روابط مصاحف م الكاب الاسلامي

روابط مصاحف م الكاب الاسلامي
 

Translate

الأربعاء، 1 يونيو 2022

مجلد5.و6. تفسير البيضاوي البيضاوي

 

5.  مجلد5. تفسير البيضاوي البيضاوي

103 - { فلما أسلما } استسلما لأمر الله أو سلما الذبيح نفسه وإبراهيم ابنه وقد قرئ بهما وأصلها سلم هذا لفلان إذا خلص له فإنه سلم من أن ينازع فيه { وتله للجبين } صرعه على شقه جبينه على الأرض وهو أحد جانبي الجبهة وقيل كبه على وجهه بإشارته لئلا يرى فيه تغيرا يرق له فلا يذبحه وكان ذلك عند الصخرة بمنى أو في الموضع المشرف على مسجده أو المنحر الذي ينحر فيه اليوم

104 - { وناديناه أن يا إبراهيم }

105 - { قد صدقت الرؤيا } بالعزم والإتيان بالمقدمات وقد روي أنه أمر السكين بقوته على حلقه مرارا فلم تقطع وجواب لما محذوف تقديره كان ما كان مما ينطلق به الحال ولا يحيط به المقال من استبشارهما وشكرهما لله تعالى على ما أنعم عليهما من دفع البلاء بعد حلوله والتوفيق بما لم يوفق غيرهما لمثله وإظهار فضلهما به على العالمين مع إحراز الثواب العظيم إلى غير ذلك { إنا كذلك نجزي المحسنين } تعليل لإفراج تلك الشدة عنهما بإحسانهما واحتج به من جوز النسخ قبل وقوعه فإنه عليه الصلاة و السلام كان مأمورا بالذبح لقوله { يا أبت افعل ما تؤمر } ولم يحصل

106 - { إن هذا لهو البلاء المبين } الابتلاء البين الذي يتميز فيه المخلص من غيره أو المحنة البينة الصعوبة فإنه لا اصعب منها

107 - { وفديناه بذبح } بما يذبح بدله فيتم به الفعل { عظيم } عظيم الجثة سمين أو عظيم القدر لأنه يفدي به الله نبيا ابن نبي وأي نبي من نسله سيد المرسلين قيل كان كبشا من الجنة وقيل وعلا أهبط عليه من ثبير وروي أنه هرب منه عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى أخذه فصارت سنة والفادي على الحقيقة إبراهيم عليه الصلاة و السلام وإنما قال وفديناه لأن الله المعطي له والأمر به على التجوز في الفداء أو الإسناد واستدل به الحنفية على أن من نذر ذبح ولده لزمه ذبح شاة وليس فيه ما يدل عليه

108 - { وتركنا عليه في الآخرين }

109 - { سلام على إبراهيم } سبق بيانه في قصة نوح عليه السلام

110 - { كذلك نجزي المحسنين } لعله عنه أنا اكتفاء بذكره مرة في هذه القصة

111 - { إنه من عبادنا المؤمنين }

112 - { وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين } مقضيا نبوته مقدرا كونه من الصالحين وبهذا الاعتبار وقعا حالين ولا حاجة إلى وجود المبشر به وقت البشارة فإن وجود ذي الحال غير شرط بل الشرط مقارنة تعلق الفعل به لاعتبار المعنى بالحال فلا حاجة إلى تقدير مضاف يجعل عاملا فيهما مثلا و { بشرناه } بوجود أسحق أي بأن يوجد أسحق نبيا من الصالحين ومع ذلك لا يصير نظير قوله : { فادخلوها خالدين } فإن الداخلين مقدرون خلودهم وقت الدخول وإسحاق لم يكن نبوة مقدرا نبوة نفسه وصلاحها حينما يوجد ومن فسر الذبيح بإسحاق جعل المقصود من البشارة نبوته وفي ذكر الصلاح بعد النبوة تعظيم لشأنه وإيماء بأنه الغاية لها لتضمنها معنى الكمال والتكميل بالفعل على الإطلاق

113 - { وباركنا عليه } على إبراهيم في أولاده { وعلى إسحاق } بأن أخرجنا من صلبه أنبياء بني إسرائيل وغيرهم كأيوب وشعيب أو أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا وقرئ وبركنا { ومن ذريتهما محسن } في عمله أو إلى نفسه بالإيمان والطاعة { وظالم لنفسه } بالكفر والمعاصي { مبين } ظاهر ظلمه وفي ذلك تنبيه على أن النسب لا أثر له في الهدى والضلال وأن الظلم في أعقابها لا يعود عليهما بنقيصه وعيب

114 - { ولقد مننا على موسى وهارون } أنعمنا عليهما بالنبوة وغيرها من المنافع الدينية والدنيوية

115 - { ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم } من تغلب فرعون أو الغرق

116 - { ونصرناهم } ثم الضمير لهما مع القوم { فكانوا هم الغالبين } على فرعون وقومه

117 - { وآتيناهما الكتاب المستبين } البليغ في بيانه وهو التوراة

118 - { وهديناهما الصراط المستقيم } الطريق الموصل إلى الحق والصواب

119 - { وتركنا عليهما في الآخرين }

120 - { سلام على موسى وهارون }

121 - { إنا كذلك نجزي المحسنين }

122 - { إنهما من عبادنا المؤمنين } سبق مثل ذلك

123 - { وإن إلياس لمن المرسلين } هو إلياس بن ياسين سبط هارون أخي موسى بعث بعده وقيل إدريس لأنه قرئ إدريس وإدراس مكانه وفي حرف أبي رضي الله عنه وقيل إبليس وقرأ ابن ذكوان مع خلاف عنه بحذف همزة إلياس

124 - { إذ قال لقومه ألا تتقون } عذاب الله

125 - { أتدعون بعلا } أتعبدونه الخير منه وهو اسم صنم كان لأهل بك من الشام وهو البلد الذي يقال له الآن بعلبك وقيل البعل الرب بلغة اليمن والمعنى أتدعون بعض البعول { وتذرون أحسن الخالقين } وتتركون عبادته وقد أشار فيه إلى المقتضي للإنكار المعني بالهمزة ثم صرح به بقوله :

126 - { الله ربكم ورب آبائكم الأولين } وقرأ حمزة و الكسائي و يعقوب و حفص بالنصب على البدل

127 - { فكذبوه فإنهم لمحضرون } أي في العذاب وإنما أطلقه اكتفاء منه بالقرينة أو لأن الإحضار المطلق مخصوص بالشر عرفا

