روابط مصاحف م الكاب الاسلامي

روابط مصاحف م الكاب الاسلامي
 

Translate

الأربعاء، 1 يونيو 2022

البيّنات في تفسير سورة الحجرات د. عبد المجيد البيانوني

 

البيّنات في تفسير سورة الحجرات د. عبد المجيد البيانوني 

v

 

الطبعة الأولى 13هـ

الطبعة الثانية 1424

الطبعة الثالثة 1426 مزيدة ومنقّحة 

خطّة تفسير سورة الحجرات

ـ المقدّمة .

ـ المدخل إلى السورة :

نظرات إجماليّة في السورة ، وفيه ثمانية مباحث .

ـ المبحث الأوّل : نظرة إجماليّة في السورة ، والموضوعات الرئيسة التي تتحدّث عنها .

ـ المبحث الثاني : إحصاءات في السورة وبيان دلالاتها .

ـ المبحث الثالث : الوحدة الموضوعيّة في السورة .

ـ المبحث الرابع : أسباب النزول ، وطرف من حكمتها ودلالاتها .

ـ المبحث الخامس : افتتاح السورة ودلالاته .

ـ المبحث السادس : كلمة في التقوى .

ـ المبحث السابع : حقائق الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته .

ـ المبحث الثامن : وقْفةٌ أمامَ حُجُراتِ النبيّ e

ـ مقدّمة السورة .

ـ الفصل الأول الأدب مع رسول الله e .

ـ الفصل الثاني التثبّت في تلقّي الأخبار وروايتها .

ـ الفصل الثالث : مسئوليّة الأمّة عند وقوع الفتن .

ـ الفصل الرابع : أمّهات الأخلاق الاجتماعيّة .

ـ الفصل الخامس : أصل الإنسان وحقيقة الإسلام والإيمان .

ـ خاتمة السورة .

ـ أهمّ المراجع . 

مقدّمة برنامج تحفيظ القرآن الكريم

 

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً قيّماً ، والصلاة والسلام التامّان الأكملان على أكرم الخلق ، المبعوث بالحقّ ، ليتمّم مكارم الخلق سيدنا محمد ، خاتم الأنبياء والمرسلين ، وسيّد الأوّلين والآخرين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ؛

فإن سورة الحجرات من سور القرآن الكريم المتميّزة بطبيعة الموضوعات الأخلاقيّة والتربويّة التي تعالجها وتتحدّث عنها ، وهي تضع بين يدي المؤمنين منهجاً متكاملاً للحياة الاجتماعيّة المثلى ، بما فيها من الواجبات والالتزامات التي يريد الله تعالى لعباده أن يسعدوا في رحابها ، ويتقلّبوا في رياضها ، لتقوم حياتهم على أسس راشدة ، ويكونوا بحقّ حملة رسالة الإنقاذ للإنسانيّة التائهة وراء السبل الملتوية .

وإن برنامج تحفيظ القرآن الكريم ليسرّه أن يقدّم هذه الدراسة الموضوعيّة الهادفة عن سورة الحجرات التي كتبت لدورات إعداد المدرّسين لحلقات القرآن الكريم ، والتي نهدف من وراء نشرها تعميم النفع ونشر الخير ، سائلين الله تبارك وتعالى أن يسدّد خطانا وخطا جميع العاملين لنصرة دينه ، وأن يلهمنا رشدنا ، ويعيذنا من شرور أنفسنا ، ويتقبّل منا ، فهو المستعان وعليه التكلان ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .

 


m الطبعة الأولى

 

الحمد لله ربّ العالمين ، حمداً يوافي نعم ربّنا ويكافئ مزيده ، سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ، وأشهد ألا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمّداً عبده ورسوله ، وصفيّه وخليله ، خير من حمل الأمانة ، وبلّغ الرسالة ، ونصح الأمّة ، وجاهد في الله حقّ جهاده ، حتى أتاه اليقين ، فجزاه الله تعالى خير ما جزى نبيّاً عن قومه ورسولاً عن  أمّته ، وصلّى الله وسلّم وبارك عليه وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين ، وصحابته البررة المقرّبين الغرّ الميامين ، وعلى من أحبّهم ووالاهم ، واتّبع أثرهم واقتفى هداهم إلى يوم الدين ، وبعد ؛ فعندما نقبل على مائدة القرآن علينا أن نفرغ عقولنا من كثير من المفاهيم والتصوّرات ، ونستعدّ استعداداً خاصّاً لاستشراف معاني القرآن ومفاهيمه وحقائقه ، والعيش في رحاب الأجواء التي تنزّل فيها ، والأمّة التي كان يَبنيها ، وعلينا أن نهيّئ قلوبنا لتتأهّل لتلقي أنوار القرآن ، واستقبال فيوضاته .

فليس جديراً بالاغتراف من هداية القرآن ومعينه من يقبل عليه ملتمساً أن يجد فيه التبرير لما يعانيه ، أو ينتزع منه التزكية للواقع الذي هو فيه ..

وليس جديراً بهداية القرآن وأنواره من لا يقبل عليه إلا بدافع المتعة الأدبيّة ، أو الاطّلاع على ثقافة فكريّة ، أو معلومات تاريخيّة ..

إنه الكتاب العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ، ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد ، وكما تنزّل بين ظهراني الجيل الأول منذ أربعة عشر قرناً ليسعده بهداية الله سبحانه ، فهو يٌتلى في هذا القرن غضّاً طريّاً كما أنزل أول يوم ومهمّته في هذا الجيل لا تقلّ ولا تتقاصر عن مهمّته في الجيل الأول ، ولكن الفارق الكبير بين الجيلين يتمثّل في الاستعداد للتلقّي والاستقبال ، الذي كان على أتمّه وأرفعه في الجيل الأول ، وليس منه إلا ذبالة ضعيفة في هذا  الجيل ، إلا من رحم ربّك ، وقليل ما هم ، وتلك حقيقة إيمانيّة بدهيّة لا ينبغي أن تغيب عن فكر المؤمن وقلبه ، وهي جديرة بكل اهتمامه وعنايته ، إن كان يريد أن يسعد نفسه ، ويصنع منها إنساناً له وزنه وتأثيره في هذه الحياة .

ولقد كان من هذه الحقيقة موعظة فاعلة مؤثّرة ، صنعت عبقريّة المفكّر المسلم ، والشاعر الملهم محمّد إقبال ، فعندما سئل : ما أشدّ ما أثّر في حياتك .؟ فقال : أشدّ ما أثّر في حياتي كلمة سمعتها من أبي : " يابنيّ .! اقرأ القرآن ، وكأنه عليك أنزل " ، وإن كل من يتمثّل هذه النصيحة الأبويّة عندما يتلو القرآن أو يسمعه ، يجد نفسه يسمع بغير سمعه ، ويعي بغير وعيه ، ويحيا مع القرآن أسعد لحظات عمره ، ويشعر وكأن أسرار القرآن وأنواره تتفجّر في قلبه ووجهه ، لتنقله إلى عالم آخر بعيد كلّ البعد عن هذا العالم واهتماماته الصغيرة المحدودة ، ومشاعره القاصرة المسفّة .

لقد كان جيل الصحابة نفيس المعدن ، نقيّ الجوهر ، مثاليّاً في كلّ  شيء  رائداً للخير في كلّ موقف ، ومع ذلك فقد كان القرآن لا يكتفي من ذلك الجيل الربّانيّ في تربيته وتوجيهه أن يبقى على ما هو عليه ، بل يزيده في كلّ يوم كمالاً إلى كماله ، ورقيّاً إلى رقيّه ، فيتعهّده بالرعاية المستمرّة في كلّ موقف ، ولا يترك أيّ موقف ، قد يحسبه أحدنا موقفاً عارضاً بسيطاً لا يؤبه  له ، ولا يشكّل ظاهرة تستحقّ الاهتمام أو المتابعة .. لا يترك القرآن الكريم له مثل ذلك الموقف يمرّ مروراً عابراً ، وإنما يسجّل التوجيهات ، ويقرّر الأحكام ، ويقدّم العبر ، ويلفت الأنظار لما ينبغي أن ترتفع إليه النفوس وتزكو ، وتتحلّى به وتسمو ..

وإن في ذلك لدليلاً وأيّ دليل على أن هذا القرآن من عند الله سبحانه ، إذ أنه ليس من طبيعة البشر ومقدورهم ، وليس في طوقهم واستعدادهم مهما علا شأنهم ، أن يتابعوا كلّ هفوة ، وينتبهوا لكلّ زلّة ، ويلاحظوا كلّ قصور مهما دقّ وقلّ ، وبخاصّة إذا صدر ممن سما قدره ، وارتفع سهمه .

واعتبر ذلك بما نحن بصدده هنا ، وبما جاء في وقائع السيرة النبويّة المطهّرة وأحداثها مما يشابه هذه الوقائع ، ويمتّ إليها بأقوى سبب .

وتأمّل فيما تنزّل من القرآن بعد غزوة أحد ، وتعقيب القرآن على ما كان فيها من مواقف الصحابة y .

 

وتأمّل كذلك موقف الصحابة y عندما نزل قول الله تعالى : { لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ .. (284) } البقرة ، وما نزل بعد ذلك من تخفيف الله تعالى على هذه الأمّة وعفوه بفضل الطاعة والاستجابة .

وانظر أيضاً إلى موقف الحُباب بن المنذر t في غزوة بدر ، عندما قال للنبيّ e : " يارسول الله e .! أهذا منزل أنزلكه الله تعالى ليس لنا أن نتقدّم عنه أو نتأخّر ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة .؟

واعتبر ذلك أيضاً بموقف سعد بن معاذ t في غزوة بدر ، عندما قال النبيّ e : ( أشيروا عليّ أيها الناس .! وكرّرها ، فقال سعد t  للنبيّ e : " والله لكأنك تريدنا يارسول الله e .! قال : أجل ! قال :

" قد آمنا بك وصدّقناك ، وشهدنا أن ما جئت به هو الحقّ ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فامض يارسول الله e لما أردت ، فنحن معك ، فوالذي بعثك بالحقّ لو استعرضت بنا البحر فخضّته لخضناه معك ، ما تخلّف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غداً ، إنا لصبر عند الحرب ، صدق عند اللقاء ، لعلّ الله يريك منا ما تقرّ به عينك ، فسر بنا على بركة الله " .

وقبله قال المقداد بن الأسود t : " يا رسول الله e امضِ لما أراك  الله ، فنحن معك ، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام : {  فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) } المائدة ، ولكن اذهب أنت وربّك فقاتلا ، إنا معكما مقاتلون ، فوالذي بعثك بالحقّ لو سرت بنا إلى برك الغماد ، لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه ، فقال له رسول الله e خيراً ، ودعا له به ([1]) .

وقارن ذلك أيضاً بموقف السعدين y في غزوة الخندق ، عندما استشارهما النبيّ e أن يعطي قبيلة غطفان ثلث ثمار المدينة ، ليرجعوا عن قتال المسلمين ، فقالا للنبيّ e : " يارسول الله e .! أمراً تحبّه فنصنعه ، أم شيئاً أمرك الله به ، لابدّ لنا من العمل به ، أم شيئاً تصنعه لنا .؟ قال : بل شيء أصنعه لكم ) ([2]) إلى غير ذلك من المواقف المشرقة المشهورة في السيرة العطرة ، التي ترى فيها مصداق ما قلنا وما قدّمنا .

 

وبعد ؛ فلقد تواردت على خاطري هذه المعاني ، وأنا أعيش مع سورة الحجرات ، تلك السورة التي اشتملت على مجموعة ضخمة من الحقائق الإيمانيّة والتربويّة ، والآداب الاجتماعيّة ، والأحكام التشريعيّة ، التي قام عليها المجتمع الإيماني الأول ، ونظّمت علاقاته ، فكانت منه أمّة متينة التكوين والبنيان ، الأمّة التي تحقّقت فيها الخيريّة على أمم الأرض بكلّ جدارة واقتدار .

فنسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يقبل على مائدة القرآن بقلبه وروحه ، وفكره وشعوره ، وأن يفتح مسامع قلوبنا لذكره الحكيم ، وكتابه المبين ، وأن يرزقنا طاعته وطاعة رسوله e ، ويجعلنا هداة مهتدين ، إنه أكرم مسئول ، والمرجّى للتوفيق والسداد والقبول ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، وهو مولانا نعم المولى ونعم النصير ، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين .

 

جدّة في 25/10/1416 هـ

 

 

وكتبه راجي عفو ربّه

عبد المجيد البيانوني

 

 

   


المدخل إلى السورة

 

نظرات إجماليّة في السورة ، وفيه ثمانية مباحث .

ـ المبحث الأوّل : نظرة إجماليّة في السورة ، والموضوعات

الأساسيّة التي تتحدّث عنها .

ـ المبحث الثاني : إحصاءات في السورة وبيان دلالاتها .

ـ المبحث الثالث : الوحدة الموضوعيّة في السورة .

ـ المبحث الرابع : أسباب النزول ، وطرف من حكمتها ودلالاتها .

ـ المبحث الخامس : افتتاح السورة ودلالاته .

ـ المبحث السادس : كلمة في التقوى .

ـ المبحث السابع : حقائق الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته .

ـ المبحث الثامن : وقْفةٌ أمامَ حُجُراتِ النبيّ e

 

   


المبحث الأوّل

نظرة  إجماليّة  في  السورة

والموضوعات الأساسيّة التي تتحدّث عنها

 

هذه السورة مدنيّة ، وقد ذكر الإمام ابن كثير رحمه الله أنها نزلت في السنة التاسعة من الهجرة ، وهي ثماني عشرة آية .

وهي سورة جليلة القدر ، تتضمّن حقائق كبيرة من حقائق العقيدة والشريعة ، ومن الحقائق الإنسانيّة ، التي تفتح للقلب وللعقل آفاقاً عالية ، وآماداً بعيدة ، وتثير في النفس خواطر عميقة ، ومعاني كبيرة ، وتشمل من مناهج التشريع والتوجيه ، وقواعد التربية والتهذيب ، ما يجعل دراستها وتدبّرها حقّاً على كلّ مؤمن ، ويجعل منها منهجاً لكلّ أسرة ، ودستوراً لكلّ جماعة أومجتمع .

وهي تُبرز أمام النظر أمرين عظيمين للتدبّر والتفكير :

ـ فأولهما : أنها تكاد تستقل بوضع معالم كاملة ، لعالمَ رفيع كريم نظيف سليم ؛ فهي تتضمن القواعد والأصول ، التي يقوم عليها هذا العالم ؛ والتي تكفل قيامه أولاً ، ورعايته ثانياً ، وصيانته أخيراً .

إنه عالم يصدر عن الله ، ويتجه إلى الله ، ويليق أن ينتسب إلى الله .. عالم نقي القلب ، نظيف المشاعر ، طاهر السريرة ، عفّ اللسان .

عالم له أدب مع الله سبحانه ، وأدب مع رسوله e ، وأدب مع نفسه وأدب مع غيره .

عالم له أدب في السرّ والعلانية ، في هواجس الضمير ، وفي حركات الجوارح .

عالم له شرائعه المنظّمة لأوضاعه ، وله نظمه التي تكفل صيانته . وهي شرائع ونظم تقوم على ذلك الأدب وتنبثق منه ، فتتلاقى شرائع هذا العالم ومشاعره ، وتتوازن دوافعه وزواجره ؛ وتتناسق أحاسيسه وخطاه ، وهو يتجه ويتحرك إلى الله ..

ومن ثَم يلتقي أدب الضمير ونظافة الشعور مع التشريع والتنظيم في انسجام وتناسق ، ويلتقي فيه الأفراد بالدولة ، والدولة بالأفراد ؛ وتتلاقى واجباتهما ونشاطهما في تعاون واتساق .

هو عالم له أدب مع الله ، ومع رسول الله e ، يتمثل هذا الأدب في إدراك حدود العبد أمام الله تعالى ، وأمام الرسول e الذي يبلغ عن الله ، فلا يسبق العبد المؤمن إلهه في أمر أو نهي ، ولا يقترح عليه في قضاء أو حكم ، ولا يتجاوز ما يأمر به أو ما ينهى عنه ، ولا يجعل لنفسه إرادة أو رأياً مع خالقه .. تقوى منه وخشية له ، وحياء منه وأدباً .. وهو عالم له أدب خاص في خطاب رسول الله e وتوقيره ، وغضّ الصوت عنده ، وانتظار خروجه للناس لسؤاله والحديث معه .

وهو عالم له منهجه في التثبت من الأقوال والأفعال ، والاستيثاق من مصدرها ، قبل الحكم عليها . يستند هذا المنهج إلى تقوى الله ، وإلى الرجوع بالأمر إلى رسول الله e ، في غير ما تقدم بين يديه ، ولا اقتراح لم يطلبه ولم يأمر به .

وهو عالم له نظمه وإجراءاته العلمية في مواجهة ما يقع فيه من خلاف وفتن تخلخل كيانه لو تركت بغير علاج . وهو يواجهها بإجراءات عملية منبثقة من قاعدة الأخوّة بين المؤمنين ، ومن القيام بالعدل والإصلاح ، ومن تقوى الله والرجاء في رحمته ورضاه .

وهو عالم له آدابه النفسيّة ، وضوابطه السلوكيّة ، في مشاعر بعضه تجاه بعض ، وفي معاملات بعضه بعضاً .

وهو عالم نظيف المشاعر مكفول الحرمات ، مصون الغيبة والحضرة ، لا يؤخذ فيه أحد بظنّة ، ولا تتّبع فيه العورات ، ولا يتعرّض أمن الناس  وكرامتهم ، وحرّيتهم فيه لأدنى مساس .

وهو عالم له فكرته الكاملة عن وحدة الإنسانيّة المختلفة  الأجناس ، المتعدّدة الشعوب ، وله ميزانه الواحد الذي يقوّم به الجميع ، إنه ميزان الله المبرّأ من شوائب الهوى والاضطراب .

والسورة بعد عرض هذه الحقائق الضخمة ، تحدّد معالم الإيمان وحقيقته ، وأبرز تكاليفه وتبعاته ، وتقدّم للمؤمنين في كلّ عصر وجيل : الميزان الربّانيّ ، الذي هو المعيار الصحيح ، المنزّه عن نزغات الهوى وأوهام الواهمين .

وتكشف السورة في ختامها عن ضخامة الهبة الإلهيّة للبشر ، الهبة التي لا تعدلها هبة ولا توازيها ، إنها هبة الإيمان التي يمنّ الله بها على من يشاء من عباده  بمقتضى علمه وحكمته ، وفضله ورحمته .

ـ وأما الأمر الثاني الذي يبرز للنظر في هذه السورة ، ومن مراجعة الوقائع التي كانت سبب نزول بعض آياتها ، فهو هذا الجهد الضخم الثابت المطّرد ، الذي تمثّله توجيهات القرآن الكريم ، والتربية النبويّة الحكيمة لإنشاء الجماعة المسلمة وتربيتها ، التي تمثّل ذلك العالم الرفيع الكريم ، الذي تحقّق على الأرض ، ولم يكن فكرة مثاليّة ، ولا خيالاً أدبيّاً .

وهذه الجماعة المثاليّة ، التي كانت حقيقة واقعة في فترة من فترات التاريخ الإنسانيّ ، لم تنبت فجأة ، ولم توجد مصادفة ، ولم تخلق بين يوم وليلة ، وإنما نمت نموّاً طبيعياً ، كما تنمو الشجرة الباسقة العميقة الجذور ، وأخذت الزمن اللازم لنموّها ، كما أخذت الجهد الموصول ، واحتاجت إلى العناية الساهرة ، والصبر الطويل ، والجهد البصير في التربية والتهذيب ، والتقوية والتثبيت ، واحتاجت إلى معاناة التجارب الواقعيّة المريرة ، والابتلاءات الشاقّة المضنية وكانت الرعاية الإلهيّة تحفّ في ذلك كلّه هذه الجماعة المختارة لحمل الأمانة الكبرى ، والقيام بها ، فأشرقت تلك الومضة العجيبة في تاريخ البشريّة ، ولم تكن حلماً يرفرف في الشعور ، أو رؤيا مجنّحة في الخيال ، وإنما تجلّت في ذلك الجيل الذي أقام دولة ، وبنى حضارة ، وكان رائد الأمم والشعوب ، فكان بحقّ خير القرون ، وخير أمّة أخرجت للناس .

 

ـ وأما الموضوعات الأساسيّة التي تتحدّث عنها هذه السورة ؛ فهي تنتظم من خلال التأمّل في مقدّمة ، وخمسة موضوعات نرتّبها في خمسة فصول  وخاتمة :

ـ المقدّمة : وهي الآية الأولى ، وتتحدّث عن وجوب التلقّي عن الله ورسوله e ، وهو الأصل العظيم الذي ينتظم السورة بما فيها من معان وحقائق والأمر بتقوى الله سبحانه ، وربط المؤمن بأسماء الله تعالى وصفاته .

ـ والفصل الأول : في وجوب الأدب مع رسول الله e ، والنهي عن رفع الصوت في حضرته ، أو الإساءة في مخاطبته .

ـ والفصل الثاني : في وجوب التثبّت في تلقّي الأخبار وروايتها ، والحذر من قبول رواية الفاسق والعمل بما فيها .

ـ والفصل الثالث : في مسئوليّة الأمّة عند وقوع الفتن ، ووجوب الإصلاح بين المتخاصمين من المؤمنين على كتاب الله تعالى ، وسنّة رسوله e .

ـ والفصل الرابع : في الأخوّة الإسلاميّة بين المؤمنين ، وما تقتضيه من الحقوق والواجبات والالتزام بالأخلاق الاجتماعيّة ، التي تحفظ الحقوق وتصون الحرمات .

ـ والفصل الخامس : في وحدة البشريّة ، وحقيقة الإيمان والإسلام ، وما يقتضيه الإيمان من طاعة الله ورسوله e ، والجهاد بالمال والنفس في سبيله .

ـ والخاتمة : في التأكيد على شمول علم الله تعالى لكلّ ما في هذا الوجود وأنه سبحانه لا يخفى عليه شيء في الأرض ، ولا في السماء ، مما يحتّم على المؤمن أن يستشعر رقابة الله تعالى في كلّ شيء ، وعند كلّ حركة أو سكون ، وأن يلتزم بطاعة الله تعالى ، وطاعة رسوله e ، ولا يقدّم عليها أي طاعة أو رأي أو حكم .

ـ ومن الأمور المهمّة التي تلاحظ في موضوعات هذه السورة الكريمة : الارتباط الوثيق بين الأخلاق والتشريع في الإسلام وبين الإيمان والعقيدة ، ويشمل ذلك عدّة حقائق أهمّها :

ـ أولها : أن الحقائق الإيمانيّة هي حقائق أخلاقيّة بعد أن تكون حقائق عقليّة فكريّة ، تقوم على منطق العقل وبراهينه ، ومن ذلك ندرك جانباً من أسباب الهجمة الشرسة على الأخلاق ، والمحاولات المستميتة لتحويلها إلى أخلاق نفعيّة أو نسبيّة ، ليتمكّن أعداء الإسلام من اختراق حصون العقيدة الحقّة ، والتشكيك في أصولها وحقائقها .

ـ وثانيها : أن الترابط الوثيق بين الإيمان بحقائقه وقيمه ، وبين الأخلاق والتشريعات ، يجعل الإيمان متميّزاً عن أن يكون حقيقة ذهنيّة مجرّدة ، أو فلسفة رياضيّة بحتة ، وإنما هو حقائق عقليّة ممتزجة بالوجدان العاطفيّ متفاعلة مع كيان الإنسان كلّه عقلاً وجسداً وروحاً .

ـ وثالث هذه الحقائق : أن الترابط الوثيق بين الإيمان بحقائقه وقيمه ، وبين الأخلاق على وجه الخصوص يجعل المؤمن يلتزم بمنهج الإسلام الأخلاقيّ بدافع خالص لوجه الله تعالى ، ابتغاء مرضاته ومثوبته ، لا حرصاً على محمدة أو ثناء ، أو بدافع السمعة والرياء ، وقد أثنى الله تعالى على عباده المتّقين لتحقّقهم بهذا المعنى ، الذي يفارق ما كان عليه العرب في جاهليّتهم من الحرص على الفخر والرياء ، وحبّ المحمدة والثناء ، والمجاهرة بذلك فقال سبحانه : { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمْ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) } الإنسان .

كما تضمن هذه الحقيقة للأخلاق أن تبقى قضيّة بدهيّة ، ثابتة راسخة ، لا تتزعزع على مرّ القرون والأجيال ، بل إنها لتتحوّل في حسّ الأمّة وعلاقاتها إلى جزء ثابت من شخصيّتها وكيانها الفرديّ والاجتماعيّ على حدّ سواء .

ـ ورابع هذه الحقائق : أن هذه السورة التي تتحدّث عن الآداب ابتدأت أولاً بالحديث عن الأدب مع الله تعالى ، ثمّ ثنّت بالحديث عن الأدب مع رسوله e ، ثمّ تحدّثت عما ينبغي أن يتحلّى به المؤمن من الآداب الاجتماعيّة في علاقاته مع الآخرين ، وصلاته بهم ، مما يدلّ دلالة واضحة على اتّصال الأخلاق بالإيمان وانبثاقها عنها .

 

 

   


المبحث الثاني

إحصاءات  وبيان  دلالاتها

 

لا شكّ أن تكرار بعض المواد اللغويّة ومشتقّاتها ، والألفاظ على تنوّع أحوالها وتركيبها ، في سورة من سور القرآن الكريم ، له دلالته بل دلالاته الخاصّة ، التي تعيننا كثيراً في فهم السورة ، والكشف عن الترابط العضويّ ، والوحدة الموضوعيّة فيها ، إذ إن كلام الله تعالى المعجز بسوره وآياته وحروفه  ليس ككلام أيّ من البشر ؛ تحذف منه ما شئت ، وتبدّل فيه ما شئت ، وتقدّم وتؤخّر ، وتقلب وتحوّر ، وكأن شيئاً لم يكن ، وإنما كلّ كلمة في كتاب الله تعالى بحساب ، وكلّ حرف بمقدار ، من عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال .

وعلى ضوء تلك الحقيقة البدهيّة ، فإن المتأمّل في سورة الحجرات ، لا بدّ أن يلفت نظره ما تكرّر فيها من  بعض المصطلحات القرآنيّة والكلمات ، والجمل والتعبيرات ، التي لها أثرها المهمّ البارز في إدراك مقاصد السورة وتدبّرها ، وفهم معانيها والربط بين مقاطعها ، واكتشاف الوحدة الموضوعيّة ، التي تجمع بين أولها وآخرها .

ونحن نسوق في هذه النقطة ، ما تكرّر في السورة من المصطلحات والجمل والتعبيرات ، لتكون عوناً لنا في النقطة التي بعدها ، على اكتشاف الوحدة الموضوعيّة ، التي تنتظم السورة من أولها إلى آخرها .

1 ـ تكرّر قول الله تعالى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } في هذه السورة خمس مرات ، وذلك لربط الحقائق التشريعيّة والأخلاقيّة التي تتحدّث عنها بالإيمان بالله تعالى وحقائقه ، ولدلالات أخرى سنأتي إلى الحديث عنها في موطنه المناسب بإذن الله .

2 ـ وتكرّر الحديث الصريح عن التقوى ومشتقّاتها خمس مرّات : ثلاث مرات في قوله تعالى : { اتَّقُوا اللهَ } ، ومرّة بقوله : { امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى} وأخرى بقوله : {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ } ولذلك دلالاته العديدة ، التي من أهمّها : أن التقوى هي روح الإيمان ، وأن دخول الإيمان  في القلوب هو بداية التحقّق بها ، وأن الكرامة عند الله تعالى لا تنال إلا بالتقوى

إلى دلالات أخرى سنعرض لها في مواطنها ، بإذن الله تعالى .

3 ـ ذكر ما تكرّر من اسماء الله تعالى وصفاته ، وبيان ما فيه من دلالات :

أ ـ تكرّر اسم الله جلّ وعلا خمساً وعشرين مرّة .

ب ـ تكرّر اسم الله العليم ، أربع مرات .

ج ـ تكرّر اسم الله الرحيم ، ثلاث مرات .

د ـ تكرّر اسم الله الغفور ، مرّتين .

هـ ـ وذكرت هذه الأسماء مرّة مرّة : السميع ، الحكيم ، التوّاب ، الخبير ، البصير .

وأسماء الله تعالى الحسنى التي ذكرت في هذه السورة ، كلها جاءت بصيغة التنكير ، ولا شكّ أن لذلك إيحاءه ودلالته ، فهي تفيد التعميم ، وتشير إلى قرب هذه الصفات من العباد ، وتلوّح لهم بحسن التعامل معها ، وبخاصّة فيما تتحدّث عنه الآيات من أحكام وتشريعات ، وأخلاق وتوجيهات ، عدا عما في ذلك من دلالات أخر ، والله تعالى أعلم .

4 ـ تكرّر ذكر الرسول e في هذه السورة ستّ مرات ، واحدة منها بلفظ النبيّ e ، وسائرها بلفظ الرسول e ، مما يدلّ على علوّ قدره ، وتأكيد حقّه e .

 



 


المبحث الثالث

الوحدة  الموضوعيّة  في  السورة

 

تسمّى هذه السورة سورة الحجرات ، وتسمّى أيضاً سورة الأخلاق والآداب ، وهي كما لا يخفى تتحدّث عن أرفع الآداب وأعلاها بدءاً من الأصل الإيمانيّ العظيم ، الذي تتحدّث عنه الآية الأولى ، التي تعدّ مقدّمة السورة والناظمة لما فيها من الحقائق والمعاني ، وهو التلقّي عن الله ورسوله e في كلّ شأن ، وعدم التقدّم على أمر الله ورسوله e في شيء ، وكما أنه أصل إيمانيّ فهو أعظم أصل أخلاقيّ تربويّ ، ينتظم سائر الآداب التي تتحدّث عنها السورة وتنبثق عنه .

وهذا الأصل الإيمانيّ العظيم من أهمّ آثاره ومقتضياته : التحقّق بتقوى الله تعالى ، تلك الكلمة الجامعة لحقائق الإسلام وتكاليفه ، وآدابه وروحانيّته .. التقوى لله سبحانه وتعالى ، الذي لا إله إلا هو ، له الأسماء الحسنى ، والصفات العلى ، وهو أهل التقوى ، وأهل المغفرة .

وإن الخيط الذي يربط بين أجزاء هذه السورة من أولها إلى آخرها :

هو الإيمان وما يقتضيه من حقائق ضخمة في العقل والقلب ، والوجدان والشعور ، وفي ميدان العمل والسلوك ، والذي تعدّ خلاصته الملمّة له من أطرافه ، والكلمة الجامعة لحقائقه كلمة : " التقوى " .

