقسم له مؤكداً بأنه سيعطيه وينعم عليه كل ما يرجوه من خير له ولأمته حتى يرضى بهذا العطاء([255]) .

 

6-8- قوله تعالى : {ألم يجدك يتيما فأوى * ووجدك ضالا فهدى * ووجدك عائلا فأغنى} : يمتن الله على نبيه صلى الله عليه وسلم معدداً عليه شيئاً من نعمه ، وهي أنه كان يتيماً قد فقد أباه في الصغر ، فجعل له مكاناً يرجع إليه ويسكن فيه ، وكان ذلك برعاية جده وعمه له. ووجدك ضالاً عن معرفة الدين ، فهداك إليه ؛ كما قال تعالى : {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتب ولا الإيمان} [الشورى : 52]ُ . ووجدك فقيراً فأعناك .

 

9-11- قوله تعالى : {فأما اليتيم فلا تقهر * وأما السائل فلا تنهر * وأما بنعمة ربك فحدث} : يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : فإذا علمت نعمتي عليك في هذا فاشكرها بأن لا تغلب من فقد أباه ، وهو دون سن البلوغ ، ولا تذله بأي نوع من أنواع الإذلال ، فتظلمه بذلك . وأن لا تزجر الذي يسأل عن دينه ، أو يسألك النفقة من الفقراء . وأن تخبر الناس على سبيل الشكر لله بما أنعم عليك من نعمه ؛ كنعمة القرآن ، أو النبوة ، أو غيرها ، والله أعلم .

 

 

 

سـورة الشـرح

 

آياتها : 8

 

سورة الشرح

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك * ورفعنا لك ذكرك * فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا * فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فأرغب .

 

سورة الشرح

 

1- قوله تعالى : {ألم نشرح لك صدرك} : يقول الله ممتناً على نبيه صلى الله عليه وسلم لقد وسعت لك صدرك ، فجعلته منبسطاً راضياً ، وجعلته محلا لوحيي ، ومتحملاً لأعباء حمله وتبليغه للناس ، ومتحملاً أخلاقهم ، وغير ذلك مما يدل على سعة الصدر وعدم ضيقه([256]) .

 

2-4- قوله تعالى : {ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك * ورفعنا لك ذكرك} : ويمتن عليه بأنه قد حط عنه الإثم([257]) الذي أتبعه وصار ثقيلاً عليه كأنه يحمله على ظهره . وأنه قد جعل له الثناء الحسن ، فصار لا يذكر إلا بخير ، ومن أعظم ذلك أنه قرن ذكره بذكر الله ؛ كما في الشهادتين([258]) .

 

5-6- قوله تعالى :{فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا} ؛ أي : فإذا علمت هذا([259]) ، فاعلم أنه يعقب الشدة فرج ومخرج ، ثم أكد هذا بتكرار الجملة ؛ للدلالة على أن اليسر يلحق العسر ويغلبه([260]) .

 

7-8- قوله تعالى : {فإذا فرغت فأنصب * وإلى ربك فأرغب} ؛ أي : لما تقرر ما وهب الله لك ، فإن عليك إذا فرغت من عمل أن تنصب في عمل آخر من أعمال الخير([261]) ، وهذا المعنى كالمعنى في قوله تعالى : {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} [الحجر : 99] . وأن تكون أي رغبة لك – وهي طلب حصول ما هو محبوب – مطلوبة من الله لا من غيره ، والله أعلم .

 

سـورة التيــن

 

آياتها : 8

 

سورة التين

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

والتين والزيتون * وطور سنين * وهذا البلد الأمين * لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون * فما يكذبك بعد بالدين * أليس الله بأحكم الحاكمين .

 

سورة التين

 

1-3- قوله تعالى : {والتين والزيتون * وطور سنين * وهذا البلد الأمين} : يقسم ربنا بشجرتي التين والزيتون ، وفيه إشارة إلى مكان نباتهما ، وهو الشام موطن كثير من أنبياء بني إسرائيل([262]) ؛ كعيسى ابن مريم  ويقسم بجل سيناء الذي كلم .........................

 

موسى([263]) ، ومنها ومنه أرساله إلى فرعون . ويقسم بمكة التي جعلها آمنة ، وأمن من فيها([264]) .

 

4-5- قوله تعالى : {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين} : هذا جواب القسم([265]) ، والمعنى : لقد خلقنا الإنسان في أعدل خلق وأحسن صورة([266]) . ولكنه أن لم يشكر هذه النعمة ، فأفسد فطرته ، ودس نفسه ، فإن الله سيرده إلى النار التي تغير هذا التقويم الحسن الذي خلقه الله عليه([267]) .

 

6- قوله تعالى : {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون} ؛ أي : إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، الذين شكروا الله على هذا التقويم الحسن بعبادته ، فإنهم لا يردون إلى أسفل سافلين : النار([268]) ، بل هم أجر غير منقوص ، ...............................

 

...........................................................................................

 

ولا محسوب ، ولا منقطع([269]) .

 

7- قوله تعالى : {فما يكذبك بعد بالدين} ؛ أي : فأي شيء يجعلك أيها الإنسان بعد هذا البيان لا تصدق بيوم ا لحساب([270]) ، وقد وضحت دلائل صدقة ؟ أو من يكذبك يا محمد صلى الله عليه وسلم بعد هذا البيان بيوم الحساب([271]) ؟ .

 

8- قوله تعالى : {أليس الله بأحكم الحاكمين} ؛ أي : أليس الله العالم بعباده بأحكم من فصل بين عباده وقضى بينهم ، فلا يظلمهم ، ولا يجور عليهم([272]) ؟ ، والله أعلم .

 

سورة العلق

 

آياتها : 19

 

سـورة العلـق

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * أقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم * كلا إن الإنسان ليطغى * إن راءه استغنى * إن إلى ربك الرجعى * أرءيت الذي ينهى * عبداً إذا صلى * أرءيت إن كان على الهدى * أو أمر بالتقوى * أرءيت إن كذب وتولى * ألم يعلم بأن الله يرى * كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية * ناصية كاذبة خاطئة * فليدع نادية * سندع الزبانية * كلا لا تعطه واسجد واقترب .

 

سورة العلق

 

آياتها الخمس الأولى أول ما نزل من القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم وكان ذلك في غار حراء .

 

1-5- قوله تعالى : {اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقم * علم الإنسان ما لم يعلم} : يأمر بنا تبارك وتعالى نبيه الأمي صلى الله عليه وسلم أن يتلو ما أنزله عليه ، وهي هذه الآيات ، فيقول له : اقرأ مستعيناً ومستفتحاً باسم ربك الذي خلق كل شيء .

 

ثم بين أصل خلق الإنسان فقال : خلق الإنسان من الدم المتجمد العالق بالرحم ، ثم كرر الأمر بالقراءة اهتماماً بها ، فقال : اقرأ وربك المتصف بكمال الكرم ، ومن كرمه أن علم الإنسان الكتابة بالقلم ، فحفظ به علومه ، ومن كرمه أنه علم الإنسان علوما كان يجهلها.

 

6-8- قوله تعالى : {كلا إن الإنسان ليطغى * إن راءه استغنى * إن إلى ربك الرجعى}؛ أي : ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان ، أن ينعم عليه ربه بتسوية خلقه وتعليمه ما لا يعلم ، ثم يكفر ويطغى([273]) .

 

إن الإنسان الكفار ليتجاوز الحد ، ويعصي ربه ؛ لأجل أنه رأى في نفسه الغنى بما أنعم الله عليه ، فاستغنى عن ربه ، ولما كان منه ذلك ، هدده الله بأن مرده ومصيره إليه ، فليس له عن ربه مفر ولا ملجأ .

 

9-10- قوله تعالى : {أرءيت الذي ينهى *عبداً إلى إذا صلى} : نزلت هذه الآيات في أبي جهل لما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في المسجد الحرام وحلف ليطأن رقبته، وهو يصلي([274]) ، فقال تعالى : أعلمت أيها المخاطب عن خبر الذي ينهى محمداً صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في المسجد الحرام ، ألم يعلم بأن الله يراه ، فيخاف سطوته وعقابه ؟.

 

11-12- قوله تعالى : {أرءيت إن كان على الهدى * أو أمر بالتقوى} ؛ أي ك أريت أيها المخاطب إن كان محمداً على الاستقامة والسداد في أمر صلاته ؟ ، أو كان أمراً باتقاء الله ، والخوف منه ؟ ، أيصح أن ينهى عن ذلك ؟! .

 

والواقع أن هذا الكافر ينهاه ، وهذا تعجيب من حاله ، إذ كيف ينهى من كان بهذه الصفة من الهدى والأمر بالتقوى ؟!.

 

13- 14- قوله تعالى : {أرءيت إن كذب وتولى * ألم يعلم بأن الله يرى} ؛ أي : أرأيت أيها المخاطب إن كان هذا الناهي مكذباً بالله ، ومعرضاً عنه ؟ ، أيعمل هذه الأعمال ، ولم يوقن بأن الله مطلع عليه ، بصير به ، ويعلم جميع أحواله ؟! .

 

15-16- قوله تعالى : {كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية * ناصية كاذبة خاطئة} ؛ أي : ليس الأمر كما قال وفعل هذا الناهي ، فإنه لا يقدر على إنفاذ ما أراد ، ثم يقسم ربنا على أن هذا العبد الناهي إن لم يترك أعماله هذه وينتهي عنها ليأخذنه مجذوباً من مقدمة رأسه ، وهذه الناصية – والمراد بها صحابها – يصدر عنها الخطأ والذنب ، والكذب في القول .

 

17-18- قوله تعالى : {فليدع نادية * سندع الزبانية} : لما نهى أبو جهل النبي صلى الله عليه وسلم ، انتهره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو جهل : "علام يتهددني محمد، وأنا أكثر أهل الودي نادياً}([275]) ، فقال الله : فليدع أبو جهل أهل مجلسه الذين ينتصر بهم ، فإنه إن فعل ، فإننا سندعو لهم ملائكة العذاب ، الذي يدفعونهم إلى العذاب دفعا شديداً .

 

19- قوله تعالى : {كلا لا تطعه واسجد واقترب} ؛ أي : ليس الأمر كما يظن أبو جهل فيما قال من اعتزازه بكثرة ناصريه ، فلا تسمع له ولا تخف منه في نهيه إياك عن الصلاة، بل استجد لله ، وتقرب إليه بكثيرة الصلاة له([276]) ، والله أعلم .

 

ســورة القــدر

 

آياتها : 5

 

سورة القدر

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

إن أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر * تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر * سلام هي حتى مطلع الفجر .

 

سورة القدر

 

1-3- قوله تعالى : {إنا أنزلناه في لليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر} : يخبر ربنا أنه أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا([277]) في ليلة عظيمة مباركة من ليالي شهر رمضان ، وهي ليلة القدر التي تقدر فيها مقادير السنة القادمة([278]) .

 

ثم استفهم على طريق التفخيم والتعظيم لهذه الليلة ، فقال : وما أشعرك وأعلمك ما ليلة القدر هذه ؟ ، ثم أخبر عن فضلها وعظمها بأنها تعدل عمل ألف شهر لمن قامها إيماناً واحتسابا([279]).

 

4-5- قوله تعالى {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر * سلام هي حتى مطلع الفجر} : هذا من بيان فضل تلك الليلة ، وهو أن أهل السماء من الملائكة ، ومعهم الروح، وهو جبريل على المشهور ، ينزل منهم من إذن الله له بالنزول إلى الأرض في هذه الليلة، ومعهم ما أمر الله به من قضائه في هذه السنة : من رزق ، وأجل ، وولادة ، وغيرها ، وهذه الليلة هي خير كلها ، فهي سالمة من الشر كله من أولها إلى طلوع الصبح([280]) . والله أعلم .

 

سورة البينة

 

آياتها : 8

سورة البينة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة * رسول من الله يتلوا صحفاً مطهرة * فيها كتب قيمة * وما تفرق الذين أتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة * وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين ا لقيمة * إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية * أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية * جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه .

 

سورة البينة

 

1-3- قوله تعالى : {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة* رسول من الله يتلوا صحفاً مطهرة * فيها كتب قيمة} : يقول الله تعالى : لم يكن هذان الصنفان من الذين كفروا ، وهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، ومشركو العرب منفصلين عن كفرهم وتاركيه([281]) حتى تأتيهم العلامة الواضحة من الله ، وهي إرسال الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم الذي يقرأ عن ظهر قلب ما في الصحف المطهرة من المكتوب المستقيم فيها الذي لا خطأ فيه ، وهو القرآن .

 

وهذا حكاية لحالهم في ذلك الزمان ؛ لأنهم كانوا ينتظرون بعث نبي آخر الزمان ، ولكنهم لما بعث افترقوا فيه ، كما سيأتي في قوله تعالى : {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} .

 

4- قوله تعالى : {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} ؛ أي : لم يتفرق أهل الكتاب([282]) في أمر النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن جاءهم وبعث إليهم ، وهم قد عرفوه ، كما قال تعالى : {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} [البقرة : 89] ، فكروا به جحوداً، وآمن به بعضهم ، وقد كانوا قبل أن يبعث غير متفرقين يه ، فهم يعرفون صفته .

 

5- قوله تعالى : {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} ؛ أي : وما أمر الله اليهود والنصارى في القرآن إلا بما هو في كتبهم : من عبادة الله وحده والميل عن الشرك ، وإقامة الصلاة ، وإخراج زكاة أموالهم ، وذلك المأمور به هو الدين المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ، وذلك مما يدل على صدق هذا الرسول المرسل إليهم .