128 - { إلا عباد الله المخلصين } مستثنى من الواو لا من المحضرين لفساد المعنى

129 - { وتركنا عليه في الآخرين }

130 - { سلام على إل ياسين } لغة في الياس كسيناه وسينين وقيل جمع له مراد به هو وأتباعه كالمهلبين لكن فيه أن العلم إذا جمع يجب تعريفه باللام أو للمنسوب إليه بحذف ياء النسب كالأعجمين وهو قليل ملبس وقرأ نافع و ابن عامر و يعقوب على إضافة { آل } إلى { ياسين } لأنهما في المصحف مفصولان فيكون { ياسين } أبا { إلياس } وقيل محمد عليه الصلاة و السلام أو القرآن أو غيره من كتب الله والكل لا يناسب نظم سائر القصص ولا قوله :

131 - { إنا كذلك نجزي المحسنين }

132 - { إنه من عبادنا المؤمنين } إذ الظاهر أن الضمير لإلياس

133 - { وإن لوطا لمن المرسلين }

134 - { إذ نجيناه وأهله أجمعين }

135 - { إلا عجوزا في الغابرين }

136 - { ثم دمرنا الآخرين } سبق بيانه

137 - { وإنكم } يا أهل مكة { لتمرون عليهم } على منازلهم في متاجركم إلى الشام فإن سدوم في طريقه { مصبحين } داخلين في الصباح

138 - { وبالليل } أي ومساء أو نهارا وليلا ولعلها وقعت قريب منزل يمر بها المرتحل عنه صباحا والقاصد لها مساء { أفلا تعقلون } أفليس فيكم عقل تعتبرون به

139 - { وإن يونس لمن المرسلين } وقرئ بكسر النون

140 - { إذ أبق } هرب وأصله الهرب من السيد لكن لما كان هربه من قومه بغير إذن ربه حسن إطلاقه عليه { إلى الفلك المشحون } المملوء

141 - { فساهم } فقارع أهله { فكان من المدحضين } فصار من المغلوبين بالقرعة وأصله المزلق عن مقام الظفر روي أنه لما وعد قومه بالعذاب خرج من بينهم قبل أن يأمره الله فركب السفينة فوقفت فقالوا : ها هنا عبد آبق فاقترعوا فخرجت القرعة عليه فقال أنا الآبق ورمى بنفسه في الماء

142 - { فالتقمه الحوت } فابتلعه من اللقمة { وهو مليم } داخل في الملامة أو آت بما يلام عليه أو مليم نفسه وقرئ بالفتح مبنيا من ليم كمشيب في مشوب

143 - { فلولا أنه كان من المسبحين } الذاكرين الله كثيرا بالتسبيح مدة عمره أو في بطن الحوت وهو قوله { لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } وقيل من المصلين

144 - { للبث في بطنه إلى يوم يبعثون } حيا وقيل ميتا وفيه حث على إكثار الذكر وتعظيم لشأنه ومن أقبل عليه في السراء أخذ بيده عند الضراء

145 - { فنبذناه } بأن حملنا الحوت على لفظه { بالعراء } بالمكان الخالي عما يغطيه من شجر أو نبت روي أن الحوت سار مع السفينة رافعا رأسه يتنفس فيه يونس ويسبح حتى انتهوا إلى البر فلفظه واختلف في مدة لبثه فقبل بعض يوم وقيل ثلاثة أيام وقيل سبعة وقيل عشرون وقيل أربعون { وهو سقيم } مما ناله قيل صار بدنه كبدن الطفل حين يولد

146 - { وأنبتنا عليه } أي فوق مظلة عليه { شجرة من يقطين } من شجر ينبسط على وجه الأرض ولا يقوم على ساقه يفعيل من قطن بالمكان إذا قام به والأكثر على أنها كانت الدباء غطته بأوراقها عن الذباب فإنه لا يقع عليه ويدل عليه أنه [ قيل لرسول الله صلى الله عليه و سلم : إنك لتحب القرع قال : أجل هي شجرة أخي يونس ] وقيل التين وقيل الموز تغطى بورقه واستظل بأغصانه وأفطر على ثماره

147 - { وأرسلناه إلى مائة ألف } هم قومه الذين هرب عنهم وهم أهل نينوى والمراد ما سبق من إرساله أو إرسال ثان إليهم أو إلى غيرهم { أو يزيدون } في مرأى الناظر أي إذا نظر إليهم قال هم مائة ألف أو يزيدون والمراد الوصف بالكثرة وقرئ بالواو

148 - { فآمنوا } فصدقوه أو فجددوا الإيمان به بمحضره { فمتعناهم إلى حين } إلى أجلهم المسمى ولعله إنما لم يختم قصته وقصة لوط بما ختم به سائر القصص تفرقة بينهما وبين أرباب الشرائع الكبر وأولي العزم من الرسل أو اكتفاء بالتسليم الشامل لكل الرسل المذكورين في آخر السورة

149 - { فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون } معطوف على مثله في أول السورة أمر رسوله أولا باستفتاء قريش عن وجه إنكارهم البعث وساق الكلام في تقريره جارا لما يلائمه من القصص موصولا بعضها ببعض ثم أمر باستفتائهم عن وجه القسمة حيث جعلوا لله البنات ولأنفسهم البنين في قولهم : الملائكة بنات الله وهؤلاء زادوا الشرك ضلالات أخر التجسيم و تجويز الفناء على الله تعالى فإن الولادة مخصوصة بالأجسام الكائنة الفاسدة وتفضيل أنفسهم عليه حيث جعلوا أوضع الجنسين له وأرفعهما لهم واستهانتهم بالملائكة حيث أنثوهم ولذلك كرر الله تعالى إنكار ذلك وإبطاله في كتابه مرارا وجعله مما { تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا } والإنكار ها هنا مقصور على الأخيرين لاختصاص هذه الطائفة بهما أو لأن فسادهما مما تدركه العامة بمقتضى طباعهم حيث جعل المعادل للاستفهام عن التقسيم

150 - { أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون } وإنما خص علم المشاهدة لأن أمثال ذلك لا تعلم إلا بها فإن الأنوثة ليست من لوازم ذاتهم لتمكن معرفته بالعقل الصرف مع ما فيه من الاستهزاء والإشعار بأنهم لفرط جهلهم يبتون به كأنهم قد شاهدوا خلقهم

151 - { ألا إنهم من إفكهم ليقولون }

152 - { ولد الله } لعدم ما يقتضيه وقيام ما ينفيه { وإنهم لكاذبون } فيما يتدينون به وقرئ ولد الله أي الملائكة ولده فعل بمعنى مفعول يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث

153 - { أصطفى البنات على البنين } استفهام إنكار واستبعاد والاصطفاء أخذ صفوة الشيء وعن نافع كسر الهمزة على حذف حرف الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها أو على الإثبات بإضمار القول أي : لكاذبون في قولهم اصطفى أو إبداله من { ولد الله }