كما أن وسيلة التحقّق بهذا الإيمان ، والتدرّج في مقامات التقوى والإحسان : تعلّق القلب بأسماء الله تعالى وصفاته ، إيماناً وفهماً ، وحبّاً  وذوقاً ومراقبة وشوقاً ، وطاعة لله تعالى ، واستجابة لنبيّه e في كلّ أمر ونهي ، وإرشاد وتوجيه .

وذلك ما تتحدّث عنه الآية الكريمة ، التي جاءت أول هذه السورة ؛ إذ يفتتحها الله تعالى بالخطاب للمؤمنين ، والأمر بالتلقّي عن الله ورسوله e في كلّ شأن ، وعدم التقدّم على أمر من أمرهما ، ثمّ يأمرهم بالتقوى ، ويربط ذلك باسمين من أسمائه تعالى وصفاته ، اسمي : السميع والعليم .

ـ ثم تتحدّث السورة عن الأدب مع رسول الله e ، ولا يخفى وجه ارتباط ذلك بالآية الأولى ، فهو الأثر البدهيّ للإيمان برسول الله e  ، ومعرفة قدره ومكانته عند ربّه ، وما خصّه الرحمن جلّ وعلا من خصائص ، تجعله ليس كأحد من البشر .

ـ ثمّ تتحدّث السورة عن المنهج الذي يلتزمه المسلم في تلقّي الأخبار وقبولها وروايتها ، وهو التثبّت والتحرّي ، والبعد عن الاستجابة لأيّ نقل أو رواية مالم تتوفّر له دعائم الصدق والدقّة ، والتجرّد والأمانة ، وقد تمثّل هذا المنهج في حياة المصطفى e مع أصحابه ، ويعدّ هذا المنهج صورة من صور عدم التقدّم بين يدي الله ورسوله e ، لما فيه من التجرّد عن العصبيّة والهوى  والاحتكام إلى المنهج الحقّ ، والبعد عن ظلم الناس أو البغي عليهم بدافع التهوّر والعجلة .

ـ ثمّ تتحدّث السورة عن المنهج الذي تلتزمه الأمّة عندما يدبّ دبيب الخلاف بين فريقين من أبنائها ، ويتطوّر الخلاف إلى فتنة عمياء ، يشهر فيها المسلم السلاح في وجه أخيه المسلم ، فتنزف الدماء ، وتسقط القتلى من أبناء الأمّة بأيدي بعض أبنائها ، وهنا يقتضي الإيمان بالله ورسوله e ، وتحكيم شرع الله تعالى في كلّ شأن ، أن تتحرّك الأمّة لتفصل في هذا النزاع على منهج الله تعالى ، وهدي نبيّه e ، كما يقتضي عدم التقدّم بين يدي الله ورسوله e أن يستجيب الفريقان المتنازعان للصلح ، وأن يتجرّدا عن العصبيّة والهوى ، والظلم والبغي ، ويقتضي أيضاً أن يُحكم بينهم بالقسط ، فلا ميل مع فريق ، أو محاباة لفريق على حساب آخر ، ولا وكس في الحكم ولا شطط .

ـ ثمّ تتحدّث السورة عن المنهج الذي يربط بين المؤمنين في مجتمعاتهم ويمثّل هذا المنهج أمّهات الأخلاق الاجتماعيّة ، التي تقوم على أصل راسخ من الأخوّة الإسلاميّة ، وما تقتضيه من الحقوق المتميّزة للمسلم على أخيه .

ونلمس ارتباط هذا الجانب بالأصل الإيمانيّ العظيم ، الذي تقوم عليه هذه السورة من أولها إلى آخرها ، وهو عدم التقدّم بين يدي الله ورسوله e ، عندما ندرك ونعلم أن هذه الأخلاق والآداب ترتبط في الإسلام ارتباطاً وثيقاً بالإيمان بالله واليوم الآخر ، وتنبثق عن هذا الإيمان ، وتلك أعظم ضمانة في فكر المؤمن وشعوره ، ليلتزم بها لا على حسب ما تمليه مصالح مادّية عاجلة أو علاقات نفعيّة متبادلة ، وإنما بدافع تقوى الله تعالى وخشيته ، والصدور عن هديه ومنهجه ، والحرص على مرضاته ومحبّته .

وفي الحقيقة لا يمكن الالتزام بهذه الأخلاق الاجتماعيّة ، وما فيها من الحقوق الضخمة والواجبات ، التي تقتضي من المؤمن تخلّياً كبيراً عن حظوظ نفسه ورعوناتها وأهوائها ، ما لم يتحقّق المؤمن بالعبوديّة لله تعالى ومقتضياتها  في جميع أحواله وعلاقاته ، وذلك من صميم ما يقتضيه التلقّي عن الله ورسوله e ، وعدم التقدّم بين يدي الله ورسوله e .

ـ ثمّ تتحدّث السورة عن صدور البشريّة عن أصل واحد ، وأنها مربوبة لربّ واحد ، لا شريك له ، وأن لا فضل لأحد على أحد ، ولا كرامة إلا بالإيمان والتقوى ، والاستقامة والعمل الصالح ، وهذا ما يقتضي الحديث عن حقيقة الإيمان والإسلام ، والردّ على دعوى أولئك الذين أرادوا أن يزكّوا أنفسهم ، ويحمدوا بما لم يفعلوا ، فامتنّوا على الله ورسوله e بإيمانهم ، وأرادوا أن يتّخذوا من ذلك سلّماً للبلوغ إلى مطامع مادّية عاجلة ، ومغانم دنيويّة هابطة ، وفي ذلك صورة من صور التقدّم بين يدي الله ورسوله e ، فبيّن الله سبحانه ، أن له وحده المنّة عليهم بما هداهم للإيمان ، وأكرمهم بتلك النعمة العظمى ، كما بيّن لهم حقيقة الإيمان ومقتضياته ، حتى لا تلتبس على امرئ ، ولا يخادع عنها ، سواء في عالم القلوب والضمائر ، الذي لا يطّلع عليه إلا علام الغيوب ، أو في الواقع المشهود ، الذي يصدّق ما في القلوب ، ويرفع الإنسان عند الله تعالى ويزكّيه .

ثمّ اختتمت السورة ببيان علم الله تعالى المحيط بكلّ شيء ، والذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ، فلا ينفع العاقل أن يستخفي من عباد الله بما يكون عليه ، وأن يتظاهر لهم بما ليس فيه ، فالله سبحانه مطّلع على خفيّ أمره ، محيط بسرّه وعلانيته ، وإذ يعلن وهو بغفلة عن ربّه ما يعلن ، من الدعاوى أمام عباد الله ، الذين لا يملكون له نفعاً ولا ضرّاً ، فإنما يتقدّم بأحكامه الزائفة ، بين يدي ربّ عظيم لا تخفى عليه خافية .

وكما ربطت الآية الأولى المؤمنين بتقوى الله سبحانه ، والإيمان بأسماء الله وصفاته ، ومنها صفات السمع والعلم والإحاطة بكلّ شيء ، وذلك للانطلاق في رحاب السورة ، ومن ثمّ للانطلاق في رحلة هذه الحياة متعاملين معها ، متحقّقين بمقتضاها ، فإنها تختتم كذلك بصفة من أعظم صفات الله سبحانه ، إنها صفة العلم ، تلك الصفة التي اختتمت الآية الأولى بها .

فما أجملها من خاتمة ، تربط بين أول السورة وآخرها ، وتلخّص معانيها وتجمع حقائقها ، وتضع المؤمن بل الإنسان ـ كلّ إنسان ـ أمام مسئوليّته الضخمة في هذه الحياة .؟! وتقف الإنسان كذلك أمام الحقائق الكبرى ، التي يقوم عليها كيانه ، وتتوقّف عليها سعادته وتكريمه .!

وبعد ؛ فهل نستطيع أن نخلص مما تقدّم إلى أن نضع عنواناً مناسباً جامعاً لهذه السورة ، يبرز هذه المعاني كلّها ، ويكشف عن الحقائق المكنونة فيها .؟ والغاية التي تريد لنا تحقيقها .؟!

لا شكّ أنها مهمّة شاقّة عسيرة ، ولكننا إذا ارتضينا أن نقارب الأمر ، أو ندنو منه ، فلا بأس علينا أن نقول :

" حقائق الإيمان  في الآداب والأحكام " ، أو أن نقول : " إعجاز البيان في اتّصال الآداب بالإيمان " .

 

 



 


المبحث الرابع

أسباب النزول ،  وطرف  من حكمتها ودلالاتها

 

إن مما يلفت النظر في هذه السورة كثرة ما ورد فيها من أسباب النزول ، فهي على قلّة آياتها ، فقد وردت تسعة أسباب لنزولها ، وفي بعض هذه الأسباب ما يزيد عن ثلاثة أقوال مرويّة ، وكلّها أسباب تشريعيّة وأخلاقيّة عميقة الجذور في كيان الفرد والجماعة ، ممتدّة الآثار والنتائج ، أفليس من دلالة ذلك أن القرآن كان يعيش مع الأمّة التي يبنيها ويربّيها لحظة فلحظة ، وساعة فساعة ، وأن هذه الأمّة كانت تصنع بهذا الوحي الإلهيّ ، صنعاً ربّانيّاً ، لتتأهّل لحمل الأمانة ، وتبليغ الرسالة ، وريادة الأمم .

وإن من الحكمة في وقوع سبب النزول ومعرفته على وجه العموم ، أنه يشرح شيئاً من دواعي التشريع وملابساته ، حتى يتبيّن جمال الحكم الشرعيّ ، ومطابقته لمصلحة المكلّفين ، وكمال الرحمة الإلهيّة بالعباد ، فتقوى الرغبة في امتثال الحكم الشرعيّ  ، وتنشرح النفوس لقبوله وإتيانه .

ولا يفوتنا ونحن نتحدّث عن أسباب النزول أن نسجّل هذه الملاحظات :

1 ـ أن قول المفسّرين : نزلت الآية في كذا ، يراد به تارة سبب النزول بالمعنى الخاصّ ، ويراد به تارة أن ما وقع داخل في معنى الآية ، وأن مثله مما تتناوله الآية ، وإن لم يكن هو السبب الخاصّ في نزولها ، كما لو قيل : عني بهذه الآية كذا .

2 ـ أن الآية الواحدة قد يروى لها أكثر من سبب واحد لنزولها ، فإن لم يقصد بذلك المعنى العامّ ، الذي سبقت الإشارة إليه آنفاً ، فلا يبعد أن تكون هذه الأسباب كلّها حصلت ، ونزلت بعدها الآية .

3 ـ أن سبب نزول الآية لا يخصّص عموم اللفظ المنزّل ، ولا يؤثّر في شمول أحكامها ، وقد شاعت  في ذلك قاعدة ، واتّفق عليها جمهور العلماء من المفسّرين والفقهاء والأصوليّين ، وهي : " العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب " .

 

 

   


المبحث الخامس

افتتاح السورة بقول  الله تعالى  {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } ودلالاته :

 

يفتتح الله تعالى هذه السورة بهذا النداء الربّانيّ الحبيب ، النداء النديّ الأثير إلى قلوب عباده المؤمنين ، لأنه أحبّ وصف لهم عند ربّهم سبحانه .

إنه النداء الذي يدلّ على رفعتهم عند ربّهم وكرامتهم ، وخصوصيّتهم دون من سواهم ، لأنهم استجابوا لنداء الإيمان طائعين ، ووفّوا بميثاق الفطرة القديم : { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا (172) } الأعراف .

ووصف الإيمان هو أثمن ما يتّصف به الإنسان ، لأن عليه مدار سعادة الإنسان أو شقاءه ، ونجاته أو خسرانه ، وهو حلية القلب وزينته ، والقلب ملِك الجوارح وسيّدها ، ومركز صلاحها وإصلاحها ، ( فإذا صلح صلح الجسد كلّه وإذا فسد فسد الجسد كلّه ) ، كما جاء في الحديث الصحيح ([3]) ، وهو محلّ نظر الربّ سبحانه : ( إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم ، ولا إلى أجسادكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) كما جاء في الحديث الصحيح أيضاً ([4]) .

والنداء بوصف الإيمان يهتف الله به للمؤمنين ، عند كلّ مناسبة ، وقبل كلّ تكليف ، ويتكرّر في القرآن الكريم تسعين مرّة ، ليربط للمؤمنين بين عمل الجوارح وعمل القلوب ، وليربطهم بعبوديّتهم لله عزّ وجلّ ، وليحفز عقولهم ، ويشوّق قلوبهم ، ويستجيش مشاعرهم إلى التلبية والاستجابة ، والمسارعة إلى الطاعة ودقّة الالتزام ..

إنه النداء الذي ييسّر لهم كلّ تكليف ، ويهوّن عليهم كلّ مشقّة .

إنه النداء الذي لا يسع المؤمن أن يسمعه بقلبه فلا يقبل ولا يستجيب ، وأن يعيه على حقيقته فلا يباليه إلا أن يتجرّد من إيمانه ، أو أن يكون الإيمان مجرّد دعوى بلسانه ..

وقد قال رجل لعبد الله بن مسعود t : اعهد إليّ يا عبد الله .! فقال له : " إذا سمعت الله تعالى يقول : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } ، فارعها سمعك ، فإنه خير تُؤمَر به ، أو شرّ تُنهى عنه " .

إنه النداء الذي يرفع المؤمن ويعليه ، فيخجل ويستحيي من ربّه أن يدعوه ربّه فلا يستجيب ، أو يأمره فلا يسارع ويبذل أقصى جهده ، ويستنفد غاية وسعه في القيام بحقّ العبوديّة ، ومقتضى الإيمان .

ويتكرّر هذا النداء الحبيب الأثير إلى قلب كلّ مؤمن في هذه السورة خمس مرّات ، ويتصدّر موضوعات الآداب ، التي هي مدار الحديث في هذه السورة كلّها ، ليكشف لنا عن أهمّية الموضوعات التي يتقدّمها ، والتشريعات والتوجيهات التي يتحدّث عنها ، فهو لا يتناثر في هذه السورة كيفما اتّفق ، وحاشا لكلام الله تعالى ذلك ، وإنما يتقدّم أمام كل آية أو مجموعة آيات تتناول موضوعاً رئيساً من موضوعات هذه السورة ؛

1 ـ فهو يتصدّر النهي عن التقدّم بين يدي الله ورسوله e .

2 ـ ثمّ يتصدّر الآداب التي ينبغي على المؤمنين أن يتحلّوا بها في تعاملهم مع نبيّهم e .

3 ـ ثمّ يتصدّر هذا النداء آداب تلقّي الأخبار ، وما ينبغي فيها من التثبّت ودقّة التحرّي ، وما يجب على المؤمنين عند وقوع الفتن والخصومات بين فئتين من المؤمنين .

4 ـ ثمّ يتقدّم على أمّهات الأخلاق الاجتماعيّة التي يجب على المؤمنين أن يلتزموها في حقّ إخوانهم المجالسين لهم .

5 ـ كما يتقدّم على الأخلاق ، التي تجب على المؤمنين في علاقاتهم مع إخوانهم الغائبين عنهم ، لحفظ غيبتهم ، ورعاية حرماتهم .

يتكرّر هذا النداء الحبيب ، في هذه المواطن كلّها لينبّه في المؤمنين شعور الإيمان ، الذي يقتضي المسارعة إلى امتثال الأمر الملقى إليهم ، وأنه من مقتضى الإيمان ، وإن كلّ آية في كتاب الله تعالى ، يتقدّمها قوله سبحانه : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } فكأنما تلفت أنظار العقلاء ، إلى أنها يتقدّم فيها الشرط قبل مشروطه ، وتتّصل الدعوى بما يجب لها من البيّنة والبرهان ، فكما لا يقبل العمل بغير أصله من الإيمان ، وما يتبعه من الإخلاص لوجه الله تعالى والاحتساب فلا تقبل الدعاوى بغير بيّناتها ، فما على المؤمنين العقلاء إلا أن يكونوا أوفياء بالعقود والعهود ، مصدّقين الدعاوى بالبيّنات والبراهين .

وفي البدء بهذا النداء ، قبل إلقاء الأحكام والتكاليف دلالة وتنبيه على أهمّية أن يبدأ الداعية إلى الله تعالى بالإيمان ، دعوة إليه وترسيخاً لحقائقه ، فيعتني به وينمّيه ، ويغذّيه ويقوّيه ، فعندما تخالط بشاشته القلوب ، وترسخ فيها جذوره ، وتقوم على سوقها قواعده وأصوله ، يقوى ما يبنى عليه ، ويدوم ويستقيم ، فيعطي ثماره كلّ حين بإذن ربّه ، وتطيب ظلاله ، وتتكاثر بركاته وآثاره .

 

 

  


المبحث السادس

كلمة في التقوى

 

كلمة التقوى ما أحبّها من كلمة إلى الله تعالى ، وما أوقعها في نفس كل مؤمن .! وما أحبها كذلك إلى قلبه .!

إنها صفة جامعة ، وحقائق ساطعة ، ووصيّة الله تعالى لعباده الأولّين والآخرين ، على لسان النبيّين والمرسلين ، وهي عهد وتكليف ، وتزكية وتشريف ، وسبب من أوثق أسباب التوفيق والنجاح ، وحسن  العاقبة والفلاح ..

وهي حِلية المؤمنين ، وتاج العارفين ، ولون العبوديّة الأنور ، الذي به يبهج كلّ عابد ويفخر ..

وهي روح الإسلام ، وروحها سلامة القلب من الغلّ والحسد ، والمكر والخداع ، { يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) } الشعراء .

وهي غاية ما يرفع إلى الله من الأعمال : { لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ .. (37) } الحجّ .

وهي ضمانة السلم والأمن للأفراد والمجتمعات ، ولن يستنكف عنها ، أو ينفرّ من سماع الوصيّة بها إلا كافر عنيد ، أو منافق مريد : { وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) } البقرة .

والحديث عن التقوى في الكتاب العزيز واسع طويل ، إنه يمثّل خيوطاً من نور ، وقوّة روحانيّة مبثوثة من العزيز الغفور ، تربط بين أجزاء القرآن الكريم من أوله إلى آخره ، وتنتظم حقائق الإيمان والدين في كل شأن من شئونه ..

وكأن التقوى بحقائقها الكبيرة في كتاب الله المبين ، تدرك المؤمن في كلّ حركة أو سكون ، وتحيط به من كلّ جانب ، وتشرق ومضاتها النورانيّة على قلبه مع كلّ فكرة أو خطرة ، لتقول له في كلّ لحظة : " اِتّقِ الله ! اتّقِ الله ! .

إنها تسبق كل عمل ، وتقترن بكلّ عمل ، ويختتم بها كلّ عمل ، لتكون خاتم القبول عند الله .! ويكتب صاحبه من المتّقين : و { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ (27) } المائدة .

والتقوى تسبق كل أمر ، وكل نهي ، وصاحب التقوى تكون له العاقبة المثلى في كلّ حال : { وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } ، { وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5) } الطلاق .

وتتكرّر مادّة التقوى في القرآن الكريم أكثر من مئتين وخمسين مرّة ، ويتكرّر الأمر بها للعباد وحده أكثر من سبعين مرّة ، مما يشكّل محطّات تقوية متوالية ، للمؤمن الذي يتلو كتاب الله تعالى بالتدبّر ، ومصابيح نورانيّة هادية نورها ليس من نور هذه الأرض ، وإنما من نور الله ، و { اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ .. (35) } ، { وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40) } النور .

وحقيقة التقوى أنها حالة قلبيّة ، تقوم على خشية الله ومراقبته ، وتعظيم أمره ونهيه ، تبعث صاحبها على فعل ما يحبّ الله ويرضى ، والمسارعة فيه ، واجتناب ما يسخطه ، والبعد عنه ومحلّها القلب ، والقلب يضخّ آثارها وثمراتها على سائر الجوارح والأعضاء ، كما يُضخّ الدم من القلب ، فينتشر إلى سائر الجسد ، فتحيا به خلاياه ، وتعمل أجهزته .

ألم يقل المصطفى e : ( التقوى هاهنا .! ) ([5]) ثلاث مرّات ، ويشير إلى صدره .؟!

وهي حدّ الولاية للمتّقين ؛ { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) } يونس .

وهي زاد القلوب والأرواح للمؤمنين ، منها تقتات ، وبها تتقوّى ، وبأسرارها ترفّ وتشرق ، وعليها تستند في النجاة والوصول ، وإن أولي الألباب هم أول من يدرك ثقل التوجيه إلى التقوى ووزنه ، وخير من ينتفع بهذا الزاد ، ويجعله عدّته وعتاده ، وشعاره ودثاره : { .. وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) } الأعراف ، { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَاأُوْلِي الْأَلْبَابِ (197) } البقرة .

وهي أوثق الأسباب ، وأرجى العدّة والعتاد ، لأنها تفوق الأسباب المادّية وتحكم عليها ؛ { وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } ، { وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يجعَلْ لَهُ مِنْ أمْرِهِ يُسراً } ، { وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5) } الطلاق .

{ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) } آل عمران .

والتقوى حساسية في الضمير ، وشفافية في الشعور ، وخشية مستمرّة ، وحذر دائم ، وتوقّ لأشواك الطريق .. طريق الحياة الذي تتجاذبه أشواك الرغائب والشهوات ، وأشواك المطامع والمطامح ، وأشواك المخاوف والهواجس ، وأشواك الرجاء الكاذب فيمن لا يملك إجابة رجاء ، ولا سماع دعاء ، والخوف الكاذب فيمن لا يملك نفعاً ولا ضرّاً ، وعشرات غيرها من الأشواك ..

سأل عمر بن الخطّاب أبيّ بن كعب رضي الله عنهما عن التقوى .؟ فقال له : " أما سلكت طريقاً ذا شوك .؟ قال : بلى ، قال : فما عملت .؟ قال : شمّرت واجتهدت ، قال : وكذلك التقوى " .

وأخذ الشاعر هذا المعنى فنظمه بقوله :

خلّ الذنوب   كبيرها     وصغيرها   ذاك   التقى

واصنع كماشٍ فوق أر    ض الشوك يحذر ما يرى

لا تحقرنّ        صغيرة       إن   الجبال  من  الحصى

والتقوى هي التي تهيّء القلب أن يلتقط الحكمة ، ويحرص عليها ، وأن يتلقّى الأمر ويعمل به ، وأن يستجيب للحقّ ، ولو تعارض مع هواه ، وخالف رغباته ، ومن ثمّ فقد كان هذا الكتاب المبين هدىً للمتقين : { الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) } البقرة ، { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً .. (25) } الأنفال .

إن التقوى هي الحارس اليقظ في الضمير ، يحرسه أن يغفل ، ويحرسه أن يضعف ، ويحرسه أن يحيد عن الطريق هنا أو هناك ..

ولا يدرك الحاجة إلى هذا الحارس اليقظ ، إلا من يعاني مشاقّ هذا الطريق ويعالج الانفعالات المتناقضة المتكاثرة في شتى الحالات واللحظات ..

والاستقامة على الطريق ، والمضيّ على المنهج دون تذبذب أو انحراف ، هو في حاجة إلى التقوى دائماً .. التقوى اليقظة الدائمة ، والتدبّر الواعي ، والتحرّي الدائم لحدود الطريق ومعالمه ، وضبط الانفعالات البشريّة ، فلا تزيغ ولا تميل ..

وحقّ التقوى هو الذي يبلغ أن يوفّي بحقّ الجليل .. وهي التقوى الدائمة اليقظة ، التي لا تغفل ولا تفتر ، لحظة من لحظات العمر ، حتى يبلغ الكتاب أجله : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) } آل عمران .

كما أن هذه الآية الكريمة تشير إلى ميدان المعاني الإيمانيّة ، والحقائق القلبيّة فمداها في ذلك ممدود ، وليس لها فيه قيود ولا حدود ، وقد فسّرت بما يشبه ذلك ويقاربه في حديث ابن مسعود t المرفوع : ( وهي أن يطاع الله فلا يعصى ، ويذكر فلا ينسى ، ويشكر فلا يكفر ) .

وأما في ميدان التكاليف العمليّة والسلوكيّة ، فيأتي قول الله تعالى :

{ .. فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ، وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ، وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ .. (16) } التغابن ، لأنها تتعلّق باستعداد الجسد ، والظروف التي يمرّ بها وتتقلّب عليه ، والبيئة التي تحيط به .

وهي في تعريف الخليفة الراشد علي بن أبي طالب t : " خوف الجليل ، والعمل بالتنزيل ، والرضا باليسير ، والاستعداد ليوم الرحيل " .

وإن المؤمن الحقّ كلما اقترب بتقواه من الله تعالى ، تيقّظ شوقه إلى مقام أرفع مما بلغ ، وسما إلى مرتبة وراء ما ارتقى ، وتطلّع إلى المقام الذي يستيقظ فيه قلبه ، فلا يغفو ولا يغفل ، ولا ينحرف ولا يتيه ..

وإن القلوب لا تنهض بالأعباء الثقال ، أعباء الدعوة إلى الله تعالى ، وإقامة المنهج والعمل بمقتضاه ، إلا وهي على بيّنة من أمرها ، ووضوح في أهدافها وغايتها ، ولا بدّ لها لتحقيق ذلك من التقوى ، التي هي هدىً وبيان ، ونور وفرقان ، تفرّق به بين الحقّ والباطل ، والهدى والضلال ، والخير والشرّ : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ، وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ، وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29) } الأنفال .

إنها تجعل في قلب المؤمن نوراً يكشف الشبهات ، ويزيل الوساوس ، ويثبّت الأقدام على الطريق الشائك الطويل .. بل إنها لتجعل من قلب المؤمن مرجعاً له عند التباس الأمور ، واضطراب الموازين والمفاهيم ، ألم يقل النبيّ e لمن سأله عن البرّ والإثم : ( استفت قلبك ، وإن أفتاك الناس وأفتوك ) ([6]) .

وقد كان من دعواته الجامعة e : ( اللهم اجعل في قلبي نوراً ) .

وإنها لحقيقة واقعة ، أن تقوى الله تعالى ، تجعل في قلب المؤمن فرقاناً ، يكشف له معالم الطريق وصواه ، ومنعرجاته والتواءاته .. ولكن هذه الحقيقة لا يعرفها إلا من ذاقها ، وإن الوصف لا ينقل مذاق هذه الحقيقة لمن لم يعرفها بقلبه ووجدانه ، ويخلص في التعامل معها ، وتغمر مخافة الله وتقواه فؤاده ، وعندئذ يستنير العقل ، ويتّضح الحقّ ، ويطمئنّ القلب ، ويستريح الضمير ، وتستقرّ القدم وتثبت على الطريق ..

فالحقّ في ذاته لا يخفى على الفطرة ، ولكن الهوى هو الذي يحول بين الحقّ وبين الفطرة .. والهوى لا تدفعه الحجّة الساطعة ، بمقدار ما تدفعه التقوى الرادعة .. تدفعه مخافة الله ومراقبته في السرّ والعلن ، التي تشرق بها البصيرة ، وتستنير السريرة ، ويقف الإنسان فيها عند حدّه ، فلا يشتطّ ولا يميل ، ولا يتقاصر ولا يذلّ ..

ـ هذا وإن للتقوى مراتب ، فلا يستوي المتقون عند الله في المنازل والمراتب ، وقد دأب الصالحون في هذه الأمّة ، على التنافس فيها والحرص على بلوغها :

ـ فأولها : اتّقاء الخلود في النار باعتقاد كلمة التوحيد بالقلب ، والإقرار بها باللسان ، وقد سمّاها الحقّ سبحانه كلمة التقوى ، فقال جلّ وعلا : { .. وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا .. (2) } الفتح . وهي تقي صاحبها في الدنيا ، ولو لم يقلها صادقاً بها ، فتحفظ دمه وماله ، ويعامل معاملة المسلمين ، وإن قالها صادقاً بها ، فهي تقيه من الخلود في نار جهنّم .

وهي كلمة التقوى لأنها سبب ما بعدها من مراتب التقوى وأساسها ، وعليها تبنى مراتب التقوى  كلّها. وهي الكلمة الطيّبة التي ضرب الله لها مثلاً {.. كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا .. (25) } إبراهيم .

ـ وثانيها : اتّقاء غضب الجبّار ، بفعل الفرائض ، واجتناب المحرّمات ، وأهمّ ما في هذه المرتبة أداء حقوق الناس ، وكفّ الأذى عنهم ، وحفظ حرماتهم .

ـ وثالثها : اتّقاء التقوى المعلولة ، وهي التقوى التي لا تكون خالصة لله تعالى ، وإنما يدفع إليها الحرص على المنافع القريبة ، والمغانم العاجلة ، من تيسير الأمور ، وتفريج الكروب ، والرزق من حيث لا يحتسب .

ـ ورابعها : اتّقاء المشتبهات بالورع ، وترك الشبهات ، والحرص على الطاعات ، والمسابقة في الخيرات .

والورع منهج شامل ، وليس مواقف انتقائيّة ، يأخذ منها الإنسان ما يتّفق مع هواه ، ويتغافل عما عداه ، إنه الورع في المأكل والمشرب ، وأنواع الكسب ، والورع في الفتوى ، والورع في التحليل والتحريم ، فلا يقطع فيما لا قطع فيه ، والورع في الظنّ بالمسلمين ، فلا يظنّ بهم إلا خيراً ، والورع في الخلوة عن الناس وفيما لا يطّلع عليه إلا ربّك ، والورع في المنطق ، الذي قال عنه بعض السلف : " الورع في المنطق أشدّ منه في الذهب والفضّة " .

ـ وخامسها : اتّقاء مالا بأس به حذراً مما به بأس ، بترك بعض المباحات خشية الوقوع في بعض المكروهات ، ومن كلام الحسن البصريّ رحمه الله : " ما زالت التقوى بالمتّقين حتى تركوا كثيراً من الحلال مخافة الحرام " .

وقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما : " إني لأحبّ أن أدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال لا أخرقها " .

وفي الحديث : ( لا يبلغ العبد أن يكون من المتّقين حتى يدع مالا بأس به حذراً مما به بأس ) ([7]) .

ومما يدخل في هذه المرتبة : قطع العوائق ، التي تحول بين المؤمن وبين الاستعداد للآخرة ، والتقلّل من العلائق ، التي تشغل عنها ، والزهد في الدنيا ، والإقبال على الآخرة ، والحرص على التحقّق بحقائق الإيمان واليقين ، التي محلّها القلب ، وتجمعها صفة التزكية والإحسان ، كالحبّ والشوق ، والأنس والرضا والخوف والرجاء ، والخشية والرقّة والبكاء ، واليقين والتوكّل ، والصبر والشكر .

وقد روي عن ابن مسعود t أنه قال لجمع من خيار التابعين الذين كانوا يلازمون حلقته ، ويسمعون مواعظه ودروسه ، وكان يعلم الكثير من عبادتهم واجتهادهم : " أنتم أكثر صياماً ، وأكثر صلاة ، وأكثر اجتهاداً من أصحاب رسول الله e ، وهم كانوا خيراً منكم .؟ قالوا : لم يا أبا عبد الرحمن .؟ قال : هم كانوا أزهد في الدنيا ، وأرغب في الآخرة " ([8]) .