 

6- قوله تعالى :{إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية} ؛ أي : إن هذين الفريقين من الذين كفروا فيجحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم سيدخلون نار جهنم ويمكثون فيها أبد الآباد ، لا يخرجون منها ، ولا يموتون فيها ، ثم وصفهم بأنهم شر من برأه الله وخلقه .

 

7-8- قوله تعالى : {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية * جزاؤهم عند ربهم جنات عن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشى ربه} ؛ لما ذكر الصنف الثاني ، وهم الذين آمنوا بالبينة وعملوا الأعمال الصالحات التي تقربهم إلى الله ، وهؤلاء هم خير من براه الله وخلقه ، وسيكون ثوابهم من تلك البساتين التي هي محل إقامة لا تحول عنها ، وهي التي تسمى جنات عدن ، والتي تجرى أنهارها على سطح أرضها بدون أخاديد تحدها ، وهؤلاء هم الذين رضى الله عنهم بما أطاعوه في الدنيا، ورضوا عنه بما أعطاهم من النعيم الذي لا يحصل إلا لمن خاف ربه في الدنيا وأحبه وعظمه، والله أعلم .

 

 

 

سورة الزلزلة

 

آياتها : 8

 

سورة الزلزلة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض أثقالها * وقال الإنسان ما لها * يومئذ تحدث أخبارها * بأن ربك أوحى لها * يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم * فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره .

 

سورة الزلزلة

 

1-5- قوله تعالى : {إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض أثقالها * وقال الإنسان ما لها * يومئذ تحدث أخبارها * بأن ربك أوحى لها} : يقول الله تعالى : إذا حركت الأرض حركة شديدة ، واضطربت لقيام الساعة ، وأخرجت الأرض ما في بطنها من الموتى([283]) ، صاروا فوقها ، وقال الناس : ما للأرض ؟ لماذا اضطربت وارتجت . .

 

في هذا اليوم تتكلم الأرض وتخبر([284]) عن الذي عمل عليه من خير وشر([285]) ؛ ؛ لأن الله أعلمها وأمرها بهذا التحديث .

 

6-8- قوله تعالى : {يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم * فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومن يعمل مثال ذرة شراً يره} ؛ أي : يوم تحصل هذه الزلزلة وما بعدها من الأهوال، يرجع الناس من موقف الحساب متفرقين ، لينظروا إلى أعمالهم وما جازاهم الله به ، بالمحسن يرى ما أعده الله من النعيم ، والمسيء يرى ما أعده الله له من العذاب ، ولذا قال مرغباًَ ومرهبا : فمن يعمل في الدنيا أي عمل خير ، ولو كان في الصغر وزن ذرة ، فإنه سيلقي حسن جزائه ، وكذا من عمل في الدنيا عمل شر ، ولو كان في الصغر وزن ذرة ، فإنه سيلقى سوء عقابه ،          والله أعلم([286]).

 

سورة العاديات

 

آياتها : 11

 

سورة العاديات

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

والعاديات ضبحا * فالموريات قدحا * فالمتغيرات صبحا * فأثرن به نفعا * فوسطن به جمعا * إن الإنسان لربه لكنود * وإنه على ذلك لشهيد * وإنه لحب الخير لشديد * أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور * وحصل ما في الصدور * إن ربهم بهم يومئذ لخبير .

 

سورة العاديات

 

1-5- قوله تعالى : {والعاديات ضبحا * فالموريات قدحا * فالمغيرات صبحا* فأثرن به نفعا *فوسطن به جمعا} : يقسم ربنا بالخيل التي تجرى وهي تحمحم ؛ أي : يصدر عنها صوت يتردد في الحنجرة من شدة الجري([287]) ، ويتوقد شرر النار من شدة احتكاك أقدامها بالحصى([288])

 

وهي تجري ، فتغير وتدخل أرض العدو في أول النهار([289]) ،  فتصعد الغبار من شدة

الجري([290])، فتصير هذه الخيل في وسط جمع العدو([291]) .

 

6-8- قوله تعالى : {إن الإنسان لربه لكنود * وإنه على ذلك لشهيد * وإنه لحب الخير لشديد} : هذا جواب القسم ، والمعنى : إن الإنسان لكفور لنعمة ربه ، لا يشكرها ، ويمنعها غيره، فلا يعطيه([292]) ، وإن الإنسان يشهد على نفسه بكفرانه نعمة الله عليه([293]) , وإن هذا الإنسان الكنود محب للمال حباً شديداً ، فهو يبخل به ، وذلك من كفرانه نعمة ربه .

 

9-11- قوله تعالى : {إفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور * وحصل ما في الصدور * إن ربهم بهم يومئذ لخبير} ؛ أي : أفلا يدري هذا الإنسان الكنود عن عقابه إذا أثير ما في القبور، فأخرج منها الموتى ، وجمع وأبرز ما في صدور الناس من خير وشر . ، فإن علم ذلك ، فليعلم أن ربه الذي ساده وصرف أمره بربوبيته له عالم ببواطن أعمالهم ، وما أسروه في صدورهم وما أعلنوه، لا يخفى عليه شيء ، وهو مجازيهم عليها ، والله أعلم .

 

ســورة القارعــة

 

آياتها : 11

 

سورة القارعة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

القارعة * ما القارعة * وما أدراك ما القارعة * يوم يكون الناس كالفراش المبثوث * وتكون الجبال كالعهن المنفوش * فأما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية * وأما من خفت موازينه * فأمه هاوية * وما أدراك ما هية * نار حامية .

 

سورة القارعة

 

1-3- قوله تعالى : {القارعة * وما أدراك ما القارعة} ؛ أي : الساعة التي تقرع قلوب الناس بهولها([294]) ، ثم هول أمرها مستفهماً عنها بقوله : {ما القارعة} ؛ أي  : أي شيء هذه القارعة ؟ ، ثم زاد في تهويل أمرها ، فقال : وما أعلمك ما هذه القارعة ؟ .

 

4-5- قوله تعالى : {يوم يكون الناس كالفراش المبثوث * وتكون الجبال كالعنهن المفوش} ؛ أي : القارعة تحصل يوم يكون الناس في انتشارهم وتفرقهم ، وذهابهم ومجيئهم كأنهم تلك الحشرات الطائرة المتفرقة على وجه الأرض . وتحصل يوم تكون الجبال الرواسي ، إذا دكت، كالصوف الذي مزق فتفرقت أجزاؤه([295]) .

 

6-7- قوله تعالي : {فأما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية} : هذا تفصيل لما يكون عليه الناس الذي انتشروا كالفراش المبثوث ، وهم فريقان : الأول : من إذا وزنت أعماله رجحت في الميزان ، فهم في حياة هنيئة ، قد حل بهم الرضى مما حصل لهم من الجزاء في الجنة.

 

8-11- قوله تعالى : {وأما من خفت موازينه * فأمه هاوية * وما أدراك ما هية * نار حامية} : هذا الفريق الثاني ، وهم من إذا وزنت أعمالهم ، لم ترجح في الميزان ، فمرجعة إلى الهاوية التي يهوي بها على رأسه ، وهي النار التي قد اشتد إيقادها فحميت([296]) .

 

سـورة التكاثــر

 

آياتها : 8

 

سورة التكاثر

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر * كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون * كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين * ثم لتسألن يومئذ عن النعيم .

 

سورة التكاثر

 

1-2- قوله تعالى : {ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر} ؛ أي : شغلكم أيها الناس ما أنعم الله عليكم من كثرة المال والأولاد وغيرهم عن طاعته سبحانه([297]) ، حتى جاءكم الموت صرتم من أهل المقابر([298]) .

 

3-4- قوله تعالى : {كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون} ؛ أي : ما هكذا ينبغي أن تفعلوا في أن يلهيكم التكاثر عن طاعة الله ، وسوف تعلمون عاقبة تشاغلكم بالتكاثر، وكرر الجملة للتأكيد ، ولزيادة التهديد .

 

5- قوله تعالى : {كلا لو تعلمون علم اليقين} : أعيد الزجر تأكيداً لإبطال ما هم عليه من التشاغل ،وقال : لو أنكم تعلمون علماً يقيناً أن الله سيبعثكم([299]) ، لما شغلكم هذا التكاثر .

 

6-7- قوله تعالى : {لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين} : يقسم ربنا بأن عباده سيشاهدون النار بأعينهم ، ثم أكد هذا الخبر بأنه واقع لا محالة ، وأنهم سيكونون متيقنين برؤية النار ، يقيناً لا شك فيه([300]) .

 

8- قوله تعالى : {ثم لتسألون يومئذ عن النعيم} ؛ أي : ثم ليسألنكم الله يوم ترون النار على كل نعمه التي أنعمها عليكم ؛ كالأمن والصحة ، والسمع ، والبصر ، والعافية ، وما يطعمه الإنسان ويشربه ... إلخ([301]) .

 

سـورة العصـر

 

آياتها : 3

 

سورة العصر

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعلموا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر .

 

سورة العصر

 

1- قوله تعالى : {والعصر} يقسم ربنا بالدهر ؛ أي : الزمان الذي تقع فيه حركات بني آدم ، وعلى عابة تلك الأفعال وجزائها([302]) .

 

2-3- قوله {إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} : هذا جواب القسم ، والمعنى : إن الأصل في الناس أنهم في نقص وهلكة، ويخرج من هذه الصفة من اتصف بصفات أربع : معرفة الحق ، وهو قوله : {إلا الذين آمنوا} ، والعمل به ، وهو قوله : {وعملوا الصالحات} ، وتعليمه لمن لا يحسن ، وهو قوله : {وتواصوا بالحق}([303]) ، والصبر عليه ، وهو قوله : {وتواصوا بالصبر} من حبس النفس على أداء الفرائض([304]) ، وعلى المصائب من قدره ، وحبسها عن المعاصي ، فيوصي بعضهم بعضاً يرفق ولين بهذه الأمور ، والله أعلم .

 

سورة الهمزة

 

آياتها : 9

 

سورة الهمزة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ويل لكل همزة لمزة * الذي جمع مالا وعدده * يحسب أن ماله أخلده * كلا لينبذن في الحطمة * وما أدراك ما الحطمة * نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة * أنها عليها مؤصدة * في عمد ممددة .

 

سورة الهمزة

 

1-3- قوله تعالى : {ويل لكل همزة لمزة * الذي جمع مالا وعدده * يحسب أن ماله أخلده} : يتوعد ربنا كل من كان خلقه أنه يغتاب الناس ويطعن فيهم([305]) ، الذي من صفته أنه حريص على جمع المال والإكثار من عده وحسابه ، ولشدة ولعه بن ، يظن أن ماله سيبقيه في هذه الدنيا .

 

4-9- قوله تعالى : {كلا لينبذن في الحطمة * وما أدراك ما الحطمة * نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة * أنها عليهم مؤصدة * في عمد ممدة} ؛ أي : ما ذلك كما يظن هذا الهامز اللامز ، ليس ماله بمخلده ، ثم أخبر تعالى أنه سيعاقبه على أعماله التي عملها ، فذكر أنه سيقذفه ويلقيه في الحطمة التي تحطمه وتدقه وتكسره ، ثم استفهم عنها على سبيل التهويل ، فقال : وما أعلمك ما هذه التي تحطم ما فيه ؟ .

 

ثم بين أن هذه الحطمة هي النار التي تشتعل وتلتهب من شدة الإيقاد ، هذه النار التي يبلغ حرها قلوبهم ، وتحرق كل قلب بحسب ذنبه ، وهذه النار مطبقة([306]) على الكفار لا يستطيعون الخروج منها ، وهم يعذبون فيها في أعمدة طويلة في النار([307]) ، والله أعلم .

 

سـورة الفيـل

 

آياتها : 5

 

سورة الفيل

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل عليهم طيراً أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم كعصف مأكول .

 

سورة الفيل

 

تحكي هذه السورة قصة أبرهة الحبشي الذي جاء لهدم الكعبة في العام الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، وتذكر ما حصل لهم من العقاب .

 

1-2- قوله تعالى : {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم يجعل كيدهم في تضليل} ؛ أي : لم تعلم بما صنعه الله بأبرهة وقومه الذين غزو مكة بجيش فيه أفيال ، وأرادوا أن يهدموا الكعبة ؟ ، لقد جعل الله سعيهم وتدبيرهم في صرف الناس عن الكعبة ومحاولة هدمها عملا ضائعاً لا فائدة فيه .

 

3-5- قوله {وأرسل عليهم طيرا أبابيل * ترميهم بحجرة من سجيل * فجعلهم كعصف مأكول} ؛ أي : وألم تعلم بما عاقبهم به من بعث طيور من السماء جاءت جماعات كثيرة متفرقة يتبع بعضها بعضاً([308]) ، تحمل حصى صغيرة من طين([309]) ، تلقيه على أصحاب الفيل ، ، فتقضي عليهم ، حتى صاروا كبقايا الزرع المأكول الذي تحول بعد الخضرة والنصرة ، إلى أن صار ملقى على الأرض يداس بالأقدام([310]) ؟ .

 

سورة قريش

 

آياتها : 4

 

سورة قريش

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

لإيلاف قريش * إلافهم رحلة الشتاء والصيف * فليعبدوا رب هذا البت * الذي أطعمهم من جوع وأمنهم من خوف .

 

سورة قريش

 

1-2- قوله تعالى : {لإيلاف قريش * إلالفهم رحلة الشتاء والصيف} ؛ أي : لتعبد قريش رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ، لأجل نعمته عليهم بإيلافهم رحلة الشتاء إلى اليمن ، والصيف إلى الشام([311]) ، أي : ما ألفوه واعتادوه من اجتماعهم([312]) في رحلتهم للشام واليمن من أجل التجارة ، وقدم ذكر الإيلاف للاهتمام به([313]) .