154 - { ما لكم كيف تحكمون } بما لا يرتضيه عقل

155 - { أفلا تذكرون } أنه منزه عن ذلك

156 - { أم لكم سلطان مبين } حجة واضحة عليكم من السماء بأن الملائكة بناته

157 - { فاتوا بكتابكم } الذي أنزل عليكم { إن كنتم صادقين } في دعواكم

158 - { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا } يعني الملائكة ذكرهم باسم جنسهم وضعا منهم أن يبلغوا هذه المرتبة وقيل قالوا إن الله تعالى صاهر الجن فخرجت الملائكة وقيل قالوا الله والشياطين إخوان { ولقد علمت الجنة إنهم } إن الكفرة أو الإنس والجن إن فسرت بغير الملائكة { لمحضرون } في العذاب

159 - { سبحان الله عما يصفون } من الولد والنسب

160 - { إلا عباد الله المخلصين } استثناء من المحضرين منقطع أو متصل إن فسر الضمير بما يعمهم وما بينهم اعتراض أو من { يصفون }

161 - { فإنكم وما تعبدون } عود إلى خطابهم

162 - { ما أنتم عليه } على الله { بفاتنين } مفسدين الناس بالإغواء

163 - { إلا من هو صال الجحيم } إلا من سبق في علمه أنه من أهل النار ويصلاها لا محالة { وأنتم } ضمير لهم ولآلهتهم غلب فيه المخاطب على الغائب ويجوز أن يكون { وما تعبدون } لما فيه من معنى المقارنة سادا مسد الخبر أي إنكم وآلهتكم قرناء لا تزالون تعبدونها ما أنتم على ما تعبدونه بفاتنين بباعثين على طريق الفتنة إلا ضالا مستوجبا للنار مثلكم وقرئ { صال } بالضم على أنه جمع محمول على معنى من ساقط واوه لالتقاء الساكنين أو تخفيف صائل على القلب كشاك في شائك أو المحذوف منه كالمنسي كما في قولهم : ما باليت به بالة فإن أصلها بالية كعافية

164 - { وما منا إلا له مقام معلوم } حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية للرد على عبدتهم والمعنى : وما منا أحد إلا له مقام معلوم في المعرفة والعبادة والانتهاء إلى أمر الله في تدبير العالم ويحتمل أن يكون هذا وما قبله من قوله { سبحان الله } من كلامهم ليتصل بقوله : { ولقد علمت الجنة } كأنه قال ولقد علمت الملائكة أن المشركين معذبون بذلك وقالوا { سبحان الله } تنزيها له عنه ثم استثنوا { المخلصين } تبرئة لهم منه ثم خاطبوا المشركين بأن الافتتان بذلك للشقاوة المقدرة ثم اعترفوا بالعبودية وتفاوت مراتبهم فيه لا يتجاوزونها فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه

165 - { وإنا لنحن الصافون } في أداء الطاعة ومنازل الخدمة

166 - { وإنا لنحن المسبحون } المنزهون الله عما لا يليق به ولعل الأول إشارة إلى درجاتهم في الطاعة وهذا في المعارف وما في أن واللام وتوسيط الفصل من التأكيد والاختصاص لأنهم المواظبون على ذلك دائما من غير فترة دون غيرهم وقيل هو من كلام النبي عليه الصلاة و السلام والمؤمنين والمعنى : وما منا إلا له مقام معلوم في الجنة أو بين يدي الله يوم القيامة { وإنا لنحن الصافون } له في الصلاة والمنزهون له عن السوء

167 - { وإن كانوا ليقولون } أي مشركو قريش

168 - { لو أن عندنا ذكرا من الأولين } كتابا من الكتب التي نزلت عليهم

169 - { لكنا عباد الله المخلصين } لأخلصنا العبادة له ولم نخالف مثلهم

170 - { فكفروا به } أي لما جاءهم الذكر الذي هو أشرف الأذكار والمهيمن عليها { فسوف يعلمون } عاقبة كفرهم

171 - { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } أي وعدنا لهم النصر والغلبة وهو قوله :

172 - { إنهم لهم المنصورون }

173 - { وإن جندنا لهم الغالبون } وهو باعتبار الغالب والمقضي بالذات وإنما سماه كلمة وهي كلمات لانتظامهم في معنى واحد

174 - { فتول عنهم } فأعرض عنهم { حتى حين } هو الموعد لنصرك عليهم وهو يوم بدر وقيل يوم الفتح

175 - { وأبصرهم } على ما ينالهم حينئذ والمراد بالأمر الدلالة على أن ذلك كائن قريب كأنه قدامه { فسوف يبصرون } ما قضينا لك من التأييد والنصرة والثواب في الآخرة و سوف للوعيد لا للتبعيد

176 - { أفبعذابنا يستعجلون } روي أنه لما نزل { فسوف يبصرون } قالوا متى هذا فنزلت

177 - { فإذا نزل بساحتهم } فإذا نزل العذاب بفنائهم شبهه بجيش هجمهم فأناخ بفنائهم بغتة وقيل الرسول وقرئ نزل على إسناده إلى الجار والمجرور و نزل أي العذاب { فساء صباح المنذرين } فبئس صباح المنذرين صباحهم واللام للجنس والـ { صباح } مستعار من صباح الجيش المبيت لوقت نزول العذاب ولما كثر فيهم الهجوم والغارة في الصباح سموا الغارة صباحا وإن وقعت في وقت آخر

178 - { وتول عنهم حتى حين }

179 - { وأبصر فسوف يبصرون } بأكيد إلى تأكيد وإطلاق بعد تقييد للإشعار بأنه يبصر وأنهم يبصرون ما لا يحيط به الذكر من أصناف المسرة وأنواع المساءة أو الأول لعذاب الدنيا والثاني لعذاب الآخرة

180 - { سبحان ربك رب العزة عما يصفون } عما قاله المشركون فيه على ما حكي في السورة وإضافة الرب إلى العزة لاختصاصها به إذ لا عزة إلا له أو لمن أعزه وقد أدرج فيه جملة صفاته السلبية والثبوتية مع الإشعار بالتوحيد

181 - { وسلام على المرسلين } تعميم للرسل بالتسليم بعد تخصيص بعضهم

182 - { والحمد لله رب العالمين } على ما أفاض عليهم وعلى من اتبعهم من النعم وحسن العاقبة ولذلك أخره عن التسليم والمراد تعليم المؤمنين كيف يحمدونه ويسلمون على رسله وعن علي رضي الله عنه : من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه من مجلسه : سبحان ربك إلى آخر السورة
وعن النبي صلى الله عليه و سلم [ من قرأ والصافات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل جني وشيطان وتباعدت عنه مردة الجن والشياطين وبرئ من الشرك وشهد له حافظاه يوم القيامة أنه كان مؤمنا بالمرسلين ]