ـ وسادسها : اتّقاء الغفلة عن الله ، بتنزيه القلب عما سوى الحقّ سبحانه وتعالى ، وترك رؤية الحسنات ، فلا يراها إلا من الله سبحانه ، ورؤية التفريط في حقّ العبوديّة لله تعالى ، والتقصير عن أداء حقّ التقوى ، فيلهج اللسان دائماً : " سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك " ، ويتمثّل المؤمن في كلّ حال بقول المصطفى e : ( أفلا أكون عبداً شكوراً ) .

وختاماً ؛ فإن التقوى قرينة الحقّ والنور والهدى ، والبعد عنها قرين الباطل والظلمات والضلال : { .. فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32) } يونس .

والدخول إلى ساحة التقوى هو الدخول إلى رحاب الودّ والحبّ ، والاجتباء والقرب ، والأمن والطمأنينة : { يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68) } الزخرف .

إنها جنّة الدنيا قبل الوصول إلى دار الكرامة والرضوان في الآخرة .

وهي ليست بدعوى ، وإنما لها موازينها البيّنة ، ومعاييرها الدقيقة ؛

فمن موازين تحقّق العبد بتقوى الخواصّ من عباد الله :

ـ أن يشتاق المؤمن إلى الآخرة ، ويتجافى عن الحياة الدنيا ، لأن الله تبارك وتعالى يقول : { .. وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32) } الأنعام .

ويقول سبحانه : { فمن كان يرجو لقاء ربّه ، فليعمل عملاً صالحاً ، ولا يشرك بعبادة ربّه أحداً } الكهف /110/ .

ـ وأن يهون على قلب المؤمن الإعراض الدنيا والزهد في متاعها لأنه يوقن بالآخرة ، وما فيها من التكريم والنعيم ، ويتطلّع إليها : { وللآخرة خير لك من الأولى ، ولسوف يعطيك ربّك فترضى } الضحى /3و4/ .

ـ أن يكون المؤمن حسن التوكّل فيما لم ينل ، وحسن الرضا بما قد نال ، وحسن الصبر على ما قد فات ، فلا يضنّ بموجود ، ولا يأسف على مفقود .

وبعد ؛ فهذا هو الزاد ، وهذه عدّة الطريق إلى الله تبارك وتعالى .. زاد التقوى .. التي تحيي القلوب  وتوقظها وتستجيش فيها أجهزة الحذر والحيطة ، والخشية والتوقّي ..

وعدّة الطريق ، التي هي النور الهادي ، الذي يكشف منحنيات الطريق ودروبه ، على مدّ البصر ، فلا تحجبه الشبهات ، ولا تأسره الشهوات ، التي تمنع الرؤية الكاملة الصحيحة ..

وزاد التقوى .. هو خير زاد ، لأنه زاد المغفرة والرحمة ، الذي يسكب السكينة في قلب المؤمن والطمأنينة .. وهو زاد الأمل في فضل الله العظيم ، يوم تنفد الأزواد ، وتقصر الأعمال ، وتفجأ الأهوال أهوال الموقف الكافرين المكذّبين والمنافقين المخادعين ،

{ يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا ، انظرونا نقتبس من نوركم .؟ قيل : ارجعوا وراءكم ، فالتمسوا نوراً .. } الحديد /13/ .

يوم تتطلّع الخلائق إلى رحمة الله وفضله ، ورأفته بعباده ، فلا ينال ذلك إلا المتقون ، الذين يرفعون ، ويكرّمون ، ويقال لهم : { يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (69) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (71) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (72) } الزخرف .

{ قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) } يونس .

 

   


المبحث السابع

حقائق  الإيمان  بأسماء  الله  تعالى  وصفاته

 

لقد تكرّر من  أسماء الله تعالى وصفاته ، في هذه السورة كما سبقت الإشارة إليه ، ما يدعونا ويلفت نظرنا إلى أن نخصّ  أسماء الله تعالى وصفاته بحديث خاصّ ، ووقفة خاصّة ، لما نرى لها من أثر تربويّ عميق ، وأهمّية كبرى في قلب كلّ مؤمن وعقله ، وفكره وشعوره ، وسلوكه وعمله .

وتكرار أسماء الله تعالى وصفاته في القرآن الكريم يعدّ ظاهرة واضحة ، تطّرد في سور القرآن الكريم كلّه ، فلا يمكن لأيّ دارس أو باحث أن يمرّ بها ، فلا تسترعي انتباهه واهتمامه ، وتستوقفه عندها ، ولو وقفة يسيرة عاجلة .

وإن ما يذكر ويتكرّر من أسماء الله تعالى وصفاته في القرآن الكريم لهو السبيل إلى يقظة قلب العبد ، وابتداء إقباله على الآخرة ، وحسن توجّهه إلى الله تعالى ، وهو ما يسمّيه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى " العَلَم " الذي يرفعه الله تعالى للعبد ، يقول رحمه الله تعالى :

" .. فلا يزال العبد في التواني والفتور والكسل ، حتى يرفع الله عز وجل له ـ بفضله ومنّه ـ علَماً يشاهده قلبه ، فيشمّر إليه ، ويعمل عليه " .

وقد روي عن السيّدة عائشة رضي الله تعالى عنها ، أنها قالت : " إن رسول الله e رفع له علَم ، فشمّر إليه " .

ويفسّر هذا العَلَم بشهود حقائق أسماء الله تعالى وصفاته ، والإيمان بها كما أمر الحقّ سبحانه ، وتذوّق المؤمن لها في حركاته وسكناته ، وسرّه وعلانيته .

ويلخّص لنا رحمه الله تعالى حقائق الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته بقوله : " أن يشهد قلبك الله تبارك وتعالى ، بصيراً بحركات العالم علويّه وسفليّه ، وأشخاصه وذواته ، سميعاً لأصواتهم ، رقيباً على ضمائرهم وأسرارهم ، موصوفاً بصفات الكمال ، منعوتاً بنعوت الجلال ، منزّهاً عن العيوب والنقائص والمثال ، فهو كما وصف نفسه في كتابه ، وفوق ما يصفه به خلقه ، حيّ لا يموت ، قيّوم لا ينام ، عليم لا يخفى عليه مثقال ذرّة في السموات ولا في الأرض ، بصير يرى دبيب النملة السوداء ، على الصخرة الصمّاء ، في الليلة الظلماء ، سميع يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات ، على تفنّن الحاجات ، تمّت كلماته صدقاً وعدلاً ، وجلّت صفاته سبحانه أن تقاس بصفات خلقه شبهاً ومثلاً ، وتعالت ذاته أن تشبه شيئاً من الذوات أصلاً ووسعت الخليقة أفعاله عدلاً ، وحكمة ورحمة ، وإحساناً وفضلاً ، له الخلق والأمر ، والنعمة والفضل ، وله الملك والحمد ، وله الثناء والمجد ، أول ليس قبله شيء ، وآخر ليس بعده شيء ، ظاهر ليس فوقه شيء باطن ليس دونه شيء ، أسماؤه كلّها أسماء مدح  وحمد ، وثناء وتمجيد ، ولذلك كانت حسنى وصفاته كلّها صفات كمال ، ونعوته كلّها نعوت جلال وأفعاله كلّها حكمة ورحمة ، ومصلحة وعدل ، كلّ شيء من مخلوقاته دالّ عليه ، ومرشد لمن رآه بعين البصيرة إليه ، لم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلاً ، ولا ترك الإنسان سدىً عاطلاً ، بل خلق الخلق لتوحيده وعبادته ، وأسبغ عليهم نعمه ليتوسّلوا بشكرها إلى زيادة كرامته ، وتعرّف على عباده بأنواع التعريفات ، وصرّف لهم الآيات ، ونوّع لهم الدلالات ، ودعاهم إلى محبّته من جميع الأبواب ، ومدّ بينه وبينهم من عهده أقوى الأسباب ، فأتمّ عليهم نعمه السابغة ، وأقام عليهم حجّته البالغة ، وأفاض عليهم النعمة ، وكتب على نفسه الرحمة " ([9]) .

وهذا هو الإيمان الذي لا يقف عند حدّ قناعة العقل ، وإذعان الفكر ، وترديد اللسان مع غفلة الجنان ، وإنما تخالط بشاشته القلب ، وتضيء في جنبات النفس ، فتشرق بمراقبة الله في كلّ حال ، وشهود الله تعالى عند كلّ حركة في هذا الكون أو سكون .

وقوّة الإيمان بهذه الأسماء والصفات تثمر للعبد ثمرات عظيمة من دوام العلم واليقين باطّلاع الحقّ سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه ، وأنه سبحانه رقيب عليه ناظر إليه ، سامع لقوله ، وهو مطّلع على علانيته وسرّه ، في كلّ وقت ولحظة ، وكلّ نَفَس وطرفة .. وهذا كلّه من مشكاة قول النبيّ e في تعريف الإحسان : ( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) ، وقد نصّ هذا الحديث على مقامين للإحسان :

ـ المقام الأول : مقام الإخلاص ، وهو أن يعمل العبد مع استحضار مشاهدة الله إياه ، واطّلاعه عليه ، وقربه منه ، فيمنعه ذلك من الالتفات إلى غير الله تعالى وإرادته بالعمل .

ـ المقام الثاني : مقام المراقبة ، وهو أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله تبارك بقلبه ، وهذا المقام يكون بتنوّر القلب بالإيمان ، ونفاذ البصيرة في العرفان ، حتى يصير الغيب كالعيان ، وهذا المقام أعلى من المقام الأول وأجلّ

فالمحسن في عبادته يستحضر قرب الله تعالى ، وأنه بين يديه كأنه يراه ، وذلك يوجب الخشية والخوف ، والهيبة والتعظيم ، كما يوجب النصح في العبادة وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها ، والحياء من الله تعالى على كلّ حال ، كما يشهد معيّة الله تعالى له في كل شأن ، قال تعالى : {  وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ .. (61) } يونس .

وقد روي أن عروة بن الزبير خطب إلى ابن عمر t ابنته وهما في الطواف ، فلم يجبه ، ثمّ لقيه بعد ذلك فاعتذر إليه وقال : " كنا في الطواف  نتخايل الله بين أعيننا " ([10]) .

ومن أعظم ثمرات المراقبة الباطنة ، أن يحفظ الله تعالى للعبد حركاته الظاهرة " فمن راقب الله في سرّه ، حفظه الله في سرّه وعلانيته " .

ومن آثار الإيمان بأسماء الله تعالى صفاته ، وقوّة تأثيرها في القلب ونفاذها أن تثمر فيه حقائق إيمانية موقظة ، توقظه من سكرات الغفلة ، وتنقذه من أودية الضياع ، وتنقله مما هو فيه من حال إلى أحسن الأحوال وأحبها إلى الله تعالى ، فمن هذه الثمرات :

1 ـ أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما ، وأن يحبّ المرء لا يحبّه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار ، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح الذي نصّ على أن ذلك من علامات ذوق المؤمن لحلاوة الإيمان .

2 ـ يشهد المؤمن  الدنيا على حقيقتها وحقارتها ، وسرعة  زوالها وانقضائها وأن لذاتها زائلة ، وآلامها زائلة ، ولايبقى منها إلا ماكان لله منها من سعي مبرور ، وعمل مذخور ، فما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ..

3 ـ فإذا تحقق بذلك رحل قلبه منها ، وسافر في طلب الآخرة ، فيشهد دوام الآخرة ، وأنها هي الحياة الحقيقيّة ، فهي دار القرار ، ومحط الرحال ، ومنتهى المسير ، فيشهد فيها النار بتوقدها واضطرامها ، وبعد قعرها وشدة حرها وعظيم عذاب أهلها ، يساقون إليها سود الوجوه ، زرق العيون ، والسلاسل والأغلال في أعناقهم ، تتقطع قلوبهم برؤيتها حسرة وأسفاً : { وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (53) } الكهف ، لهم فيها زفير وشهيق ، شرابهم الحميم ، وطعامهم الغسلين والزقوم ، لايقضى عليهم فيموتوا ولايخفف عنهم من عذابها ..

4 ـ فإذا قامت هذه الحقيقة في قلب المؤمن ، انخلع من المعاصي والذنوب واتباع الشهوات ، ولبس ثياب الخوف والحذر ، وأخصب قلبه من مطر أجفانه ، وهان عليه كل مصيبة تصيبه في غير دينه وقلبه ، وعلى حسب قوة ذلك يبتعد العبد عن المعاصي والمخالفات ، وتذوب من قلبه الغفلات والموادّ المهلكة ، ويجد لذة العافية وسرورها .

5 ـ ثم يشهد الجنة ، وما أعد الله لأهلها فيها ، مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولاخطر على قلب بشر ، { فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) } السجدة ، أهلها في النعيم الدائم خالدون ، وعلى الأرائك متكئون ، وفي الرياض يحبرون ، وفوق ذلك رضوان من الله أكبر والنظر إلى وجه الله الجليل الأكرم ..

ـ فإذا تحقق العبد بذلك شمّر عن ساق الجدّ ، وأقبل على الطاعة والعبادة ، وسار قلبه إلى ربه أسرع من الرياح في مهابّها ، لا يلتفت يمنة ولا شمالاً ، ولا يعوقه عن غايته عائق ، ولا تثنيه عن عزيمته العلائق .

ـ ولهذه الحقائق أيضاً ثمراتها العظيمة ، إنها تثمر في حياة المؤمن :

1 ـ الجدّ والاجتهاد ، والتشمير في الطاعة ، والمجاهدة للنفس على مرضاة الله تعالى ، وسياستها بحكمة ، لتلتزم السنة وهديها ، على نور من العلم ، وبصيرة من الأمر ..

2 ـ وتثمر كذلك : الحرص على الدعوة إلى الحقّ ، وبذل الجهد في هداية الخلق ، والإعراض عن الجاهلين ، والترفّع عن أهواء المعرضين ، ولغو الغافلين ، ولهو اللاهين العابثين ..

3 ـ وتثمر كذلك : توطين النفس على الابتلاء في سبيل الله ، والاستعداد للتضحية والبذل لكل شيء ابتغاء وجه الله ومرضاته ..

وبعد ؛ فلابدّ من مثل هذه الحقائق الإيمانية الموقظة ، أن تسطع أنوارها في القلب ، لتبدّد سحب التواني والكسل ، وتطلق عزيمة القلب الصادقة ، لتقطع في أيام قليلة ، مراحل في عالم الضمير والوجدان ، لا يمكن في عالم الحس أن تقطع في شهور أو أعوام ..

ومن لم يكن له حظّ من هذه الحقائق ، لم يكن له أثر في هذه الحياة ، وعاش كما يعيش السائبون ، لا غاية ولا هدف ، إلا المأكل والمشرب ، واللهو اللعب ، ومات كما يموتون ، وخرج من الدنيا كما يخرجون ، لا خبر ولا أثر ، سوى أنه مسرف على نفسه ، متحسر على ما فرّط في عمره يقول : { رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) } المؤمنون .

فكان بذلك من الظالمين : { .. وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ (227) } الشعراء .

 

   


المبحث الثامن

وقْفةٌ أمامَ حُجُراتِ النبيّ e

 

دُون عظمةِ هذه الحُجُراتِ الشريفة المباركة .. وقف على مرّ القرون والأجيال العظماء والملوك ، والأغنياء والكُبراء ، والعلماء والحكماء ، كما وقف العابِدون الأتقياء .. كلٌّ وقف متأمّلاً معتبراً ، متواضعاً خاشعاً ، يتملَّى هذا الموضع المبارك من الأرض ، الذي علّم الدنيا كيف تكون العظمة الحقّة ، وكيف تتسامى مجرّدة عن زخرف الدنيا وزينتها ، ولكنّها تملك من زينة الحقّ ما يجعلها نفحة من نفحات الخلود الزكيّة .. تمنح الحياةَ سرّ وجودِها ، وروح غايتها ، ومتعةَ أنسها ، وتربط الدنيا بالآخرة ، في اتّصال وثيق تنمحي به عوامل القطيعة والتنافر .. ويحسّ من يعيشه انجذابًا نحو الآخرة ، وكأنّ الانتقال إليها رحلة سياحيّة ممتعة إلى متنزّه من متنزّهات هذه الدنيا ، التي طالما تطلّعت إليها النفوس ، وتمنّت لو تحظى منها بوصلٍ أو تفوز ..

إنّها تعلّم الناس سرّ العظمة الحقيقيّة ، التي تتجرّد عن زينة الدنيا وسلطانها ، ولكنّها تملك زينة الحقّ وسلطانه ، وهيبتَه وتأثيرَه .. فلا يقف أمامها شيء ، ولا تَغلبها قوّة ..

هذه الحُجُراتُ تلألأت في جنباتها أنوارُ الوحي صباح مساء ، وحطّت على تربتها المباركة أجنحة جبرائيل والملائكة الكرام عليهم السلام آناء الليل وأطراف النهار ، ورفرفت حولها ، زائرة لساكنها مسلّمة مباركة .. واشرأبّت إليها قلوب الصفوَة من الرجال ، وتعلّقت بها الأبصارُ .. ووقف على بابها العظماء ، يتنافسون في نيل بركاتها ، ويلتمسون الحظوة بشرف الخدمة لسيّد الرسل والأنبياء e ..

هذه الحُجُراتُ شهدت قيام النبيّ e من الليل حتّى تفطّرت قدماه ، وشهدت خلوته بالليل مع ربّه .. ومناجاته لربّه ودعاءه ، وشهدت حبّه وأشواقه ، وتضرّعه وبكاءه ، وشهدت استقباله لأصحابه رجالاً ونساءً ، وتذكيرهم ووعظهم ، ومجَالسته إيّاهم ومؤانَستهم ، وحلّه لمُشكلاتهم في أدقّ شئون حياتهم ، وشهدَت مجالس شورَاه مع خيارِ الصحب الكرام .. كما شهدت استقبال الوفود ودعوتهم إلى الله تعالى ، بالحكمةِ والموعظة الحسنةِ ، ومجادلتهم بالتي هي أحسن ..

هذه الحُجُراتُ شهدت حياة النبيّ e الخاصّة ، الزاهدة المتواضعة مع نسائه .. يخدم نفسه ويخدم أهله .. ويطوي على الجوع أيّاماً ، ويطوين معه راضيات قانعات ، يمرّ عليهم الهلال والهلال والهلال ، ولا توقد في بيوتهنّ نارٌ .. ليس لهم من طَعام إلاّ الأسودان التمر والماء ..

هذه الحُجُراتُ شهدت أخلاق النبيّ e الكريمة مع نسائه .. يقدّر مشاعرهنّ ، ويرحم ضعفهنّ ، ويتلطّف بهنّ ، ويداعبهنّ ويطيّب خاطرهنّ ، ويحْسن معاملتهنّ ، ويعدل بينهنّ ، ويرين ما هُو عليه من الهَدي في كلّ شأن ، فيقتدين به ، ويعلّمن الناس ، وينقلن ما يشهدن إليهم ..

هذه الحُجُراتُ بلسمٌ لقلوب الفقراء ، ووخزةُ ضميرٍ لقلوبِ الأغنياء .. لا يزالُ يجد فيها الأوّلون عزاءهم عن شظف الحياة ، فيصبرون على لأوائها ، ويتجلّدون على شدائدها ، ويرونها بينهُم وبين نبيّهم المصطفى e حبلاً موصولاً ، ونسبةً وثيقةً ، تمسح جِراحَهم ، وتسكب الطمأنينةَ والرضا في قلوبهم .. ولا يزالُ يجد فيها الآخرون ما يشعرُهم بضعف نفوسهم ، ودنوّ مطالبهم ، وما يحثّهم على السموّ عن حطام الدنيا الزائف الزائل ، وأنّها ليست في موازين السماء بشيء ، ولو كان في حيازتها وجمعها ما يرفع الإنسان عند الله أو يعزّه لكان أولى الناس بذلك رسول الله e وآل بيته الأطهار ، وصحابته الكرام y ..

هذه الحُجُراتُ تُباهي بأهلِ الأرضِ أهلَ السماءِ ، وتجعلُ الملائكة الأطهار تغبطُ المحبّين الأصفياء .. فأين أنت أيّها الواقف أمام هذه الحُجُراتِ من تلك الأمنيات .؟!

أخي المسلم ! أخي المحبّ ! إذا وقفت عند هذه الحُجُراتِ ، فتذكّر ما قدّمته هذه الحُجُراتُ البعيدة عن زخرف الدنيا وزينتها للإنسانيّة مِن خيرٍ وهدى ، وما ضمّه ثراها الطيّب المبارك ، مِن جسدِ أطهر مخلوق عرف الله تعالى حقّ المعرفة ، وعبده أخْلص العبادة ، وبلّغ رسالة ربّه ، واجتهد في نصح أمّته ، وجاهَد في الله أعظم الجهاد حتّى أتاه اليقين ..

ضمّ ثراها هذا الجسد المبارك ، فلا عجب أن كان أشرفَ بقعةٍ في الوجودِ وأكرمَها ، وأسناها وأزكاها ..

تذكّر ذلك أخي المسلم ! واعقد بها صلتك الصادقة المخلَصة ، لتكون على مثل عهد الجنديّ مع قائده ، وحماسة المحبّ لحبيبه ، ووفاء العبد لسيّده ، ولتكن خفقات قلبك صفاءً للودّ وتأجيجاً ، وتجديداً للعهد وتأبيداً : { وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10) } الفتح .

غُضّ طرفك ، وأسبلْ دمعةَ حسرَةٍ وندم ، وحبٍّ وحنينٍ من عَينيك ، وعِش بقلبِكَ تلكَ الذكريات ، فربّما قرّب الحبّ والشوق ، وكانَ نِعمَ العزاء ، لمَن فاته وردُ الصفَاءِ وكريم اللقاء ..

 

 

 



 


مقدّمة السورة

 

وهي الآية الأولى منها : {                  } .

 

أ ـ المفردات اللغويّة :

{          } أي لا تقدموا أمراً أو حكماً أو رأياً دونهما ، أو لا تتقدّموا ، مأخوذ من مقدّمة الجيش : من تقدّم منهم ، وقال أبو عبيدة : العرب تقول : لا تقدّم بين يدي الإمام ، وبين يدي الأب : أي لا تعجل بالأمر دونه تشبيهاً للأمر المعنويّ بالأمر الحسّيّ .

و (  ) : إما متعدّ حذف مفعوله لأنه أريد به العموم ، أو أنه نزّل منزلة اللازم لعدم القصد إلى المفعول ، كما تقول : فلان يعطي ويمنع ، أو هو لازم ، فإن قدّم يرد بمعنى تقدّم كبيّن فإنه متعدّ ، ويكون لازماً بمعنى : تبيّن .

ويجوز أن يكون الفعل متعدياً ، بمعنى لا تفعلوا تقديماً بين يدي الله ورسوله e متعلقاً ذلك التقديم بأي أمر كان ، والمراد : لا تقولوا بخلاف القرآن والسنة .

والمراد بـ {     }: أمامهما ، وأصل الكلمة لبيان المكان الذي يكون محصوراً بين جهتي يمينه وشماله ، ولكنها توسّع فيها للتقدّم ، ولو في الأمور المعنويّة أو الأمور الزمانيّة ، كقولك : بين يدي الساعة ، وحسن استعمالها في هذا المقام لأن فيها تهجين ما صنعوا بتصويرهم بصورة من يتقدّم حسّاً بين يدي من هو أعظم مقاماً ، ففي ذلك خروج عن مقام الأدب والمتابعة .

{  } خافوه واحذروا مخالفة أمره ونهيه في التقديم وغيره ، والأمر بالتقوى على أثر ما تقدّم بمنزلة قولك للمقارف بعض الرذائل : لا تفعل هذا ، وتحفّظ من كل ما يلصق العار بك ، فتنهاه أولاً عن عين ما يقارفه ، ثمّ تعمّم النهي عن كلّ ما يماثله .

{   } لأقوالكم {   } بأفعالكم .

ب ـ سبب نزول الآية : {                 } .

أخرج البخاري والترمذي وغيرهما ، عن ابن أبي مليكة ، أن عبد الله ابن الزبير t أخبره ، أنه قدم ركب من بني تميم ، على رسول الله e ، فقال أبو بكر t : أمّر القعقاع بن معبد ، وقال عمر t : بل أمّر الأقرع بن حابس ، فقال أبو بكر : ما أردت إلى أو إلا خلافي وقال عمر : ما أردت خلافك ، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما ، فنزل في ذلك قوله تعالى : {          } : إلى قوله {    } : أي أن الآيات نزلت في مجادلة أبي بكر وعمر t عند النبي e في تأمير القعقاع أو الأقرع بن حابس .

وفي رواية أخرى عند البخاري عن ابن أبي مليكة ، قال : كاد الخيّران أن يهلكا : أبو بكر وعمر t رفعا أصواتهما عند النبي e حين قدم عليه ركب بني تميم ( في السنة التاسعة من الهجرة ) فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع ( أي ليؤمره عليهم ) وأشار الآخر برجل آخر .

قال نافع : لا أحفظ اسمه ( وفي رواية أخرى أن اسمه القعقاع بن معبد ) فقال أبو بكر لعمر t ما أردت إلا خلافي . قال : ما أردت خلافك . فارتفعت أصواتهما في ذلك ، فأنزل الله تعالى : {         }  قال ابن الزبير t : فما كان عمر t يسمع رسول الله e بعد هذه الآية حتى يستفهمه .! " .

وروي عن أبي بكر t أنه قال : " لما نزلت هذه الآية : {      } ، قلت : يارسول الله e ! والله لا أكلمك إلا كأخي السرار " ، ( يعني كالهمس ! ) .

وأخرج ابن المنذر عن الحسن البصري رحمه الله : أن أناساً ذبحوا قبل رسول الله e يوم النحر ، فأمرهم أن يعيدوا ذبحاً ، فأنزل الله : {       } .

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الأضاحي بلفظ : ذبح رجل قبل الصلاة فنزلت الآية .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن عائشة رضي الله عنها : أن أناساً كانوا يتقدمون الشهر ، فيصومون قبل النبي e ، فأنزل الله تعالى : {          } ، ولا يمنع أن تكون الحادثة الواحدة سبباً لنزول الآيتين أو الآيات ، وبخاصّة إذا لاحظنا أن ما جاء في الآية الأولى يعدّ أصلاً لما فصّلته الآيات بعدها ([11]) .

 

ج ـ التفسير والبيان :

تمثّل هذه الآية الأصل الأول الذي تقوم عليه حياة المسلم ، وعليه تشاد معاقل الإسلام في حياته ، وتبنى حصونه ، وهو التلقّي عن الله تعالى وعن رسوله e ، فالحكم لله وحده ، لا معقّب لحكمه ، وهو أحكم الحاكمين ، وطاعة الرسول e إنما هي في الحقيقة طاعة لله ، لأنه هو المبلّغ عن ربه سبحانه ، يقول الله تعالى : { مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80) } النساء .

وتبتدئ السورة بالنداء بوصف الإيمان ، لتمهيد الأمر إلى ما سيلقى من التكليف ، ثمّ يأتي التكليف العامّ بأصل عظيم من أصول هذا الدين ، ثمّ ينتقل الحديث من التكليف إلى ما يعدّ في الإسلام روح التكاليف كلّها ، ألا وهو التحقّق بالتقوى ، وهذه التقوى التي لا تكون إلا لله الواحد الأحد ، الذي له ملك السموات والأرض ، لا ربّ غيره ولا معبود بحقّ سواه ، وهو الذي خلق ورزق ، وقدرّ فهدى ، ويعلم السرّ وأخفى ، بيده الملك ، وهو على كلّ شيء قدير ، وهو سبحانه أهل التقوى وأهل المغفرة .

وتتحدّث هذه الآية عن أربع حقائق ، هي خيوط من نور ترسل أشعّتها إلى ما وراءها في هذه السورة الكريمة من آيات ، وهذه الحقائق هي :

1 ـ نداء المؤمنين بوصف الإيمان ، وهو يتكرّر في هذه السورة خمس مرّات .

2 ـ التكليف بأصل عظيم من أصول هذا الدين ، وهو التلقّي عن الله ورسوله e الذي تبنى عليه السورة كلّها .

3 ـ الأمر بالتقوى ، ويتكرّر الحديث عنها في هذه السورة خمس مرّات .

4 ـ ربط المؤمن بأسماء الله تعالى وصفاته ، وهو ما يتكرّر في هذه السورة تكراراً لافتاً للنظر كما سبق بيانه .

فيامن آمنتم بالله تعالى ربّاً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمّد e نبيّاً ورسولاً لا تقترحوا على الله ورسوله e اقتراحاً ، ولا تبدوا رأياً أو قولاً أو فعلاً ، في أمر ينتظر أن يقضي الله بأمره فيه ، لا في خاصة أنفسكم ، ولا في أمور الحياة من حولكم ، ولا تفتاتوا في أمر من عند أنفسكم حتى تعلموا حكم الله فيه ، على لسان رسوله e ، ولا تقضوا في أمر لا ترجعون فيه إلى قول الله وقول رسوله e ، فالله تعالى أعلم بمصلحتكم ، وما كانت أنظاركم ببالغة من العلم شيئاً مما علمه الله ، والله يعلم وأنتم لا تعلمون ، وإن من يبادر بإبداء أمر ، فقد تقدم على منزلته التي يجب عليه أن يلزمها ولا يتجاوزها .

وكل ذلك في جملة واحدة قصيرة ، تلمس وتصور كل هذه الحقائق الأصيلة الكبيرة .

وفي هذا التعبير إيضاحٌ لوجه الأدب الذي يليق بالمؤمن مع الله ومع رسوله e ، إذ تخرجه الآية الكريمة من تصوّر ذهنيّ إلى صورة محسوسة ، تكشف عن شناعة الخروج عن هذا الأدب ، ومبلغ الإساءة فيه .

وكذلك تأدب المؤمنون مع ربهم ومع رسولهم e  فما عاد مقترح منهم يقترح على الله ورسوله e ؛ وما عاد واحد منهم يدلي برأي لم يطلب منه رسول الله e أن يدلي به ؛ وما عاد أحد منهم يدلي برأيه في أمر أو حكم ، إلا أن يرجع قبل ذلك إلى قول الله وقول الرسول e .

روى أحمد وأبو داود والترمذي عن معاذ t أن النبي e ، قال له حين بعثه إلى اليمن : " بم تحكم .؟ " قال : بكتاب الله تعالى . قال e : " فإن لم تجد ؟ " قال : بسنة رسول الله e ، قال e : " فإن لم تجد ؟ " قال : أجتهد رأيي ، ولا آلو ، أي لا أقصّر . فضرب في صدره ، وقال : " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله e لما يرضي رسول الله e .