 

3-4- قوله تعالى : {فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} ؛ أي : ليعبدوا رب المسجد الحرام الذي سد جوعهم بالإطعام ، وأمنهم من الخوف ، فلا يعتدي عليهم أحد ، ولا يقع عليهم من المرض ما يذهب بهم ، ولا غيرها من الخوفات([314]) ، والمعنى إن لم يعبدوه على نعمه ، فليعبدوه على هذه النعمة ، التي هي إيلافهم ، وذكر البيت لأنهم إنما أمنوا بسبب جوارهم له . والله أعلم .

 

ســورة الماعــون

 

آياتها : 7

 

سورة الماعون

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أرءيت الذي يكذب بالدين * فذلك الذي يدع اليتيم * ولا يحض على طعام المسكين * فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون * الذين هم يراءون * ويمنعون الماعون .

 

سورة الماعون

 

1-3- قوله تعالى : {أرءيت الذي يكذب بالدين * فذلك الذي يدع اليتيم * ولا يحض على طعام المسكين} ؛ أي : أرأيت الذي لا يصدق بالجزاء من الثواب والعقاب([315]) ؟ ، الذي من صفته أنه يدفع ويظلم الطفل الذي مات أبوه وهو دون سن البلوغ ، فلا يعطيه حقه([316]) ، ولا يحث نفسه ولا غيره على إطعام المحتاج الذي قد بلغ من المسكنة مبلغاً عظيماً([317]) .

 

4-7 قوله تعالى : {فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون * والذين هم يراءون* ويمنعون الماعون} : يتوعد ربنا المصلين الذين يلهون عن الصلاة فيؤخرونها عن وقتها ، أو يتركونها أحياناً فلا يصلونها([318]) ، أولئك المصلين الذين يقومون بأعمالهم ليراهم الناس ، وهم المنافقون([319]) ، الذين لا يعطون الناس ولا يعيونهم بشيء : لا بزكاة ولا بغيرها من المنافع التي ينتفع بها ؛ كالقدر ، والفأس ، والدلو ، وغيرها([320]) .

 

سـورة الكوثـر

 

آياتها : 3

 

سورة الكوثر

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

إنا أعطيناك الكوثر * فصل لربك وأنحر * إن شانئك هو الأبتر .

 

سورة الكوثر

 

1-3- قوله تعالى : {إنا أعطيناك الكوثر * فصلي لربك وأنحر * إن شانئك هو الأبتر}.

 

يخبر ربنا تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن هبته له ذلك النهر العظيم في الجنة، الذي أسمه الكوثر ، وهو جزء نم الخير الذي أعطاه إياه([321]) . ثم أمره الله بأن يؤدي شكر هذه النعمة بأن تكون الصلاة والذبح له سبحانه ، لا كما يفعل المشركون الذين يذبحون للأصنام([322]) .

 

ثم أخبره أن مبغضه هو المنقطع عن كل خير ، بخلاف أنت فيما أعطاك الله من الخير([323]) .

 

سـورة الكافـرون

 

آياتها : 6

 

سورة الكافرون

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنت عابدون ما أعبد * لكم دينكم ولي دين .

 

سورة الكافرون

 

حكي في سبب نزولها أن قريشاً طلبت من الرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعبد أصنامهم سنة ، وهم يعبدون إلهه سنة ، فأنزل الله هذه السورة براءة من الكافرين وعبادتهم .

 

وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه السورة في الركعة الثانية من الشفع ، وفي الركعة الأولى من سنة الطواف وسنة الفجر ، وورد عنه صلى الله عليه وسلم أنها تعدل ربع القرآن .

 

1-6- قوله : {قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد* ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد * لكم دينكم ولي دين} .

 

يأمر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يوجه الخطاب لكل الكافرين ، ماداموا على الكفر([324]) ، ويخبرهم أنه لا يعبد معبوداتهم لا في حاضره ولا في مستقبله ، وهو قوله : {لا أعبد}، ولا في ماضيه([325]) ، وهو قوله : {ولا أنا عابد} ، كما أنهم هم لا يعبدون إلهه أبداً ما داموا على الكفر ، وهو قوله عنهم في الموضعين : {ولا أنتم عابدون ما أعبد}([326]) .

 

ثم ختم الآيات بتأكيد المفاصلة والبراءة من ملتهم وشرعهم ، فقال : لكم ما تعتقدونه من الملة الكافرة ، ولي ما اعتقده من توحيد الله سبحانه ، فلا يمكن أن نلتقي أبداً ،([327]) والله أعلم .

 

سـورة النصــر

 

آياتها : 3

 

سورة النصر

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

إذ جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً * فسبح بحمد ربك واستغفره أنه كان توابا .

 

سورة النصر

 

1-3- قوله تعالى : {إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً * فسبح بحمد ربك واستغفره أنه كان تواباً } .

 

أي : إذا جاءك يا محمد نصر الله لك على قومك من قريش ، وجاء فتح مكة([328]) ، ورأيت قبائل العرب تدخل في الإسلام جماعات تلو جماعات ، فأعلم أنه قد دنا أجلك([329]) ، فأكثر من طلب المغفرة من ربك ، ومن ذكره بأوصاف الكمال التي تدل على حمدك إياه ، إنه سبحانه يرجع لعبده المطيع بالتوبة ، فيتوب عليه . وكان صلى الله عليه وسلم كثير الاستغفار والحمد بعد نزول هذه السورة ([330])، والله أعلم .

 

سـورة الـمَسَـد

 

آياتها : 5

 

سورة المسد

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تبت يدا أبي لهب وتب * ما أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى ناراً ذات لهب * وامرأته حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد .

 

سورة المسد

 

أخرج البخاري عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى البطحاء ، فصعد الجبل فنادى : "يا صباحاه" . فاجتمعت قريش ، فقال : "أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم ، أكنتم مصدقي " ؟ قالوا : نعم . قال : "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد . فقال أبو لهب : ألهذا جمعتنا ؟ تبا لك ، فأنزل الله : {تبت يدا أبي لهب وتب} إلى آخرها .

 

1-5- قوله تعالى : {تبت يد أبي لهب وتب * ما أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى ناراً ذات لهب * وامرأته حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد} .

 

هذا دعاء بالهلاك والخسران على عم الرسول صلى الله عليه وسلم المكني بأبي لهب ، وقد حصل له هذا ، ذلك جزاء قوله للنبي صلى الله عليه وسلم "تبا لك سائر اليوم ، ألهذا جمعتنا([331])؟".

 

ثم خبر الله أن مال أب لهب وولده لا ينفعونه ولا يردون عنه عذاب الله([332]) ، وأنه سيدخل ناراً تتوقد تشويه بحرها ، وأنه ستدخل معه زوجه أم جميل التي كانت تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمل الخطب الذي فيه الشوك فتلقيه في طريقه([333]) ، وقد جعل الله في عنقها حبلاً مجدولاً ومفتولاً من ليف أو غيره ، يكون عليها كالقلادة التي توضع على العنق([334]) ، جزاء ما كانت تصنع في الدنيا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله أعلم .

 

ســورة الإخـلاص

 

آياتها : 4

 

سورة الإخلاص

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفواً أحد .

 

سورة الإخلاص

 

ذكر أن الكفار قالوا : يا محمد انسب لنا ربك ، فنزلت هذه السورة([335]) .

 

ومن فضل هذه السورة : أنها تعدل ثلث القرآن ، وأنها تقرأ في صلاة الوتر ، وسنة الفجر، وسنة الطواف ، وفي أذكار الصباح والمساء ، وأذكار دبر الصلوات .

 

1- قوله تعالى : {قل هو الله أحد} ؛ أي : قل يا محمد : ربي هو الله لاذ له العبادة ، لا تنبغي إلا له ، ولا تصلح لغيره ، المتصف بالأحدية دون سواه ، لا مثيل له ، ولا ند ، ولا صحابة ولا ولد([336]) .

 

2- قوله تعالى : {الله الصمد} ؛ أي : الله الموصوف بالأحدية ، هو السيد الذي قد انتهى في سؤوده ، والغنى الذي قد كمل في غناه فلا يحتاج ما يحتاجه خلقه من الصاحبة والولد، ولا من المأكل والمشرب ، ولا من غيرها ، فهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد ، وهو الله هذه صفته ، لا تنبغي إلا له([337]) .

 

3-4- قوله تعالى : {لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفواً أحدا} ؛ أي : هذا المعبود بحق ليس ممن يولد فيفني ، ولا هو بمحدث لم يكن فكان ، بل هو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء . ولم يكن له مثيل يكافئه في أسمائه وصفاته وأفعاله .

 

ســورة الفلــق

 

آياتها : 5

 

سورة الفلق

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

قل أعوذ بربك الفلق * من شر ما خلق * ومن شر غاسق إذا وقب * ومن شر النفاثات في العقد * ومن شر حاسد إذا حسد .

 

سورة الفلق

 

سبب نزول هذه السورة والتي بعدها : سحر لبيد بين الأعصم اليهودي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومما ينبغي أن يعلم أن هذا السحر لم يكن له أثر على الجانب النبوي (تبليغ الوحي) ، بل كان فيما يتعلق ببشريته صلى الله عليه وسلم ، حيث كان يرى أنه فعل الشيء ، ولم يكن قد فعله .

 

وهاتان السورتان – الفلق والناس – تشتركان في أسم واحد ، وهو المعوذتان ، ولهما فضائل ؛ منها : معوذتان من السحر والعين ، وأنهما تقرءان في أذكار دبر الصلوات ، وفي أثكار الصباح والمساء ، وعند النوم .

 

1- قوله تعالى : {قل أعوذ برب الفلق} : يرشد الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستجير به : بربوبيته للصباح ، والمعنى : استجير برب الصبح([338]) .

 

2-5- قوله تعالى : {من شر ما خلق * ومن شر غاسق إذا وقب * ومن شر النفاثات في العقد * ومن شر حاسد إذا حسد} ؛ أي : أستجير برب الصبح من شر كل خلقه الذين خلقهم، من جن وإنس وهوام ودواب وغيرها ، ثم خص بعض ما خلقه لزيادة ما فيها من شر ، فطلب منه أن يستجير به من شر الليل إذا ظهر قمره ، فدخل في الظلام([339]) ، ويستجير به من شر السواحر اللاتي يفنخن بلا ريق على ما يعقدنه من خيوط وغيرها عند إرادة السحر([340]) ، ويستجير به من الذي يتمنى زوال نعمة الله عن غيره ، الذي قد تمكن هذا الإحساس النفسي الخبيث فيه ، يستجير به من شر عينه ونفسه([341]) ، والله أعلم .

 

سـورة النـاس

 

آياتها : 5

 

 

 

سورة الناس

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

قال أعوذ برب الناس * ملك الناس * إله الناس * من شر الوسواس الخناس * الذي يوسوس في صدور الناس * من الجنة والناس .

 

سورة الناس

 

1-3- قوله تعالى : {قل أعوذ برب الناس * مالك الناس * إله الناس } ؛ أي : قل يا محمد : استجير برب الناس ، فخصهم بالذكر لأنهم المستعيذون ، والرب : الذي يسوسهم ويرعاهم ويدبر أمورهم ، وهو ملكهم الذي يتصرف فيهم بالأمر والنهي ، فهم تحت قدرته ، وهو إلههم المستحق للعبادة دون سواه .

 

4-6- قوله تعالى : {من شر الوسواس الخناس * الذي يوسوس في صدور الناس * من الجنة والناس} ؛ أي : أستجير به سبحانه من شر الشيطان الذي يلقي في قلب العبد ، إذا غفل عن الذكر ، يلقي صوته الخفي ، الذي لا يحس به .

 

ويتأخر عن القلب فلا يوسوس فيه إذا ذكر العبد ربه([342]) . وهذا الشيطان يوسوس في محل القلوب ، وهي صدور الناس : جنهم وإنسهم ، أو هذا الموسوس من الجبن والناس يوسوس في صدور الناس ، كما قال تعالى : {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} [الأنعام : 112] ([343]) ، والله أعلم .

 

([1])         التحرير والتوير : 30 : 620 .

 

([2])     تهذيب اللغة : 10 : 671 .

 

([3])     هو ابن الأنباري .

 

([4])     تهذيب اللغة : 4 : 347 .

 

([5])     انظر مثلاً : مقاييس اللغة ، ولسان العرب ، وتاج العروس ، مادة (حشر) ؟

 

([6])     يشهد لمن قال : القرآن ، وهو مجاهد ، أن الاختلاف وقع فيه بين كفار مكة ، فوصفوه بأنه شعر ، وكهانة ، وكذب ، وغيرها ، وهو أعلم من القول الثاني ؛ لأن البعث جزء من أخبار القرآن الذي وقع فيه الاختلاف .

 

([7])     يلاحظ أن الله سبحانه وتعالى لم ينص على النبأ بعينه ، وإنما اكتفى بذكر وصفه : بأنهم اختلفوا فيه، وهذا سبب في وقع الخلاف ، ولك أن تقول : إن سبب الاختلاف التواطؤ ، أو ذكر وصف لموصوف محذوف ، وهذا من اختلاف التنوع الذي يرجع إلى قولين ، والله أعلم .

 

([8])     كذا فسر الطبري لفظ "كلا" ، وهو من أفضل التعبيرات عن معناها ، وهي هنا بمعنى الرد ويعبر عنه بعض العلماء بالردع والزجر ، وهي تكون كذلك إذا وقع قبلها باطل أو خطأ من كلام أو فعل ، والله أعلم .

 

([9])     عبر بعض المفسرين عن ذلك أنهم سيعلمون حقيقة النبأ ، وذلك القول أعلم ، لأنهم إذا علموا عاقبتهم فيه ، فإنهم سيكونون قد علموا حقيقته لزوماً ، والله أعلم .