1 - { ص } وقرئ بالكسر لالتقاء الساكنين وقيل إنه أمر من المصاداة بمعنى المعارضة ومنه الصدى فإنه يعارض الصوت الأول أي عارض القرآن بعملك وبالفتح لذلك أو لحذف حرف القسم وإيصال فعله إليه أو إضماره والفتح في موضع الجر فإنها غير مصروفة لأنها علم السورة وبالجر والتنوين على تأويل الكتاب { والقرآن ذي الذكر } الواو للقسم إن جعل { ص } اسما للحرف أو مذكور للتحدي أو للرمز بكلام مثل صدق محمد عليه الصلاة و السلام أو للسورة خبر المحذوف أو لفظ الأمر وللعطف إن رجعا مقسما به كقولهم : الله لأفعلن بالجر والجواب محذوف دل عليه ما في { ص } من الدلالة على التحدي أو الأمر أي إنه لمعجز أو لواجب العمل به أو إن محمدا صادق أو قوله :

2 - { بل الذين كفروا } أي ما كفر به من كفر لخلل وجده فيه { بل الذين كفروا } به { في عزة } أي استكبار عن الحق { وشقاق } خلاف لله ورسوله ولذلك كفروا به وعلى الأولين الإضراب أيضا من الجواب المقدر ولكن من حيث إشعاره بذلك والمراد بالذكر العظة أو الشرف والشهوة أو ذكر ما يحتاج إليه في الدين من العقائد والشرائع والمواعيد والتنكير في { عزة وشقاق } للدلالة على شدتهما وقرئ في غرة أي غفلة عما يجب علهم النظر فيه

3 - { كم أهلكنا من قبلهم من قرن } وعيد لهم على كفرهم به استكبارا وشقاقا { فنادوا } استغاثة أو توبة أو استغفارا { ولات حين مناص } أي ليس الحين حين مناص ولا هي المشبهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث للتأكيد كما زيدت على رب وثم خصت بلزوم الأحيان وحذف أحد المعمولين وقيل هي النافية للجنس أي ولا حين مناص لهم وقيل للفعل والنصب بإضماره أي ولا أرى حين مناص وقرئ بالرفع على أنه اسم لا أو مبتدأ محذوف الخبر أي ليس حين مناص حاصلا لهم أو لا حين مناص كائن لهم وبالكسر كقوله :
( طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن لات حين بقاء )
إما لأن لات تجر الأحيان كما أن لولا تجر الضمائر في قوله :
( لولاك هذا العام لم أحجج )
أو لأن أوان شبه بإذ لأنه مقطوع عن الإضافة إذ أصله أوان صلح ثم حمل عليه { مناص } تنزيلا لما أضيف إليه منزلته لما بينهما من الاتحاد إذ أصله يحن مناصهم ثم بني الحين لإضافته إلى غير متمكن { ولات } بالكسر كجير وتقف الكوفية عليها بالهاء كالأسماء والبصرية بالتاء كالأفعال وقيل إن التاء مزيدة على حين لاتصالها به في الامام ولا يرد عليه أن خط المصحف خارج عن القياس إذ مثله لم يعهد فيه والأصل اعتباره إلا فيما خصه الدليل ولقوله :
( العاطفون تحين لا من عاطف ... والمطعمون زمان ما من مطعم )
والمناص المنجا من ناصه ينوصه إذا فاته

4 - { وعجبوا أن جاءهم منذر منهم } بشر مثلهم أو أمي من عدادهم { وقال الكافرون } وضع فيه الظاهر موضع الضمير غضبا عليهم وذما لهم وإشعارا بأن كفرهم جسرهم على هذا القول { هذا ساحر } فيما يظهره معجزة { كذاب } فيما يقوله على الله تعالى

5 - { أجعل الآلهة إلها واحدا } بأن جعل الألوهية التي كانت لهم لواحد { إن هذا لشيء عجاب } بليغ في العجب فإنه خلاف ما أطبق عليه آباؤنا وما نشاهده من أن الواحد لا يفي علمه وقدرته بالأشياء الكثيرة وقرئ مشددا وهو أبلغ ككرام و كرام وروي أنه [ لما أسلم عمر رضي الله عنه شق ذلك على قريش فأتوا أبا طالب وقالوا أنت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء وإنا جئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك فاستحضر رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال : هؤلاء قومك يسألونك السواء فلا تمل كل الميل عليهم فقال عليه الصلاة و السلام : ماذا يسألونني فقالوا : ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وألهك فقال : أرأيتم إن أعطيتكم ما سألتم أمعطي أنتم كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم فقالوا : نعم وعشرا فقال : قولوا لا إله إلا الله ] فقاموا وقالوا ذلك

6 - { وانطلق الملأ منهم } وانطلق أشراف قريش من مجلس أبي طالب بعدما بكتهم رسول الله صلى الله عليه و سلم { أن امشوا } قائلين بعضهم لبعض { امشوا } { اصبروا } واثبتوا { على آلهتكم } على عبادتها فلا ينفعكم مكالمته و { أن } هي المفسرة لأن الانطلاق عن مجلس التقاول يشعر بالقول وقيل المراد بالانطلاق الاندفاع في القول و { امشوا } من مشيت المرأة إذا كثرت أولادها ومنه الماشية أي اجتمعوا وقرئ بغير { أن } وقرئ يمشون أن اصبروا { إن هذا لشيء يراد } إن هذا الأمر لشيء من ريب الزمان يراد بنا فلا مرد له أو أن هذا الذي يدعيه من التوحيد أو يقصده من الرئاسة والترفع على العرب والعجم لشيء يتمنى أو يريده كل أحد أو أن دينكم لشيء يطلب ليؤخذ منكم

7 - { ما سمعنا بهذا } بالذي يقوله { في الملة الآخرة } في الملة التي أدركنا عليها آباءنا أو في ملة عيسى عليه الصلاة و السلام التي هي آخر الملل فإن النصارى يثلثون ويجوز أن يكون حالا من هذا أي سمعنا من أهل الكتاب ولا الكهان بالتوحيد كائنا في الملة المترقبة { إن هذا إلا اختلاق } كذب اختلقه

8 - { أأنزل عليه الذكر من بيننا } إنكار لاختصاصه بالوحي وهو مثلهم أو أدون منهم في الشرف والرئاسة كقولهم { لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } وأمثال ذلك دليل على أن مبدأ تكذيبهم لم يكن إلا الحسد وقصور النظر على الحطام الدنيوي { بل هم في شك من ذكري } من القرآن أو الوحي لميلهم إلى التقليد وإعراضهم عن الدليل وليس في عقيدتهم ما يبتون به من قولهم { هذا ساحر كذاب } { إن هذا إلا اختلاق } { بل لما يذوقوا عذاب } بل لم يذوقوا عذابي بعد فإذا ذاقوا زال شكهم والمعنى أنهم لا يصدقون به حتى يسهم العذاب فيلجئهم إلى تصديقه