فقد أخّر معاذ t رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد البحث في الكتاب والسنّة ، ولو قدّمه قبل البحث عنهما ، وحاشاه من ذلك لكان من باب التقديم بين يدي الله ورسوله e .

ولقد بلغ الحرص بأصحاب رسول الله e غايته ، في الأخذ بهذا الأصل والصدور عنه ، في مواقف كثيرة عندما كان يسألهم رسول الله e عن الأمر ، وهم يعلمونه حق العلم ، فيتحرجون أن يجيبوا إلا بقولهم : " الله ورسوله أعلم " ، خشية أن يكون في قولهم تقدم بين يدي الله ورسوله e .

من ذلك ما جاء في حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي t أن النبي e سأل في حجة الوداع : " أي شهر هذا ؟ " قلنا : الله ورسوله أعلم . فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه . فقال : " أليس ذا الحجة ؟ " قلنا بلى ! قال : " أي بلد هذا ؟ " قلنا : الله ورسوله أعلم . فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه . فقال : " أليس البلدة الحرام ؟ " قلنا : بلى ! قال : " فأي يوم هذا ؟ " قلنا : الله ورسوله أعلم . فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه . فقال " أليس يوم النحر ؟ " قلنا : بلى ! الخ ..

وكم من أناس غرّتهم بوارق الوهم ، فزعموا لأنفسهم كامل الفهم ، فافتاتوا على الله ورسوله e يئوّلون بأهوائهم صريح ما نزّل الله ليجروه إلى مزاعمهم ، ولو اتّبع الحقّ أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن ، هؤلاء وأمثالهم يدخلون دخولاً أولياً وأولوياً في الخطاب بهذه الآية الكريمة ، فإنه إذا كان قد نهى المؤمنون عن التسرع في حكم قبل أن ينزل به الوحي ، فما بالك بمن يعمد إلى وحي محكم فيحاول صرفه عن دلالته المتبادرة انسياقاً مع ما يظنّه مصلحة محكمة ، ولو أنه تجرد عن هوىً مَلكه ، لعقل من سرّ التشريع ما يوافق مصلحة البشر العامة ، كما أرشد إليها العليم الحكيم .

والإتيان بلفظ الجلالة فيه من تعظيم مقام النبي e ، ومن تفظيع افتياتهم ما لا يخفى ، فقد جعل التقديم بين يدي الله تعالى وبين يدي رسوله e سواء في الحكم ، وهما كذلك في واقع الأمر .

ويشبه ما جاء في هذه الآية الكريمة ويؤكّده ، ويقرّر هذا الأصل أتمّ تقرير قول الله : { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) } النساء ، فقد نفى الله الإيمان في هذه الآية بالقسم المؤكّد عمن لا يحتكم إلى رسول الله e وسنّته وهديه ، ولا يكفي ذلك فحسب ، بل لابدّ من الرضا النفسيّ ، والاطمئنان القلبيّ إلى حكم الله ورسوله e ، وتلقّي ذلك بالتسليم والقبول .

ويشبه ما جاء في هذه الآية الكريمة أيضاً ، ويعمّقه ويؤكّده قول الله : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36) } الأحزاب .

فمقتضى العبوديّة لله تعالى ، والإيمان به ألا يكون من المؤمنين إلا التسليم والإذعان ، كما يخضع الكون بما فيه لأقدار الله تعالى الكونيّة الغلاّبة ، ويقف الإنسان على وجه الخصوص أمامها مكتوف الأيدي ، لا يملك دفعاً ولا منعاً ، ولا حولاً ولا طولاً .

وبعد ؛ فماذا يمكن أن يقدّم بين يدي الله ورسوله e .؟ وليس للإنسان ، وليس منه إلا الأهواء الجامحة ، والآراء القاصرة ، ورعونات النفس وجنوحها ، وليس من أكثر الناس إلا التنازع والاختلاف حول ذلك ، وإن حكم الله تعالى ، وحكم رسوله e ، الذي لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، ليس إلا الخير والهدى والحقّ ، فماذا بعد الحقّ إلا الضلال .؟! وماذا بعد حكم الله ورسوله e إلا الأهواء والنزوات الطائشة الرعناء ، وأحكام الجاهليّة التي لا تعرف إلا التفكير في الشهوات ، والدوران حولها .؟! { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) } المائدة .

 

د ـ العبر والدروس والأحكام :

1 ـ وجوب الطاعة التامّة لله تعالى ولرسوله e ، والتقيّد بكتاب الله تعالى وسنّة رسوله e ، فلا يحلّ لمسلم إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون له الخيرة من أمره ، أو أن يقدّم قولاً أو حكماً ، أو رأياً لأحد من البشر كائناً من كان ، وذلك من علامات التقوى لله تعالى .

2 ـ درجات الخروج عن هذا الأدب :

واعلم أخي المؤمن أن الخروج عن هذا الأدب على درجات :

أ ـ فأدناها التسرّع بإطلاق الأحكام مع الجهل بحكم الله ورسوله e ، أو الظنّ بدون علم أن حكم الله ورسوله e كما يقول ، وأدنى ما يقال في ذلك : إنه من سوء الأدب وتجاوز الحدود ، وقد قالوا في سوء الأدب : " من أساء الأدب عوقب بردّ الطلب " ، " ومن أساء الأدب عوقب بالحرمان من لذّة المناجاة " .

ب ـ والدرجة الأخطر : أن يتسرّع في إطلاق الأحكام مع العلم بحكم الله ورسوله e ، ولكنه يحاول التهرّب من حكم الله ورسوله e بأنواع من التأويل الفاسد ، وهذا شأن الذين في قلوبهم مرض الشبهات أو الشهوات أو كلاهما ، وهذا من الفسق والظلم والبغي والعدوان .

ج ـ والدرجة الأدهى والأخطر الموقعة لصاحبها في الكفر الأكبر : أن يتطاول على دين الله تعالى وشرعه برفع البشر والطواغيت ، أفراداً كانوا أم جماعات إلى منازعة الألوهيّة في خصائصها ، وذلك بالتشريع للبشر ما لم يأذن به الله ، وادّعاء أن ذلك أحكم وأعدل ، وأليق بحال البشر من شرع الله المطهّر ، وهذا هو الكفر الصراح ، الذي ليس لصاحبه من عذر بجهل أو شبهة تدرأ عنه السقوط في هوّة الكفر .

3 ـ لا يبعد أن يستدلّ بإشارة هذه الآية على أن ضعيف الرواية والأثر ، إذا كان يدخل تحت أصل من كتاب أو سنّة أو يشهد له شيء من ذلك ، أنه مقدّم على الرأي والنظر ، كما هو مشهور في أصول الحنفيّة ، وهو مرويّ كذلك عن الإمام أحمد .

3 ـ كما تدلّ إشارتها أيضاً على صحّة الأخذ بالقياس لاستناده إلى أصل شرعيّ من كتاب الله تعالى أو سنّة رسوله e ، فهو في الحقيقة تقديم للكتاب والسنّة ، على الرأي المجرّد عن القياس عليهما .

هـ ـ صلة الآية بما بعدها :

سبق أن ذكرنا أن هذه الآية الكريمة ، تتحدّث عن الأصل الأول الذي تقوم عليه حياة المسلم ، وهو التلقّي عن الله تعالى ورسوله e ، فالحكم لله وحده ، والرسول e هو المبلّغ عن ربه سبحانه ، وطاعته إنما هي في الحقيقة طاعة لله تعالى ، فلا رأي لأحد من البشر كائناً من كان ، أمام حكم الله ورسوله e ، وإن التلقّي عن الله ورسوله e يقتضي الأدب مع من يتلقّى عنه ، فمن ثمّ فقد جاءت الآيات بعد هذه الآية تتحدّث عما يجب من الأدب مع رسوله e ، كما كانت هذه الآية مقدّمة لكلّ الحقائق والمعاني التي تتحدّث عنها السورة كلّها ، وسيأتينا من تفصيل ذلك وبيانه ما فيه غناء وشفاء ، بإذن الله تعالى .

 

 

   

 


الفصل الأول

الأدب مع رسول الله e

الآيات من (2) إلى (5)

 

{                                                                 } .

 

أ ـ المفردات اللغويّة :

{          } أي إذا كلمتموه ، فلا ترفعوا أصواتكم فوق صوته .

{        } أي إذا ناجيتموه ، فلا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم ، بل اجعلوا أصواتكم أخفض من صوته ، أو لا تخاطبوه باسمه وكنيته كما يخاطب بعضكم بعضاً إجلالاً له ، وخاطبوه بـ " يا أيها النبي " أو " يارسول الله " .

وتكرير النداء بقوله : {    } تفصيل بعد إجمال في قوله تعالى : {          } فالآية الأولى وضّحت مصدر التلقّي ، وهذه الآيات فصّلت الأدب في التلقّي ، وبيّنت أن التلقّي لابدّ فيه من الأدب مع من يتلقّى عنه ، ومن هنا فقد اقترن العلم في الإسلام والتعليم بالأخلاق والآداب من أول يوم .

{   } : أي لئلا أوكراهة وخشية أن تحبط ، أي يبطل ثواب أعمالكم : لأن في رفع الصوت والجهر استخفافاً ، قد يؤدي إلى الكفر المحبط إذا ضم إليه قصد الاهانة وعدم المبالاة .

فالأصل اللغويّ ، والاصطلاح الشرعيّ لحبوط الأعمال هو بطلانها كلّها وذهاب أجرها ، لأن أصل الحَبَط والحبوط : أن تأكل الماشية ، فتكثر حتى تنتفخ لذلك بطونها ، ولا يخرج عنها ما فيها ، وربّما هلكت ، ومنه في الحديث : ( إن مما ينبت الربيع لما يقتل حبطاً أو يلمّ ) ([12]) .

جعل العمل السيّء في إضراره بالعمل الصالح ، كالداء والحَرَض لمن يصاب به أعاذنا الله من حبط الأعمال ، وخيبة الآمال .                                         

{    } أنها محبطة .

{ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ } يخفضونها ويلينونها ، أي يخفضون أصواتهم عنده إذا كلّموه ، أو كلّموا أحداً في حضرته ، إجلالاً له وتعظيماً لمقامه .

{ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ } مراعاة للأدب أو مخافة مخالفة النهي .

{ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ } اختبرها ، والمراد : طهرها ونقاها  كما يمتحن الصائغ الذهب بالإذابة ، وقيل : أخلصها للتقوى ، وقيل : اختصّها للتقوى ، وقال ابن عبّاس t : { امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ } طهّرهم من كلّ قبيح ، وجعل في قلوبهم الخوف من الله والتقوى ، ويتّصل هذا المعنى بما سيأتي من قوله تعالى : { ولكنّ الله حبّب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم } ، وقال عمر t : أذهب عن قلوبهم الشهوات .

{  لِلتَّقْوَى } أي مرّنها على التقوى ، وأعدّها لها .

{ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ } لذنوبهم .

{ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } ثواب عظيم لغضهم أصواتهم وسائر طاعاتهم . وتنكير الأجر للتعظيم والتكثير .

{ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ } أي من خلف وخارج غرف نسائه e ، وقد يطلق بمعنى أمام كقوله تعالى : { .. وَكَانَ وراءَهُم مَلِكٌ .. } الكهف /79/ ، ومن أهل اللغة من يقول : معنى وراء ما توارى عنك واختفى ، سواء أكان خلفاً أم أماماً ، والحجرات جمع حجرة : وهي قطعة من الأرض تحجر بحائط ونحوه مثل الغرفات جمع غرفة ، والظلمات جمع ظلمة ، وكانت الحجرات تسعاً لكلّ واحدة من أمّهات المؤمنين حجرة ، وكانت من جريد النخل ، على أبوابها الجلود من شعر أسود ، وكانت غير مرتفعة يتناول سقفها باليد ، وقد أدخلت في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك بأمره في مسجد رسول الله e لضرورة توسعة المسجد ، فبكى الناس لذهاب تلك المعالم والآثار ، وقال سعيد ابن المسيّب رحمه الله تعالى يومئذ : " لوددت أنهم تركوها على حالها لينشأ ناس من أهل المدينة ويقدم القادم من أهل الآفاق ، فيرى ما اكتفى به النبيّ e في حياته ، فيكون ذلك مما يزهّد الناس في التفاخر والتكاثر فيها " .

وذكر " الحجرات " بالجمع أبلغ في ذمّ عملهم ، إذ توحي أنهم تفرّقوا على الحجرات متطلّبين له ، فناداه بعضهم من وراء هذه ، وبعضهم من وراء تلك ، ويحتمل أنهم قد أتوها حجرة حجرة فنادوه من ورائها ، أو أنهم نادوه من وراء الحجرة التي كان فيها ، ولكنها جُمعت إجلالاً لرسول الله e ولمكان حرمته .

{ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ } إذ العقل يقتضي حسن الأدب ، ومراعاة الحشمة مع النبي e ، وذكرُ أكثرهم يحتمل : أن فيهم من لم يرتض فعلهم ، ويحتمل : أن يكون الحكم بقلّة العقلاء فيهم قصداً إلى نفي العقل عن جميعهم ، فإن ذكر القلّة تقع موقع تأكيد النفي في أساليب العرب ، أو أن ذلك من قبيل التلطّف بهم .

{ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ } أي لو ثبت صبرهم وانتظارهم حتى تخرج ، وذكر : ( إِلَيْهِمْ ) أي بقصد لقائهم والحديث معهم ، لا بقصد آخر .

{ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ } لكان الصبر خيراً لهم من الاستعجال ، لما فيه من الأدب وتعظيم الرسول e الموجبين للثناء والثواب .

{ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } حيث اقتصر على النصح والتقريع لهؤلاء المسيئين للأدب ، التاركين تعظيم الرسول e .

 

ب ـ أسباب نزول الآيات :

ـ سبب نزول الآية الثانية : { لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ } ، والآية الثالثة : { إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ }.

روى الإمام أحمد عن أنس بن مالك t قال : لما نزلت هذه الآية : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ } وكان ثابت بن القيس بن الشماس t رفيع الصوت فقال : أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله e ، أنا من أهل النار ، حبط عملي ، وجلس في أهله حزيناً ، ففقده رسول الله e ، فانطلق بعض القوم إليه ، فقالوا له : تفقّدك رسول الله ، مالك ؟! قال : أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي e ، وأجهر له بالقول ، حبط عملي أنا من أهل النار .

فأتوا النبي e فأخبروه بما قال ، فقال النبي e : " لا ، بل هو من أهل الجنة " . قال أنس t فكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة

وفي رواية لابن جرير عن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس قال : لما نزلت هذه الآية : قعد ثابت بن قيس t في الطريق يبكي ، فمرّ به عاصم بن عديّ العجلان ، فقال : ما يبكيك ؟ قال : هذه الآية أتخوف أن تكون نزلت فيّ ، وأنا صيّت رفيع الصوت ، فرفع ذلك إلى رسول الله e ، فدعا به النبيّ e فقال له : ( أما ترضى أن تعيش حميداً ، وتقتل شهيداً ، وتدخل الجنّة .؟ ) ([13]) ، قال : رضيت ، ولا أرفع صوتي أبداً على صوت رسول الله e ، فأنزل الله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ } الآية .

وأخرج ابن جرير أيضاً عن قتادة قال : كانوا يجهرون له بالكلام ، ويرفعون أصواتهم فأنزل الله تعالى : {  لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ } الآية .

وجاء في رواية أن ثابت بن قيس بن شمّاس t كان في أذنه وقر ، وكان جهوري الصوت ، وكان إذا كلّم إنساناً جهر بصوته ، فربما كان يكلم رسول الله e ، فيتأذى بصوته فأنزل الله تعالى هذه الآية .

وقال ابن عباس t : لما نزل قوله تعالى : {  لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ }. تألّى أبو بكر t ـ أي حلف ـ ألا يكلّم  رسول الله e إلا كأخي السّرار  ـ أي همساً ـ فأنزل الله تعالى في أبي بكر t : { إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ } .

ـ سبب نزول الآية الرابعة : { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ } .

أخرج الطبراني وأبو يعلى بسند حسن عن زيد بن أرقم قال : جاء ناس من العرب إلى حجر النبي e ، فجعلوا ينادون : يا محمد ، يامحمد ، فأنزل الله : { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ } الآية .

وأخرج عبد الرزاق عن قتادة : أن رجلاً جاء إلى النبي e فقال : يا محمد إن مدحي زين ، وإن شتمي شين ؛ فقال النبي e : ذاك هو الله ، فنزلت : { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ } الآية ([14]) .

وأخرج أحمد بسند صحيح عن الأقرع بن حابس أنه نادى رسول الله e من وراء الحجرات ، فلم يجبه ، فقال : يامحمد ، إن حمدي لزين ، وإن ذمي لشين فقال ذلكم الله ، فنزلت الآية : { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ } .

وقال محمد بن إسحاق وغيره : نزلت في جفاة بني تميم ، قدم وفد منهم على النبي e فدخلوا المسجد ، فنادوا النبي من وراء حجرته أن اخرج إلينا يا محمد e ، فإن مدحنا زين ، وإن ذمنا شين ، فآذى ذلك من صياحهم النبي e ، فخرج إليهم ، فقالوا : إنا جئناك يامحمد نفاخرك  ، ونزل فيهم قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ .. } وكان فيهم الأقرع بن حابس ، وعيينة بن حصن ، والزبرقان بن بدر ، وقيس بن عاصم .

 

ج ـ التفسير والبيان :

وبعدما تحدّثت الآية الأولى عن الأصل العامّ الذي يضبط حياة المسلم ، ويوضّح المرجع الذي يصدر عنه ، ويتلقّى منه في حياته ، جاءت هذه الآيات لتتحدّث عن جملة من الحقوق والآداب الواجبّة على الأمّة تجاه نبيها e :

ـ فتحدّثت عما يجب للنبيّ e من أدب في الحديث معه والخطاب له ، وما ينبغي أن يكون له من التوقير في القلوب ، توقيراً ينعكس على لغة حديثهم ونبراته ودرجة ارتفاع أصواتهم ؛ فلتكن أيها المؤمنون .! أصواتكم قاصرة عن الحدّ الذي يبلغه صوته ، وليكن خطابكم لرسول الله e يميز مقامه بينكم ، والمنزلة التي خصّه الله بها وشرّفه ، فلا يدعى كما يدعى الواحد منكم : { لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا .. (63) } النور ، إذ ليس رَسُولُ اللهِ كأيّ واحد من رجالكم : { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ .. (40) } الأحزاب .

ويحذر الله تعالى عباده من مخالفة ذلك تحذيراً رهيباً ، ينذر من يخالفونه بحبوط أعمالهم ، وهم لا يشعرون ، ولا ينتبهون إلى أثر هذا المزلق الخطير .!

ولعلّ سائلاً يسأل : لماذا تحبط الأعمال بمخالفة هذه الآداب .!؟ والمعروف أن حبوط الأعمال لا يكون إلا بالكفر المخرج لصاحبه من الملّة .؟

فنقول : إن سياق الآية وأسلوبها ينحو منحى التحذير والتخويف ، الذي يكفي المؤمن التقيّ التلويح به ليبتعد عن العمل المنهيّ عنه خشية الوقوع في الأمر المخوف الذي يحذّر منه .

فمن هنا ناسب المقام في الآية أن يكون التعبير بما يوحي بالخشية من ذلك الأثر ، التي هي دافع وأيّ دافع ! بل وأعظم به من دافع للمؤمن ليعمل العمل ، أو ليكفّ عما ينهى عنه ، متسربلاً بلباس التقوى الواقية الرادعة .

فمن أسوأ السيّئات أن يساء الأدب في حضرة النبيّ e ، وألاّ يوقّر التوقير اللائق بالإيمان الصادق ، والولاء الحقّ ، أفلا يكون ذلك محبطاً لأحسن الحسنات والأعمال .؟ فكما أن الحسنات يذهبن السيّئات ، فإن السيّئات اللاحقة تذهب الحسنات السابقة وتحبطها وليس بالضرورة أنها تحبطها كلّها .

ولنا أن نذهب في فهم الآية منحىً آخر ، لا يبعد عما سبق فنقول : إن قصد إيذاء النبيّ e كفر محبط للأعمال باتّفاق ، لا يتأتّى إلا من كافر أو منافق نفاقاً أكبر ، كما قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57) } الأحزاب ، وهذا القصد وهو إيذاء النبيّ e أمر قلبيّ باطن ، يخفى أمره على العباد ، فأقيم الأمر الظاهر مقامه ، وجاء النهي عما هو مظنّة لأذى النبيّ e ، قطعاً للذريعة ، وحسماً للمادّة ، وتعظيماً لحرمة النبيّ e ، وردعاً لضعاف النفوس أن ينزلقوا مع المنافقين ، الذين يؤذون النبيّ e فيوردوا بذلك أنفسهم مورد التهلكة ، ويتعرّضوا لمقت الله تعالى وغضبه ، باقتحام حمى هذا الأمر الخطير .

ولقد عمل ذلك النداء الحبيب ، وهذا التحذير المخيف عمله العميق الشديد في نفوس أولئك الصحب الكرام y ، فارتعشت قلوبهم وارتجفت ، وتأدبوا في حضرة رسول الله e ذلك الأدب البالغ ، كما رأينا في مواقفهم التي ذكر بعضها في أسباب نزول الآيات ، مما يدلّ أبلغ الدلالة على سرعة استجابة أولئك الأخيار للنداء الربّانيّ ، ودقّة التزامهم بالتوجيه القرآنيّ في كلّ مناسبة .

وكلّ ذلك من ثمرات التقوى لله الحقّة ، التي تهب المؤمن الإحساس المرهف والشفافيّة العميقة لكلّ ما يجرح مقامها ، أو ينزل بالمؤمن عن رفعتها وسموّها .

وعندما استجابوا تلكم الاستجابة السريعة ، وبادروا إلى سلوك سبيل الأدب العالي مع النبي e ، في الحديث والخطاب ؛ فمن مقسم أن لا يكلّمه إلاّ كأخي السرار ، ومن حريص على خفض الصوت حتى يستفهمه النبي e مرّة بعد مرّة ، ومن خائف وجِلٍ أن يكون ممن حبطت أعماله ، فهو من أهل النار .. عندما كانت منهم تلكم المبادرات الإيمانيّة الطيّبة ، أثنى الله تعالى عليهم ، ورفع منزلتهم ليكونوا أسوة لغيرهم من المؤمنين ، ووصفهم بأن الله تعالى طهّر قلوبهم ونقّاها  وأخلصها للتقوى ، واختصّها بها ، كما يمتحن الصائغ الذهب والفضّة بالإذابة ، ليخلّصها من كلّ شائبة ، وجعل في قلوبهم الخوف من الله تعالى ، والإنابة إليه سبحانه ، وأذهب عنها الشهوات والأهواء فكانت أهلاً لكلّ رقيّ وثناء ، ورفعة وتكريم .

فالتقوى هبة عظيمة يختار الله لها القلوب ، بعد امتحان واختبار بأنواع التكاليف ، وبعد تخليص وتمحيص ، فلا يضعها الله في قلب إلا وقد تهيأ لها ، وهو يستحقها .

والذين يغضون أصواتهم عند رسول الله e قد اختبر الله قلوبهم وهيأها لتلقي تلك الهبة الإلهيّة العظيمة هبة التقوى .. فمن ثمّ فقد كان جزاؤهم أن كتب الله لهم بها المغفرة والأجر العظيم .

إنه الترغيب العميق ، بعد التحذير المخيف ، به يربي الله قلوب عباده المختارين ، ويعدّها للأمر العظيم ، الذي نهض به الصدر الأول على هدى من هذه التربية ونور .

ولقد بلغ أصحاب النبيّ e مراتب رفيعة في الأدب معه وتعظيمه وتوقيره ، حتى بهروا بذلك ألباب المشركين ، فاستشعروا أنهم أمام أمّة متماسكة خلف قيادتها ، التي تحبّها من قلبها ، وتجلّها وتبجلّها بأعلى ما عرف الناس من أنواع التقدير والتبجيل ، فهذا عروة بن مسعود الثقفيّ وفد على رسول الله e يفاوضه في صلح الحديبية ، وكان مشركاً ، فرأى عجباً من شدّة أدب الصحابة الكرام y مع نبيّهم e ، فجعل يرمقهم بعينيه ، ثمّ وصف ما رأى من مشهد ، فقال : " والله ما تنخّم رسول الله e نخامة إلا وقعت في كفّ رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، ولا تسقط من شعره e شيء إلا أخذوه ، وإذا أمرهم e ابتدروا أمره ، وإذا توضّأ e كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلّم e ، وفي رواية : وإذا تكلّموا خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون النظر إليه تعظيماً له " .

وعندما رجع إلى أصحابه قال لهم : " أي قوم ! والله لقد وفدت على الملوك ، وفدت على قيصر في ملكه ، ووفدت على كسرى في ملكه ، ووفدت على النجاشيّ في ملكه ، والله إن رأيت ملكاً قطّ تعظّمه أصحابه مثل ما يعظّم أصحاب محمّد محمّداً e .. " ([15]) وروى لهم ما رأى من أدب أصحاب النبيّ e مع نبيّهم e .

ومما جاء من فهم الصحابة y لهذه الآية ، ما روى الإمام أحمد في الزهد عن مجاهد قال : كُتب إلى عمر t : يا أمير المؤمنين .! رجل لا يشتهي المعصية ولا يعمل بها أفضل ، أم رجل يشتهي المعصية ولا يعمل بها .؟ ـ أي تشتهي نفسه المعصية ، ولكنه لا يزال يجاهدها حتى تبتعد عنها ، ولا تقترفها ـ فكتب عمر t : " إن الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها : { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } .

ثم أشارت الآيات إلى حادث وقع من وفد بني تميم ، حين قدموا على رسول الله e في العام التاسع ، الذي سمي : " عام الوفود " ، وكانوا أعراباً جفاة فنادوا من وراء حجرات أزواج النبي e المطلة على المسجد النبوي الشريف : يا محمد .! اخرج إلينا ، فكره النبي e هذه الجفوة ، وهذا الإزعاج ، فنزل قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ } .

وقد وصفهم الله تعالى بأن أكثرهم لا يعقلون ، وكرّه إليهم النداء على هذه الصفة المنافية للأدب والتوقير اللائق بمقام النبي e وعظيم قدره عند ربّه وبيّن لهم ما يجب عليهم ، وما كان أجدر بهم وأفضل لهم ، وهو الصبر والانتظار حتى يخرج إليهم النبي e ، وحبّب إليهم التوبة والإنابة ، ورغّبهم في المغفرة والرحمة .

وقد وعى المسلمون هذا الأدب الرفيع ، وتجاوزوا به شخص رسول الله e إلى كل أستاذ وعالم ، يفترشون أمام بيته في الحرّ والقرّ ، فلا يطرقون عليه بابه حتى يخرج إليهم ؛ ولا يزعجونه في وقت راحته ، بدءاً من عهد الصحابة y ، إلى العهود الزاهرة في تلقّي العلم عن العلماء ، والرحلة في طلبه ، والاجتهاد في تحصيله .

" ومن هذا الأدب وأمثاله يقتطف ثمر الألباب ، وتقتبس محاسن الآداب ، كما يحكى عن أبي عبيد العالم الزاهد الثقة الراوية ، أنه قال : " ما دققت باباً على عالم قط حتى يخرج في وقت خروجه " ([16]) .

ونلمس في هذه الآيات سموّ المنهج القرآني في التربية والتهذيب ، فقد جمعت الآيتان الأخيرتان بين التوبيخ لأولئك الذين أساءوا الأدب مع رسول الله e ، وبين الإرشاد والتلطّف ، ولكنها لم تعمّم الحكم عليهم ؛ إما تلطّفاً بهم ، لأنهم أعراب لم يسبق لهم التعليم والتأديب ، وإما أنهم لم يسيئوا الأدب كلّهم ، فأرشدت إلى المنهج الذي ينبغي أن يتّبع مع رسول الله e ، وهو الصبر حتى يخرج إليهم بنفسه ، وبيّنت عاقبة هذا الصبر ، وهو الخير مطلقاً .. ثمّ ختمت ذلك التوبيخ ، وما جاء معه من توجيه وإرشاد ، بالإطماع في مغفرة الله تعالى ورحمته ، إن فاءوا إلى ما أُرشدوا إليه ، واتّبعوا ما جاءهم من الحقّ والهدى .

فانظر إلى سموّ هذا المنهج القرآني في سياسة النفوس وتربيتها وإصلاحها وتهذيبها ، والتدرّج بها في كلمات قليلة ، وجمل يسيرة ، تليّن القلوب القاسية وتردّ النفوس الجامحة .

وإن من تمام الحكمة في الدعوة إلى الهداية : أن يردف الترغيب بالترهيب ، وأن يكون التلطّف في الآخِر بعد ملء قلب المدعوّ بالرهبة في الأول وذلك لتكون الإجابة المنشودة سليمة من مطاوعة القسر ، لابسة ثوب الاختيار والرغبة ، فإنها أخفّ على نفس المدعوّ ، وأشرف لموقفه ، ولقد كان يغلب على نفوس العرب معنى الإباء فيشقّ عليهم مطاوعة القسوة ، حتى إذا ملكوا حرّيتهم أجابوا لما دعوا إليه عن طريق الطواعية ، ولا نزال نشاهد ذلك في ذوي الشمم والنفوس الأبيّة ، ويلاحظ ذلك في إسلام كثير من زعماء قريش والعرب عندما ملكوا حرّيتهم كأبي سفيان بن حرب رضي الله تعالى عنه وغيره في وقائع السيرة .

فلتكن الدعوة إلى الإسلام وقيمه ، وأحكامه وآدابه محلاّة دائماً بما يحفظ على المدعوّ كرامته ، ويحفز إلى الخير رغبته ، وإن تلبّست أحياناً بالشدّة فلتكن على قدر الضرورة ، لأنها ليست هي الأصل ، ألم يقل الله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام ، حين بعثهما إلى فرعون : { فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) } طه ، فليس ذلك من المداهنة الممقوتة المزرية ، وإنما هو من الحكمة المطلوبة المجدية .

د ـ العبر والدروس والأحكام :

1 ـ وجوب الأدب مع رسول الله e ، في مجلسه حال حياته ، فلا يرفع الصوت بحضرته ، ولا ينادى باسمه كما ينادى غيره ، ولا يبتدئ المؤمن بالكلام قبل إشارته e وإذنه ، ووجوب ذلك أيضاً مع سنّته وحديثه بعد وفاته ، فلا يرفع الصوت عند تلاوة حديثه ، ولا عند قبره ، وذلك من علامات الإيمان والتقوى ، وأن الخروج عن هذا الأدب قد يحبط العمل ، ويوقع في مقت الله وسخطه ، وبخاصّة إذا اقترن بما يدلّ على قصد الاستخفاف .