 

([10])    يذكر بعض المتأخرين ممن يحرص على تكثير الاحتمالات اللغوية في معاني الآي أقوالاً خمسة في معنى السبات ، وهو تكثر لا داعي له ؛ لأن أشهر المعاني في مادة سبت : الراحة ، قال ابن فارس في مقاييس اللغة ( 3: 124) : السين والباء والتاء أصل واحد يدل على راحة وسكون . أما تفسيره : بالموت ، أو النوم ، أو التمدد ، أو القطع ، فإنها وإن كانت صحيحة لغة ، فإنها مما تنبو عنها فصاحة القرآن في هذا الموضع ، كما أن سياق الآية الوارد في مجال الامتنان يردها ، والله أعلم .

 

([11])    قال قتادة : لباساً : سكناً ، وهذا تفسير بالمعنى ، وكأنه اعتبر قوله تعالى : {وجعل الليل سكنا} [الأنعام : 96] ، وقوله تعالى : {هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه} [يونس : 67] ، وهو يؤول إلى معنى اللباس بالنظر إلى التغطية والستر فيهما ، والله أعلم .

 

([12])    ورد هذا عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة ، وعن أبي العالية ، والضحاك ، والربيع بن أنس، وسفيان . وفسرها مجاهد وعكرمة وقتادة ومقاتل وابن زيد بأنها الرياح ، وعليه فقوله : "من" يكون بمعنى الباء ؛ أي : أنزلنا بالرياح ، والصواب أنها السحاب ، وعليه تبقى "من" على بابها ، وهو أولى ؛ لأنه إذا تعرض ظاهر الآية احتمال التأويل ، قدم الظاهر .                          =

 

 

 

=      ويبقى أنه يستفاد من تفسير هؤلاء صحة إطلاق المعصرات على الرياح من حيث اللغة ، لوروده عنهم ، وإن لم تحتمله الآية .

 

وقد ورد عن الحسن وقتادة تفسير غريب ، وهو أن المعصرات : السماء ، وهذا إن حمل على التفسير على المعنى ، كان له وجه ، ويكون تفسيرهما على إرادة الجهة التي تأتي منها المعصرات ، لا أنه تفسير مطابق لمعنى المعصرات ؛ كما جاء في قوله تعالى : {وأنزلنا من السماء ما طهورا} [الفرقان : 48] ، والله أعلم .

 

ويكون الاختلاف من اختلاف التنوع الذي يرجع إلى أكثر من معنى . وسبب الاختلاف هنا المعصرات وصف لموصوف محذوف ، وهو محتمل لأحد المعنيين المذكورين ، ويترجح أحدهما بدلالة ظاهر الآية .

 

([13])    في هذه الآيات (6-16) أدلة على البعث ، أنظر في تفصيلها : تتمة أضواء البيان ، لمحمد عطية سالم.

 

([14])    سميت البساتين جنات ، لأنها تجن من بداخلها ؛ أي : تستره ، وهذا هو أصل معنى هذه المادة في لغة العرب .

 

([15])    عبر بهذا ابن عباس من طريق العوفي ، ومجاهد ، وقتادة من طريق سعيد بن أبي عروبة ومعمر بن راشد، وابن زيد ، وسفيان . وجاء عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة : مجتمعة ، وهو تفسير بالمعنى ؛ لأن من لازم التفافها أن تكون مجتمعة .

 

([16])    أكد الخبر بـ "إن" لأنه مما كان يخالف فيه المشركون ، وقد وقعت هذه الآية بعد قوله تعالى : {وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا * لنخرج به حبا ونباتا * وجنات الفافا} [النبأ : 14-16] ، للمشابهة التي بين خروج النبات وخروج الناس من قبورهم يوم البعث .

 

([17])    جاء الفعل " ينفخ " مبنياً للمفعول اهتماماً بالحديث ، وهو النفخ في الصور ، وطوي ذكر قيامهم من قبورهم ، وسيرهم إلى أرض المحشر تنبيها على سرعة هذا الحدث ، وأن الفاصل بين البعث والإتيان يسير جداً ، والله أعلم .

 

([18])    بنى الفعل " فتحت " للمعفول للاهتمام بالحديث ، وقرئ بتشديد التاء ، وفيه مبالغة : إما لكثرة الفتح ، وإما لشدته . وجاء الفعل ماضياً ، والحدث لم يقع بعد ، لتأكد وقوعه وتحققه ، وفي هذا الحدث فساد لنظام هذا الجرم العظيم ، وهو إيذان بنهاية هذا العالم الفاني .

 

وقد ورد هذا المعنى في غير ما آية ؛ كقوله تعالى : {ويوم تشقق السماء بالغمم ونزل الملائكة تنزيلاً} [الفرقان : 25] ، وقوله : {فإن أنشقت السماء فكانت وردة كالدهان} [الرحمن : 37] ، وقوله : {وانشقت السماء فهي يومئذ واهبة} [الحافة : 16] ، وقوله : {وإذا المساء فرجت} [المرسلات:9] وقوله : {إذا السماء انفطرت} [الانفطار : 1] ، وقوله : {إذا السماء انشقت} [الانشقاق : 1] .

 

([19])    بُنى الفعل للمفعول للاهتمم بالحدث ، وقد ذكر الله في هذه الآية حالين للجبال في هذا اليوم ، وهما التسيير ، وتحولهما إلى هيئة السراب ، وهي مرحلة الهباء والعهن الذي ذكره الله بقوله : {وبست الجبال بسا * فكانت هباء منبثا} [الواقعة : 5-6] ، وقوله : {وتكون البجال كالعهن المنفوش} [القارعة : 5] ، وقوله : {وكانت الجبال كتيبا مهيلا} [المزمل : 14] ، وبين هذين الحالين أحوال تمر بها في هذا اليوم ، كداك ، والنسف ، والرجف ، ذكرها الله في مواضع من القرآن .

 

([20])    لما كان المقام مقام وعيد وتهديد للمختلفين في النبأ قدم ذكر جهنم ، التي هي اسم من أسماء دار العذاب الأخروي ، والمرصاد : مكان الرصد والترقب ، وفي هذا إشارة إلى ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم من أمر الصراط الذي وضع على متن جهنم ، فيمر الناس عليه ، فتختطف النار بكلاليبها وخطاطيفها أهلها الذين حكم الله عليهم بدخولها ، وقد أشار السلف في تفسير هذه الآية إلى المرور على النار ؛ كالحسن ، وقتادة ، وسفيان الثوري .

 

([21])    ورد عن بعض السلف – كالحسن وقتادة والربيع بن أنس – تحديد مدة الحقب ، ومع ذلك نبهوا على أن هذه الأحقاب تتوالى على الكافرين فلا تنتهي ، وهذا يرفع ما يورده بعض من استدل على فناء النار بهذه الآية ، وذلك أنه كان للحب مدة محددة ، لكن الله أطلق هذه الأحقاب فلم يقيدها بعدد ، فصدق عليهم أنهم يمكثون في النار أحقاباً لا حصر لها ، كما لو قيل : لابثين فيها سنين ، فهذا لا يمنع الخلود ، فهم يصدق عليهم أنهم يلبثون سنين ، لكن لا حصر لها .

 

وفيه توجيه آخر ذكره الطبري ، فقال : وقد يحتمل أن يكون معنى ذلك : لابثين فيها أحقاباً في هذا النوع من العذاب ، وهو أنهم : {لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا * إلا حميما وغساقا} [النبأ : 24-25] ، فإذا انقضت تلك الأحقاب ، صار لهم من العذاب أنواع غير ذلك ؛ كما قال جل ثناؤه في كتابه : {هذا وإن للطاغين لشر مئاب * جهنم يصلونها فبأس الهماد * هذا فليذوقوه حميم وعشاق * وءاخر من شكله أزواج} [ص : 55- 58] ، وهذا القول عندي أشبه بمعنى الآية .

 

وقد ذكر الإمام الطبري عن مقاتل بن حيان أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : {فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً} [النبأ : 30] ، ثم قال : "ولا معنى لهذا القول ؛ لأن قوله : {لابثين فيها أحقابا} [النبأ : 23] ، ثم قال : " ولا معنى لهذا القول ؛ لأن قوله : {لابثين فيها أحقابا} [النبأ : 23] خبر ، والأخبار لا يكون فيها نسخ ، وإنما النسخ في الأمر والنهي " .

 

ولو حُمل كلام مقاتل على مفهوم النسخ عند السلف – وهو مطلق الرفع لشيء من معنى الآية أو حُكمها ، وهو أعم من المصطلح الذي ذكره الطبري – لما كان في الأمر إشكال ، ويكون مراد مقاتل أن الآية الأخرى تبين أنهم إذا انتهوا من العذاب في هذه الأحقاب ، فإنه يزاد عليهم العذاب بعد ذلك، وهذا هو معنى التوجيه الثاني الذي ذكره الطبري واختاره .

 

ويظهر من هذا المثال وغيره أ، الإمام الطبري رحمه الله تعالى لم يكن يُعمل مصطلح السلف في النسخ، ولذا كان يعترض على مثال هذا المثال ، وفي هذا فائدة علمية ذات خطر ، وهي أن تعرف مصطلح كل قوم ، ولا تحمل كلامهم على مصطلح غيرهم ، فتقع في الخطأ ، وأعظم ما يكون الخطأ إذ حملت ألفاظ القرآن والسنة على المصطلحات حادثة مبتدعة ، فتقع بذلك الطوام ، وتحرف نصوص الكتاب والسنة . انظر في ذلك : الصواعق المرسلة ، لابن القيم ، تحقيق : الدخيل الله (1 : 189 – 192).

 

([22])    ذكر في معنى البرد قول آخر ، وهو أن يكون البرد النوم ، وقال عنه الطبري : "وقد زعم بعض أهل العلم بالكلام العرب – يعني : أبا عبيدة معمر بن المثنى – أن البرد في هذا الموضع النوم ، وأن معنى الكلام : لا يذوقون فيها نوماً ولا شراباً ، واستشهد لقيله ذلك بقول الكندي :

 

بردت مراشفها على فصدني              عنها وعن قبلاتها البرد

 

يعني بالبرد : النعاس .

 

والنوم ، وإن كان يبرد غليل العطش ، فقيل له من أجل ذلك : البرد ، فليس هو بأسمه المعروف ، وتأويل كلام الله على الأغلب من معروف كلام العرب دون غيره" .

 

وقد نسب هذا القول لابن عباس (تفسير البغوي) ، ومجاهد والسدي (تفسير الماوردي) ، وهو قول يحتمله السياق ، غير أنه مترجح للسبب الذي ذكره الطبري ، وإذا كان كذلك ، فإن سبب الاختلاف : الاشتراك اللغوي ، ويكون من اختلاف التنوع الذي يرجع إلى أكثر من معنى .

 

([23])    اختلفت عبارة السلف في تفسير الغساق ، فقال بعضهم : الغساق : هو ما سال من صديد أهل النار، ورد ذلك عن عطية العوفي ، وعكرمة ، وأبي رزين ، وإبراهيم النخعي ، وابن زيد . وعن عبد الله بن بريدة أن المنتن بلاطخارية [أي بلغة أهل طخارستان} . قال بعضهم : الغساق ، الزمهرير ، ورد ذلك عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة ، وعن مجاهد من طريق ليث ، وعن أبي العالية، والربيع ابن نس .

 

ومادة (غسق) فيها هذا المعنيان ، أما الغسق بمعنى البرد ، فمنه غسق الليل ، سمى بذلك لبرودته . وأما الغسق بمعنى الصديد المنتن الذي يسيل من أهل النار ، فمن قولهم غسق الجرح : إذا سال فيحه . وعلى هذا ، فالتفسيران صحيحان ، وجائز اجتماعهما في معنى الغساق ، ويكون من عذاب النار الذي يعذب الله به الكفار . وهذا هو ترجيح الإمام الطبري .

 

وعلى هذا فسبب الاختلاف : الاشتراك اللغوي ، وهو من اختلاف التنوع الذي يرجع إلى أكثر من معنى .

 

([24])    كذا ورد عن السلف : ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة ، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح ، وقتادة من طريق معمر وسعيد ، والربيع من طريق أبي جعفر ، وابن زيد الذي جعل نظيرها قوله تعالى: {ثم كان عاقبة الذين اسئوا السواى } [الروم : 10] .

 

([25])    عبر مجاهد وقتادة عن جملة " لا يرجون" بأنهم لا يخافون ، وقد ورد عن أهل اللغة كذلك (تهذيب اللغة: 11 : 182) ، ويرد الإشكال في تفسير الرجاء الذي هو ترقب حصول أمر محبوب للنفس ، بالخوف الذي هو ضد له . وتحرير ذلك : أن الرجاء بمعنى الخوف لا يأتي إلا منفيا ؛ أي : لا يرجون (انظر : معاني القرآن للفراء : 1 : 286) ، وإنما اشتمل الرجاء على معنى الخوف ؛ لأن الرجاء أمل قد يخاف ألم يتم (انظر : معاني القرآن ، للزجاج : 2 : 100) .

 

([26])    يظهر من السياق أن الحديث عن كتاب الأعمال الذي تسجله الملائكة على العباد ؛ لأن المقام –فيما يظهر- مقام محاسبة ، وهم سيحاسبون على ما كتب عليهم ، لا على عموم قدر الله سبحانه ، ذلك أن بعض المفسرين جعل المحصى هنا كل قدر الله الذي في اللوح المحفوظ ، والله أعلم .

 

([27])    هذه الآية مرتبطة بقوله : {جزاء وفاقا} [النبأ : 26] ، وما قبلها من قوله : {إن جهنم كانت مرصادا} [النبأ : 21] ، وتكون الجمل التي بينهما معترضة ، والله أعلم . انظر : التحرير والنوير .