9 - { أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب } بل أعندهم خزائن رحمته وفي تصرفهم حتى يصيبوا بها من شاؤوا ويصرفوها عمن شاؤوا فيتخير للنبوة بعض صناديدهم والمعنى أن النبوة عطية من الله يتفضل بها على من يشاء من عباده لا مانع له فإنه العزيز أي الغالب الذي لا يغلب الوهاب الذي له أن يهب كل ما يشاء لمن يشاء ثم رشح ذلك فقال :

10 - { أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما } كأنه لما أنكر عليهم التصرف في نبوته بأن ليس عندهم خزائن رحمته التي لا نهاية لها أردف ذلك بأنه ليس لهم مدخل في أمر هذا العالم الجسماني الذي هو جزء يسير من خزائنه فمن أين لهم أن يتصرفوا فيها { فليرتقوا في الأسباب } جواب شرط محذوف أي إن كان لهم ذلك فليصعدوا في المعارج التي يتوصل بها إلى العرش حتى يستووا عليه ويدبروا أمر العالم فينزلوا الوحي إلى من يستصوبون وهو غاية التهكم بهم والسبب في الأصل هو الوصلة وقيل المراد بالأسباب السموات لأنها أسباب الحوادث السفلية

11 - { جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب } أي هم جند ما من الكفار المتحزبين على الرسل { مهزوم } مكسور عما قريب فمن أين لهم التدابير الإلهية والتصرف في الأمور الربانية أو فلا تكترث بما يقولون و { ما } مزيدة للتقليل كقولك أكلت شيئا ما وقيل للتعظيم على الهزء وهو لا يلائم ما بعده وهنالك إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل هذا القول

12 - { كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد } ذو الملك الثابت بالأوتاد كقوله :
( ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة ... في ظل ملك ثابت الأوتاد )
مأخوذ من ثبات البيت المطنب بأوتاده أو ذو الجموع الكثيرة سموا بذلك لأن بعضهم يشد بعضا كالوتد يشد البناء وقيل نصب أربع سوار وكان يمد يدي المعذب ورجليه إليها ويضرب عليها أوتادا ويتركه حتى يموت

13 - { وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة } وأصحاب الغيضة وهم قوم شعيب وقرأ ابن كثير و نافع و ابن عامر ليكة { أولئك الأحزاب } يعني المتحزبين على الرسل الذين جعل الجند المهزوم منهم

14 - { إن كل إلا كذب الرسل } بيان لما أسند إليهم من التكذيب على الإبهام مشتمل على أنواع من التأكيد ليكون تسجيلا على استحقاقهم للعذاب ولذلك رتب عليه : { فحق عقاب } وهو إما مقابلة الجمع بالجمع أو جعل تكذيب الواحد منهم تذيب جميعهم

15 - { وما ينظر هؤلاء } وما ينتظر قومك أو الأحزاب فإنهم كالحضور لاستحضارهم بالذكر أو حضورهم في علم الله تعالى : { إلا صيحة واحدة } هي النفخة الأولى { ما لها من فواق } من توقف مقدار فواق وهو ما بين الحلبتين أو رجوع وترداد فإنه فيه يرجع اللبن إلى الضرع وقرأ حمزة و الكسائي بالضم وهما لغتان

16 - { وقالوا ربنا عجل لنا قطنا } قسطنا من العذاب الذي توعدنا به أو الجنة التي تعدها للمؤمنين وهو من قطعه وقيل لصحيفة الجائزة قط لأنها قطعة من القرطاس وقد فسر بها أي : عجل لنا صحيفة أعمالنا للنظر فيها { قبل يوم الحساب } استعجلوا ذلك استهزاء

17 - { اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود } واذكر لهم قصته تعظيما للمعصية في أعينهم فإنه مع علو شأنه واختصاصه بعظائم النعم والمكرمات لما أتى صغيرة نزل عن منزلته ووبخه الملائكة بالتمثيل والتعريض حتى تفطن فاستغفر ربه وأناب فما الظن بالكفرة وأهل الطغيان أو تذكر قصته وصن نفسه أن تزل فيلقاك ما لقيه من المعاتبة على إهمال عنان نفسه أدنى إهمال { ذا الأيد } ذا القوة يقال فلان أيد وذو أيد و آد وأياد بمعنى ز { إنه أواب } رجاع إلى مرضاة الله تعالى وهو تعليل لـ { الأيد } ودليل على أن المراد به القوة في الدين وكان يصوم يوما ويفطر يوما ويقوم نصف الليل

18 - { إنا سخرنا الجبال معه يسبحن } قد مر تفسيره و { يسبحن } حال وضع موضع مسبحات لاستحضار الحال الماضية والدلالة على تجدد التسبيح حالا بعد حال { بالعشي والإشراق } ووقت الإشراق وهو حين تشرق الشمس أي تضيء ويصفو شعاعها وهو وقت الضحى وأما شروقها فطلوعها يقال شرقت الشمس ولما تشرق وعن أم هانئ رضي الله تعالى عنها : [ أنه عليه الصلاة و السلام صلى صلاة الضحى وقال هذه صلاة الإشراق ] وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ما عرفت صلاة الضحى إلا بهذه الآية

19 - { والطير محشورة } إليه من كل جانب وإنما لم يراع المطابقة بين الحالين لأن الحشر جملة أدل على القدرة منه مدرجا وقرئ والطير محشورة بالمبتدأ والخبر { كل له أواب } كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيحه رجاع إلى التسبيح والفرق بينه وبين ما قبله أنه يدل على الموافقة في التسبيح وهذا على المداولة عليها أو كل منهما ومن داود عليه الصلاة و السلام مرجع لله التسبيح

20 - { وشددنا ملكه } وقويناه بالهيبة والنصرة وكثرة الجنود وقرئ بالتشديد للمبالغة قيل : إن رجلا ادعى بقرة على آخر وعجز عن البيان فأوحى إليه أن اقتل المدعى عليه فأعلمه فقال : صدقت إني قتلت أباه وأخذت البقرة فعظمت بذلك هيبته { وآتيناه الحكمة } النبوة أو كما ل العلم وإتقان العمل { وفصل الخطاب } وفصل الخصام بتمييز الحق عن الباطل أو الكلام المخلص الذي ينبه المخاطب على المقصود من غير التباس يراعى فيه مظان الفصل والوصل والعطف والاستئناف والإضمار والحذف والتكرار ونحوها وإنما سمي به أما بعد لأنه يفصل المقصود عما سبق مقدمة له من الحمد والصلاة وقيل هو الخطاب القصد الذي ليس فيه اختصار مخل ولا إشباع ممل كما جاء في وصفه كلام الرسول عليه الصلاة و السلام فصل لا نزر ولا هذر