وقد اشتملت هذه الآيات على وجوه بيّنات من إكبار مقام النبيّ e وإجلاله ، وبيان عظيم حقّه على أمّته ، ووجوب الأدب معه ، منها :

أ ـ تقريعها للذين يرفعون أصواتهم عند النبيّ e ، ووصفهم بالسفه والجهل لما أقدموا عليه .

ب ـ ذكر لفظ الحجرات بالتعريف لا بالإضافة إليه e ، وإيقاعها كناية عن موضع خلوته ومقيله مع بعض نسائه e .

ج ـ تهوين الخطب على النبيّ e والتسلية له ، بما ذكر من جفوة طباعهم ، وركّة عقولهم ، وقلّة انضباطهم .

د ـ الثناء البالغ على الذين غضّوا أصواتهم تعظيماً للنبيّ e وإجلالاً ووصف قلوبهم بأن الله تعالى اختصّها بالتقوى ، ولفت إلى علوّ مقامهم ورفعته بقوله سبحانه : { أُوْلَئِكَ } ، مما يشير إلى أن التقوى لا يحظى بها على الوجه الذي يحبّه الله ويرضاه إلا أهل الأدب الكامل مع رسول الله e وأولي التوقير له ، والتعظيم والتبجيل .

هـ ـ ومنها : أن الله تعالى وعد الذين يغضّون أصواتهم عند رسول الله e تعظيماً للنبيّ e وإجلالاً بالمغفرة والأجر العظيم .

2 ـ الأصل أن الأعمال لا يحبطها إلا الكفر ، فلا يبعد أن يكون النصّ هنا على إحباط الأعمال بإساءة الأدب في حضرة النبيّ e ، له هذه الخصوصيّة التي ليست لسواه ، لعظيم حقّ النبيّ e ، وجليل قدره ، ورفيع منزلته ، أو لما قد يئول إليه .

ـ وقفة عند وجوه من حبوط الأعمال وأسبابه :

يمكن أن يفهم حبوط الأعمال ، بإساءة الأدب مع رسول الله e على وجوه عديدة ، أهمّها :

أ ـ أن حقّ رسول الله e على الناس أعظم حقّ بعد حقّ الله تعالى ، فانتهاك حقّ الله تعالى بالكفر يحبط العمل كلّه ، وانتهاك حقّ رسول الله e بإساءة الأدب يحبط العمل أيضاً ، لأنه عنوان التكذيب به ظاهراً أو باطناً ، كما هو شأن المنافقين ، ومظنّة ذلك إذا صدر عن أحد من المؤمنين عن جهل أو سوء أدب .

ب ـ وإذا كانت حقوق العباد لا تتجاوز يوم القيامة ، ويقتصّ فيها بالحسنات والسيّئات ، فكيف بحقّ رسول الله e ، وهو أعظم الحقوق وأجلّها .؟!

ج  ـ كما أن الحسنات يذهبن  السيّئات ، فكذلك السيّئات يذهبن الحسنات ، ولا سيّما الكبائر منها ، فإنها تذهب مثوبة أعظم الأعمال مما يقابلها ، وذلك نوع من حبوط الأعمال .

د ـ إنما الأعمال بالقبول ، وإنما يتقبّل الله تعالى من المتّقين ، وكيف يوصف بالتقوى من يسيء الأدب مع رسول الله e حيّاً كان أم ميتاً .؟ وكيف يرفع عمله أو يقبل منه .؟

ورأس التقوى في العمل أن يكون خالصاً لوجه الله تعالى ، وأن يكون على هدي السّنة والاتّباع .

هـ ـ من يسيء الأدب مع رسول الله e ممقوت من الله تعالى مخذول ، فكيف يوفّق للعمل الصالح أو يكتب له القبول .؟

تنبيه مهمّ : واعلم أخي المؤمن أن إساءة الأدب مع سنّة النبيّ e وحديثه وهديه ، هي إساءة للأدب معه لاتختلف عنها ، فهي منها سواء بسواء ، فليحذر الذين يقفون من كلام النبيّ وسنّته وهديه e ، كما يقف أحدهم من قول أيّ من البشر ، أو ما ينقل إليه من مواقفهم وأخبارهم ، فما أكثر ما سمعنا الاعتراض بغير فهم ، والقول على سنّة النبي e بغير علم .!؟

نسأل الله تعالى التوفيق للأدب ، وحفظ اللسان من موجبات الخذلان .

والعجب كلّ العجب أن ذلك لا يصدر من عدوّ معاند جاحد ، بل من قريب معترف يظنّ بنفسه الخير ، وأنه على خير واستقامة .!؟ { فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) } النور ، وقال تعالى : { وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) } الأنفال .

3 ـ لا يدخل في هذا النهي الجهر بحضرة النبيّ e في حرب لإرهاب عدوّ ، أو مجادلة معاند ، فإنه مما لا بأس به ، إذ لا يتأذّى به النبيّ e .

4 ـ إذا كانت الصغائر قد تجرّ إلى الكبائر ، فإن الكبائر ، ومنها إساءة الأدب مع رسول الله e قد تقود صاحبها إلى الكفر المحبط للأعمال .

5 ـ دلّت الآيات أن مما يرتكب من الآثام ما يذهب بثواب الأعمال ، كما أن منها ما لا يدرى أنه كذلك ، ويستصغر في نظر فاعله ، وهو كبير عند الله تعالى ، كما قال سبحانه : { وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) } النور .

6 ـ في الآيات دليل على أن الجاهل قد يعذر بجهله ، وتخفّ عليه المسئوليّة والملامة ما لا يعذر العالم ، لأن من نزلت فيهم الآيات كانوا من جفاة الأعراب ، الذين كانوا على وشك الإسلام ، أو دخلوا في الإسلام من قريب .

7 ـ دلّ قوله تعالى : { أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ } على أن الأدب من العقل ، كماله من كماله ، ونقصه من نقصه ، فليعرف قدر عقله من خرج عن الأدب مع أهل العلم ، وذوي الفضل ، وتسرّع في الاتّهام وإطلاق الأحكام ، دون بيّنة أو برهان .

8 ـ ودلّت أيضاً على أن من لم يفعل ما يقتضيه العقل وما يليق بالعقلاء ، فإنه يوصف بفقد العقل لأنه لا ينتفع بعقله ، ولا يحتكم إليه .

9 ـ ويلحق بالأدب مع رسول الله e الأدب مع العلماء فهم ورثة الأنبياء ، وولاة الأمر من بعده ، وكلّ ذي سنّ أو منزلة وقدر في الإسلام ، فالعلماء ورثة الأنبياء ، وهم سند هذه الأمّة المتّصل بينها وبين نبيّها e ، وهم أمناء الله على دينه ووحيه ، وولاة الأمر من المسلمين هم القائمون بنصر دين الله تعالى ، وإقامة شرعه ، والدفاع عن حرماته .

 

هـ ـ ربط الآيات بما بعدها :

كان النداء الذي جاء في الآية الأولى لتقرير مصدر التلقي في حياة المؤمن الذي يرجع إليه في كلّ أمر ، ويصدر عنه في كلّ شأن ، ويتلمّس رضاه في كلّ خطوة من خطوات حياته .

وكان النداء الثاني لتقرير ما ينبغي من الأدب في حقّ رسول الله e والتوقير ، وكان هذا وذاك هو الأصل والأساس لكافة التوجيهات والتشريعات في السورة ، فلا بد من وضوح المصدر الذي يتلقى عنه المؤمنون ، ومن تقرير مكانة النبيّ e في أمّته وعظيم مقامه ، وما يجب له من التعظيم والتبجيل ، لتصبح للتوجيهات بعد ذلك قيمتها ووزنها ، وطاعتها وتأثيرها .

ومن ثم يجيء النداء الثالث ليبيّن للمؤمنين كيف يتلقون الأنباء .؟ وكيف يتثبّتون منها .؟ وليضرب لهم المثل بنبيّهم e ، كيف كان e لا يعجل لعجلة أحد من المتعجّلين ، ولا يستجيب لظنون أحد أو هواه بدون تثبّت وتحقيق .

@@@

@@


الفصل الثاني

التثبّت في تلقّي الأخبار وروايتها

الآيات من (6) إلى (8)

 

{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنْ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8) } .

 

أ ـ المفردات اللغويّة :

{ فَاسِقٌ } خارج عن حدود الدين أو الشرع ، مأخوذ من قولهم : فسق الرطب : إذا خرج من قشره ، والفسوق : الخروج من الشيء والانسلاخ منه ، وهو في الشرع الخُروج عن حكم الدين والطاعة ، وأكثر ما يستعمل في المعاصي الصادرة من المؤمن ، فهو أعمّ من الكفر ، وقد يستعمل في الكفر ، كقوله تعالى : { فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ .. (50) } الكهف .

{ بِنَبَإٍ } الخبر الذي له خطر وشأن .

{ فَتَبَيَّنُوا } أي اطلبوا بيان الحقيقة ومعرفة الصدق من الكذب ، وقرئ : { فَتَثَبَّتُوا } من التثبّت .

{ أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا } أي خشية ذلك ، أو كراهة إصابتكم .

{ بِجَهَالَةٍ }

{ فَتُصْبِحُوا } تصيروا .

{ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ } من الخطأ .

{ نَادِمِينَ } مغتمّين غماً لازماً ، متمنين أن هذا الأمر لم يقع منكم .

{ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ } أي فلا تقولوا الباطل ، فإن الله يخبره بالحال .

{ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَمْرِ } الذي تخبرون به على خلاف الواقع .

{ لَعَنِتُّمْ } لوقعتم في العنت وهو الجهد والهلاك والإثم .

{ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الْإِيمَانَ } استدراك ببيان عذرهم ، وهو أن بعضهم من فرط حبهم للإيمان وكراهتهم للكفر ، حملهم ذلك على التسرّع ، وعدم التثبّت لمّا سمعوا قول الفاسق .

{ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ } حسّنه .

{ الْكُفْرَ } تغطية نعم الله تعالى بجحودها .

{ وَالْفُسُوقَ } الخروج عن الحدّ .

{ وَالْعِصْيَانَ } المخالفة

{ أُوْلَئِكَ } المتبيّنون .

{ هُمْ الرَّاشِدُونَ }‎ الرَّشَدُ والرُّشْد خلاف الغيّ ، يستعمل استعمال الهداية ، أدناه رشد اليتيم إذا بلغ ويكون بأنس العقل وحسن التصرّف ، وأعلاه رشد إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ، وهو إلهام الحقّ وإقامة الحجّة على قومه ([17]) ، وشتّان ما بين النوعين من الرشد صفة وقدراً .

والرَّاشِدُونَ هنا هم : الثابتون على دينهم ، أهل الحق واتباع طريق الاستقامة ([18]) .

وعلى ذلك فإن معنى الرشد ينتظم من رزانة العقل ، ونضج الوعي ، والحكمة في المواقف ، والسداد فيها ديناً ودنيا ، والتوفيق من الله تعالى في كلّ أمر ، ويشير إلى ذلك ويؤكّده سياق الآية الكريمة التي نتحدّث عنها ، وما جاء بعدها : { وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الْإِيمَانَ .. أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ } ، { فَضْلًا مِنْ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } ، وقارن ذلك أيضاً بما اتّصف به الخلفاء الراشدون من الصفات ، وما كانوا عليه من المزايا التي لم تجتمع لمن بعدهم إلا على فلتات من الدهر .

{ فَضْلًا مِنْ اللهِ وَنِعْمَةً } تعليل لقوله : { حَبَّبَ } { وَكَرَّهَ } فإن التحبيب والرشد فضل من الله تعالى وإنعام .

{ وَاللهُ عَلِيمٌ } بأحوال المؤمنين وما في قلوبهم ، وما بينهم من التفاضل في المنازل .

{ حَكِيمٌ } في إنعامه عليهم بالتوفيق .

ب ـ أسباب نزول الآيات :

ـ سبب نزول الآية السادسة : { إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا } .

ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة . أخرج ابن جرير وأحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن أبي الدنيا وابن مردويه بسند جيد عن ابن عباس t : أن الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، بعثه رسول الله e إلى بني المصطلق مصدقاً ، وكان بينهما إحنة ، فلما سمع بهم خافهم ، فرجع فقال : إن القوم همّوا بقتلي ، ومنعوا صدقاتهم ، فهمّ النبي e بغزوهم ، فبينما هم في ذلك إذ قدم وفدهم ، وقالوا : يا رسول الله e ، سمعنا برسولك ، فخرجنا نكرمه ، ونؤدّي إليه ما قبلنا من الصدقة ، فاتّهمهم النبي e وقال : ( لتنتهُنّ أو لأبعثنّ إليكم رجلاً هو عندي كنفسي ، يقاتل مقاتلتكم ، ويسبى ذراريكم ) ، ثمّ ضرب بيده على كتف عليّ t ، فقالوا : نعوذ بالله من غضبه ، وغضب رسوله e .

وقيل : بعث إليهم خالد بن الوليد t ، فوجدهم منادين بالصلاة ، متهجدين ، فسلموا إليه الصدقات ، فرجع .

ولا خلاف بين المفسّرين في أن الرجل الذي جاء بالنبأ هو الوليد بن عقبة ابن أبي معيط .

والآية وإن وردت لسبب خاص فهي عامة لبيان التثبّت ، وترك الاعتماد على قول الفاسق ، قال الحسن البصري : " فوالله لئن كانت نزلت في هؤلاء القوم خاصة ، إنها لمرسلة إلى يوم القيامة ، ما نسخها شيء " .

وروى الإمام أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن منده وابن مردويه بسند جيد عن الحارث بن ضرار الخزاعي t قال : قدمت على رسول الله e ، فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه ، وأقررت به ، ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها ، وقلت : يارسول الله e ، أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام ، وأداء الزكاة ، فمن استجاب لي جمعت زكاته ، وترسل إلى يارسول الله e ، رسولاً لإبّان أي : وقت كذا وكذا ليأتيك بما جمعت من الزكاة .

فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له من قومه ، وبلغ الإبّان الذي أراد النبي e ، أن يبعث إليه الرسول ، ولم يأته الرسول من طرفه ، ظنّ الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله تعالى ورسوله e ، فدعا أي : الحارث بسروات قومه ، فقال لهم : إن رسول الله e كان وقّت لي وقتاً يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة ، وليس من رسول الله e الخلف ، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة ، فانطلقوا بنا ، نأتي رسول الله e .

وكان قد بعث رسول الله e الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة ، فلما أن سار الوليد حتى بعض الطريق أخذه الروع أي : خاف واعتراه الفزع ، وذلك لأنه كان بينه وبينهم شحناء في الجاهلية كما جاء مصرحاً بذلك في رواية ، وجاء في رواية أخرى : فحدّثه الشيطان أنهم يريدون قتله ، فرجع حتى أتى رسول الله e ، فقال : يارسول الله e إن الحارث قد منعني الزكاة وأراد قتلي .

فغضب النبي e ، وبعث البعث إلى الحارث t ، وأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث t فقالوا : هذا الحارث ، فلما غشيهم قال لهم : إلى من بعثتم ؟ قالوا : إليك قال : ولم ؟ قالوا : إن رسول الله e بعث إليك الوليد بن عقبة ، فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله .

فقال الحارث t : لا ، والذي بعث محمداً e بالحق ما رأيته بتةً ، أي : قطعاً ، ولا أتاني ، فلما دخل الحارث على النبي e قال له : "منعت الزكاة وأردت قتل رسولي ؟ " .

قال الحارث t : لا والذي بعثك بالحقّ ، ما رأيته ولا أتاني ، وما أقبلت إلا حين احتبس عليّ رسول رسول الله e ، فخشيت أن يكون ذلك سخطة من الله ورسوله e ، فنزلت الآية : { إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ .. } .

ـ ملاحظة مهمّة :  إن نزول الآية عند هذه الحادثة لا يعطي دليلاً قاطعاً على الحكم بفسق الوليد بن عقبة ، ولا تحكم عليه أنه تعمّد الكذب بقصد الإيقاع ببني المصطلق أو بقوم الحارث بن ضرار الخزاعي ، وإنما دلالة الآية عامّة ، لأنها تنبّه إلى نظائر ما جاء فيها ، فإذا كان الوليد بن عقبة تكلّم بالظنّ فوهم فكان كلامه كذباً غير متعمّد ، فمن باب أولى أن من يعرف بفسقه ، ويتعمّد الكذب في قوله ، ويقصد الأبرياء بالسوء والتهم ، أن يتحرّى في قبول خبره ، ويدقّق في الأخذ بروايته ونقله .

فلا تغترّ بما ذكره بعض المفسّرين من الحكم بفسق الوليد بن عقبة ، والقول بأنه لم يزل فاسقاً عن دين الله ، ونقل روايات عن سلوكه وأقواله نحسب أنها من دسّ المغرضين المتحاملين على الأموييّن ، وإن مدلول هذه الآية ليطالهم ، ويقول لهم : { .. فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } .

وقد ذهب الإمام الرازيّ رحمه الله إلى تضعيف الروايات عن سبب النزول بحجّة " أن إطلاق لفظ الفاسق على الوليد بعيد ، لأنه توهّم وظنّ فأخطأ ، والمخطئ لا يسمّى فاسقاً ، كيف والفاسق في أكثر المواضع يراد به من خرج من ربقة الإيمان .؟ " .

يقول الباحث : أو هو من يتعمّد ارتكاب الكبائر ، وغشيان المآثم ، ولا يبالي بالمجاهرة بذلك .

ولا حاجة بنا إلى ما ذهب إليه الإمام الرازيّ بعدما وجّهنا القول هذا التوجيه الحسن فيما نحسب ، والله تعالى أعلم .

وهذه الآية تدلّ أيضاً على مدى حكمة النبيّ e ، وبالغ رأفته بأمّته ، إذ إنه تثبّت وتحرّى حتى في قبول قول مستور الحال ، ومن لم يعرف بفسقه أو نفاقه ، فكان في ذلك الخير كلّ الخير لأصحابه ولأمته من بعده .

 

ج ـ التفسير والبيان :

يخاطب الله الذين صدقوا بالله تعالى ورسوله e ، إن أتاكم فاجر لا يبالي بالكذب بخبر فيه إضرار بأحد ، فتبينوا الحقيقة ، وتثبتوا من الأمر ، ولا تتعجلوا بالحكم واتّخاذ أيّ موقف حتى تتضح لكم الحقيقة وتظهر ، خشية أن تصيبوا قوماً بالأذى ، وتلحقوا بهم ضرراً لا يستحقونه ، وأنتم جاهلون حالهم فتصيروا نادمين على ما أخطأتم ، مغتمين له ، متمنين عدم وقوعه .

وفي تنكير : فاسق ونبأ ، دلالة على العموم في الفساق والأنباء ، كأنه قال : أيّ فاسق جاءكم بأي نبأ ، فتوقفوا وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة ، ولا تعتمدوا قول الفاسق ؛ لأن من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه .

والآية دالة على أن الخبر الواحد العدل حجة ، وشهادة الفاسق لا تقبل .

ثم ذكَّرهم بوجود رسول الله e بينهم ، ليعظموه ويسألوه ، ويرجعوا إلى قوله وحكمه في حياته ، وينقادوا لهديه وسنّته بعد وفاته ، ويتأسّوا به e في كلّ شأن ، فإنه أعلم بمصالحكم منكم ، فلا تتقدّموا بين يديه بالقول ، ولا تتسرّعوا من غير التبيّن والتثبّت ، فلو أطاعكم رسول الله e في كثير مما تخبرونه به من الأخبار ، وتشيرون عليه من الآراء لوقعتم في المشقّة والإثم ، ولجلبتم على أنفسكم المصائب والمتاعب ، والفتن والهلاك ؛ ولكنه لا يطيعكم في غالب ما تريدون قبل التأمل والنظر ، والتثبّت واتضاح الأمور .

وإنما جاء النصّ : بلفظ الاستقبال دون الماضي : أطاعكم ، للدلالة على استمراره في التثبت والتحقق مما ينقل إليه من الأخبار ، بدليل قوله : { فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَمْرِ } أي في كثير مما عنَّ لهم من الآراء والأهواء ، فلو أرادوا منه الاستمرار في طاعته لهم ، لوقعوا في الإثم والهلاك .

وفي ذلك مراعاة لجانب المؤمنين إذ لم ينسب جميع آرائهم إلى الخطأ ، وفيه أيضاً تعليم حسن ، وتأديب جميل في باب التخاطب ، وإشارة إلى تصويب رأي بعضهم ، ولهذا استدرك مشيراً إلى رأي بعضهم في ضرورة التريث إلى أن يتبين أمر بني المصطلق ، فقال : { وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الْإِيمَانَ .. } : أي إلى بعضكم فلم يقع في ورطة التسرع في قبول الأخبار ، وعدم التثبت فيها ، وكانوا أبرياء من اتهام الآخرين ؛ لأن الله جعل الإيمان أحب الأشياء إليكم ، وحسَّنه بتوفيقه وتثبيته في أعماق قلوبكم ، وكرّه إليكم الكفر وهو جحود الخالق وتكذيب الرسل ، والفسوق وهو انتهاك محارم الدين ، والخروج عن حدوده ، والعصيان وهو المخالفة والتقصير في الطاعة .

وما كان ذلك باستحقاق منكم ، وإنما هو محض تفضل من الله تعالى  عليكم ، وإنعام من لدنه وإكرام ، والله عليم بكل الأمور الحادثة والمستقبلة ، حكيم في تدبير شؤون خلقه ، وفي أقواله وأفعاله وشرعه وقدره .

وهؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات ، هم الذين استقاموا على طريق الحق ومقتضى الشرع ، وأدب الدين ، فلم ينزلقوا في اتهام غيرهم دون تثبت .

وإن اختيار الله لفريق من عباده ، ليشرح صدورهم للإيمان ، ويحرك قلوبهم إليه ، ويزينه لهم فتهفو إليه أرواحهم ، وتدرك ما فيه من جمال وخير .. هذا الاختيار فضل من الله ونعمة ، دونه كل فضل وكل نعمة ، حتى نعمة الوجود والحياة أصلاً ، هي في حقيقتها أقلّ من نعمة الإيمان وأدنى .

وإن من مقتضيات الشعور بهذه النعمة ألا تتقدموا بين يدي الله ورسوله e ، وأن تستسلموا لقدر الله وتدبيره ، فالله أعلم منكم بما هو خير لكم ، ورسوله e رحمة لكم فيما يدبّر لكم ويختار ، فدعوا اختياركم لاختياره ، واحذروا الاستعجال والاندفاع فيما قد تظنونه خيراً لكم ، وما هو بذلك ، فالله يعلم وأنتم لا تعلمون ، ورسوله e ممدود بوحيه وإلهامه في كلّ حين ، { وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) } النجم .

كلمة في التوفيق والخذلان :

إن منهج التربية الإسلاميّة يقوم على قاعدة تربويّة عريضة هي الترغيب والترهيب ، والتحبيب والتنفير : الترغيب والتحبيب بالإيمان والخير ، والترهيب والتنفير من الكفر والفسوق والعصيان ، والشرّ والطغيان بصورة واقعيّة صحيحة بعيدة عن التهويل والوهم ، أو الانحراف وسوء الفهم .

وإذا كان الله تبارك وتعالى يمتنّ علينا في هذه الآية بقوله سبحانه : { وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ } فلا يمنع أن ما كان خلقاً لله تعالى وتقديراً ، أو فضلاً وتوفيقاً ، وكلّ شيء خلقه وتقديره ، أو فضله وتوفيقه ، أن نأخذ بأسبابه ، ونسعى إلى بلوغه بآدابه .

وفي ذلك  يقول الإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى : " وقد أجمع العارفون بالله : أن " التوفيق " هو أن لا يكلك الله إلى نفسك ، وأن " الخذلان " هو أن يخلي بينك وبين نفسك ، فالعبيد متقلبون بين توفيقه وخذلانه ، بل العبد في الساعة الواحدة ينال نصيبه من هذا وهذا فيطيعه ويرضيه ، ويذكره ويشكره بتوفيقه له ، ثم يعصيه ويخالفه ويسخطه ويغفل عنه بخذلانه له ، فهو دائر بين توفيقه وخذلانه ؛ فإن وفقه فبفضله ورحمته ، وإن خذله فبعدله وحكمته ، وهو المحمود على هذا وهذا ، له أتم حمد وأكمله ، ولم يمنع العبدَ شيئاً هو له ، وإنما منعه ما هو مجرد فضله وعطائه ، وهو أعلم حيث يضعه وأين يجعله .؟

فمتى شهد العبد هذا المشهد وأعطاه حقه ، علم شدة ضرورته وحاجته  إلى التوفيق في كلِّ نَفَس وكل لحظة وطرفة عين ، وأن إيمانه وتوحيده بيده تعالى ، لو تخلى عنه طرفة عين لَثُلَّ عرش توحيده ، ولخرّت سماء إيمانه على الأرض ، وأن الممسك له : هو من يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه . فهِجّيرَى قلبه ودأب لسانه : " اللهم .! يا مقلّب القلوب ، ثَبِّت قلبي على دينك ، ويا مصرّف القلوب .! صرّف قلبي إلى طاعتك " .

ودعواه : " يا حيّ يا قيّوم ، يا بديع السموات والأرض ، يا ذا الجلال والإكرام ، لا إله إلا أنت ، برحمتك أستغيث ، أصلح لي شأني كله ، ولا تكلني إلى نفسي طَرفة عين ، ولا إلى أحد من خلقك " .

فيسأله توفيقه مسألة المضطر ، ويعوذ به من خذلانه عياذ الملهوف ، ويلقي نفسه بين يديه طريحاً ببابه مستسلماً له ، ناكس الرأس بين يديه ، خاضعاً ذليلاً ، مفتقراً مستكيناً ، لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ونشوراً ، فهو سبحانه عليم بمن يصلح لهذا الفضل ومن لا يصلح له ، حكيم يضعه في مواضعه وعند أهله ، لا يمنعه أهلَه ، ولا يضعه عند غير أهله . وذكر هذا عقيب قوله : { وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ } ، ثم جاء به بحرف الاستدراك فقال : { وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الْإِيمَانَ } الحجرات /7/ .

فلم تكن محبتكم للإيمان وإرادتكم له ، وتزيينه في قلوبكم : منكم ، ولكن الله تعالى هو الذي جعله في قلوبكم كذلك ، فآثرتموه ورضيتموه ، فلذلك لا تُقَدِّموا بين يدي رسولي e ، ولا تقولوا حتى يقول ، ولا تفعلوا حتى يأمر ، واحذروا فإن الله يحول بين المرء وقلبه ، وإن الذي حبّب إليكم الإيمان ، وزيّنه في قلوبكم هو أعلم بمصالحكم منكم ، فلولا توفيقه لكم لما أذعنت نفوسكم للإيمان ، فلم يكن الإيمان بمشورتكم وتوفيق أنفسكم ، ولا تقدمتم به إليها ، فنفوسكم تقصر وتعجز عن ذلك ولا تبلغه ، فلو أطاعكم رسولي في كثير مما تريدون : لشقّ عليكم ذلك ، ولهلكتم وفسدت مصالحكم وأنتم لا تشعرون " .

والحديث عن فضل الله تعالى في هذه الآية على العباد في تحبيب الإيمان ، وتكريه الكفر والفسوق والعصيان ، يقابله ما قطعه إبليس على نفسه ، من الحرص على إضلال بني آدم وإغوائهم ، وتزييف الحقّ لهم ، وتزيين الباطل في أعينهم ، وتغريرهم بأعمالهم وتزيينها في أعينهم ، وعلى ذلك يقوم منهج أوليائه من شياطين الإنس ، بل إنهم زادوا على سيّدهم أنهم يملكون من الوسائل العمليّة ما لا يملكه بحكم طبيعته ، ونعمة احتجابه عن البشر .

 

د ـ العبر والدروس والأحكام :

1 ـ وجوب التثبّت والتحرّي في قبول الأخبار ، والبعد عن التسرّع في تصديقها ، وبخاصّة إذا كانت أخباراً تترتّب عليها آثار خطيرة ، لا يمكن تداركها بعد وقوعها .

2 ـ الأصل في الجماعة المؤمنة أن يكون أفرادها موضع ثقتها ، وأن تكون أنباؤهم مصدَّقة مأخوذاً بها ، فأما الفاسق فهو موضع الشكّ حتى يثبت خبره ، وبذلك يستقيم أمر الجماعة وسطاً بين الأخذ والرفض لما يصل إليها من أنباء ، ولا تعجل الجماعة في تصرف بناء على خبر فاسق ، فتندم على ارتكابها ما يغضب الله ويجانب الحق والعدل في اندفاع .

3 ـ دلّت الآية بمفهومها على ردّ خبر الفاسق لأنه لا يتحرّى الصدق ، ولا يتحاشى الكذب ، كما دلّت أيضاً على وجوب قبول خبر الواحد العدل لأنها أمرت بالتبيّن عند فسق المخبر .

وعلى هدي ما جاء في هذه الآية الكريمة نفصّل القول في موقف المؤمن الحقّ من الأخبار التي تأتيه على حسب ما تنقسم إليه إلى الأنواع التالية :

أ ـ موقف التصديق والتسليم المطلق ، والقبول القطعيّ ، والاطمئنان القلبيّ ، وهي الأخبار التي جاءت في القرآن الكريم ، وصحيح السنّة المتواترة ، فالشكّ في ذلك كفر ، وخروج من الملّة ، ولنا في موقف الصدّيق رضي الله تعالى عنه من حادثة الإسراء والمعراج عبرة وأيّ عبرة ، فقد قال رضي الله تعالى عنه : " إن كان قال ذلك فقد صدق " ، " إني لأصدّقه بأعجب من ذلك ، أصدّقه بخبر السماء يأتيه في ليل أو نهار " ([19]) ، فمن يومها سمّي الصدّيق .

ب ـ موقف التصديق والقبول لقيام الحجّة على الصدق ، من صدق الراوي أو الرواة ونزاهتهم ، وانتفاء ما يعارض الخبر مما هو أوثق منه وأرجح وتكذيب مثل هذا الخبر بغير بيّنة أو حجّة ، يعدّ فسقاً عن سبيل الحقّ إن كان في أمر الدين ، ينذر صاحبه بسوء العاقبة ، وخرقاً عن مقتضى العقل إن كان في أمر الدنيا .

ج ـ موقف التثبّت والتبيّن ، بسبب الشكّ في صدق الراوي أو الرواة ونزاهتهم ، أو لأن الخبر يتعلّق بجماعة من المسلمين ، فلا يجوز التسرّع في قبول الأخبار عنهم ، مالم يستوثق من ثبوتها ، والتسرّع في قبول مثل هذا النوع من  الأخبار بغير بيّنة أو حجّة ، يعدّ كالنوع السابق فسقاً عن سبيل الحقّ ، ينذر صاحبه بسوء العاقبة ، وهذا النوع ما نصّت عليه الآية .