 

([28])    أسند الطبري ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : لم تنزل على أهل النار آية أشد من هذه : {فذوقوا فلن تزيدكم إلا عذابا} [النبأ : 30] قال : فهم في مزيد من العذاب أبداً .

 

([29])    عبر ابن عباس عن المفاز بأنه المتنزه ، وعبر عنه مجاهد وقتادة أنهم فازوا بأن نجوا من النار، وعند التأمل تجد أن نتيجة هذه الأقوال ومؤداها واحد ، والله أعلم .

 

([30])    عبر جمهور السف عن معنى الدهاق بالامتلاء ، ورد ذلك عن ابن عباس من طريق مسلم بن نسطاس وأبي صالح وعلي بن أبي طلحة ، وعن الحسن من طريق أبي رجاء ويونس ، وعن مجاهد من طريق منصور ، وعن قتادة من طريق معمر وسعيد ، وعن ابن زيد .

 

وورد تفسيرها بالمتتابعة عن أبي هريرة ، وعن ابن عباس من طريق عمرو بن دينار ، وعن سعيد بن جبير . وورد تفسيرها بالصافية عن عكرمة .

 

ويظهر أن التفسير الأول هو التفسير اللغوي الأشهر في معنى اللفظ ، أما الثاني ، فقد أشار الطبري إلى وجود أصله في اللغة ، بقوله : "وقوله : {وكأسا دهاقا} [النبأ : 34] يقول : وكأساً ملأى متتابعة على شاربيها بكثرة امتلائها ، وأصله من الدهق ، وهو متابعة الضغط على الإنسان بشدة وعنف، وكذلك الكأس الدهاق : متتابعة على شاربيها بكثرة وامتلاء" . (انظر في هذا المعنى : تاج العروس : مادة : دهق) .

 

وأما التفسير الأخير فلا تعطيه اللفظة ولا يخصها ، بل هو تفسير مبني على ما عرف من صفاء شراب الجنة وعدم وجود الغش فيه ، وهل يجوز أن تكون لغة من لغات العرب علمها عكرمة ، ففسر بها؟! الله أعلم .

 

وعلى هذا يكون الاختلاف من قبيل اختلاف التنوع الذي يرجع إلى أكثر من معنى ، ويكون سبب الاختلاف في القولين الأولين : الاشتراك اللغوي .

 

([31])    ذكر بعض المفسرين أن الضمير في {فيها} يعود إلى قوله : {وكأسا} ؛ أي : خمراً ، ويجعل "في" بمعنى "الباء" ؛ أي : بسببها ، ويكون المعنى : لا يسمعون بسبب شرب خمر الجنة لغواً ولا كذاباً ، والأولى أن يعود الضمير إلى الجنة المشار إليها بالمفاز ، وعليه فلا تحتاج إلى هذا التأويل .

 

([32])    هذا فيه دلالة على طيب أكلهم وشربهم فلا يحدث بسببه ما يصدر منه لغو ولا كذب كما هو الحال في الدنيا في شرب الخمر وغيره من المسكرات .

 

([33])    في إيثار اسم الربوبية هنا ما يشعر بأن النعم من آثار ربوبية الله لعباده ، والله أعلم .

 

([34])    عل بعض المفسرين لفظ "حساباً" صفة للجزاء ، ومن ثم يكون الحساب بمعنى المعدود ؛ أي : جزاء معدوداً على قدر أعمالهم .

 

([35])    وقع خلاف بين السلف في تحديد الروح على أقوال :

 

الأول : أنه ملك من أعظم المائكة ، ورد ذلك عن ابن مسعود وابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة ، مع زيادة في تفصيل خلقه عند ابن مسعود .

 

الثاني : أنه جبريل ، ورد ذلك عن الشعبي والضحاك من طريق سفيان وثابت .            =

 

=      الثالث : خلق من خلق الله في صورة آدم ، ورد ذلك عن مجاهد من طريق ابن أبي نجيح ومسلم وسليمان ، وأبي صالح من طريق إسماعيل ابن أبي خالد ، والأعمش .

 

الرابع : أنهم بنوا آدم ، ورد ذلك عن الحسن وقتادة من طريق معمر وسعيد .

 

الخامس : أنه أرواح بني آدم ، عن ابن عباس من طريق العوفي .

 

السادس : أنه القرآن ، عن زيد بن أسلم من طريق ابنه عبد الرحمن ، واستشهد لذلك بقوله تعالى : {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا} [الشورى : 52] .

 

وقال الطبري – معلقاً على هذه الأقوال - : "والروح خلق من خلقه ، وجائز أن يكون بعض هذه الأشياء التي ذكرت ، والله أعلم أي ذلك هو ، ولا خبر بشيء من ذلك أنه المعني به دون غيره يجب التسليم له ، ولا حجة تدل عليه ، وغير ضائل الجهل به " .

 

والروح فيما يظهر من هذه الأقوال أمر غيبي ، والمرجع فيه إلى الأثر عن المعصوم في خبره، ولم يرد إسناد شيء من هذه الأقوال إليه ، ويظهر على بعضها أنها اجتهاد من قائله نظر فيه : إما القرآن؛ كالقول بأنه جبريل ؛ لوروده صراحة في غير هذا الموضع بهذا الوصف ؛ كقوله تعالى : {نزل به الروح الأمين} [الشعراء : 193] ، والقول بأنه القرآن لوروده في قوله تعالى : {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} [الشورى : 52] ، وإما لدلالة عقل وإطلاق لغوي ؛ كمن قال : هم بنو آدم، أو أرواحهم ، في مقابل ذكر الملائكة .

 

أما القول الأول الذي ورد عن ابن عباس وابن مسعود فمما لا يمكن أن يعلم إلا من طريق الوحي، ومن القواعد المقررة عند أهل العلم أن الصحابي إذا فسر شيئاً غيبياً ، فإن الأصل قبول قوله ، ما لم يرد ما يدل على أنه لم يتلقه من الرسول صلى الله عليه وسلم والله أعلم .

 

والملاحظ أن ابن جرير لم يعمل بهذا في هذا الموضع ، كما أنه رحمه الله تعالى لا يميز –في الغالب- بين طبقات السلف الثلاث (الصحابة والتابعين وأتباعهم) في التعامل معهم وترجيح أقوالهم ؛ أي : لا يقدم قول الصحابي دائماً ، بل قد يختار عليه قول التابعي ، أو تابع التابعي ، وهذا المنهج يحتاج إلى دراسة .

 

([36])    قال مجاهد في تفسير {صوابا} : "قال حقا في الدنيا وعمل به" . وفسر الصواب بلا إله إلا الله ، كل من ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة وأبي صالح مولى أم هانئ ، وعكرمة من طريق الحكم بن ابان .

 

([37])    ورد عن قتادة عن طريق معمر : {مئابا} سبيلاً . وهذا تفسير بالمعنى ؛ لا، المآب : المرجع ، والسبيل : الطريق إلى ذهاب المآب ، فلا وصول إلى هذا المرجع إلا بسلوك السبيل ، وهو الأعمال الصالحة، ففسر قتادة بلازم اللفظ ، لا بمطابقه ، والله أعلم .

 

([38])    قال الحسن البصري في {المرء} : المرء المؤمن . وكأنه لما ذكر الكافر بعده ، جعل ذلك مقابلا له ، ولو فسر المرء بعمومه فشمل الكافر والمؤمن ، لكان صواباً ، والله أعلم .

 

([39])    وردت آثار في ذلك عن عبد الله بن عمرو ، وأبي هريرة ، وأبي الزناد ، وقد أورد الطبري في ذلك حديثاً ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أسنده أبو هريرة ، والله أعلم .

 

([40])    وقع خلاف في تفسير النازعات بين مفسري السلف على أقول :

 

1- الملائكة التي تجذب روح الكافر من أقاصي بدنه ، عن ابن مسعود من طريق مسروق ، وابن عباس نم طريق العوفي وأبي صالح ، وعن مسروق ، وسعيد بن جبير .

 

2-     الموت ينزع النفوس ، وهو قول مجاهد من طرق ابن أبي نجيح .

 

3-     النجوم تنزع من أفق إلى أفق ، وهو قول الحسن من طريق أبي العوام ، وقتادة من طريق معمر.

 

4-     القسي تنزع بالسهم ، وهو قول عطاء .

 

5-     النفس حين تنزع ، وهو قول السدي من طريق سفيان .

 

وإذا تأملت هذه الأقوال ، فإنك ستجدها جاءت على دلالة أسم فاعل ؛ أي أنها نازعة ، عدا قول السدي الذي حمل اسم الفاعل على المفعول ، وفيه نظر ؟

 

كما أنها جعلت فعل النازعات من قبيل المتعدي ؛ كقوله تعالى : {تنزع الناس} ، سوى قول من قال هي النجوم ، فالفعل عنده لازم لا يحتاج إلى مفعول .

 

وجاء اسم الفاعل ، ولم يذكر مفعوله لأن النزع هو المقصود في المقام ، كما جاء جمعاً لتأويله بالجماعات النازعات .

 

وهذا من اختلاف التنوع الذي يرجع إلى أكثر من معنى ، وسبب هذا الخلاف أن هذه وصاف لم يذكر موصوفها ، وهي صالحة لأن تحمل على كل ما قيل فيها – كما قال ابن جرير – وعليه فهي من قبيل المتواطئ ، غير أن الراجح من أقوال المفسرين ، أن النازعات وما بعدها من الأوصاف هي الملائكة ، وعلة ذلك أن المفسرين أجمعوا على أن المدبرات هي الملائكة ، ودلت الفاء في قوله تعالى {فالمدبرات أمرا } على أنها متفرعة عن جملة : {فالسابقات سبقا} [النازعات :4] ، وهذه الجملة متفرعة عن جملة : {والسابحات سبحا} [النازعات : 3] ، وعليه فهذه الأوصاف الثلاثة في الملائكة ، وكون الوصفين الأولين فيهما أيضاًَ أولى ؛ لاتحاد هذه الأوصاف في موصوف واحد . وتفريق الأوصاف على أجناس مختلفة ، مع هذا التأويل غير متمكن ، ولا دليل عليه ، والله أعلم . (انظر : التبيان في أقسام القرآن : 85) .

 

([41])    اختلف السلف في النشاط على أقوال :

 

1-     الملائكة ، وهو قول ابن عباس من رواية العوفي ، وهو الراجح كما سبق في النازعات .      =

 

 

 

2- الموت : وهو قول مجاهد من طريق ابن أبي نجيح . وقد أدخل ابن جرير ابن عباس والسدي في من قال بهذا القول ، ولا يصح دخولها فيه ؛ لأن عبارتهما مجملة ، وقد صرح السدي بالسند نفسه في تفسير "النازعات" أنها النفس ، والأولى أن يحمل هنا عليها ، فيكون قوله في الناشطات كقوله في النازعات . أما ابن عباس فقد ورد بالسند نفسه في تفسير النازعات ، وجعله تحت قول من قال هي الملائكة ، مع أن عبارته مجملة كذلك ، حيث قال : النازعات : حين تنزع نفسه ، والناشطات : حين تنشط نفسه ، وهذا مشكل ، والله أعلم .

 

3-  أنها النجوم تنشط من أفق إلى أفق ، وهو قول قتادة من طريق معمر .

 

4-  أنها الأوهاق ، وهي الحبل يرمي في أنشوطة ، فتؤخذ به الدابة أو الإنسان ، وهو قول عطاء.

 

([42])    السبح يطلق على العوم في الماء والمرور في السماء ؛ كما قال تعالى : {كل في فلك يسبحون} [الأبنياء : 33] وقد اختلف السلف في المراد بالسابحات على أقوال :

 

1- الملائكة ، وهو قول مجاهد من طريق ابن أبي نجيح . وقد ذكر ابن كثير أنه قول ابن مسعود ، وروي عن علي ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي صالح .

 

2-  أنها الموت يسبح في جسد الإنسان ، وهو قول مجاهد أيضاً ، وقد اختلف عليه ، ويظهر أن هذا القول هو اختياره ؛ لأنه مر بالأسانيد نفسها في تفسير النازعات والناشطات وأنها الموت، وكون هذا أشبه بما قبله عنده أظهر من كونه قال بغيره ما دام قد ورد عنه والله أعلم . وقد علق أبو جعفر الطبري على هاتين الروايتين بقوله : "هكذا وجدته في كتابي" ، وهذا يدل على استكشاله في الرواية التي عنده عن مجاهد ، والله أعلم .

 

3-     أنها النجوم تسبح في فلكها ، وهو قول قتادة من طريق معمر وسعيد .

 

4-     أنها السفن تسبح في الماء ، وهو قول عطاء .

 

([43])    وقع في السابقات اختلاف بين السلف على أقوال :

 

1-  الملائكة : وهو قول مجاهد ، قال ابن كثير : "وروى عن علي ومسروق ومجاهد وابي صالح ولحسن البصري" .

 

2-     الموت ، وهو قول مجاهد . (انظر التعليق السابق في السابحات على قولي مجاهد) .

 

3-     الخيل ، وهو قول عطاء .

 

4-     النجوم ، وهو قول قتادة من رواية معمر وسعيد .

 

([44])    الغرب أن قول قتادة في هذه الآية أنها الملائكة ، مع أن قوله في ما سبق من الأوصاف أنها النجوم ، ولم يذكر ابن جرير غير قول قتادة ، فلم يرد عنده فيها خلاف في هذه الآية ، كما وقع في سابقاتها، وقد حكى الإجماع السمعاني في تفسيره ، وابن القيم في التبيان في القرآن : 86 . وقال ابن عطية : "وأما المدبرات فلا أحفظ فيها خلافاً" ، وقال ابن كثير : "... هي الملائكة ... ولم يختلفوا في هذا".

 

([45])    انظر : (تفسير الطبري ، ط :الحلبي : 30 : 32 ، والتباين في أقسام القرآن : 87) .