21 - { وهل أتاك نبأ الخصم } استفهام معناه التعجيب والتشريق إلى استماعه والخصم في الأصل مصدر ولذلك أطلق على الجمع { إذ تسوروا المحراب } إذ تصعدوا سور الغرفة تفعل من السور كتسنم من السنام وإذ متعلق بمحذوف أي نبأ تحاكم الخصم { إذ تسوروا } أو بالنبأ على أن المراد به الواقع في عهد داود عليه الصلاة و السلام وأن إسناد أتى إليه على حذف مضاف أي قصة نبأ الخصم لما فيه من معنى الفعل لا بأتى لأن إتيانه الرسول عليه الصلاة و السلام لم يكن حينئذ { إذ } الثانية في

22 - { إذ دخلوا على داود } بدل من الأولى أو ظرف لـ { ففزع منهم } نزلوا عليه من فوق في يوم الاحتجاب والحرس على الباب لا يتركون من يدخل عليه فإنه عليه الصلاة و السلام كان جزأ زمانه : يوما للعبادة ويوما للوعظ ويوما للاشتغال بخاصته فتسور عليه ملائكة على صورة الإنسان في يوم الخلوة { قالوا لا تخف خصمان } نحن فوجان متخاصمان على تسمية مصاحب الخصم خصما { بغى بعضنا على بعض } و هو على الفرض وقصد التعريض إن كانوا ملائكة وهو المشهور { فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط } ولا تجر في الحكومة وقرئ ولا تشطط أي ولا تبعد عن الحق ولا تشطط ولا تشاط والكل من معنى الشطط وهو من مجاوزة الحد { واهدنا إلى سواء الصراط } أي إلى وسطه وهو العدل

23 - { إن هذا أخي } بالدين أو بالصحبة { له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة } هي الأنثى من الضأن وقد يكنى بها عن المرأة والكناية والتمثيل فيما يساق للتعريض أبلغ في المقصود وقرئ تسع وتسعون بفتح التاء ونعجة بكسر النون وقرأ حفص بفتح ياء { لي نعجة } { فقال أكفلنيها } ملكنيها وحقيقته اجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي وقيل اجعلها كفلي أي نصيبي { وعزني في الخطاب } وغلبني في مخاطبته إياي محاجة بأن جاء بحجاج لم أقدر على رده أو في مغالبته إياي في الخطبة يقال : خطبت المرأة وخطبها هو فخاطبني خطايا حيث زوجها دوني وقرئ وعازني أي غالبني وعزني على تخفيف غريب

24 - { قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه } جواب قسم محذوف قصد به المبالغة في إنكار فعل خليطه وتهجين طمعه ولعه قال ذلك بعد اعترافه أو على تقدير صدق المدعي والسؤال مصدر مضاف إلى مفعوله وتعديته إلى مفعول آخر بإلى لتضمنه معنى الإضافة { وإن كثيرا من الخلطاء } الشركاء الذين خلطوا أموالهم جمع خليط { ليبغي } ليتعدى { بعضهم على بعض } وقرئ بفتح الياء على تقدير النون الخفيفة وحذفها كقوله :
( اضرب عنك الهموم طارقها )
وبحذف الياء اكتفاء بالكسرة { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم } أي وهم قليل و { ما } مزيدة للإبهام والتعجب من قلتهم { وظن داود أنما فتناه } ابتليناه بالذنب أو امتحناه بتلك الحكومة هل يتنبه بها { فاستغفر ربه } لذنبه { وخر راكعا } ساجدا على تسمية السجود ركوعا لأنه مبدؤه أو خر للسجود راكعا أي مصليا كأنه أحرم بركعتي الاستغفار { وأناب } ورجع إلى الله بالتوبة وأقصى ما في هذه القضية الإشعار بأنه عليه الصلاة و السلام ود أن يكون له ما لغيره وكان له أمثاله فنبهه الله بهذه القصة فاستغفر وأناب عنه وما روي أن بصره وقع على امرأة فعشقها وسعى حتى تزوجها وولدت منه سليمان إن صح فلعله خطب مخطوبته أو استنزله عن زوجته وكان ذلك معتادا فيما بينهم وقد واسى الأنصار المهاجرين بهذا المعنى وما قيل إنه أرسل أوريا إلى الجهاد مرارا وأمر أن يقدم حتى قتل فتزوجها هزء وافتراء ولذلك قال علي رضي الله عنه : من حدث بحديث داود عليه السلام على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين وقيل إن قوما قصدوا أن يقتلوه فتسوروا المحراب ودخلوا عليه فوجدوا عنده أقواما فتصنعوا بهذا التحاكم فعلم غرضهم وأراد أن ينتقم منهم فظن أن ذلك ابتلاء من الله له { فاستغفر ربه } مما هم به { وأناب }

25 - { فغفرنا له ذلك } أي ما استغفر عنه { وإن له عندنا لزلفى } لقربه بعد المغفرة { وحسن مآب } مرجع في الجنة

26 - { يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض } استخلفناك على الملك فيها أو جعلناك خليفة ممن قبلك من الأنبياء القائمين بالحق { فاحكم بين الناس بالحق } بحكم الله { ولا تتبع الهوى } ما تهوى النفس وهو يؤيد ما قيل إن ذنبه المبادرة إلى تصديق المدعي وتظليم الآخرة قبل مسألته { فيضلك عن سبيل الله } دلائله التي نصبها على الحق { إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب } بسبب نسيانهم وهو ضلالهم عن السبيل فإن تذكره يقتضي ملازمة الحق ومخالفة الهوى

27 - { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا } ولا حكمة فيه أو ذوي باطل بمعنى مبطلين عابثين كقوله : { وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين } أو الباطل الذي هو متابعة الهوى بل للحق الذي هو مقتضى الدليل من التوحيد والتدرع بالشرع كقوله تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } على وضعه موضع المصدر مثل هنيئا { ذلك ظن الذين كفروا } الإشارة إلى خلقها باطلا والظن بمعنى المظنون { فويل للذين كفروا من النار } بسبب هذا الظن

28 - { أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض } { أم } منقطعة والاستفهام فيها لإنكار التسوية بين الحزبين التي هي من لوازم خلقها باطلا ليدل على نفيه وكذا التي في قوله : { أم نجعل المتقين كالفجار } كأنه أنكر التسوية أولا بين المؤمنين والكافرين ثم بين المتقين من المؤمنين والمجرمين منهم ويجوز أن يكون تكريرا للإنكار الأول باعتبار وصفين آخرين يمنعان التسوية من الحكيم الرحيم والآية تدل على صحة القول بالحشر فإن التفاضل بينهما إما أن يكون في الدنيا والغالب فيها عكس ما يقتضي الحكمة فيه أو في غيرها وذلك يستدعي أن يكون لهم حالة أخرى يجازون بها