د ـ موقف التكذيب القطعيّ للخبر الذي يخالف أو يتعارض مع خبر الوحي الثابت بالحجّة الشرعيّة القاطعة .

4 ـ حكمة النبيّ e ورحمته بالمؤمنين ، إذ تثبّت في الخبر ، ولم يطع المبلّغ الكاذب ، ولم يأخذ أحداً بالظنّة ، ولم يعاقب على التهمة ، ولولا ذلك منه لسفكت دماء بغير حقّ ، وأصاب الناس بلاء كبير ، وشرّ كثير .

5 ـ الإيمان أعظم نعمة من الله تعالى على عباده وفضل ، والتوفيق إليه ومحبّته من علامات عقل الإنسان ورشده ، وسعادته وحسن عاقبته .

6 ـ من أهمّ آثار الإيمان في حياة الإنسان بغض الكفر وأهله على اختلاف أنواعه وألوانه ، وبغض المعاصي والفسوق عن طاعة الله تعالى وهدي نبيّه e ، والبعد عن ذلك كلّه .

7 ـ ومن ثمرات الإيمان في حياة المؤمن أن يسأل الله تعالى أن يحبّب إليه الإيمان ويزيّنه في قلبه ، وقد ساق الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره بمناسبة هذه الآية حديثاً رواه الإمام أحمد عن أبي رفاعة الزرقيّ عن أبيه قال : لما كان يوم أحد ، وانكفأ المشركون ، قال رسول الله e : ( استووا حتى أثني على ربّي عزّ وجلّ ) ، فصاروا خلفه صفوفاً فقال e : ( اللهم لك الحمد كلّه ، اللهم لا قابض لما بسطت ، ولا باسط لما قبضت ، ولا هاديّ لمن أضللت ، ولا مضلّ لمن هديت ، ولا معطي لما منعت ولا ما نع لما أعطيت ، ولا مقرّب لما باعدت ، ولا مباعد لما قرّبت .

اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك .

اللهم إني أسألك النعيم المقيم ، الذي لا يحول ، ولا يزول .

اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة ، والأمن يوم الخوف .

اللهم إني عائذ بك من شرّ ما أعطيتنا ، ومن شرّ ما منعتنا .

اللهم حبّب إلينا الإيمان ، وزيّنه في قلوبنا ، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان ، واجعلنا من الراشدين ، اللهم توفّنا مسلمين ، وأحينا مسلمين ، وألحقنا بالصالحين ، غير خزايا ولا مفتونين ، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذّبون رسلك ، ويصدّون عن سبيلك ، واجعل عليهم رجزك وعذابك اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحقّ ) .

هـ ـ ربط الآيات بما بعدها :

من أوجه الترابط بين هذه الآيات وما قبلها ، أن الآية الأولى في هذه السورة بعدما بيّنت منهج المؤمن في التلقّي عن الله ورسوله e ، الذي يقوم على التلقّي والاستجابة ، والتسليم والطاعة ، بغير تلكّؤ أو تردّد ، جاءت هذه الآيات لتبيّن أن المؤمن دقيق حذر ، واع متثبّت ، من كلّ ما يلقى إليه من الأقوال ، وبخاصّة تلك التي لا تقوم على الصدق والتحرّي في قول الحقّ وروايته ، فليس تسليم المؤمن لخبر الوحي وحقائق الدين يجعله مستغفلاً عند أيّ خبر يأتيه ، يقبل الكلام على عواهنه ، ولا يتفحّص الأقوال والأخبار التي تنمى إليه .

فهل يأخذ المسلمون بهذا المنهج القرآني الدقيق ، الذي التزمه سلفنا الصالح في مواقفهم وأحكامهم ، فكان من وراءه : وضع قواعد : علم الجرح والتعديل ، الذي قام عليه : " منهج المحدّثين في نقد الروايات والرواة في علم الحديث وتمحيصها " ، فحفظت لنا بذلك السنّة النبويّة المطهّرة ، من تحريف أعداء الدين المتربّصين ، وكيدهم وافترائهم .

وهذا المنهج من خير القيم والعلوم والحقائق ، التي قدّمتها الحضارة الإسلاميّة للإنسانيّة ، التي لم تعرف قبله ميزاناً غير الأهواء ، لقبول الروايات والآراء .؟

ـ وأما ربط الآيات بما بعدها ؛ فيتجلّى لنا في أن من يتكلّم بالظنّ ، كثيراً ما يكون كلامه كذباً ، فمن ثمّ سماه الله تعالى فاسقاً ، وكثيراً ما يقود كلامه إلى الفتن التي تستعر نارها ، ويمتدّ لهيبها ليفسد الروابط ، ويهدّم المجتمعات ، ولذا فقد جاء الأمر بعد هذه الآيات بالإصلاح بين المؤمنين إن وقع اقتتال بينهم ، وهو غالباً ما ينشأ من تناقل الأقوال ، وقبول الاتهامات بغير تثبّت أو تمحيص ، وسيأتي لذلك مزيد تفصيل وبيان في تفسير المعنى الإجماليّ للآيات التالية ، ثمّ جاء النهي بعد ذلك عن كثير من الظنّ ، لأن بعض الظنّ إثم ، وقد سمّى النبيّ e الظنّ أكذب الحديث ([20]) ، لأن الكذب الظاهر ، إنما ينبعث من كذب باطن ، يقوم على الأوهام والظنون ، ورمي الأبرياء بالتهم بدون بيّنة أو برهان .

 

@@@

@@


الفصل الثالث

مسئوليّة الأمّة عند وقوع الفتن

الآيات من (9) إلى (10)

 

{ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) } .

 

أ ـ المفردات اللغويّة :

{ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } تثنية طائفة : وهي الجماعة من الناس  وهي أقل من الفرقة بدليل قوله تعالى : { .. فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ .. (122) } التوبة .

{ اقْتَتَلُوا } جمَع الفعل : لأن الطائفتين في معنى القوم أو الناس ، أو لأن أقلّ الجمع اثنان .

{ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا } بالنصح والدعوة إلى تحكيم دين الله تعالى ، والمنع عن القتال بالنصيحة أو بالتهديد والتعذيب إن لم يستجيبوا .

{ بَغَتْ } تعدت وتجاوزت الحد وجارت ، من البغي : الظلم .

{ تَفِيءَ } ترجع .

{ إِلَى أَمْرِ اللهِ } إلى الحق أو قبول الصلح .

{ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ } أزيلوا آثار النزاع بضمان المتلفات بالرضا والإنصاف ، حتى لا يؤدّي النزاع إلى الاقتتال مرّة أخرى .

{ وَأَقْسِطُوا} اعدلوا في كل الأمور من الإقساط وهو : إزالة القسط وهو الجور ، والقاسط : الجائر ، كما في قوله تعالى : {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15) } الجنّ . يقال : أقسط : عدل وأزال القسط وهو الجور ، وقسط : أخذ حق غيره ، والمقسط : العادل .

{ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } العادلين ، أي يحمد فعلهم بحسن الجزاء .

{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } قال بعض أهل اللغة : الإخوة جمع الأخ من النسب ، والإخوان جمع الأخ من الصداقة ، ويقع أحدهما موقع الآخر ، وفي الحديث : ( .. وكونوا عباد الله إخواناً ) ([21]) ، وقوله تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } يعني في الدين والعقيدة والإيمان الموجب للحياة الأبدية ، فالأخوة في الدين أقوى وأدوم من أخوة النسب والصداقة ، وهو تعليل للأمر بالإصلاح ، لذا كرر الإشارة إلى الإخاء مرتباً عليه الأمر بالإصلاح ، فقال :

{ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ } إذا تنازعا ، وخص الاثنين بالذكر ؛ لأنهما أقل من يقع بينهم الشقاق .

{ وَاتَّقُوا اللهَ } في مخالفة حكمه والإهمال فيه .

{ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } على تقواكم .

 

ب ـ أسباب نزول الآيات :

سبب نزول الآية  (9) : { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا .. } .

أخرج البخاري ومسلم وأحمد وابن جرير وغيرهم عن أنس بن مالك t : أنه قيل لرسول الله e : يا نبي الله e ، لو أتيت عبد الله بن أبي ، فانطلق إليه على حمار ، وانطلق المسلمون يمشون ، فبال الحمار ، فقال : إليك عني فوالله لقد آذاني نتن حمارك ، فقال عبد الله بن رواحة t : والله ، إن بول حماره أطيب ريحاً منك ، فغضب لعبد الله رجل من قومه ، وغضب لكل واحد منهما أصحابه ، فوقع بينهم حرب بالجريد والأيدي والنعال ، فأنزل الله فيهم : { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا }

وقيل : كان النبي e متوجهاً لزيارة سعد بن عبادة t في مرضه ، فمر على عبد الله بن أُبيّ ابن سلول ، فقال ما قال ، فرد عليه عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه ، فتعصب لكلّ أصحابه ، فتقاتلوا ، فنزلت ، فقرأها e ، فاصطلحوا ، وكان ابن رواحة t خزرجياً ، وابن أبي أوسياً .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : كان رجل من الأنصار يقال له : عمران تحته امرأة ، يقال لها أم زيد ، وإن المرأة أرادت أن تزور أهلها فحبسها زوجها ، وجعلها في علية له ، لا يدخل عليها أحد من أهلها ، فبعثت المرأة إلى أهلها ، فجاءوا وأنزلوها لينطلقوا بها ، واستعان الرجل بقومه ، فجاءوا ليحولوا بين المرأة وأهلها ، فتدافعوا وكان بينهم معركة فنزلت فيهم هذه الآية ، فبعث إليهم رسول الله e ، فأصلح بينهم وفاءوا إلى أمر الله تعالى .

وأخرج ابن جرير عن الحسن قال : كانت تكون الخصومة بين الحيين ، فيدعون إلى الحكم فيأبون أن يجيبوا ، فأنزل الله : { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا }

وأخرج ابن جرير أيضا عن قتادة قال : ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في رجلين من الأنصار ، كانت بينهما مدارأة في حقّ بينهما ، فقال أحدهما للآخر : لآخذنه عنوة لكثرة عشيرته ، وإن الآخر دعا ليحاكمه إلى النبي e فأبى ، فلم يزل الأمر حتى تدافعوا ، وحتى تناول بعضهم بعضاً بالأيدي والنعال ، ولم يكن قتال بالسيوف .

والخلاصة : يمكن أن تتعدد أسباب النزول فلا تعارض فيما روي ، والوقائع المذكورة متشابهة .

 

 

ج ـ التفسير والبيان :

رتّب الله تعالى ما في هذه الآيات الكريمة على ما يجيء به الفاسق من الأنباء ، لأن أكثر ما يجيء من التناحر والتقاتل بين الفئات والطوائف مبني على أنباء المفسدين الفاسقين ، فقد يتولى شخص بمفرده السعاية بين طائفتين ، فينقل إلى كل منهما عن صاحبتها ما يوغر صدرها بالعداوة والبغضاء ، فهو يلتقط من إحداهما الكلمة ويبني عليها هياكل الإفساد ، حتى يستفزّ الأخرى إلى حالة قد تكون هيّنة ، ولكنه يكبرها ، ويستشهد ببعض البوادر ليحرّك الكامن ، ويثير الهياج الساكن ، والطرفان عن خبثه لاهون وبمداهنته واثقون .

وقد تقوم فئة من المفسدين بالأمر ، وتوزع أفرادها على مداخل الشر وأدواره ، عن تآمر بينها ، فيتولى كل قسم منها الاتصال بطائفة ، يزعم إخلاصه لها ، وغيرته عليها ، وإرشادها إلى طرق الاحتياط ممن ينوي لها الشر ، ثم يكاشف بقية أعوانه بما وصل إليه ، ليبنوا عليه من ناحيتهم فوق ما بنى ، ويعودون إليه ليتمّم مهمته ، وهكذا لا يزالون بينهما بالفتنة والإفساد حتى تقوم كل منهما على الأخرى ، فينشب الشرّ بينهما إلى أن يتفانيا ، وذلك ما أراده بهما الفاسقون ، وهم بنجاحهم في سوء نيتهم مبتهجون ، وفي كل ذلك يكون الشيطان من أكبر أعوان هذا الثوران ، بما يوسوس للفريقين من الادّعاءات الخلابة  كالحزم والاحتياط والغيرة على الدين ، وتزيين الاتّهامات للآخرين ، والاحتفاظ بالعزة وإباء الضيم ، ثم بما يصوّره في نفس كل طائفة من احتقار الأخرى والاستهزاء بها ، وأنها ما كان لها أن تعدو منزلتها ، أو تتجاوز حدّها حتى تستحكم حلقات الشر ، فتنشب بينهما الحرب ، ويشتدّ القتل والضرب .

هذا هو شأن نبأ الفاسق إذا أهملته ، لم تكن كلمة كذب قيلت وانتهت ، ولكنها بذرة السوء تنبت شجرة كشجرة الزقوم ، طلعها كأنه رءوس الشياطين ، تتجلّى بخضرتها ، وتتحلّى بنضرتها ، حتى يفتتن بها قصار النظر ، ويأوي إلى الاستظلال بها سيّئو الفكر ، وإذا بها تذيقهم سمومها ، وتقطر عليهم من دمائها ، وما هي إلا دماؤهم استنزفتها ، وحياتهم أفنتها .

فانظر كيف تسلسل الحديث واتّصل .؟ وكيف دخل حكم الطائفتين المتقاتلتين من المؤمنين في سياق الأمر بالتبين عند مجيء الفاسق بالنبأ ، ممهداً له ومشيراً إليه بقوله عزّ من قائل : { أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } .

ثم لفت نظرهم إلى وجوب الرجوع إلى الإرشاد الرباني والهدى الإلهي والرحمة المهداة ، وذلك في قوله : { وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ } . وهو e إذا كان فيهم في العصر الأول بجسده وروحه ، فهو في كل عصر بتعليمه وإرشاده ، وسنّته وهدايته ، فيجب الرجوع إلى ما أرشد ، والإقتداء بهديه ، وخير الهدي هدي سيدنا محمد e ، وما أجمل ما نبه فيهم من عاطفة الإيمان وهزّ مشاعره وأريحيته لتعبق في قلوبهم رائحته الطيبة ، لتضبط جوارحهم ، وتنظم تصرفاتهم ، مع التحذير من الكفر والفسوق والعصيان ، تلك العوامل التي لا تنتج إلا شراً ولا تثمر إلا ضراً ، وذلك في قوله تعالى : { وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ } ؛ وكل امرىء يعلم أن عوامل الوقاية ليست محققة الحصول دائماً فكثيراً ما تذهل النفس ـ لأمر يريده الله سبحانه ـ عن مراعاتها ، فلا تتبين وخامة العاقبة وسوء المصير إلا بعد حين ، فلا بد للحكيم الحازم في الأمر إذا وصف أسباب الوقاية من المرض والخطر ، أن يردفه بوصف العلاج لما ينزل من البلاء فيما إذا أهملت الوقاية ، وكثيراً ما يكون ذلك .

فهذا هو قوله جل شأنه : { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا } ، أي إذا تمكن الفاسق المفسد من إتمام جريمته ، ووصل إلى سيء بغيته ، ونفّذ سهمه في طائفتين منكم فأفسد ذات بينهما فاقتتلوا ، فعلى بقية المؤمنين أن يعلموا من أين أتي إخوانهم ، فيسعوا لإنقاذهم من الخطر الذي تردّوا فيه ، إذ لم يستطيعوا أن يعتصموا منه بسبل الوقاية التي أرشدهم الحكيم العليم إليها ، فواجب المؤمنين أن يصلحوا بينهما ، وأن يتوسطوا في السعي بالخير ، وكسر حدّ الشر ، وفهم ما يجول في نفس كل منهما من حجج أو شبه ، فيمحّصوها ويلطفوا من غلوائها ، ثم ينتقلوا إلى الثانية ، فيستمعوا منها بالتي هي أحسن ، ويوازنوا بين الفريقين ، ويحكموا على حجة وشبهة الطرفين حتى يقرّبوا وجهة النظر ، ويزيلوا عوامل الضرر .

وقلما اقتتلت طائفتان إلا وكل منهما تزعم أن الحق بيدها ، وأنها ما ثارت إلا لتبرّر حقها ، فكلتاهما كما يقولون تقرأ الخطاب من الصفحة التي تلائمها ، فتكون مهمّة أولئك المصلحين أن ينظروا بكلتا العينين إلى كلتا الجهتين ، غير متحيزين ولا متحرّفين .

هذا هو شأن الفتن بطبيعتها ، فمن عمل على إنقاذ أصحابها منها فقد عمل على سلامة نفسه من شرّها ، وما أشبهها بالحريق يشتعل في بيت من قرية ، فليس لأبعد الناس بيتاً من البيت المشتعل أن يتهاون في إطفائه ، وإلا طغى عليه ، وامتدّ لهبه إليه ، فإذا أُمر المؤمنون بإصلاح ذات البين بين الطائفتين المتقاتلتين فلمصلحتهم أُمروا ، ولإنقاذ أنفسهم من الشر وُجّهوا ، ولو فرض أنهم أمِنوا من الامتداد إليهم لكان في شفقة المؤمن على المؤمن ورأفته به أكبر الدواعي على صونه من الفناء وإنقاذه من الهلاك ، ففي كثرة المسلمين عزّة لجميعهم ومهابة لجانبهم ، وقد قيل في المثل : " إنما أكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض " .

وقد روي عن الحسن أن الاقتتال هنا بمعنى الخصومة على سبيل المجاز ، والقتال بقصد الدفع إلى الاحتكام إلى شرع الله تعالى وهديه ، روى الطبريّ عنه أنه قال : " كانت تكون الخصومة بين الحيين ، فيدعون إلى الحكم فيأبون أن يجيبوا ، فنزل قوله تعالى : { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا } .

ولله درّه في هذا الفقه الدقيق .! فما أحسن أن يقطع دابر الفتنة يوم أن تكون خلافاً في الرأي ، أو خصومة فكريّة ، يمكن أن يمحّص القول فيها بالحوار الهادئ ، والاحتكام المخلص إلى الثوابت المحكمة في كتاب الله تعالى وسنّة رسوله e ، فتتضح الحقائق ، وتوضع في نطاقها الصحيح ، وتنقشع الشبهات ويزول عنها كلّ التباس .

ـ وإذا كان لنا أن نتساءل بعد ذلك : أيكون اللوم على المفسدين في الأرض أن اندسّوا بين صفوف المؤمنين ، فزرعوا بذور الفتنة والخصام ، أم أن اللوم يقع علينا نحن أننا قصّرنا في امتثال أمر ربّنا سبحانه : { إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } فلم نتبيّن حقائق الأمور ، ولم نتحرّ عن دخائل الأخبار ، وخفايا الأقاويل ، ولم نردّ أخبار الفاسقين في وجوههم ، ومكّنّا للمفسدين أن يكون لهم موقع قدم بيننا وبين إخواننا ، فلم نكن من الراشدين ولم تكن عاقبة أمرنا رشداً ..؟!

ونزّل هذا القول الذي قلناه ، على جميع الفتن الواقعة بين المؤمنين ، في أيّ بقعة من بقاع الأرض قديماً وحديثاً ، تجدها لا تتجاوزه شروى نقير ، ولا تخرج عنه مقدار حبّة أو قطمير ، ولا حاجة بنا أن نضرب الأمثال ، فهي ماثلة في الأذهان ، تعذّب الضمائر ، وتملأ غصّتها الحناجر ، وتتلوّى منها قلوب المؤمنين الغيارى حسرة وأسى ، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ، ولله الأمر من قبل ومن بعد .

واعلم أن الاقتتال لا يكون غالباً إلا للميل إلى الدنيا ، والركون إلى الهوى ، والانجذاب إلى الجهة السفليّة ، والتوجّه إلى المطالب الجزئيّة ، والإصلاح إنما يكون من لزوم العدالة في النفس ، التي هي ظلّ المحبّة ، والمحبّة ثمرة الوحدة ، فلذلك أمر المؤمنون الموحدون بالإصلاح بينهما ، وقتال الباغية إن بغت إحداهما ، حتى ترجع إلى الحقّ ، وتفيء إلى الرشد ، لأن الباغية مضادّة للحقّ دافعة له .

وبعد ؛ فهاتان الآيتان تتحدّثان عن قاعدة تشريعية عملية لصيانة المجتمع المؤمن من الخصام والتفكك ، ويدخل فيهما ما سمّي في الفقه الإسلاميّ بأحكام البغاة .

وسواء كان نزول هذه الآية بسبب حادث معين كما ذكرت الروايات ، أم كان تشريعاً لتلافي مثل هذه الحالة ، فهو يمثل قاعدة عامة محكمة لصيانة الجماعة الإسلامية من التفكك والتفرق ، ثم لإقرار الحق والعدل والصلاح ، والارتكان في هذا كله إلى الله وحده ، ورجاء رحمته بإقرار العدل والصلاح .

والقرآن يستبقي لكلتا الطائفتين وصف الإيمان مع اقتتالهما ، ومع احتمال أن إحداهما قد تكون باغية على الأخرى ، بل مع احتمال أن تكون كلتاهما باغية في جانب من الجوانب .

وهو يكلف الذين آمنوا أن يقوموا بالإصلاح بين المتقاتلين ، فإن بغت إحداهما فلم تقبل الرجوع إلى الحق ـ ومثله أن تبغيا معاً برفض الصلح أو رفض قبول حكم الله في المسائل المتنازع عليها ـ فعلى المؤمنين أن يقاتلوا البغاة إذن ، وأن يظلوا يقاتلونهم حتى يرجعوا إلى أمر الله ، وأمر الله هو وضع الخصومة بين المؤمنين ، وقبول حكم الله فيما اختلفوا فيه وأدى إلى الخصام والقتال ، فإذا تم قبول البغاة لحكم الله ، قام المؤمنون بالإصلاح القائم على العدل الدقيق طاعة لله وطلباً لرضاه .

ويعقب على هذه الدعوة وهذا الحكم باستجاشة قلوب الذين آمنوا واستحياء الرابطة الوثيقة بينهم ، والتي جمعتهم بعد تفرق ، وألفت بينهم بعد خصام ؛ وتذكيرهم بتقوى الله ، والتلويح لهم برحمته التي لا تنال إلا بتقواه .

ومما يترتب على هذه الأخوة أن يكون الحب والسلام والتعاون والوحدة هي الأصل في الجماعة المسلمة ، وأن يكون الخلاف أو القتال هو الاستثناء الذي يجب أن يردّ إلى الأصل حين وقوعه ، وأن يستباح في سبيل تقريره قتال المؤمنين الآخرين للبغاة من إخوانهم ليردّوهم إلى الصف ، وليزيلوا هذا الخروج على الأصل والقاعدة ، وهو إجراء صارم وحازم كذلك .

ومن مقتضيات هذه القاعدة وأحكامها كذلك ؛ ألا يجهز على جريح في معارك التحكيم هذه ، وألا يقتل أسير ، وألا يتعقّب مدبر ترك المعركة وألقى السلاح ، وألا تؤخذ أموال البغاة غنيمة ، لأن الغرض من قتالهم ليس هو القضاء عليهم ، وإنما هو ردّهم إلى الصف ، وضمهم إلى لواء الأخوة الإسلامية .

والأصل في نظام الأمة المسلمة أن يكون للمسلمين في أنحاء الأرض إمامة واحدة ، وأنه إذا بويع الإمام وجب قتل الثاني ، كما جاء في الحديث الصحيح .

وهذا النص القرآني يمكن إعماله في جميع الحالات ـ بما في ذلك الحالات الاستثنائية التي يقوم فيها إمامان أو أكثر في أقطار متفرقة من بلاد المسلمين ، وهي حالة ضرورة واستثناء من القاعدة ـ فواجب المسلمين أن يحاربوا البغاة مع الإمام الواحد ، إذا خرج هؤلاء البغاة عليه ، أو إذا بغت طائفة على طائفة في إمامته دون خروج عليه .

ونظام التحكيم هذا نظام له السبق والكمال على كل محاولات البشرية في هذا السبيل ، وله صفة النظافة والأمانة والعدل المطلق ، لأن الاحتكام فيه إلى أمر الله تعالى ، الذي لا يشوبه غرض ولا هوى ، ولا يلحقه نقص أو قصور .

د ـ العبر والدروس والأحكام :

1 ـ وجوب الإصلاح بين المختلفين أو المقتتلين من المسلمين ، والمبادرة بذلك ، ولا توصف إحداهما بالبغي إلا بعد السعي في الإصلاح بينهما ، ورفضها الاستجابة لحكم المصلحين .

2 ـ وجوب ردع الباغي على الإمام أو على أيّ فئة من المسلمين ، وردّه إلى الحقّ ، ولا يحلّ لمسلم أن يقف متفرّجاً على إخوانه المقتتلين من المسلمين ، وهو يستطيع الإصلاح بينهم .

3 ـ استدلّ الإمام البخاريّ رحمه الله وغيره بهذه الآية وأمثالها من النصوص في القرآن والسنّة ، على أن المؤمن لا يخرج عن الإيمان بالمعصية مهما عظمت ، بخلاف ما يدّعيه الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة .

ومما يدل على ذلك أيضاً : ما روى البخاريّ من حديث الحسن عن أبي بكر t قال : إن رسول الله e خطب يوماً ومعه على المنبر الحسن بن عليّ t ، فجعل ينظر إليه مرّة وإلى الناس أخرى ، ويقول : ( إن ابني هذا سيّد ، ولعلّ الله تعالى أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ) ([22]) ، فكان كما قال e أصلح الله تعالى به بين أهل الشام وأهل العراق بعد الحروب الطويلة ، والواقعات المهولة " ([23]) .

4 ـ ومع الحكم بوجوب قتال الباغي على الحقّ ، والحكم بأنه مسلم متأوّل فإن قتاله لا يدخل تحت النهي عن قتال المسلم ، الذي جاء في حديث ابن مسعود t مرفوعاً : ( سباب المسلم فسوق ، قتاله كفر ) ([24]) ، لأن قتاله هنا يحمل على قتاله بغير تأويل شرعيّ ، أو شبهة قويّة ، فهو من شأن أهل الكفر وصفاتهم ، لا من شأن المسلمين الذين ربط الله تعالى بين قلوبهم بأخوّة الإيمان أن يختصموا ويقتتلوا .

5 ـ يستدلّ بهذه الآية أيضاً على أن البغي على الإمام العدل لا يخرج من الملّة ، لأن البغاة في اصطلاح الفقهاء : هم فرقة خالفت الإمام بتأويل سائغ في الظاهر ، باطل في حقيقة الأمر ، فهم ليسوا كفرة مرتدّين ، ولا فسقة لأنهم متأوّلون ، ولذا فقد كانت لهم أحكام خاصّة في قتالهم ، كما سبق بيانه ، إلا إذا خرجوا عليه لا غرض لهم إلا إلى نزع سلطانه ، والوصول إلى حكم الناس دونه .

6 ـ أمّة الإسلام واحدة ، والمؤمنون كالجسد الواحد ، والأخوّة في الدين هي أرفع علاقة بين المسلمين ، وهي تقتضي حقوقاً وواجبات كثيرة مشتركة ، أهمّها : الحبّ والتناصح ، والبذل والتعاون ، ودفع الظلم والأذى ، والأخذ على يد الظالم ، والحرص على الألفة بين المؤمنين واجتماع الكلمة ، وأن يحبّ المؤمن لأخيه ما يحبّ لنفسه ، ويكره له ما يكره لنفسه ، وأن يتفقّد أحواله ، ولا يحوجه إلى الاستعانة به ، وألا يلجئه إلى الاعتذار إن أخطأ ، بل يلتمس له العذر ، وإذا أذنب يدعو له بالتوفيق إلى التوبة والإنابة ، ولا يفضحه بذنبه .

7 ـ يستدلّ من الحصر في قوله تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } على أن أخوّة الدين أثبت من أخوّة النسب وأوثق ، فإن أخوّة النسب تنقطع بمخالفة الدين ، فلو مات مسلم وليس له إلا أخ كافر فلا توارث بينهما ، وإنما يكون ماله للمسلمين وأما أخوّة الدين فلا تنقطع بمخالفة النسب ، فالحصر أفاد أنه لا أخوّة حقيقيّة إلا بين المؤمنين .

8 ـ وجوب تقوى الله تعالى ، والتزام الحقّ والعدل في كلّ حال ، والحكم به بين الناس ، وأن ذلك من أهمّ أسباب رحمة الله تعالى بعباده ، وصرف البلاء عنهم .

هـ ـ ربط الآيات بما بعدها :

وكما اتّضح لنا فيما مضى وجوب التبيّن عند ورود الأخبار ، والبعد عن التسرّع في الأحكام ، وأن ذلك يعدّ من الأخذ بالوقاية التي تقدّم على العلاج وتسبقه ، وجاء العلاج هنا بوجوب الإصلاح بين المختلفين أو المقتتلين من المسلمين ، وردع الباغي وقتاله إن لم يفئ إلى الحقّ ، ويستجب إلى الصلح ، وأن ذلك من مقتضى الأخوّة الإيمانيّة ، التي جعلها الله تعالى هي الأصل الذي لا تعلو عليه أيّة رابطة أخرى ، فكان لا بدّ من بيان حقوق الأخوّة الإيمانيّة ، التي لم تكن في دين الله تعالى شعاراً يرفع ، ولا دعوى تدّعى ، وإنما هي مبدأ أصيل من مبادئ هذا الدين ، وتكليف ربّانيّ له مسئوليّته وآثاره الكثيرة المتشعّبة ، وهذا ما تحدّثت عنه الآيات التالية .

 


الفصل الرابع

أمّهات الأخلاق الاجتماعيّة

الآيات من (11) إلى (12)

 

{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (11) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) } .

 

أ ـ المفردات اللغويّة :

{ لَا يَسْخَرْ } أي لا يهزأ ولا يحتقر ولا يعِب ، والسخرية والسِخرى ( بالضمّ والكسر ) : الازدراء والاحتقار ، ويقال : سخر به ومنه ، وضحك به ومنه ، وهزئ به ومنه ، وقد تكون السخرية : بمحاكاة القول أو الفعل أو الإشارة ، أو بالضحك على كلام المسخور منه إذا غلط فيه ، أو على صنعته ، أو على قبح صورته .

{ قَومٌ } هم الرجال دون النساء ، فالقوم مختص بالرجال ؛ لأنهم قوّامون على النساء ، وأصل الخطاب الشرعيّ شمول التكليف للنساء ، ولكن خُصصن بالذكر في الآية إما لأهمّية الأمر ، أو لشيوع ذلك في أوساطهن .

{ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ } أي لا يَعب بعضكم بعضاً بالقول أو الإشارة ، فالمؤمنون كنفس واحدة ، فمن عاب أخاه فكأنما عاب نفسه ، كما في قوله تعالى : { .. وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) } النساء ، على أحد معنيي الآية ، وعلى حدّ قول الشاعر : " فإذا رميتُ يُصيبني سهمي " ، أو لا تعيبوا فتعابوا ، كما جاء في الحديث الصحيح : ( إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه ، قالوا : وكيف يلعن الرجل والديه  يارسول الله .؟ قال : يسبّ أبا الرجل ، فيسبّ أباه ، ويسبّ أمّه فيسبّ أمّه ) ([25]) .