 

([46])    عبر جمهور السلف عن الراجفة بأنها النفخة الأولى ، والرادفة : النفخة الثانية ، ورد ذلك عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة والعوفي ، وعن الحسن منطريق أبي رجاء ، وعن قتادة من طريق سعيد ، وعن الضحاك من طريق عبيد المكتب .

 

وعبر مجاهد وابن زيد عن الراجفة بأنها الأرض ترجف ، وهذا غير مخالف للأول ، لأنها ترجف بسبب النفخة ، كما في القول الأول ، وجعل مجاهد وقت الرادفة مقروناً بانشقاق السماء ، فقال : "هو قوله : {وإذ السماء انشقت } [الانشقاق : 1] فدكتا دكة واحدة " ؛ أي : الرادفة هي دك الأرض بالجبال . وهذا خلاف لما عليه أهل القول الأول ، وهم الجمهور ، إلا أن يقال إن هذا يكون بعد النفخة الثانية فيلتئم قوله مع قولهم ، والله أعلم .

 

أما ابن زيد فعبر عن الرادفة بالساعة ، وهذا غير مخالف ، لأن الساعة لا تقوم إلا بالنفخة الثانية ، والله أعلم .

 

([47])    هذا من عبارة الطبري في تفسير هذه الآية ، وكذا ورد تفسير "واجفة" عن السلف : ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة والعوفي ، وقتادة من طريق سعيد ومعمر ، وابن زيد . وأفاد التنكير في "قلوب" : التكثير؛ أي : قلوب كثيرة خائفة في هذا اليوم .

 

([48])    الضمير في ظاهر الكلام يعود إلى القلوب ، والمراد أصحاب القلوب ، فعبر عنهم بجزء منهم ، وهي القلوب ، التي هي محل الخوف والإذعان ، ثم يظهر بعد ذلك على الأبصار ، والله أعلم .

 

([49])    هذه الجملة مستأنفة للحديث عن  أصحاب هذه القلوب الواجفة في الحياة الدنيا والاستفهام جاء على سبيل التعجب من حصول البعث الذي ينكره هؤلاء ، وجاء الفعل "يقولون" مضارعاً ؛ لإفادة تجدد هذا الحديث ، وحصوله منهم مرة بعد مرة .

 

والحافرة عند العرب : رجوع المرء من الطريق الذي أتى منه ، يقولون : رجع فلان إلى حافرته ؛ أي : إلى طريقه الذي جاء منه ؛ كأنه يتبع حفر قدميه في الأرض في حال رجوعه ، ومنه قول الشاعر :

 

أحافرة على صلع وشيب                 معاذ الله من سفه وطيش

 

وقد ورد خلاف بين السلف في تفسير الحافرة على أقوال :

 

1-  الحياة بعد الموت ، وهو قول ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة وعطية العوفي ، وقتادة من طريق معمر وسعيد ، ومحمد بن قيس أو محمد بن كعب القرظي ، والسدي من طريق سفيان الثوري.

 

2-  الأرض ،وهو قول مجاهد من طريق عبد الله بن أبي نجيح ، وقال : "الأرض ، نبعث خلقاً جديداً". وقوله في ما يظهر لا يخالف القول الأول إلا في العبارة ، والنتيجة واحدة في القولين ؛ لأن العود للحياة سيكون على الأرض ، وهذان القولان يناسبان المعنى اللغوي للحافرة ؛ لأنها يدلان على أن الإنسان يعود إلى ما كان عليه قبل موته ، والله أعلم .

 

3-  النار ، وهو قول ابن زيد ، وقد جعل الحافرة اسماً للنار ، وهو مخالف لقول الجمهور ، ولو لم ينص على أنها من أسماء النار لاحتمل أن يكون تفسيره مقبولاً على أنه أراد التنبيه على المآل الذي يصير إليه الكافر ، فيكون تفسيره على المعنى ، لا على مطابق اللفظ ، وسياق الآيات بعدها يضعف أن يكون المراد بالحافرة النار ؛ لقوله : {فإنما هي زجرة واحدة * فإذا هم بالساهرة} [النازعات : 13-14] على ما سيرد في تفسيرها ، والله أعلم .

 

([50])    عبر ابن عباس من طريق العوفي عن ذلك بالفانية البالية ، وعبر قتادة من طريق سعيد بالبالية ، وعبر مجاهد من طريق ابن أبي نجيح بالمرفوتة ، أي : المحطمة المدقوقة . وهذا من اختلاف التنوع الذي يكون التعبير فيه عن المعنى بألفاظ متقاربة .                                                        =

 

=      وقد ورد في لفظ "نخرة" قراءتان : الأولى بلا ألف ، والثانية بألف على وزن فاعل ، ومعناهما واحد، وقيل باختلافهما في المعنى . فالنخرة : البالية ، والناخرة ، المجوفة التي تنخر الريح في جوفها إذا مرت بها ، وتفسير السلف يدل على أن معناهما واحد ، إذ لم يرد عنهم التفريق بين لمعنيين ، والله أعلم .

 

([51])    كذا قال قتادة من طريق سعيد ، وابن زيد .

 

([52])    كذا جاء عن مجاهد من طريق ابن أبي نجيح ، وابن زيد .

 

([53])    ورد خلاف بين السلف في تفسير الساهرة على أقوال :

 

1- الأرض ، وهو قول ابن عباس من طريق عكرمة والعوفي ، وعكرمة من طريق حصين وعمارة بن أبي حفصة ، والحسن من طريق أبي رجاء ، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح ، وقتادة من طريق سعيد ومعمر ، وسعيد بن جبر من طريق عكرمة وأبي الهيثم ، والضحاك من طريق عبيد ، وابن زيد .

 

2-  اسم مكان معروف من الأرض ،وهو بالشام ، ورد ذلك عن عثمان بن أبي العاتكة وسفيان الثوري ، هذا القول يمكن أن يحتمل على أنهم أرادوا تعيين أرض المحشر ، وأنها جزء من الأرض، لا أن الساهرة علم مخصص بهذا المكان دون الأرض .

 

وقال وهب بن منبه : هو جبل إلى جنب بيت المقدس ، وهذا إن كان أراد أن هذا الجبل بعينه هو الساهرة ، فإنه غير صحيح ، وهو مخالف لما عليه جمهور السلف ، وإن كان إنما ذكر جزءاً من أرض المحشر التي يحشر الناس إليها ، فيمكن أن يحتمل قوله على هذا التوجيه ، والله أعلم .

 

3-  وقال قتادة : في الساهرة : في جهنم . وهذا مخالف لما ورد عن الجمهور ، ولا يظهر موافقته لقولهم من أي وجه . والله أعلم .

 

والقول الأول ، وهو قول جمهور السلف ، هو القول الراجح ، وهو المعروف من لغة العرب ، قال أمية بن أبي الصلت :

 

وفيهــا لحـم ساهـرة وبحــر              وما فاهـوا بـه أبـد مقيــم

 

وإنما سميت الأرض بهذا الاسم ؛ لأن فيها نوم الحيوان وسهرهم ، فسميت بذلك للملابسة ، والله  أعلم . انظر : معاني القرآن للفراء ، وتفسير الطبري

 

 

 

([54])    اختلفت عبارة السلف في تفسير طوى على الأقوال :

 

الأول : أنه اسم الوادي ، عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة ، ومجاهد من طريق أبن أبي نجيح ، وقتادة من طريق سعيد ، وابن زيد ، وهذا هو أظهر الأقوال ، والله أعلم .

 

الثاني : أنه أمر لموسى بأن يطأ بقدميه ، عن ابن عباس من طريق عكرمة ، ومجاهد من طرق ابن جريج، وعكرمة من طريق يزيد .

 

الثالث : بمعنى الذي طويته ، عن ابن عباس من طريق العوفي . ويكون المعنى : بالوادي المقدس الذي طواه موسى مشياً بقدميه ، ويكون "طوى" مصدراً خرج من غيره لفظه .

 

الرابع : أن طوى بمعنى مرتين ، عن الحسن من طريق ابن جريج ، ومجاهد من طريق ابن جريج . ويكون – على قولهم – مصدراً من غير لفظه ، وهو الشيء الذي يثنى ؛ أي : يكرر مرة بعد مرة ، وقد يكون مفعولاً مطلقاً للمقدس ، ويكون المعنى : بالوادي المقدس مرتين ، أو يكون لناداه ، فيكون المعنى : ناداه مرتين في الوادي المقدس .

 

وهذه التفاسير مبنية على قراءة طوى ، فقرئت بالتنوين طوى ، وبتركه . (انظر : تفسير الطبري ، ط: الحلبي : 16 : 146 – 147) .

 

([55])    فرعون لقب ملك مصر في عهد الفراعنة ، وقد كان في عصر إبراهيم ويوسف يلقب بالملك ، كما ورد في سورة يوسف وفي قصة إبراهيم في السنة ، وهذا يعني أن مصر مرت بمرحلتين في الحكم ، وهي مرحلة الملوك ، وهم من يطلق عليهم في التاريخ المصري "الهكسوس" ، ومرحلة الفراعنة ، ومنهم فرعون موسى الذي تربى موسى في بيته . وهل فرعون الولادة هو فرعون الخروج ، أم لا ؟ في ذلك خلاف بين المؤرخين الذين درسوا هذه الفترة ، ونص القرآن يعطي أنه فرعون واحد ؛ كقوله تعالى : {قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين } [الشعراء : 18] والله أعلم بما كان ، وليس في ذلك كبير أهمية ، غير أن النفس تتطلع لما غاب عنها بشيء من الاهتمام .

 

([56])    عبر عكرمة عن التزكي بأن يقول : لا إله إلا الله ، وهذا أول ما يدخل به المتزكي الإسلام ، وقال ابن زيد : أن تسلم ، قال : "والتزكي في القرآن كله : الإسلام ، وقرأ قول الله : {وذلك جزاء من تزكى} ، قال : من أسلم ، وقرأ : {وما يدريك لعله يزكى} [عبس : 3] ، قال يسلم ، وقرأ : {وما عليك ألا يزكى} [عبس :7] أن لا يسلم " . وفي هذا فائدتان :

 

الأولى : أن السف يرد عنهم مثل هذه الكليات التفسيرية ، وهي تحتاج إلى جمع ، ثم استقراء مواقعها في القرآن ، للنظر في تطابق هذه الكلية على جميع الآيات ، فتكون بعد ذلك مصطلحاً قرآنياً في اللفظة.

 

الثانية : أن ابن زيد يُكثر من ذكر النظائر القرآنية ، وهو مما يدخل بتفسير القرآن بالقرآن ، وهذه المسألة صالحة للدراسة لمعرفة طريقة ابن زيد في هذا الأسلوب التفسيري .

 

([57])    علق ابن القيم في كتابه (التباين في أقسام القرآن : 88) على ما في هاتين الآيتين من لين الخطاب، أنقله بطوله لما فيه من الفائدة : قال : "ثم أمره أن يخاطبه بألين خطاب ، فيقول : {فقل هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى } [النازعات : 18 –19] ، ففي هذا من لطف الخطاب ولينه وجوه :

 

أحدها : إخراج الكلام مخرج العرض ، ولم يخرجه مخرج الأمر والإلزام ، هو ألطف ، ونظيره قول إبراهيم لضيفه المكرمين : {ألا تأكلون} [الذاريات : 27] ولم يقل : كلوا .

 

الثاني : قوله ك {إلى أ، تزكى} ، والتزكي : النماء والطهارة والبركة والزيادة ، فعرض عليه أمراً يقبله كل عاقل ولا يرده إلا كل أحمق جاهل .

 

الثالث : قوله : {تزكى} ولم يقل : أزكيك ، فأضاف التزكية إلى نفسه ، وعلى هذا يخاطب الملوك .

 

الرابع : قوله : {وأهديك} ؛ أي : أكون دليل لك ، وهادياً بن يديك . فنسب الهداية إليه ، والتزكى إلى المخاطب ؛ أي : أكون دليلاً لك وهادياً ، فتزكى أنت ، كما تقول للرجل : هل لك أن أدلك على كنز تأخذ منه ما شئت ؟ وهذا أحسن من قوله : أعطيتك .

 

الخامس : قوله : {إلى ربك} ، فإن في هذا ما يوجب قبول ما دل عليه ، وهو أن يدعوه ويوصله إلى ربه : فاطره وخالقه الذي أوجده ، ورباه بنعمه : جنيناً ، وصغيراً ، وكبيراً ، وآتاه الملك . وهو نوع من خطاب الاستعطاف والإلزام : كما تقول لمن خرج عن طاعة سيده : ألا تطيع سيدك ومولاك ومالكك . وتقول للولد : ألا تطيع أباك الذي رباك .                                  =

 

=      السادس : قوله : {فتخشى} ؛ إذا اهتديت إليه وعرفته خشيته ؛ لأن من عرف الله خاف ، ومن لم يعرف لم يخفه ، فخشية الله مقرونة بمعرفته ، وعلى قدر المعرفة تكون الخشية .

 

السابع : أن في قوله : {هل لك} فائدة لطيفة ، وهي أن المعنى : هل لك في ذلك حاجة أو إرب؟ ومعلوم أ، كل عاقل يبادر إلى قبول ذلك ؛ لأن الداعي إنما يدعو إلى حاجته ومصلحته ؛ لا إلى حاجة الداعي ، فكأنه يقول : الحاجة لك ، وأنت المتزكي ، وأنا الدليل لك ، والمرشد لك إلى أعظم مصالحك .

 

([58])    فسر السلف الآية بأنها العصا واليد ، وفي هذا إشارة إلى أن لفظ الآية في الآية يراد به جنسها ، لا أنها آية واحدة .