29 - { كتاب أنزلناه إليك مبارك } نفاع وقرئ بالنصب على الحال { ليدبروا آياته } ليتفكروا فيها فيعرفوا ما يدبر ظاهرها من التأويلات الصحيحة والمعاني المستنبطة وقرئ ليتدبروا على الأصل ولتدبروا أي أنت وعلماء أمتك { وليتذكر أولو الألباب } وليتعظ به ذوو العقول السليمة أو ليستحضروا ما هو كالمركوز في عقولهم من فرط تمكنهم من معرفته بما نصب عليه من الدلائل فإن الكتب الإلهية بيان لما لا يعرف إلا من الشرع وإرشاد إلى ما يستقل به العقل ولعل التدبر للمعلوم الأول والتذكر الثاني

30 - { ووهبنا لداود سليمان نعم العبد } أي نعم العبد سليمان إذ ما بعده تعليل للمدح وهو في حاله { إنه أواب } رجاع إلى الله بالتوبة أو إلى التسبيح مرجع له

31 - { إذ عرض عليه } ظرف لـ { أواب } أو لـ { نعم } والضمير لـ { سليمان } عند الجمهور { بالعشي } بعد الظهر { الصافنات } الصافن من الخيل الذي يقوم على طرف سنبك يد أو رجل وهو من الصفات المحمودة في الخيل الذي لا يكاد يكون إلا في العراب الخلص { الجياد } جمع جواد أو جود وهو الذي يسرع في جريه وقيل الذي يجود في الركض وقيل جمع جيد [ روي أنه عليه الصلاة و السلام غزا دمشق ونصيبين وأصاب ألف فرس وقيل أصابها أبوه من العمالقة فورثها منه فاستعرضها فلم تزل تعرض عليه حتى غربت الشمس وغفل عن العصر أو عن ورد كان له فاغتم لما فاته فاستردها فعقرها تقربا لله ]

32 - { فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي } أصل { أحببت } أن يعدى بعلى لأنه بمعنى آثرت لكن لما أنيب مناب أنبت عدي تعديته وقيل هو بمعنى تقاعدت من قوله :
( مثل بعير السوء إذا أحبا )
أي برك و { حب الخير } مفعول له والخير المال الكثير والمراد به الخيل التي شغلته ويحتمل أنه سماها خيرا لتعلق الخير بها قال عليه الصلاة و السلام [ الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة ] وقرأ ابن كثير و نافع و أبو عمرو بفتح الياء { حتى توارت بالحجاب } أي غربت الشمس شبه غروبها بتواري المخبأة بحجابها وإضمارها من غير ذكر لدلالة العشي عليها

33 - { ردوها علي } الضمير لـ { الصافنات } { فطفق مسحا } فأخذ بمسح السيف مسحا { بالسوق والأعناق } أي بسوقها وأعناقها يقطعها من قولهم مسح علاوته إذا ضرب عنقه وقيل جعل يمسح بيده أعناقها وسوقها حبالها وعن ابن كثير بالسؤق على همز الواو لضمة ما قبلها كمؤقن وعن أبي عمرو بالسؤوق وقرئ بالساق اكتفاء بالواحد عن الجمع لأمن الالباس

34 - { ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب } وأظهر ما قيل فيه ما روي مرفوعا [ أنه قال : لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تأتي كل واحدة بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل إن شاء الله فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة جاءت بشق رجل فوالذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا فرسانا ] وقيل ولد له ابن فاجتمعت الشياطين على قتله فعلم ذلك فكان يغدوه في السحاب فما شعر به إلا أن ألقي على كرسيه ميتا فتنبه على خطئه بأن لم يتوكل على الله وقيل إنه غزا صيدون من الجزائر فقتل ملكها وأصاب ابنته جرادة فأحبها وكان لا يرقأ دمعها على أبيها فأمر الشياطين فمثلوا لها صورته فكانت تغدو إليها وتروح مع ولائدها يسجدن لها كعادتهن في ملكه فأخبره آصف فكسر الصورة وضرب المرأة وخرج إلى الفلاة باكيا متضرعا وكانت له أم ولد اسمها أمينة إذا دخل للطهارة أعطاها خاتمه وكان ملكه فيه فأعطاها يوما فتمثل لها بصورته شيطان اسمه صخر وأخذ الخاتم وتختم به وجلس على كرسيه فاجتمع عليه الخلق ونفذ حكمه في كل شيء إلا في نسائه وغير سليمان عن هيئته فأتاها لطلب الخاتم فطردته فعرف أن الخطيئة قد أدركته فكان يدور على البيوت يتكفف حتى مضى أربعون يوما عدد ما عبدت الصورة في بيته فطار الشيطان وقذف الخاتم في البحر فابتلعته سمكة فوقعت في يده فبقر بطنها فوجد الخاتم فتختم به وخر ساجدا وعاد إليه الملك فعلى هذا الجسد صخر سمي به وهو جسم لا روح فيه لأنه كان متمثلا بما لم يكن كذلك والخطيئة تغافله عن حال أهله لأن اتخاذ التماثيل كان جائزا حينئذ وسجود بغير علمه لا يضره

35 - { قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي } لا يتسهل له ولا يكون ليكون معجزة لي مناسبة لحالي أو لا ينبغي لأحد أن يسلبه مني بعد هذه السلبة أو لا يصح لأحد من بعدي لعظمه كقولك : لفلان ما ليس لأحد من الفضل والمال على إرادة وصف الملك بالعظمة لا أن لا يعطى مثله فيكون منافسة وتقديم الاستغفار على الاستيهاب لمزيد اهتمامه بأمر الدين ووجوب تقديم ما يجعل للدعاء بصدد الإجابة وقرأ نافع و أبو عمرو وبفتح الياء { إنك أنت الوهاب } المعطي ما تشاء لمن تشاء

36 - { فسخرنا له الريح } فذللناها لطاعته إجابة لدعوته وقرئ الرياح { تجري بأمره رخاء } لينة من الرخاوة لا تزعزع أو لا تخالف إرادته كالمأمور المنقاد { حيث أصاب } أراد من قولهم أصاب الصواب فأخطأ الجواب

37 - { والشياطين } عطف على { الريح } { كل بناء وغواص } بدل منه

38 - { وآخرين مقرنين في الأصفاد } عطف على كل كأنه فصل الشياطين إلى عملة استعملهم في الأعمال الشاقة كالبناء والغوص ومردة قرن بعضهم مع بعض في السلاسل ليكفوا عن الشر ولعل أجسامهم شفافة صلبة فلا ترى ويمكن تقييدها هذا والأقرب إذ المراد تميل كفهم عن الشرور بالإقران في الصفد وهو القيد وسمي به العطاء لأنه يرتبط به المنعم عليه وفرقوا بين فعليهما فقالوا صفده قيده وأصفده أعطاه عكس وعد وأوعد وفي ذلك نكتة