واللمز : هو الطعن والتنبيه إلى المعايب بقول أو إشارة باليد أو العين أو نحوهما .

{ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ } أي لا تتداعوا ولا تتعايروا بالمكروه من الألقاب فإن النبز مختص بلقب السوء عرفاً ، ومنه القول : يا فاسق ، ويا كافر .

{ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ } أي ساء الاسم ، وهو هنا الذِكر والصيت ، وهو ما ذُكر من السخرية واللمز والتنابز ، بأن يذكروا بالفسوق ويعرفوا به ، بعد دخولهم  الإيمان واشتهارهم به ، أي فلا تفعلوا ما نهيتم عنه ، فتستحقّوا إن فعلتموه أن تسمّوا فسّاقاً ، والمراد تهجين نسبة الكفر والفسق إلى المؤمنين ، مأخوذ من قولهم : طار اسمه في الآفاق أي ذكره وشهرته .

{ بَعْدَ الْإِيمَانِ } فمن فسق بفعل تلك المنهيات يزول عنه وصف الإيمان الذي يمدح به صاحبه ، لأن الإيمان يأبى الفسق ويحظره ، وفيه تأكيد النهي والحظر والتحذير ، كما تقول : " بئس الشأن بعد الكبرة الصبوةُ " ، وبئست الحرفة بعد التجارة الفلاحة .

{ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ } من ذلك المنهي عنه ، وتاب إلى الله تذكّر ما يقتضي الإنابة ، والتوب : ترك الذنب على أجمل الوجوه ، وهو أبلغ وجوه الاعتذار ، فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه : إمّا أن يقول المعتذر : لم أفعل ، أو يقول فعلت لأجل كذا ، أو يقول فعلت وأسأت وقد أقلعت ، ولا رابع لذلك .

وهذا الأخير هو التوبة ، والتوبة في الشرع ترك الذنب لقبحه ، والندم على ما فرط منه ، والعزيمة على ترك المعاودة ، وتدارك ما أمكنه أن يتداركه من الأعمال بالإعادة ، فمتى اجتمعت هذه الأربع فقد كمل شرائط التوبة .

{ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } فهم لا غيرهم ظلمة ، بوضع العصيان موضع الطاعة ، وتعريض النفس للعذاب ، وفيه تأكيد النهي والتحذير ، وفتح باب التوبة للخروج من تلك الورطة التي قد يقع فيها الإنسان عن غرّة .

{ اجْتَنِبُوا } تباعدوا وكونوا بمنأى عنه أو على جانب منه ، فهو أبلغ من قولك : لا تظنّوا ، لأنه يقتضي ترك أسبابه والابتعاد عنها .

{ كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ } أي ظنّ السوء بالناس ، و{ الظَّنِّ } : حدّ وسط بين العلم والشك أو الوهم ، وهو ما يطرأ للنفس بسبب شبهة أو أمارة قوية أو ضعيفة . وإبهام الكثير وتنكيره ليحتاط في كل ظنّ ويتأمل من أي نوع ، إذ إن بعض الظن واجب الاتباع : كالاجتهاد في الأحكام العملية ، وحسن الظنّ بالله ، وبعضه حرام : كالظنّ في الإلهيات والنبوات ، أو عند مصادمة الدليل القاطع ، أو ظن السوء بالمؤمنين ، وبعضه مباح : كالظن في الأمور المعاشية .

والذي يميّز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها : أن كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر كان حراماً واجب الاجتناب ، وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح ، وأُنِست منه الأمانة في الظاهر فظنّ الفساد والخيانة به محرّم ، بخلاف من اشتهر بين الناس بتعاطي الريب ، وارتكاب المنهيّات ، والمجاهرة بالخبائث .

{ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ } أي ذنب مؤثم موجب للعقوبة عليه ، وهو كثير كظن السوء بأهل الخير من المؤمنين ، وهو تعليل مستأنف للأمر بالاجتناب .

{ وَلَا تَجَسَّسُوا } التجسّس : البحث عن العورات والمعايب وكشف ما ستره الناس ، وحقيقة التجسّس أن لا يترك عباد الله تحت ستر الله ، فيحرص على الاطّلاع على السرّ وهتك الستر ، حتى ينكشف له ما لو بقي مستوراً عنه كان أسلم لقلبه ودينه .

{ وَلَا يَغْتَبْ } الغيبة : ذكرك أخاك بما يكره في غيبته ، وإن كان العيب فيه ، كما جاء تعريفها في الحديث الصحيح عن أبي هريرة t ، أن النبيّ e قال : ( أتدرون مالغيبة .؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : ( ذكرك أخاك بما يكره ) . قيل : أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال : ( إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتّه ) ([26]) .

قال الحسن رحمه الله : الغيبة ثلاثة أوجه كلها في كتاب الله تعالى : الغيبة والإفك والبهتان ، ولا شكّ أن بعضها أشنع من بعض .

1 ـ فأما الغيبة : فهي أن تقول في أخيك ما هو فيه .

2 ـ وأما الإفك : فهو أن تقول فيه ما بلغك عنه بغير بيّنة ، أو وجه شرعيّ .

3 ـ وأما البهتان : فهو أن تقول فيه ما ليس فيه .

{ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا } أي لا يحسن به ، وهو تمثيل لما يناله المغتاب من عرض غيره على أفحش وجه ، مع مبالغات الاستفهام المقرر ، وإسناد الفعل إلى أيّ أحد للتعميم ، وتعليق المحبة بما هو في غاية الكراهة ، وتمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان ، وجعل المأكول أخاً وميتاً ، وتعقيب ذلك بقوله : { فَكَرِهْتُمُوهُ } أي تقريراً وتحقيقاً لذلك ، أي فاغتيابه في حياته كأكل لحمه بعد مماته ، وقد عرض عليكم أكل لحوم البشر فكرهتموه ، فاكرهوا الغيبة التي هي مثل الأكل المذكور .

{ وَاتَّقُوا اللهَ } عقاب الله في الاغتياب ، بأن تتوبوا منه .

{ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ } والتائب يقال لباذل التوبة ، ولقابل التوبة ، فالعبد تائب إلى الله ، والله تائب على عبده .

والتوّاب : العبد الكثير التوبة ، وذلك بتركه كلّ وقت بعض الذنوب على الترتيب حتى يصير تاركاً لجميعه ، ويقال لله ذلك لكثرة قبوله توبة العباد حالاً بعد حال ، فهو قابل توبة التائبين بكثرة ، رحيم بهم فيجعل صاحب التوبة كمن لم يذنب .

وقوله تعالى : { وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا (71) } الفرقان ، أي : التوبة التامّة ، وهي الجمع بين ترك القبيح وتحرّي الجميل ([27]) .

 

ب ـ أسباب نزول الآيات :

ـ أسباب نزول الآية  (11) : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ .. } .

قال الضحاك : نزلت في وفد بني تميم الذين تقدم ذكرهم في بيان سبب نزول الآية الأولى من هذه السورة ، استهزءوا بفقراء الصحابة ، مثل عمار وخباب وابن فهيرة وبلال وصهيب وسلمان وسالم مولى أبي حذيفة y وغيرهم ؛ لما رأوا من رثاثة حالهم ، فنزلت في الذين آمنوا منهم .

وقال مجاهد : هو سخرية الغني من الفقير .

وقال ابن زيد : لا يسخر من ستر الله عليه ذنوبه ممن كشفه الله ، فلعل إظهار ذنوبه في الدنيا خير له من إظهارها في الآخرة .

وقيل : نزلت في ثابت بن شمّاس عيره رجل بأمّ كانت له في الجاهلية ، فنكس الرجل استحياء ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .

وقيل : نزلت في عكرمة بن أبي جهل حين قدم المدينة مسلماً إذا رأوه قالوا : ابن فرعون هذه الأمة ، فشكا ذلك إلى رسول الله e ، فنزلت الآية .

قال ابن عباس t : إن صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها أتت رسول الله e ، فقالت : يا رسول الله e ، إن النساء يعيرنني ، ويقلن لي : يا يهودية بنت يهوديين فقال رسول الله e : ( هلاّ قلتِ : إن أبي هارون ، وإن عمي موسى ، وإن زوجي محمد e ) فأنزل الله هذه الآية ([28]) .

وقيل : نزلت في بعض نساء النبي e عيّرن أم سليم t بالقِصر .

وأخرج أصحاب السنن الأربعة عن أبي جبيرة بن الضحاك قال : كان الرجل منا يكون له الاسمان والثلاثة ، فيدعى ببعضها ، فعسى أن يكرهه ، فنزلت الآية ([29]) .

وأخرج الحاكم وغيره من حديث أبي جبيرة t أيضاً قال : كانت الألقاب في الجاهلية ، فدعا النبي e رجلا منهم بلقبه ، فقيل له : يارسول الله e ، إنه يكرهه ، فأنزل الله : { وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ } .

ولفظ أحمد عنه t قال : فينا نزلت في بني سلمة : قدم النبي e المدينة ، وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة ، فكان إذا دعا أحداً منهم باسم من تلك الأسماء قالوا : يا رسول الله e ، إنه يغضب من هذا ، فنزلت : { وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ } .

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال : زعموا أنها نزلت في سلمان الفارسي t أكل ثم رقد ، فذكر رجل أكله ورقاده ، فنزلت الآية : { وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا } .

والخلاصة : لا مانع من تعدد وقائع النزول ، فقد يكون كل ما ذكر سبباً لنزول الآية ، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما مرّ بنا .

 

ـ نظرة تحليليّة في الأمراض النفسيّة والاجتماعيّة وأسبابها :

إن جميع الأمراض الاجتماعيّة إنما هي آثار ونتائج للأمراض النفسيّة تبرز وتتجلّى في الواقع الاجتماعيّ ، وتتجسّد في العلاقات مع الآخرين ، ومن هنا فإن الحديث عن الأمراض الاجتماعيّة لابدّ أن يقودنا إلى الحديث عن جذورها في النفس البشريّة ، وما وراء ذلك من أسباب ودوافع .

وأصل الداء في العلل النفسيّة كلّها : تضخّم الذات وغرورها ، وانتفاخها وتورّمها ، وتأليه النفس وطغيانها ، وعبوديّة الهوى من دون الله ، إنه الكبر الذي هو باب الكفر وميزابه ، فهو أول ما عصي به الرحمن سبحانه ، وهو مصدر الشرّ على الإنسان وفساده ، وسرّ شقائه وخذلانه ، آفته عظيمة ، وغائلته جسيمة ، وفيه يهلك الخواصّ من الخلق ، وقلّما ينفكّ عنه العبّاد والزهّاد فضلاً عن عوامّ الخلق ، وكيف لا تعظم آفته ، وقد قال النبيّ e : ( لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال حبّة خردل من كبر ، فقال رجل : يارسول الله .! إن الرجل يحبّ أن يكون ثوبه حسناً ، ونعله حسناً ، قال : إن الله جميل يحبّ الجمال ، الكبر بطَر الحقّ وغمط الناس ) ([30]) .

وإنما صار حجاباً دون الجنّة ، لأنه يحول بين العبد وبين أخلاق المؤمنين كلّها ، وتلك الأخلاق هي أبواب الحنّة ، والكبر والتعاظم ورم خبيث ، تمتدّ شعبه وجذوره في النفس ، فتتمخّض عنها سلاسل العلل والأمراض ، حتى يغلق على العبد أبواب الجنّة كلّها ، لأنه لا يقدر على أن يحبّ للمؤمنين ما يحبّ لنفسه وفيه شيء من الكبر ، ولا يقدر على التواضع ـ وهو رأس أخلاق المتّقين وفيه الكبر ـ ولا يقدر على ترك الحقد وفيه الكبر ، ولا يقدر على ترك الحسد وفيه الكبر ، ولا يقدر على النصح اللطيف وفيه الكبر ، ولا يقدر على قبول النصح وفيه الكبر ، ولا يقدر على أن يدوم على الصدق وفيه الكبر ، ولا يسلم من الازدراء بالناس ، ومن اغتيابهم وفيه الكبر ، ولا يسلم من ظنّ السوء بهم وفيه الكبر ، فما من خلق ذميم إلا وصاحب الكبر والعزّة بالإثم مضطر إليه ليحفظ عزّته المزعومة ، ورفعته الموهومة ، وما من خلق محمود إلا وهو عاجز عنه خوفاً من أن يفوته عزّه ، فمن هنا لم يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال حبّة خردل من كبر ، والأخلاق الذميمة متلازمة ، والبعض منها داع إلى البعض لا محالة ، وشرّ أنواع الكبر ما يمنع من استفادة العلم ، وقبول الحقّ والانقياد له .

وصاحب الكبر والعزّة بالإثم يأنف من مساواة غيره له ، فضلاً عن تقدّم غيره عليه حسّاً أو معنى ؛ فهو إن حاجّ أو حاور غيره أنف أن يردّ عليه ، وإن وُعظ استنكف من القبول ، وإن وَعظ عنّف في النصح ، وترفّع على الناس ، وإن رُدّ عليه شيء من قوله غضب وثار ، وإن علّم لم يرفق بالمتعلّمين واستذلّهم وانتهرهم ، وامتنّ عليهم واستخدمهم ، وينظر إلى العامّة كأنه ينظر إلى الحمير استجهالاً لهم واستحقاراً ([31]) .

ويرجع الكبر في جذوره النفسيّة إلى الشعور المغرور بالاستعلاء الذاتيّ على الأقران والنظراء ، وعلى المكانة التي يجد المستكبر نفسه فيها داخل مجتمعه ويرجع كذلك إلى الرغبة بإشعار الآخرين بالامتياز عليهم ، ولو لم يكن لهذا الامتياز وجود في الواقع ، فهو انتفاخ بغير حقّ ، وورم خبيث ، ليس من اليسير علاجه واستئصاله ، وهو تطاول بغير حقّ ، وتعالٍ على الآخرين بغير حقّ ، وتصغير لهم بغير حقّ ، أو تصغير مالهم بغير حقّ ..

ويرجع أيضاً إلى الرغبة الجامحة في عدم الخضوع لأحد ، ويقترن بهذه الرغبة الشعور الجاهل المغرور بالاستغناء الذاتيّ .

ولو ذهبنا إلى تحليل التكبّر في حقيقته ونتيجته ، لرأينا أنه خطّة غبيّة فاشلة لنيل المجد والمحافظة عليه بين الناس ، وذلك لأن الناس الآخرين مثله ، يعرفون دوافع النفوس ، ويحقّرون في نفوسهم المستكبرين ، ويستصغرونهم ، ويعطون المجد الحقيقيّ للذين يقبلون الحقّ ، ويرجعون إليه ، ولا يستكبرون عنه .

إن الناس يكرهون المستكبرين ، ويحبّون المتواضعين موطّئي الأكناف ، ويعطون المجد الحقيقيّ للذين  يحبّونهم ويقدّرونهم ، أما الذين يستكبرون عليهم فيستصغرونهم ويحتقرونهم ، وهذا من الجزاء الربّانيّ الساري ضمن سنن الله الاجتماعيّة التي فطر الناس عليها .

 

ـ كيف عالج الإسلام هذا الداء ؟

إن الإسلام لم يحرم شيئاً أو ينهى عنه إلا لفساده وإفساده ، ولم يحرم شيئاً إلا وقد أقام في منهجه تصوّراً كاملاً ونظاماً شاملاً ، يقف في وجه ذلك الفساد ، ويحول دونه ؛ فدعا إلى التواضع لعباد الله تعالى ، والذلّة للمؤمنين والتواضع لهم ، والرحمة بهم ، وخفض الجناح لهم ، فجاءت صفة أصحاب رسول الله e في القرآن الكريم : { أشدّاء على الكفّار ، رحماء بينهم } الفتح /29/ ، وجاء في صفة المؤمنين الذين يحبّهم الله ويحبّونه : { أذلّة على المؤمنين ، أعزّة على الكافرين } المائدة /54/ .

وفي الحديث الصحيح : ( إن الله تعالى أوحى إليّ أن تواضعوا ، حتى لا يبغي أحد على أحد ، ولا يفخر أحد على أحد ) ([32]) .

وحرّم الغيبة والنميمة وأوجب النصيحة ، وحضّ عليها ، وأمر بالسعي في الإصلاح بين المتخاصمين ، وشدّد في بيان حرمة المسلمين ، وتعظيم حقّهم ؛ فعن سعيد بن زيد t عن النبيّ e قال : ( إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حقّ ) ([33]) .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله e : ( المسلم أخو المسلم ، لا يخونه ، ولا يكذبه ، ولا يخذله ، كلّ المسلم على المسلم حرام ، عرضه وماله ودمه ، التقوى هاهنا ، بحسب امرئ من الشرّ ، أن يحقر أخاه المسلم ) ([34]) .

ورواية مسلم عن أبي هريرة t قال : قال رسول الله e : ( لا تحاسدوا ، ولا تناجشوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، ولا يبع بعضكم على بيع بعض ، وكونوا عباد الله إخواناً ، المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يحقره ، التقوى هاهنا ـ ويشير إلى صدره ثلاث مرات ـ بحسب امرئ من الشرّ ، أن يحقر أخاه المسلم ، كلّ المسلم على المسلم حرام ، دمه وماله وعرضه ) ([35]) .

يقول الإمام النوويّ رحمه الله تعالى : " ما أعظم هذا الحديث ! وأكثر فوائده ! " ، وما أجمعه للخير وأشمله .! ([36]) .

وروى البيهقيّ في شعب الإيمان عن عمر t أنه قال وهو على المنبر : " ياأيها الناس تواضعوا ، فإني سمعت رسول الله e يقول : ( من تواضع لله رفعه الله ، فهو في نفسه صغير ، وفي أعين الناس عظيم ، ومن تكبّر وضعه الله ، فهو في أعين الناس صغير ، وفي نفسه كبير ، حتى لهو أهون عليهم من كلب أو خنزير ) ([37]) .

وبعد ؛ فهذا إجمال في النظر إلى هاتين الآيتين اقتضاه الحرص على الكشف عن جذور هذه الأمراض النفسيّة والاجتماعيّة ، والنظر في أسبابها ودوافعها ، قبل الحديث المفصّل عنها بما يقتضيه المقام ويناسبه .

 

ج ـ التفسير والبيان :

ـ ترابط الآيتين مع ماسبق من الآيات :

بعدما تحدّثت الآيات فيما مضى من الفصول السابقة عن ضرورة التبيّن في قبول الأخبار وتصديقها ، وما يترتّب على ذلك من الدقّة في نقلها وروايتها وألا ينطلق المؤمنون في علاقاتهم من الظنون والأوهام ، ثمّ بيّنت ما قد يترتّب على مخالفة ذلك من فتن وشرور ، تؤدّي إلى التخاصم والاقتتال ، وما يجب على المؤمنين عامّة وولاة الأمر خاصّة إن وقع ذلك من السعي في الإصلاح ، والحرص على رأب الصدع ، وإزالة أسباب الفرقة والخلاف .

بعد ذلك كلّه ، جاءت هاتان الآيتان لتعالجا العلاقة  الاجتماعيّة بين المؤمنين ، معالجة تربويّة نفسيّة ، تمسك بجذور الداء من أصوله ومباديه ، وتستقصي مقدّماته التي لا يبالي بها أكثر الناس ، ولا يقدّرون ما فيها من أخطار وآثار ، وما لها من عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع .

ـ فالآية الأولى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (11) } .

تحدّثت عن أخطر ما يواجه المؤمنين في علاقات بعضهم ببعض ، في حال الحضور والمواجهة والمجالسة ، وأشارت إلى أسباب ذلك ودوافعه الخفيّة ؛ فذكرت ثلاث صفات بدءاً بأعظمها وأشدّها ، ثمّ بما يليه ، ثمّ بما يليه :

1 ـ النهي عن السخرية والاستهزاء ، وبيان دوافع ذلك وأسبابه : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ .. } .

إن المجتمع الفاضل الذي يقيمه الإسلام مجتمع له أدبه الرفيع ، ولكل فرد فيه كرامته التي لا تمسّ ، وهي من كرامة المجموع ، وفي هذه الآية الكريمة يهتف القرآن للمؤمنين بذلك النداء الحبيب ؛ فينهاهم أن يسخر رجال من رجال ، فقد يكونون خيراً منهم عند الله تعالى ، أو أن تسخر نساء من نساء ، فقد يكن خيراً منهن في ميزان الله ؛ فقد يسخر الغنيّ من الفقير ، والقويّ من الضعيف ، والسويّ من ذي العاهة .. وقد تسخر الجميلة من القبيحة ، والشابة من العجوز ، والمعتدلة من العليلة ، والغنية من الفقيرة .. ولكن هذه القيم وأمثالها من قيم الأرض ، ليست هي القيم الحقيقية الصحيحة ، التي يوزن بها الناس عند الله ، فهناك قيم أخرى ، يزن الله بها عباده ، وميزان الله يرفع ويخفض بغير هذه الموازين الجائرة المعوجّة .

وكلمة : " عسى " وما بعدها ، وتكرارها في الآية من باب ذكر الحكمة مع الحكم ، لتقوّيه وتعين على امتثاله ، وهي توحي بأن المستهزئين الساخرين غالباً ما يكونون متجرّدين من سمات الخير ، منغمسين في حمآت الشرّ ، إذ إن من سجايا أهل الخير الاهتمام بتنقية أنفسهم من الأوضار ، ومراقبة أحوالهم حتى يكونوا من الأبرار ، وتراهم يتلمّسون لغيرهم جميل الأعذار ، بخلاف غيرهم من الغافلين المستهزئين .

وقد يكون معنى : { عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ } عسى أن يصير المحتقَر خيراً من المحتقِر ، وأن تتقلّب بهما صروف الزمان فيصبح العزيز حقيراً ، والحقير عزيزاً ، كما قال تعالى : { وتلك الأيام نداولها بين الناس } آل عمران/140/ ، وعلى حدّ قول الشاعر :

لا تهين الفقير علّك أن تر       كع يوماً والدهر قد رفعه

2 ـ ثمّ تنتقل الآية إلى النهي عن خلق آخر من الأخلاق التي تتنافى مع المجتمع المؤمن ، وما يربط بين أبنائه من صلات ودّ ، ووشائج حبّ ، إنه التعيير بنقص أو الإعابة ، والتي هي نوع من السخرية والاستهزاء : { ولا تلمزوا أنفسكم } .

والفرق بين السخرية واللمز أن السخرية مبنيّة على التضحيك ، أو الاحتقار وعدم الاعتداد ، واللمز هو التنبيه على العيوب ، وإن لم يكن على وجه التضحيك منه ، أو إسقاطه عن درجة الاعتبار .

وينبّه القرآن بأسلوبه المعجز  إلى أن لمز أيّ فرد لأخيه هو لمز في الحقيقة لنفسه ، لأن الجماعة المؤمنة كلها واحدة ، وكرامتها واحدة .

3 ـ ثمّ تتدرّج الآية إلى النهي عن خلق آخر من الأخلاق التي تتنافى مع أخلاق المؤمنين في مجتمعاتهم ، إنه التنابز بالألقاب ، التي يكرهها أصحابها ، ويحسون فيها سخرية وعيباً ، وهو أيضاً نوع من السخرية والاستهزاء : { ولا تنابزوا بالألقاب } .

وإن من حق المؤمن على المؤمن ألا يناديه بلقب يكرهه ويزري به ، ومن أدب المؤمن ألا يؤذي أخاه بمثل هذا ، لأنه لا يحبّ لأخيه إلا ما يحبّ لنفسه .

وقد كان من هدي النبيّ e تغيير الأسماء والألقاب التي كانت من مخلفات الجاهلية ، وهي تزري بأصحابها وتنتقصهم ، وتضحك الناس منهم ، أو تصفهم بوصف ذميم لا تليق بالكرامة الإنسانيّة التي أحلّهم الله تعالى بها .

وكان من هديه e أن ينادى الإنسان بأحبّ الأسماء إليه ، لزيادة الألفة بين القلوب ، ولبيان سموّ مكانة المؤمن في نظر الإسلام ، وحفظ حرماته ، والحرص على مشاعره .

وإن من أسلوب القرآن الكريم في التنفير من هذه الخلائق ، أن جعلها الله تعالى من صفات الكافرين ، ومما يميّز شخصيّاتهم وسلوكهم ، فقال تعالى : { ويل لكلّ همزة لمزة } الهمزة /1/ ، وقال سبحانه : { ولا تطع كلّ حلاّفٍ مهينٍ ، همّازٍ مشّاءٍ بنميم } القلم /10 ـ 11/ .

وبعدما توحي الآية بالقيم الحقيقية في ميزان الله ، وتحرّك شعور الأخوة الإيمانيّة بين المؤمنين ، تحذر المؤمنين من فقدان هذا الوصف الكريم ، والفسوق عنه وراء الخلائق الجاهليّة من السخرية واللمز والتنابز : فهو شيء يشبه الارتداد عن الإيمان ؛ وتهدّد باعتبار هذا ظلماً ، وبين الظلم والشرك نسب وثيق ؛ فالظلم أحد التعبيرات في القرآن الكريم عن الشرك ، فما أقبح أن يشين المرء كماله بنقيصة ، فالنقيصة في ذاتها ذميمة ، وهي ممن تحلّى بحلية الإيمان والكمال أقبح .! وبئست الحالة أن يعرف عنكم ، وتعرّضوا أنفسكم للتسمية بفاسقين بسبب مخالفتكم ما ننهاكم عنه بعد أن أحرزتم شرف التسمية بالمؤمنين .! وبذلك تضع هذه الآية قواعد الأدب النفسي لذلك المجتمع الفاضل الكريم .

ـ وأما الآية الثانية ؛ {  يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) } .

فقد تحدّثت هذه الآية عن أخطر ما يواجه المؤمنين في علاقات بعضهم ببعض في حال الغيبة ، وما يجب من الذبّ عن أعراضهم ، وحفظ حرماتهم ، فذكرت ثلاث صفات ونهت عنها ، بدءاً بأدناها ، ثمّ نهت عما يتبعها ويليها ثمّ نهت عما تنتهي إليه تلك الصفتان مما هو أعظم منها وأشدّ .

وإن أول بوادر الشرّ أن يخطر بنفس المرء نحو أخيه ظنّ السوء ، لبادرة أساء فهمها وتأويلها ، فيأخذ في تثبيت ما خطر بباله ، ويسعى في تدعيمه بتتبّع حركاته وسكناته ، بانياً على ذلك الظنّ الذي قام بنفسه ، وسوء الظنّ سيقوده إلى التجسّس ، والتجسّس سيقوده إلى الغيبة ، التي لا تقف عند حدّ قول السوء ، بل هي مادّة النميمة التي تدخل في محبّة إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا ، مما هو سبيل التقاطع والتدابر ، والتحاسد والتباغض ، وتفاقم الشرّ ، واستحكام الضرّ .

وهذه الآية بذلك كلّه تقيم سياجاً آخر في هذا المجتمع الفاضل الكريم ، حول حرمات الأشخاص فيه وكراماتهم وحرياتهم ، وهي تعلم الناس كيف ينظّفون مشاعرهم وضمائرهم ، في أسلوب مؤثر عجيب :

1 ـ النهي عن ظنّ السوء بالمسلم ، والتحذير مما يترتّب عليه من الإثم : { ياأيها الذين آمنوا ! اجتنبوا كثيراً من الظنّ إن بعض الظنّ إثم } .

فتبدأ بالنداء الحبيب إلى قلوب المؤمنين ، ثم تأمرهم باجتناب كثير من الظن  فلا يتركوا نفوسهم نهباً لكل ما يهجس فيها حول الآخرين من ظنون وشبهات وشكوك ، وتعلل هذا الأمر : بأن بعض الظنّ إثم ، وما دام النهي منصباً على أكثر الظن ، والقاعدة والحكم أن بعض الظن إثم ، فإن إيحاء هذا التعبير هو اجتناب الظن السيِّء أصلاً ، والحذر منه ، لأنه لا يدري أي ظنونه تكون إثماً .

حقيقة سوء الظنّ وحدّه : قال الإمام الغزاليّ رحمه الله : " وكما أن سوء القول محرّم ، فكذلك سوء الظنّ محرّم ، فكما يحرم عليك أن تحدّث الآخرين بمساوئ غيرك ومعايبه ، فليس لك أن تحدّث نفسك بذلك ، وتسيء الظنّ بأخيك .

وحدّ ذلك : عقد القلب وحكمه على غيره بسوء الظنّ ، أما الخواطر وحديث النفس فهو معفوّ عنه ، بل الشكّ أيضاً معفوّ عنه ، ولكنّ المنهيّ عنه أن يظنّ ، والظنّ ما تركن إليه النفس ، ويميل إليه القلب .

وسبب تحريمه : أن أسرار القلوب لا يعلمها إلا علاّم الغيوب ، فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءاً إلا إذا انكشف لك بعيان لا يقبل التأويل ، فلا يستباح ظنّ السوء إلا بما يستباح به المال ، وهو بعين مشاهدة ، أو بيّنة عادلة ، فعند ذلك لا يمكنك أن لا تعتقد ما علمته وشاهدته ، وما لم تشاهده بعينك ، ولم تسمعه بأذنك ، ثمّ وقع في قلبك فإنما الشيطان يلقيه إليك ، فينبغي أن تكذّبه فإنه أفسق الفسّاق " .

ـ ومن علامة إساءة الظنّ بالمؤمن ، " أن يتغيّر قلبك معه عما كان عليه فتنفر منه ، وتستثقله ، وتفتر عن مراعاته وإكرامه ، والاغتمام بسيّئته ، فإن الشيطان قد يقرّب إلى القلب بأدنى خيال مساوئ الناس ، ويلقي إليه : إن هذا من فطنتك وذكائك وسرعة تنبّهك ، وإن المؤمن ينظر بنور الله تعالى ، وإنما هو على التحقيق ناطق بغرور الشيطان وظلمته ، وإن أخبرك عدل بذلك فلا تصدّقه ، ولا تكذّبه ، لئلا تسيء الظنّ بأحدهما ، ومهما خطر لك سوء في مسلم ، فزد في مراعاته وإكرامه ، فإن ذلك يغيظ الشيطان ، ويدفعه عنك ، فلا يلقي إليك مثله خيفة من اشتغالك بالدعاء له ، ومهما عرفت هفوة مسلم بحجّة لا شكّ فيها ، فانصحه في السرّ ولا يخدعنّك الشيطان فيدعوك إلى اغتيابه ، وإذا وعظته فلا تعظه وأنت مسرور باطّلاعك على نقصه ، فينظر إليك بعين التعظيم ، وتنظر إليه بالاستصغار ، ولكن اقصد تخليصه من الإثم وأنت حزين ، كما تحزن على نفسك إذا دخلك نقص ، وينبغي أن يكون تركه لذلك النقص بغير وعظك أحبّ إليك من تركه بوعظك " .