 

([59])    وقع خلاف بين السلف في الآخرة والأولى ، وسببه أنه وصف لموصوف محذوف ، فقال كل منهم ما يناسب هذا الموصوف على سبيل التواطؤ ، وكل الأقوال محتملة ، وأقوالهم كالآتي :

 

الأول : آخر كلامه وأوله ، وهو قوله : {ما علمت لكم من إله غيري} [القصص : 38] ، وقوله {أنا ربكم الأعلى} [النازعات : 24] وهذا قول ابن عباس من طريق أبي الضحى والعوفي ، ومجاهد من طريق عبد الكريم الجزري وابن أبي نجيح ، والشعبي من طريق إسماعيل الأسدي وزكريا ، والضحاك من طريق عبيد .

 

الثاني : الآخرة والدنيا ، عن الحسن من طريق عوف وقتادة ، وعن قتادة من طريق سعيد .

 

الثالث : الأولى : تكذيبه وعصيانه ، والآخرة : قوله : أنا ربكم الأعلى ، عن أبي رزين من طريق إسماعيل بن سميع .                                                                                                             =

 

=      رابع : أول عمله وآخر عمله ، وهو قول مجاهد من طريق منصور ، والكلبي من طريق معمر .

 

([60])    جاء قصة موسى مع فرعون بين إنكار المنكرين للبعث وبين أدلته التي تبدأ بقوله تعالى : {ءانتم أشد خلقا} ، وفيها إشارة إلى تهديد هؤلاء المنكرين بأن الله قد عذب من هو أشد منهم قوة ، وأنهم لا يعجزونه إن لم يؤمنوا بما جاء به نبيه أن يقع بهم ما وقع بفرعون ، والله أعلم .

 

([61])    لما كان طلوع الشمس وغروبها ينتج عنهما ظلمة الليل وضوء الضحى ، والشمس في السماء ، أضاف ظلمة الليل وضوء الضحى إليه . هذا من قول الطبري في تفسيره .

 

([62])    ورد التفسير بذلك عن : قتادة من طريق سعيد ، والسدي من طريق أبي حمزة ، وسفيان من طريق عبد الرحمن .

 

وعبر ابن زيد عن ذلك بقوله : "{دحاها} حرثها وشقها ، وقال : {أخرج منها ماءها ومرعاها} [النازعات : 31] ، وقرأ : {ثم شققنا الأرض شقا} حتى بلغ : {وفاكهة وأبا} [عبس : 29-31]، وقال : حين شقها أثبت هذا منه ، وقرأ : {والأرض ذات الصدع} [الطارق : 12] " . فجعل الدح  مفسراً بما بعدها ، وكذا ورد عن ابن عباس . وهذا من تمام الدحو لا من تفسيره على لفظه ، والله أعلم .

 

([63])    أشكل على بعض العلماء هذا النظم في سياق خل السماء والأرض ، ذلك أن الله ذكر في أكثر من موضع خل الأرض قبل خلق السماء ؛ مثل قوله تعالى : {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم =

 

=      استوى إلى السماء} ، وقال : { قل انبئكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ويجعلون له أندادا بذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين * ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض أئتيا طوعا و كرها قالتا أتينا طائعين * فقضهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا وذلك تقدير العزيز العليم } [فصلت : 9-12] .

 

والجواب الصحيح في ذلك ما ذهب إليه حبر الأمة ابن عباس ، وفحواه : أن الله خلق الأرض في يومين غير مدحوة ، ثم استوى إلى السماء فخلقها ، ثم دحا الأرض ، فالخلق غير الدحو الذي تتحدث عنه آية النازعات . انظر : (تفسير الطبري ، وفتح الباري ، سورة فصلت من كتاب التفسير) ، وانظر : (تأويل مشكل القرآن : 67 ، وتهذيب اللغة : 2 : 243) . وقد جعل مجاهد والسدي المعنى: والأرض مع ذلك دحاها ، وهذا يبين أن الإشكال قد ورد عليهما ، فخلصا منه بهذا التأويل ، وهو ضعيف ؛ لأن دلالة الآية واضحة على قول ابن عباس ، ولا تحتاج إلى تأويل "بعد" بمعنى "مع" ، وبقاء اللفظ على معناه ، مع صحة تأويل الآية ، أولى من جعله بمعنى لفظ آخر يُحمل عليه تأويل الآية.

 

وقد ذكر بعض اللغويين أن "بعد" بمعنى "قبل" ، وهذا لتخريج الإشكال الوارد على الآية ، ويقال فيه ما قيل في القول الذي قبله .

 

([64])    هذا الإخراج من توابع دحو الأرض ، والآية تثبت أن الماء الذي في الأرض أصله من الأرض ؛ لقوله : {منها} ، والمرعى في القرآن : مكان الكلأ والعشب الذي تأكله البهائم ، وقد ناسب ذكره هنا، لقوله بعد ذلك : {متاعاً لكم ولأنعمكم} وهو في النهاية يرجع إليهم ؛ لأن الأنعام من متاعهم ، غير أن في ذكر الأنعام هنا إشارة إلى أن الأنعام تشاركهم في التمتع في الأرض ، وأن عليهم زيادة في ذلك، وهو الاعتبار والأتعاظ بما أنعز الله عليهم به ، لكيلا يكونوا كالأنعام أو أضل سبيلاً ؛ كما قال تعالى : {كلوا وارعوا أنعمكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى} [طه : 54] ، والله أعلم .

 

([65])    تثبت هذه الآية الجبال مرساه ، كما ورد في الآيات الأخرى أنها مرسية للارض ، وهذا يعني أن الجبال تثبت الأرض ، كما أن الجبال ثابتة – أي : مرساة – في الأرض ، فلو قلعت من مكانها لما استقرت الأرض . والله أعلم .

 

([66])    قال ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة – في الطامة -: من أسماء القيامة ، عظمه الله ، وحذره عباده.

 

([67])    هذا جواب إذا ، وهو مضمر ، وذكر الطبري عن القاسم بن الوليد الكوفي القاضي (ت: 141) في قوله {فغذا جاءت الطامة الكبرى } ، قال : "سيق أهل الجنة إلى الجنة ، وأهل النار إلى النار" ، وتفسيره هذا يشعر بأنه جواب إذا ، ويؤخذ منه أن الجواب يقدر بما يناسب السياق ، والله أعلم .

 

وذكر في وجواب إذا قول آخر ، وهو مبني على قوله : {فأما من طغى} [النازعات : 37] وما بعدها، والتقدير : إذا جاءت الطامة الكبرى ، كانت أحوال الطاغين كذا ، وأحوال المتقين كذا ، والله أعلم .

 

([68])    غلب استخدم لفظ السعي في القرآن على ما يعلمه الإنسان من خير و شر .

 

([69])    رواه مسلم ، وقد ورد هذا المعنى في قوله تعالى : {وبرزت الجحيم للغاوين} [الشعراء : 91] ، وقوله : {وجائ يومئذ بجهنم} [الفجر : 23] ، ويلاحظ في هذه الأفعال أنها جاءت على صيغة المفعول دلالة على الاهتمام بالحدث دون فاعله ، كما يلاحظ أن الآية ذكرت مجيء النار دون الجنة؛ لأن المقام مع المكذبين بالبعث ، فناسب ذلك ذكرها تهديداً ، والله أعلم .

 

([70])    غلب اسهم الهوى على ما هو مذموم .

 

([71])    جاء الخطاب على صيغة الغيبة تلطفاً في عتاب النبي صلى الله عليه وسلم . وجاء ذكر عبد الله بن أم مكتوم بوصفه إشعاراً بعذره في عدم معرفته بانشغال الرسول صلى الله عليه وسلم ، وترقيقاً لقلب النبي صلى الله عليه وسلم لأجل علته ، وهي العمى ، حيث يحتاج من الرعاية ما لا يحتاجها غيره، والله أعلم .

 

([72])    عبر ابن زيد عن معنى "يزكى" فقال : يسلم ، وهذا فيه إشارة إلى أن ابن أم مكتوم لم يسلم بعد، وقد سبق بيان كلية تفسيرية لهذا اللفظ عند ابن زيد ، وهي أن التزكي في القرآن بمعنى الإسلام .

 

([73])    في ذكر التزكي وبعده التذكر ، وهو حصول أثر التذكير احتمالان :

 

الأول : أن يكون الأمر من قبيل التخلية والتحلية ، فالتزكي : تطهير ، وهذا جانب التخلية ، وحصول التذكر في القلب تحلية .

 

الثاني : أن يكون التزكي : كمال حصول الموعظة في القلب ، والتذكر : ما يحصل فيه القلب من يسيرها ، ويكون المعنى : إن لم يقع منه كمال تزك ، وقع منه يسير ينفعه في المستقبل ، والله أعلم .

 

([74])    يذكر بعض المفسرين أن معنى استغنى : استغنى بماله ، ولا يمنع أن يكون هذا الكافر غنياً بماله ، غير أن المناسب لسبب النزول أن يكون استغنى عن الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ، والله أعلم .

 

([75])    يذكر بعض المفسرين في "ما" احتمالاً آخر ، وهو أن تكون نافية ، ويكون المعنى ، لا شيء عليك إذا لم يسلم هذا الكافر ، والأول أنسب لسياق العتاب ، والله أعلم .

 

وفي كلا الاحتمالين إشارة لمهمة النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي أن عليه البلاغ ، أما الهداية فمن الله ، كما قال تعالى : {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء} [البقرة : 272] ، وقال : {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} [النور : 54] .

 

([76])    أعاد بعض المفسرين الضمير في "ذكره" إلى الله ، والمعنى : فمن شاء من العباد ذكر الله . غير أن سياق الآيات يدل على الأول ؛ لأن الحديث عن القرآن قبل هذه الآية وبعدها ، والله أعلم .

 

([77])    وقع خلاف في المراد بالصحف ، وهو مبني على الاختلاف في المراد بالسفرة ، على قولين :

 

الأول : أن السفرة الملائكة ، وهو قول ابن عباس من طريق العوفي ، وابن زيد ، ونسبه ابن كثير إلى مجاهد والضحاك .

 

الثاني : أن السفرة القراء ، قاله قتادة من طريق سعيد ، وذكر ابن كثير عن وهب بن منبه ، قال : هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم .

 

والقول الأول أرجح ؛ لدلالة قوله صلى الله عليه وسلم : "الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة..." فوصفهم بما ورد في هذه الآيات ، وحمله عليه أولى ، ثم إن وصف المؤمنين في القرآن جاء على صيغة "الأبرار" ، لا البررة ، مما يشعر أن المعني بهذا الوصف الملائكة .

 

([78])    عبر ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة ، وقتادة من طريق معمر ، عن السفرة بأنهم الكتبة، كما عبر قتادة من طريق سعيد بأنهم القراء ، وتأويل السفرة بالرسل يشمل هذه المعاني ، قال الإمام الطبري: "وأولى الأقوال في ذل بالصواب قول من قال : هم الملائكة الذين يسفرون بين الله ورسله بالوحي ... وإذا وجه التأويل إلى ما قلنا ، احتمل الوجه الذي قاله القائلون : هم الكتبة ، والذي قاله القائلون : هم القراء ؛ لأن الملائكة هي التي تقرأ الكتب ، وتسفر بين الله وبين رسله " .

 

([79])    الكريم : هو الشريف في جنسه ، وقد وصف الله الملائكة بهذا الوصف في قوله تعالى : {كراما كاتبين} [الانفطار : 11] .

 

([80])    قال ابن كثير : "ومن هنا ينبغي لحامل القرآن أ، يكون في أفعاله وأقواله على السداد والرشاد" .

 

([81])    قال مجاهد من طريق الأعمش : "ما كان في القرآن (قتل الإنسان) أو فعل بالإنسان، فإنما عنى به الكافر" . وقال الطاهر بن عاشور (30 : 326) "الغالب في إطلاق لفظ الإنسان ، في القرآن النازل بمكة ؛ كقوله : {إن الإنسان ليطغى} [العلق : 6] ، {أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه} [القيامة : 3] ..." .

 

([82])    عبر المفسرون عن معنى "قتل" : لعن ، وهو تفسير بالمعنى ؛ لأن من دعاء عليه الله بالقتل ، فقد طرده من رحمته ، وهو معنى اللعن. (انظر : تفسير ابن عطية لقوله : {قتل أصحاب الأخدود} [البروج :4] ويحسن الوقف في هذه الجملة على "الإنسان" ، والاستئناف بما بعدها ، لبيان المعنى فيهما .

 

([83])    هذا التفسير على أن "ما" تعجبية ، وقد جعلها بعض المفسرين استفهامية، ويكون تقدير الكلام : أي شيء جعله يكفر . ، والتعجب – فيما يظهر – أبلغ في هذا المقام ، وهو أنسب في بيان شدة كفر هذا الكافر ، والله أعلم .

 

ويكون الخلاف من اختلاف التنوع الذي يرجع إلى أكثر من معنى ، وسببه : الاشتراك اللغوي ، والله أعلم .

 

([84])    السبيل في اللغة : الطريق ، وقد اختلف السلف في المراد بهذا السبيل في الآية ، على قولين :

 

الأول : السبيل : طريق خروجه من بطن أمه ، وهو قول ابن عباس من طريق العوفي ، وأبي صالح من طريق إسماعيل ، والسدي من طريق سفيان ، وقتادة من طريق معمر وسعيد ، وهذا القول يناسب السياق .

 

الثاني :السبيل : طريق الحق والباطل ، بيناه وأعلمناه ، وهو قول مجاهد من طريق منصور وابن أبي نجيح، وجعل الآية نظير قوله تعالى : {إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا} [الإنسان :3] ، وقول الحسن من طريق قتادة ، وعبر عنه ابن زيد ، بقوله : "والسبيل : سبيل الإسلام" ، وهذا القول محمول على نظير له في القرآن .

 

ورجح الطبري القول الأول بدلالة السباق ، فقال : "وأولى التأويلين عندي بالصواب قول من قال : ثم الطريق ، وهو خروجه من بطن أمه ، يسره . وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالصواب ؛ لأنه أشبههما بظاهر الآية ، وذلك أن الخبر قبلها وبعدها عن صفته خلقه ، وتدبيره جسمه ، وتصريفه إياه في الأحوال ، فالأولى أن يكون أوسط ذلك نظير ما قبله وما بعده" .

 

ويكون هذا الاختلاف من قبيل اختلاف التنوع الذي يرجع إلى أكثر من معنى ، وسببه التواطؤ في لفظ السبيل ، والله أعلم .

 

([85])    يسمى المباشر للدفن قابر ، والآمر به مقبر ؛ فتقول : أقبره الله ، وقبره فلان ، كما قال الأعشى :

 

ولو أسند ميـت إلـى صدرهــا              لعــاش ولــم ينقـل إلى قابــر

 

أي : إلى دافن يدفنه في قبره .

 

([86])    يلاحظ في الآيات السابقة تكرر العطف بـ "الفاء" ، و "ثم" ، أما الأولى : فللدلالة على تعاقب الحدثين ، وسرعة وجود الآخر بعد الأول . وأما الثاني : فللدلالة على تراخ وبعد بين الحدثين، وسرعة وجود الآخر بعد الأول . وأما الثاني : فللدلالة على تراخ وبعد بين الحدثين ؛ فقوله تعالى : {من نطفة خلقه فقدره} ، إشارة إلى أن الأطوار المقدرة تعقب حال النطفة ، ثم قال :{ثم السبيل يسره} ، وهذا إشارة إلى طول الزمان الذي يقر فيه الجنين في البطن بعد التقدير ، ثم قال : {ثم أماته فأقبره} ، وهذا يدل على تراخ بين خروجه من بطن أمه إلى موته ، وهي فترة الحياة التي يعيشها ، أما الفترة التي بين موته ودفنه فإنه يسيرة ، ولذا جاء التعقيب بالفاء ، ولما كان الزمن بين الموت والبعث طويلاً ، جاء التعقيب بحرف العطف "ثم" ، والله أعلم .

 

([87])    قال مجاهد من طريق ابن أبي نجيح : "لا يقضي أحد أبداً ما افترض عليه" . وهو بهذا يجعل الضمير في "يقض" عاماً للكافر والمؤمن ، ويكون المؤمن على قوله هذا داخلاً في معنى هذه الآية ، وهذا القول صحيح في التفسير ؛ لأن الآية – وإن كانت نازلة في الكافر – تصدق على المؤمن قياساً ، والله أعلم.

 

([88])    الخطاب هنا للكافر ، وهو إن كان نازلاً فيه أولاً ، فإنه لا يعني أنه مختص به ، بل يدخل معه غيره؛ لأن الاعتبار مطلوب منه ومن المؤمن ، والله أعلم .

 

([89])    قال مجاهد : "قوله : "فلينظر الإنسان إلى طعامه} : آية لهم " .

 

([90])    فرئ : "إنا" على الاستئناف ؛ أي أنه استأنف الخبر مبيناً الأحوال التي يمر بها الطعام ، ,والقراءة الأخرى "أنا على البدل ، وهو بدل اشتمال ، وهذا يعني أن الأحوال المذكورة التي يمر بها الطعام ، هي محل النظر والاعتبار ، والله أعلم .

 

([91])    وردت عبارة السلف عن القضب كالآتي : عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة  : الفصفصة، وعن قتادة من طريق سعيد : الفصافص ، وعن الضحاك من طريق عبيد : الرطبة ، وعن الحسن من طريق يونس : العلف .

 

وقال ابن جرير : يعني بالقضب : الرطبة ، وأهل مكة يسمون القت : القضب .

 

وهذا يعني أن القضب له أكثر من مسمى ، فعبر عنه كل واحد منهم بأحد أسمائه ، وهي : العلف ، والرطبة ، والقت ، وهو البرسيم كذلك .

 

وأن حمل تفسير السلف على المثال لا التعيين في هذا الوضع ، فإن القضب يطلق على ما يقضب من النبات ؛ أي ك يقطع ثم ينمو ، ويشمل ذلك أصنافاً كثيرة تشبه العلف في هذا الوصف ؛ كالجبرجير والكراث والنعناع ، وغيرها ، والله أعلم .

 

([92])    قال أبو جعفر الطبري : وقوله : {غلبا} ؛ يعني : غلاظاً ، ويعني بقوله : {غلبا} : أشجاراً في بساتين غلاظ ... وبنحو الذي قلنا قال أهل التأويل ، على اختلاف منهم في البيان عنه " . ثم ذكر الرواية عن السلف كالآتي :

 

1-     ما التف واجتمع ، عن ابن عباس من طريق كليب بن شهاب .

 

2-     الطيبة ، عن مجاهد من طريق ابن أبي نجيح .

 

3-     نبت الشجر كله ، عن ابن عباس من طريق كليب بن شهاب ، ومن طريق عكرمة : الشجر يستظل به في الجنة .

 

4-     الطوال ، عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة .

 

5-     النخل الكرام ، عن قتادة من طريق سعيد ومعمر .

 

6-     العظام ، عن ابن زيد : عظام ، النخل العظيمة الجذع ، وعن عكرمة : عظام الأوساط .

 

وإذا تأملت هذه الأقوال وجدتها تأتلف ولا تختلف كما قال ابن جرير ، فالغالب : العظيمة الجذع، وهو تعبير عكرمة ، ومثل له ابن زيد بالنخل ، وإذا كانت عظيمة الجذع ، فإنها ستلتف وتجتمع كما قال ابن عباس ، وهي نبت الشجر كله ، وهو الشجر الطويل كما قال ابن عباس ، فنبه على أن   =

 

 

 

=      الشجر يصلح أن يكون بهذه الصفة ، والعادة جرت على طيب شجر هذه الحدائق ، وهو تفسير مجاهد ، والله أعلم .

 

([93])    جعل السلف الفاكهة للناس ، فقال الحسن من طريق مبارك :الفاكهة : ما يأكل ابن آدم ، وقال مجاهد من طريق ابن أبي نجيح : ما أكل الناس ، وقال قتادة من طريق سعيد : أما الفاكهة فلكم ، وقال ابن زيد : الفاكهة لنا .

 

أما الأب ، فالجمهور على أنه الكلأ والعشب الذي للحيوان ، وقد عبر السلف عن ذلك بقولهم : الأب: ما أنبتت الأرض مما لا يأكل الناس ، أو الكلأ والمرعى كله ، ورد ذلك عن ابن عباس من طريق كليب بن شهاب ، وعن سعيد بن جبير ، وعن العوفي ، وعن مجاهد من طريق الأعمش أو غيره وسفيان وابن أبي نجيح ، والحسن من طريق مبارك ومعمر ويونس ، وقتادة من طريق سعيد ، والضحاك من طريق عبيد ، وابن زيد .

 

وعبر أبو رزين ، فقال : الأب : النبات . وهذا أعلم من الأقوال التي ذكرت .

 

وورد عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة ، أنه الثمار الرطبة ، وهو غريب .

 

ونسب للضحاك أنه التبن (الدر المنثور) ، ويجوز أن يعود إلى معنى النبات أو العشب على أنه يبيسهما، فيكون فسر بمآل الأب لا عينه ، والله أعلم .

 

وأصل الأب في اللغة دال على العود ؛ أي : أنه شيء الذي يذهب ثم يعود ؛ كقولهم : "أب إلى وطنه" ؛ أي : عاد إليه ، وهذا المعنى متحقق فيما قاله المفسرون في معنى الأب من أنه : النبات، أو العشب ، أو الثمار الرطبة ، أو التبن ؛ لأنها تجيء بعد ذهاب ، غير أو الأول أولى ؛ لأنه قول الجمهور، وللإشارة إليه بقوله : {ولانعامكم} على ما فسره أصحاب هذا القول ، والله أعلم .

 

أما ما ورد عن صديق الأمة رضي الله عنه من أنه سئل عن الأب ، فقال : "أي سماء تظلني ، وأي أرض تقلني إن قلت في كتاب الله ما لا أعلم " ، فهو منقطع الإسناد .

 

وما صح عن عمر أنه قرأ هذه الآية ، فقال : " قد عرفنا الفاكهة ، فما الأب ؟ قال : لعمرك يا ابن الخطاب ، إن هذا لهو التكلف"  ، وله روايات أخرى . فإن فيه أن عمر لم يعرف معنى الأب ، ولعلها ليست من لغة قريش ، فجهلها . وفيه أنه جعل طلب معرفة ذلك من التكلف ، وفي هذا إشكال ، وهو هل تطلب مثل هذا يدخل في التكلف ؟! الله أعلم .

 

([94])    ورد عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة أن الصاخة من أسماء يوم القيامة .

 

([95])    استشهد النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية لبيان انشغال كل واحد بنفسه في هذا اليوم ، فقد ورد في الحديث أنه قال : "يحشر الناس حفاة عراة غرلاً ، فقالت عائشة : أيبصر بعضنا بعضاً ؟! فقال : يا عائشة : {لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه} " .

 

([96])    عبر السلف عن التكوير بالعبارات الآتية :

 

1- ذهبت ، وهو قول ابن عباس من طريق العوفي ، والضحاك من طريق عبيد ، وقال مجاهد من طريق أبي يحيى: اضمحلت وذهبت ، وقال سعيد بن جبير من طريق جعفر : غورت .

 

2-  ذهب ضوؤها ، وهو قول أبي بن كعب من طريق أبي العالية ، وقتادة من طريق شعبة ، وقال ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة : أظلمت .

 

3-     رُمي بها ، وهو قول الربيع بن خثيم ، وأبي صالح من طريق إسماعيل ، وفي رواية أخرى ن طريق إسماعيل: نكست .

 

وهذه الأقوال ترجع إلى معنيين : ذهابها بذاتها ، يلحقه ذهاب ضوئها ، ورميها ، وعلى هذه التفاسير يكون التكوير محتملاً لهذين الأمرين ، ويربط بينهما أنهما من الأحوال التي تمر بها الشمس في ذلك اليوم ، فجاءت هذه اللفظة الواحدة دالة على هذه المعاني ، والله أعلم .

 

قال ابن جرير الطبري : "الصواب من القول عندنا في ذلك أن يقال : "كورت" كما قال الله جل ثناؤه ، والتكوير في كلام العرب : جمع بعض الشيء إلى بعض ، وذلك كتكوير العمامة ، وهو لفها على الرأس ، وكتكوير الكارة ، وهي جمع الثياب بعضها إلى بعض ولفها ، وكذلك قوله : {إذا الشمس كورت} إنما معناه : جمع بعضها إلى بعض ، ثم لفت ، فرمي بها ، وإذا فعل ذلك بها ذهب ضوؤها ، فعلى التأويل الذي تأولناه وبيناه لكلا القولين اللذين ذكرت عن أهل التأويل وجه صحيح، وذلك أنها إذا كورت ورمي بها ذهب ضوؤها" .

 

وعلى هذا الترجيح من الطبري يزيد معنى اللف والمع ، ولم أجده لأحد من السلف قبل الطبري ، وهو مستنبط من المعنى اللغوي للتكوير ، كما أن من قال : رمي بها ، فإنه مأخوذ من معنى لغوي آخر في مادة التكوير ، تقول : كورت الرجل ؛ أي : طرحته في الأرض ، وقد ورد في الحديث : "الشمس والقمر ثوران مكوران في النار" . وهذا يشهد لهذا المعنى التفسيري ، ويزيد عليه بيان مآل الشمس . أما من فسرها بذهبت واضمحلت فإن ذلك لازم لفها كما ذكرى الطبري ، وإذا ذهبت ذهب ضوؤها ، والله أعلم .

 

([97])    ورد في تفسير الأنكدار قولان :

 

الأول : تناثرت ، وهو قول الربيع بن خثيم ، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح ، وأبي صالح من طريق إسماعيل ، وقتادة من طريق سعيد ، وعبارته : "تساقطت وتهافتت} ، وابن زيد ، وعبارته : "رمي بها من السماء إلى الأرض" .

 

والثاني : تغيرت ، وهو قول ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة .

 

وهذان القولان ليس بينهما تضاد ، بل الثاني من لوازم الأول ، والمعنى أنها إذا تساقطت ؛ كما قال تعالى : {وإذا الكواكب انتثرت} [الانفطار : 2] ، فإنها تتغير ويذهب ضوؤها ؛ كما قال تعالى {وإذا الكواكب انتثرت} [الانفطار : 2] ، فإنها تتغير ويذهب ضوؤها ؛ كما قال تعالى : {فإذا النجوم طمست] [المرسلات :8] . وهذان القولان مرجعهما اللغة ، فالأول جعل اللفظ من الانكدار ، أي الانصباب ؛ كما قال العجاج :

 

تقضى البـازي إذا البـازى كسر          أبصـر غربـان فضـاء فانكـدر

 

والمعنى الثاني مأخوذ من الكدرة ، وهي التغير ، تقول : كدرت الماء فانكدر ؛ أي : تغير بما يكدر صفاءه ، وهذا من اختلاف التنوع الذي يرجع إلى معنيين غيرمتضادين ، ويجوز أن يرادا في الآية ، ويكون سبب الاختلاف التنوع الذي يرجع إلى معنيين غير متضادين ، ويجوز أن يرادا في الآية ، ويكون سبب الاختلاف الاشتراك اللغوي في لفظ : انكدرت ، والله أعلم .

 

([98])    عبر مجاهد عن معنى التسيير بقوله : "ذهبت" ، وهذا من لوازم تسيير الجبال ؛ لأنها إذا سارت فقد ذهبت ، والله أعلم .