بهذا يطهّر القرآن الضمير من داخله أن يتلوث بالظن السيِّء ، فيقع في  الإثم ؛ ويدعه نقياً بريئاً من الهواجس والشكوك ، أبيض يكنّ لإخوانه المودة التي لا يخدشها ظن السوء ؛ والبراءة التي لا تلوثها الريب والشكوك ، والطمأنينة التي لا يعكرها القلق والتوقع ، وما أروح الحياة في مجتمع بريء من الظنون .!

وأسلوب الآية يشير إلى الاحتراس من سوء الظنّ باجتناب أكثره خشية الوقوع في المحظور منه ، وهذا الأسلوب نفسه يوحي بأن الظنّ ليس كلّه شرّاً ، فإن من الظنّ ما فيه احتياط لسلامة النفس أو النفوس والأعراض ، أو سلامة المال والمتاع ، أو التعرّف على وجوه الكسب وإصلاح المعاش ، ومن الظنّ ما يكون في استنباط الأحكام الشرعيّة حيث لا دليل قاطعاً على الحكم .

وفي هذه الأحوال وأمثالها ؛ فإن الأخذ فيها بالظنّ أو غلبته لا حرج فيه بل مأمور به ، وهو مما يدور في فلك الأحكام التكليفيّة الخمسة ، لأن مصالح الدين والدنيا تتعطّل بدونه ، والله تعالى يقول : { فاتّقوا الله ما استطعتم } التغابن /16/ .

ولا يتوقف الأمر في الإسلام عند هذا الأفق الكريم الوضيء في تربية الضمائر والقلوب باجتثاث سوء الظنّ منها ، بل إن هذا النص يقيم مبدأ في التعامل ، وسياجاً حول حقوق الناس الذين يعيشون في مجتمعه النظيف ، فلا يؤخذون بظنّة ، ولا يحاكمون بريبة ؛ ولا يصبح الظن أساساً لمحاكمتهم ، بل لا يصح أن يكون أساساً للتحقيق معهم ، ولا للتحقيق حولهم .

والرسول e يقول : ( إذا ظننتم فلا تحقّقوا ) ([38]) ..

ومعنى هذا أن يظل الناس أبرياء ، مصونة حقوقهم وحرياتهم ، محفوظة كرامتهم وحرماتهم ، حتى يتبين بوضوح أنهم ارتكبوا ما يؤاخذون عليه ، ولا يكفي الظن بهم لتعقبهم بغية التحقق من هذا الظن الذي دار حولهم .

وقد جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة t مرفوعاً : ( إياكم والظنّ ، فإن الظنّ أكذب الحديث ) ([39]) .

2 ـ النهي عن تتبّع عورة المسلم ، وهتك ستره : { ولا تجسّسوا } .

والتجسس قد يكون الحركة التالية للظنّ ؛ وقد يكون حركة ابتدائية لكشف العورات ، والاطلاع على السوءات ، والقرآن يقاوم هذا العمل الدنيء من الناحية الأخلاقية ، لتطهير القلوب من مثل هذا الاتجاه اللئيم لتتبع عورات الآخرين وكشف سوآتهم ، وتمشياً مع أهدافه السامية في نظافة الأخلاق والقلوب .

ولكن الأمر  لا يقف عند هذا الحدّ فحسب ، إنه أحكم تقريراً وأبعد تأثيراً ، فهذا النهي يعدّ مبدأ من مبادىء الإسلام الرئيسية في نظامه الإجتماعي وفي إجراءاته التشريعية والتنفيذية ، إذ إن للناس حرياتهم وحرماتهم وكراماتهم التي لا يجوز أن تنتهك بصورة من الصور ، ولا أن تمسّ بحال من الأحوال ، وقد عبّر عنها النبيّ e أجمل تعبير ، ومثّل لها أبلغ تمثيل ، عندما قال في خطبته يوم النحر بمنى ، في حجّة الوداع : ( إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام  عليكم ، كحرمة يومكم هذا ، في بلدكم هذا ، في شهركم هذا ، ألا هل بلّغت .؟ قالوا : نعم ، قال : اللهم ! اشهد ) ([40]) .

ففي المجتمع الإسلامي الرفيع الكريم ، يعيش الناس آمنين على أنفسهم وبيوتهم ، وأسرارهم وعوراتهم . فلا تنتهك حرمة من هذه الحرمات بحال من الأحوال ، حتى تتبع الجريمة وتحقيقها لا يصلح في النظام الإسلامي ذريعة للتجسس على الناس . فالناس على ظواهرهم ، وليس لأحد أن يتعقب بواطنهم ، وليس لأحد أن يأخذهم إلا بما يظهر منهم من مخالفات وجرائم . وليس لأحد أن يظن أو يتوقع ، حتى ولو عرف أنهم يزاولون في الخفاء مخالفة ما ، فلا يحلّ له أن يتجسس عليهم ليضبطهم ، وكل ما له عليهم أن يأخذهم بالجريمة عند وقوعها وانكشافها ، مع الضمانات الأخرى التي ينص عليها بالنسبة لكل جريمة .

فأي مدى من صيانة كرامة الناس وحرياتهم وحقوقهم واعتبارهم ينتهي إليه هذا النص الكريم ، وقد قام عليه المجتمع الإسلامي فعلاً ، وحققه في واقع الحياة ، بعد أن حققه في واقع الضمير ؟ وأين واقع المسلمين اليوم من هذا المدى الذي هتف به القرآن للمؤمنين .؟

روى أبو داود عن زيد بن وهب ، قال : أتي ابن مسعود t ، فقيل له : هذا فلان تقطر لحيته خمراً ، فقال : " إنا قد نهينا عن التجسس ، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به " .

وعن مجاهد : " لا تجسسوا خذوا بما ظهر لكم ، ودعوا ما ستر الله " .

وروى الإمام أحمد عن دجين كاتب عقبة ، قال : قلت لعقبة : إن لنا جيراناً يشربون الخمر ، وأنا داع لهم الشرط ، فيأخذونهم . قال : لا تفعل ، ولكن عظهم وتهددهم ، قال : ففعل فلم ينتهوا ، قال : فجاءه دجين فقال : إني قد نهيتهم فلم ينتهوا ، وإني داع لهم الشرط فتأخذهم . فقال له عقبة : ويحك ؛ لا تفعل ، فإني سمعت رسول الله e يقول : ( من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيا موءودة من قبرها ) .

فهكذا أخذ النص طريقه في النظام العملي للمجتمع الإسلامي ؛ ولم يعد مجرد تهذيب للضمير وتنظيف للقلب ، بل صار سياجاً حول حرمات الناس وحقوقهم وحرياتهم ، فلا تمس من قريب أو بعيد ، تحت أي ذريعة أو ستار .

فأين هذا الأفق السامق ؟ وأين ما تتعاجب به أشد الأمم ديمقراطية وحرية وادّعاءً لحفظ حقوق الإنسان بعد ألف وأربع مائة عام .؟!

3 ـ النهي عن قول السوء في المسلم ، وإشاعة ذلك بين الناس بالغيبة وتحريم ذلك كلّه : {  وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) } .

وهذا هو الخلق الثالث الذي تنهى عنه هذه الآية ، وهو الداء الثالث الذي يقود إليه الداءان السابقان ، إنه الداء الاجتماعيّ الذي قلّ أن ينجو منه الأفراد أو الناس في مجتمعاتهم : داء الغيبة ، الذي ينمّ عن خلل في التربية خطير ، وينذر بشرّ في المجتمع أخطر ، ومن ثمّ فإن القرآن الكريم ينهى عن الغيبة بطريقة فذّة في التعبير والتصوير ، إنه يعرض مشهداً تتأذى له أشدّ النفوس كثافة ، وأقلّ الأرواح حساسية ، إنه مشهد منفّر مقزّز للنفس المؤمنة السويّة ، تحشد له كلّ أدوات التنفير وأساليبه ، في أقلّ الألفاظ والكلمات ، ويضرب له المثل بصورة بالغة التأثير والتقريع ، بتصوير المغتاب ينال من عرض أخيه على أفظع وجه وأفحشه ، وهي صورة لا تنحو منحى التقرير والإخبار ، وإنما تشدّ النفس إليها بأسلوب التعجّب الاستنكاريّ ، وتجعل ما هو غاية الاشمئزاز والكراهة يندفع إليه الإنسان بمحبّة ، وإسناد الفعل إلى الجماعة ( أحدكم ) فيه إشعار أن أحداً من الأحدين لا يحبّ ذلك ، وأن المعتدى عليه أخ للمغتاب ، ولا يكفي ذلك بل هو ميت .! ولا يأكل من لحمه فحسب ، بل يأكل لحمه ، مما يشير إلى النهم وشدّة العدوان والأذى ، مما يوحي بغاية النفور من هذا الفعل الشنيع ..

كلّ هذه الإيحاءات في كلمات يسيرة ومشهد مثير : إنه مشهد الأخ .. يأكل لحم أخيه ميتاً .. ثم يبادر فيعلن عنهم : أنهم كرهوا هذا الفعل المثير للاشمئزاز ، وأنهم إذن كرهوا الاغتياب ولم يرتضوه لأنفسهم ولا لإخوانهم .

وهذه الكلمات التي تنهى عن الغيبة هذا النهي المؤكّد الصارم ، تدعونا إلى وقفة مناسبة نعرض فيها أهمّ ما يتّصل بها من الأحكام ، ليكون ذلك عوناً للمؤمن على الحرص على دينه ، وحفظ لسانه ، والضنّ بحسناته ، وتقوى الله تعالى ، والكفّ عن أذى عباده .

 

@@@

 

بيان حدّ الغيبة ، والأسباب الباعثة عليها

وتحريم سماعها ، وما يستثنى من تحريمها

 

أ ـ أما حدّ الغيبة :

فهي ذكرك أخاك بما يكره ، كما سبق تعريفها في الحديث الصحيح ، سواء ذكرته بلفظك أو بكتابك ، أو رمزت إليه بعينك أو يدك أو رأسك .

وضابط ذلك : كلّ ما أفهمت به غيرك نقصان مسلم فهو غيبة محرّمة ، ومن ذلك المحاكاة بأن يمشي متعارجاً ، أو مطأطئاً ، أو غير ذلك من الهيئات ، مريداً بذلك حكاية هيئة من ينتقصه بذلك ، فهو حرام بلا خلاف .

ومن ذلك إذا ذكر مصنّفُ كتاب شخصاً بعينه في كتابه مريداً تنقيصه والشناعة عليه فهو حرام ، فإن أراد بيان غلطه لئلا يقلّد ، أو بيان ضعفه في العلم لئلا يغترّ به ويقبل قوله ، فليس بغيبة بل نصيحة واجبة يثاب عليها ، إذا خلصت نيّته ، وصفت سريرته .

وإذا قال : " قال قوم أو جماعة كذا ، وهذا غلط أو جهل وغفلة " ، ونحو ذلك ، فليس بغيبة ، لأنه لم يذكر إنساناً بعينه ، أو جماعة معيّنين .

ومن الغيبة التعريض بها تعريضاً يفهم كما يفهم بالصريح ، وهذا ما يقع به كثير من المتفقّهين والمتعبّدين ، فكلّ ذلك من الغيبة المحرّمة .

ب ـ وأما الأسباب الباعثة عليها :

سبق أن ذكرنا أن علّة العلل في الأمراض النفسيّة والاجتماعيّة داء الكبر الوبيل ، فهو علّة مشتركة بينها ، أشبه بالقابليّة والاستعداد للمرض عند المريض على أن ذلك لا يمنع أن تكون هناك أسباب أخرى باعثة على الغيبة ، نوجز في ذكرها استكمالاً لجوانب البحث ، وحرصاً على تشخيص هذا الداء ، وزيادة التنفير للمؤمنين منه ومما يتّصل به بأيّ سبب .

1 ـ فمن الأسباب الباعثة على الغيبة أن يشفي غيظه ، ويطفئ جمرة غضبه الذي لم يستطع أن ينفذه ، حتى أصبح حقداً تغلي مراجله في قلبه .

2 ـ ومنها مجاملة الأقران والجلساء ، الذين لا شغل لهم إلا التفكّه بأعراض الناس ، واللعب والهزل والمطايبة لهم ، وتزجية الوقت بالضحك على الناس والسخرية والاستهزاء بهم .

3 ـ ومنها أن ينسب إلى شيء فيريد أن يتبرّأ منه ، فيذكر من يفعله لتهوين ذلك على نفسه وعلى الآخرين .

4 ـ ومنها الحرص على التصنّع والمباهاة بين الناس ، وهو أن يرفع نفسه بانتقاص غيره ، وعدّ أخطائه ومثالبه .

5 ـ ومنها الحسد لمن يراه فوقه ، ويرى ثناء الناس عليه ، وما له من منزلة ، فيريد أن يضع من قدره ، أو يسقط منزلته ، وما درى أن الحسد لا يزيل النعمة ، ولا يزيد المحسود إلا خيراً ورفعة .

ج ـ وأما تحريم سماعها :

فكما تحرم الغيبة على المغتاب يحرم على السامع استماعها وإقرارها ، ويجب عليه أن ينهى المغتاب إن لم يخف ضرراً ظاهراً ، فإن خافه وجب عليه الإنكار بقلبه ، ومفارقة ذلك المجلس ، إن تمكّن من مفارقته ، وإلا أعرض عن المغتاب ، وشغل لسانه وقلبه بذكر الله تعالى .

فإن قدر على الإنكار بلسانه ، أو على قطع الغيبة بكلام آخر لزمه ذلك فإن لم يفعل عصى ، وإن نهاه بلسانه وهو يشتهي الغيبة بقلبه فذاك نفاق لا يخرجه من الإثم ، فلا بدّ من كراهته للغيبة بقلبه ، وقد أنشد بعضهم :

وسمعك صُن عن سماع القبيح   كصون اللسان عن النطق به

فإنك    عند   سماع   القبيح   شريكٌ      لقائله      فانتبه

د ـ وأما ما يستثنى من تحريم الغيبة :

فهو ما يكون لغرض شرعيّ صحيح ، ومصلحة راجحة لا يمكن الوصول إليهما إلا بها ، وقد حصر الإمام الغزاليّ ذلك في ستة أسباب :

ـ الأول : التظلّم ؛ فيجوز للمظلوم أن يتظلّم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية أو له قدرة على إنصافه من ظالمه .

ـ الثاني : الاستعانة على تغيير المنكر ، وردّ العاصي إلى الصواب .

ـ الثالث : الاستفتاء ، بأن يقول للمفتي : ظلمني أخي أو أبي أو فلان ، فما طريقي إلى تحصيل حقي ، أو دفع الظلم عني ؟

والأحوط أن يقول : ما تقول في رجل فعل كذا وكذا .؟ والتعيين جائز ولا حرج فيه ، بقدر الحاجة ولا يزيد .

ـ الرابع : تحذير المسلمين من الشرّ ونصيحتهم ، وتدخل في ذلك وجوه عديدة ، أهمّها :

أ ـ جرح المجروحين من الرواة للحديث والشهود ، وذلك جائز بإجماع المسلمين ، بل واجب للحاجة ، وبقدرها .

ب ـ ومنها نصح المستشير في مشاركة ، أو مصاهرة ، أو إيداع وديعة ، فيجب ذكر ما يعلم على وجه النصيحة ، وبقدر الحاجة أيضاً .

ج ـ ومنها نصح المشتري إذا كان يشتري سلعة معيبة ، ولم يعلمه البائع بعيبها ، وأنت تعلم به .

د ـ ومنها نصح التفقّه إذا رأيته يتردّد إلى مبتدع أو فاسق ، ليأخذ عنه العلم ، وهو لا يعلم بحاله ، ويشترط أن يقصد النصيحة ، وألا يحمله على القول الحسد ، أو تلبيس الشيطان .

هـ ـ ومنها أن يرى ذا ولاية لا يقوم بها على وجهها ، إما لأنه غير صالح لها ، أو لأنه فاسق أو مغفّل ونحو ذلك ، فيذكر ذلك لمن له ولاية عامّة ليزيله ، ويولّي من يصلح ، أو يسعى في تقويمه وإصلاحه .

ـ الخامس : أن يكون مجاهراً بفسقه أو بدعته ، كالمجاهر بشرب الخمر ، أو الدعوة إلى بدعته ، أو مصادرة الناس وأخذ المكس ، وجباية الأموال ظلماً ، فيجوز ذكره بما يجاهر به ، ويحرم ذكره بغيره من العيوب .

ـ السادس : التعريف ، كما إذا عرف الإنسان بلقب كالأعمش والأعرج ، والأصمّ والأحول ، والأعمى والأعور ، وغير ذلك فيجوز تعريفه بذلك ، ويحرم إطلاقه على جهة النقص ، ولو أمكن التعريف بغيره كان أولى .

هـ ـ كفّارة الغيبة ووجوب التوبة منها : وإذ كانت الغيبة حقّاً لآدميّ فلا بدّ من استحلاله والاعتذار إليه ، وطلب العفو منه ، إن كان حيّاً ، وهل يكفيه أن يقول له : قد اغتبتك فاجعلني في حلّ ؟ أم لابدّ أن يبيّن له ما اغتابه به ؟ قولان للعلماء ، ويرجّح في كلّ مقام ما يناسبه .

وأما إن كان صاحب الغيبة ميتاً أو غائباً يتعذّر الوصول إليه ، فينبغي أن يكثر الاستغفار له والدعاء ويكثر من الحسنات لتكون وفاء حقّه يوم القيامة .

ويستحبّ استحباباً مؤكّداً لصاحب الغيبة أن يبرئ المعتذر إليه منها ، ويعفو عنه ، ولا يجب عليه ذلك لأن الله تعالى يقول : { والكاظمين الغيظ ، والعافين عن الناس ، والله يحبّ المحسنين } آل عمران /134/ .

ثم يعقب الله تعالى على كل ما نهى عباده عنه في هذه الآية : من ظنّ وتجسس وغيبة ، باستجاشة شعور التقوى ، والتلويح لمن اقترف من هذا شيئاً أن يبادر بالتوبة تطلعاً للرحمة .

ويسري هذا النص في حياة الجماعة المسلمة فيتحول إلى سياج حول كرامة الناس ، وإلى أدب عميق في النفوس والقلوب ، ونرى هدي رسول الله e فيه ، كشأنه مع هدي القرآن دائماً ، متوافقاً مع الأسلوب القرآني البديع في إثارة الاشمئزاز والفزع من شبح الغيبة البغيض .

فعن عائشة t قالت : قلت للنبيّ e : حسبك من صفية كذا وكذا ، ( تعني أنها قصيرة ) ، فقال e : ( لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته ) . وقالت : وحكيت له إنساناً ، فقال e : ( ما وددت أني حكيت إنساناً ، وأن لي كذا وكذا ) .

وروى أبو داود بإسناده عن أنس بن مالك t قال : قال رسول الله e : ( لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم ، قلت : من هؤلاء يا جبرائيل ؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ، ويقعون في أعراضهم ) .

ولما اعترف ماعز بالزنا هو والغامدية t ورجمهما رسول الله e بعد إقرارهما متطوعين وإلحاحهما عليه في تطهيرهما ، سمع النبي e رجلين يقول أحدهما لصاحبه : ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب ؛ ثم سار النبي e حتى مر بجيفة حمار ، فقال : " أين فلان وفلان ؟ انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار " . قالا : غفر الله لك يا رسول الله ؛ وهل يؤكل هذا ؟ قال e : ( فما نلتما من أخيكما آنفاً أشدّ أكلاً منه ، والذي نفسي بيده ! إنه الآن لفي أنهار الجنة يغمس فيها ) .

وبمثل هذا العلاج الثابت المطرد تطهر المجتمع الإسلامي وارتفع ، وانتهى إلى ما صار إليه في حياة الإنسانيّة : حلماً يمشي على الأرض ، ومثلاً يتحقق في واقع التاريخ .

 

د ـ العبر والدروس والأحكام :

1 ـ تحريم احتقار أحد أو الاستهزاء به ، فربّما يكون المستهزأ به أتقى لله وأرضى عنده من المستهزئ ، فالعبرة عند الله تعالى بالإيمان والتقوى والعمل الصالح .

2 ـ تحريم اللمز والتنبيه إلى المعايب بالقول أو الإشارة ، فمن عاب أخاه فكأنما عاب نفسه ، ولا يفعل ذلك عاقل .

ومن رأى في أخيه عيباً فعليه أن يحمد الله على العافية ، ويسأل الله تعالى دوامها ، وفي الحديث : ( من رأى مبتلى فقال : الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به ، وفضّلني على كثير ممن خلق تفضيلاً لم يصبه ذلك البلاء ) ([41]) .

وفي الحديث : ( لا تعيّر أخاك بما فيه ، فيعافيه الله ويبتليك ) ، وفي رواية : ( لا تظهر الشماتة بأخيك ، فيعافيه الله ويبتليك ) ([42]) .

3 ـ على المؤمن أن يحرص على حسن الذكر بين الناس ، فلا يفعل ما نهي عنه ، كيلا يذكر بالفسوق أو يعرف به ، وأن من عرّض نفسه لذلك ، فلا يلومنّ إلا نفسه .

4 ـ تحريم التنابز بالألقاب ، لما يسبّبه من العداوة والبغضاء ، والتدابر والقطيعة ، ولما فيه من السخرية والاستهزاء .

5 ـ على المؤمن أن يبادر إلى التوبة إلى الله تعالى ، من كلّ هذه المظالم ويعتذر إلى من أساء إليه ، وإلا كان ظالماً لنفسه ولإخوانه ، والله لا يحبّ الظالمين .

6 ـ تحريم ظنّ السوء بأحد من المسلمين ، وبخاصّة إذا كان معروفاً بالتقوى والاستقامة ، ووجوب حمل أحوال المسلمين على أحسن الوجوه ، والتماس العذر لهم ، وقد روي عن الإمام الشافعيّ أنه قال : " سوء الظنّ لا ينبعث إلا من قلب خبيث " .

7 ـ يستدل من النهي عن : " كثير من الظنّ لأن بعض الظنّ إثم " ، على مشروعيّة قاعدة الأخذ : " بسدّ الذرائع " ، على خلاف بين العلماء في شروطها وضوابطها ومدى اعتبارها .

8 ـ وكما يجب على المسلم ألا يظنّ بأخيه المسلم إلا خيراً ، فيجب عليه أيضاً ألا يقف مواقف التهم ، ولا يعرّض نفسه للظنون والريب ، وأن يدفع عن نفسه ظنّ السوء ، وقول السوء ما أمكنه ذلك .

جاء في الحديث عن أمّ المؤمنين صفيّة بنت حييّ رضي الله عنها قالت : كان النبيّ e معتكفاً ، فأتيته أزوره ليلاً ، فحدّثته ، ثمّ قمت لأنقلب  ـ أي لأرجع إلى منزلي ـ فقام معي ليقلبني ، فمرّ رجلان من الأنصار t فلما رأيا النبيّ e أسرعا ، فقال e : ( على رسلكما ! إنها صفيّة بنت حييّ ) فقالا : سبحان الله يارسول الله ! فقال : ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً ، أو قال : شيئاً ) ([43]) .

وجاء في الأثر : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفنّ مواقف التهم " .

9 ـ تحريم التجسّس على الناس ، وهتك أستارهم ، وتتبّع عوراتهم ، روى البراء بن عازب t قال : خطبنا رسول الله e ، حتى أسمع العواتق في بيوتها ، أو قال : في خدورها ، فقال :

( يامعشر من آمن  بلسانه ، لا تغتابوا المسلمين ، ولا تتّبعوا عوراتهم ، فإن من يتّبع عورة أخيه يتّبع الله عورته ، ومن يتّبع الله عورته يفضحه في جوف بيته ) ([44]) .

وفي الحديث عن معاوية بن أبي سفيان t قال : سمعت رسول الله e يقول : ( إنك إن اتّبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم )

قال أبو الدرداء t : " كلمة سمعها معاوية t من رسول الله e ، نفعه الله بها " ([45]) .

وروى أبو داود عن أبي أمامة t عن النبيّ e قال : ( إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم ) ([46]) .

وقال الأوزاعيّ رحمه الله تعالى : " ويدخل في التجسّس الاستماع إلى حديث قوم ، وهم له كارهون " .

وليس من ستر المسلم أداء الشهادة فيما علم وتيقّن ، إذا دعي إلى أدائها ، كما لا يدخل في التجسّس المنهيّ عنه تتبّع آثار الجرائم والمجرمين ، والسعي في كشف ذلك .

وضابط هذا الأمر ؛ أن ستر عورة المسلم ، ونصحه في السرّ ووعظه وتذكيره يتعيّن ، وهو الأصل مالم يتعارض ذلك مع المصلحة العامّة ، أو مالم تنتهك حقوق الناس وحرماتهم ، فإذا وقع الفرد في ذلك فليس لنا أن نتستر عليه بدعوى ستر المسلم ، والمحافظة على حرماته ، إذ ليست هي بأولى من المصالح العامّة للأمّة ، أو الحقوق الخاصّة للأفراد .

10 ـ وإذا كان تجسّس المسلم على أخيه المسلم محرّماً ، ولو كان فضولاً من نفسه ، وليس لغرض آخر ، فالتجسّس على المسلم ، أو على المسلمين ، سواء أكانوا دولاً أو جماعات تعمل للإسلام ، وتدعو إلى إقامة دين الله في الأرض ، لهتك أستارهم ، وكشف أسرارهم لعدوّ متربّص ظالم ، أو كافر متآمر ، يعدّ ذلك أعظم جرماً ، وأشدّ تحريماً ، ولا يقوم به إلا منافق يبيع دينه بعرض من الدنيا ، وهو في مصطلحات الدول اليوم يسمّى : ( خيانة عظمى ) ، تحكم أكثر قوانين الناس على مرتكبها بالقتل .

11 ـ رصد العدو ، وتتبّع تحرّكاته ومؤامراته ، وبثّ العيون لجمع الأخبار عنه لا يعدّ من التجسّس المنهيّ عنه ، فقد فعل النبيّ e ذلك في كلّ مراحل جهاده مع أعدائه .

12 ـ تحريم الغيبة ، وهي أن تذكر أخاك بما يكره ، ولو كان ذلك فيه   وتقبيح أمرها بأنها كأكل لحم أخيه ميتاً ، قال عمر t : " إياكم وذكر الناس فإنه داء ، وعليكم بذكر الله فإنه شفاء " .

وسمع عليّ بن الحسين t رجلاً يغتاب آخر فقال : " إياك والغيبة فإنها إدام كلاب الناس " .

13 ـ وجوب التوبة من الغيبة باستحلال صاحب الحقّ ، والحرص على إرضائه ، وإلا فإنه سيأخذ حقّه يوم القيامة من حسنات من اغتابه ، كما جاء في الأحاديث الصحيحة .

14 ـ أن ما يستثنى من تحريم الغيبة إنما يستثنى لغرض شرعيّ صحيح  لا يمكن الوصول إليه إلا بها ، وأن على المؤمن أن يخلص في قصده ، ولا يتجاوز حدّه ، وليحذر من خداع الشيطان ، وتلبيسه عليه في ذلك .

15 ـ أن تقوى الله تعالى ، ودوام رقابته سبحانه ، خير ما يحفظ المؤمن من الوقوع في الغيبة أو استماعها ، والمداهنة للمغتابين في مجالسهم وأحاديثهم ، وخير ما يدعوه إلى التوبة إلى الله  ، والاعتذار ممن اغتابه ، وطلب العفو منه .

 

هـ ـ ربط الآيات بما بعدها :

وبعدما تحدّثت هذه الآيات عن أخلاق وأحوال لا تلتئم مع صفة الإيمان  وبيّنت مقتضى الإيمان وآثاره ، وربطت التخلّي عن تلك الأخلاق بوصف الإيمان والتقوى ، ووضّحت من خلال ذلك صورة المؤمنين في مجتمعهم ، الذي يقوم على الأخوّة في الله تعالى ، ويربط بين قلوب أبنائه الودّ والصفاء ، والحبّ والنصح ، والتعاون على البرّ والتقوى ، توجّهت بالخطاب إلى الناس عامّة بوصف الإنسانيّة ، التي هي الرباط المشترك الذي يربط بين أبنائها ، بعد رباط العبوديّة لله تعالى ، الذي خلق الخلق جميعاً من ذكر وأنثى ، وجّهت الخطاب للإنسانيّة كلّها لتقتلع منهم التفاخر بالقبائل والأنساب ، والعصبيّة الجاهليّة للألوان والأجناس والأعراق ، والاعتزاز بما لا يقدّم ولا يؤخّر من قيم الأرض وموازينها .

وكأن الآيات تشير بهذا التسلسل ، إلى أن أمّة الإسلام إن لم تتحقّق بقيم الإيمان في مجتمعاتها وعلاقاتها الخاصّة ، فلن تستطيع أن تنهض بأعباء الدعوة ، وتنتشل أمم الأرض من جاهليّتها ، وقيمها الأرضيّة الزائفة ، وموازينها الهابطة فحقائق الإيمان وقيمه ليست دعاوى تدّعى ، ولا رايات يتمسّح بها ، ولا لافتات ترفع ويستظلّ بها في بعض المناسبات ، وإنما هي حقائق راسخة في القلوب ، وقيم تحكم علاقات الناس وروابطهم ، ومنهج يقدّم للإنسانيّة صورة وضيئة مشرقة عما يريده الله تعالى لعباده من سعادة وهدى في هذه الحياة .

ـ وفي الآيات السابقة تقرّرت الأخوّة الإيمانيّة بين المؤمنين ، بما تقتضيه من حقائق وأحكام ، وخلائق وآداب ، وفي الآية التالية يقرّر الله تعالى وحدة الجنس البشريّ ، وما تقتضيه من أخوّة إنسانيّة ، في الخلق والنشأة ، والأصل والنسب :

" ياأيها الناس ! إن ربّكم واحد ، وإن أباكم واحد ، كلّكم لآدم ، وآدم خلق من تراب " ، وذلك ما يدعو الناس إلى التعارف لا التناكر ، والتناصر لا التناحر ، والتعاون لا التفاخر ، وإلغاء ما تصطنعه الفلسفات المريضة من مزايا وأوهام لجنس على آخر ، ولأمّة على أخرى ، مما يعود إلى اللون والعرق ، أو الإقليم والأرض ، أو النسب والأصل ، وكلّ ذلك لا وزن له عند الله تعالى ، ولا يرفع الإنسان في الدنيا ولا ينفعه ، إن لم يشفع له جدّه وسعيه .

@@@


الفصل الخامس

أصل الإنسان وحقيقة الإسلام والإيمان

الآيات من (13) إلى (17)