39 - { هذا عطاؤنا } أي هذا الذي أعطيناك من الملك والبسطة والتسلط على ما لم يسلط به غيرك عطائنا { فامنن أو أمسك } فاعط من شئت وامنع من شئت { بغير حساب } حال من المستكن في الأمر أي غير محاسب على منه وإمساكه لتفويض التصرف فيه إليك أو من العطاء أو صلة له وما بينهما اعتراض والمعنى أنه عطاء جم لا يكاد يمكن حصره وقيل الإشارة إلى تسخير الشياطين والمراد بالمن والإمساك إطلاقهم وإبقاءهم في القيد

40 - { وإن له عندنا لزلفى } في الآخرة مع ما له من الملك العظيم في الدنيا { وحسن مآب } هو الجنة

41 - { واذكر عبدنا أيوب } هو ابن عيص بن إسحاق وامرأته ليا بنت يعقوب صلوات الله عليه { إذ نادى ربه } بدل من { عبدنا } و { أيوب } عطف بيان له { أني مسني } بأن مسني وقرأ حمزة بإسكان الياء وإسقاطها في الوصل { الشيطان بنصب } بتعب { وعذاب } ألم وهي حكاية لكلامه الذي ناداه به ولولا هي لقال إنه مسه والإسناد إلى { الشيطان } إما لأن الله مسه بذلك لما فعل بوسوسته كما قيل إنه أعجب بكثرة ماله أو استغاثة مظلوم فلم يغثه أو كانت مواشيه في ناحية ملك كافر فداهنه ولم يغزه أو لسؤله امتحانا لصبره فيكون اعترافا بالذنب أو مراعاة للأدب أو لأنه وسوس إلى أتباعه حتى رفضوه وأخرجوه من ديارهم أو لأن المراد بالنصب والعذاب ما كان يوسوس إليه في مرضه من عظم البلاء والقنوط من الرحمة ويغريه على الجزع وقرأ يعقوب بفتح النون على المصدر وقرئ بفتحتين وهو لغة كالرشد وبضمتين للتثقيل

42 - { اركض برجلك } حكاية لما أجيب به أي اضرب برجلك الأرض { هذا مغتسل بارد وشراب } أي فضربها فنبعت عن فقيل هذا مغتسل أي ماء تغتسل به وتشرب منه فيبرأ باطنك وظاهرك وقيل نبعث عينان حارة وباردة فاغتسل من الحارة واشرب من الأخرى

43 - { ووهبنا له أهله } بأن جمعناهم عليه بعد تفرقهم أو أحييناهم بعد موتهم وقيل وهبنا له مثلهم { ومثلهم معهم } حتى كان له ضعف ما كان { رحمة منا } لرحمتنا عليه { وذكرى لأولي الألباب } وتذكيرا لهم لينتظروا الفرج بالصبر واللجأ إلى الله فيما يحيق بهم

44 - { وخذ بيدك ضغثا } عطف على اركض والضغث الحزمة الصغيرة من الحشيش ونحوه { فاضرب به ولا تحنث } روي أن زوجته ليا بنت يعقوب وقيل رحمة بنت افراثيم بن يوسف ذهبت لحاجة فأبطأت فحلف إن برئ ضربها مائة ضربة فحلل الله يمينه بذلك وهي رخصة باقية في الحدود { إنا وجدناه صابرا } فيما أصابه في النفس والأهل والمال ولا يخل به شكواه إلى الله من الشيطان فإنه لا يسمى جزعا كتمني العافية وطلب الشفاء مع أنه قال ذلك خيفة أن يفتنه أو قومه في الدين { نعم العبد } أيوب { إنه أواب } مقبل بشراشره على الله تعالى

45 - { واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب } وقرأ ابن كثير عبدنا وضع الجنس موضع الجمع أو على أن { إبراهيم } وحده لمزيد شرفه عطف بيان له { وإسحاق ويعقوب } عطف عليه { أولي الأيدي والأبصار } أولي القوة في الطاعة والبصيرة في الدين أو أولي الأعمال الجليلة والعلوم الشريفة فعبر بالأيدي عن الأعمال لأن أكثرها بمباشرتها وبالأبصار عن المعارف لأنها أقوى مباديها وفيه تعريض بالبطلة الجهال أنهم كالزمنى والعماة

46 - { إنا أخلصناهم بخالصة } جعلناهم خالصين لنا بخصلة خالصة لا شوب فيها هي : { ذكرى الدار } تذكرهم الدار الآخرة دائما فإن خلوصهم في الطاعة بسببها وذلك لأن مطمح نظرهم فيما يأتون ويذرون جوار الله والفوز بلقائه وذلك في الآخرة وإطلاق { الدار } للاشعار بأنها الدار الحقيقية والدنيا معبر وأضاف نافع و هشام { بخالصة } إلى { ذكرى } للبيان أو لأنه مصدر بمعنى الخلوص فأضيف إلى فاعله

47 - { وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار } لمن المختارين من أمثالهم المصطفين عليهم في الخير جمع خير كشر وأشرار وقيل جمع خير أو خير على تخفيفه كأموات في جمع ميت أو ميت

48 - { واذكر إسماعيل واليسع } هو ابن أخطوب استخلفه إلياس على بني إسرائيل ثم استنبئ واللام فيه كما في قوله :
( رأيت الوليد بن اليزيد مباركا )
وقرأ حمزة و الكسائي ولليسع تشبيها بالمنقول من ليسع من اللسع { وذا الكفل } ابن عم يسع أو بشر بن أيوب واختلف في نبوته لقبه فقيل فر إليه مائة نبي من بني إسرائيل من القتل فآواهم وكلفهم وقيل كفل بعمل رجل صالح كان يصلى كل يوم مائة صلاة { وكل } أي وكلهم { من الأخيار }

49 - { هذا } إشارة إلى ما تقدم من أمورهم { ذكر } شرف لهم أو نوع من الذكر وهو القرآن ثم شرع في بيان ما أعد لهم ولأمثالهم فقال : { وإن للمتقين لحسن مآب } مرجع

50 - { جنات عدن } عطف بيان { لحسن مآب } وهو من الأعلام الغالبة لقوله { جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب } وانتصب عنها { مفتحة لهم الأبواب } على الحال والعامل فيها ما في المتقين من معنى الفعل وقرئتا مرفوعتين على الابتداء والخبر أو أنهما خبران لمحذوف

51 - { متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب } حالان متعاقبان أو متداخلان من الضمير في لهم لا من المتقين للفصل والأظهر أن يدعون استئناف لبيان حالهم فيها ومتكئين حال من الضمير والاقتصار على الفاكهة للإشعار بأن مطاعمهم لمحض التلذذ فإن التغذي للتحلل ولا تحلل ثمة

52 - { وعندهم قاصرات الطرف } لا ينظرون إلى غير أزواجهن { أتراب } لذات لهم فإن التحاب بين الأقران أثبت أو بعضهم لبعض لا عجوز فيهن ولا صبية واشتقاقه من التراب فإنه يمسهن في وقت واحد

53 - { هذا ما توعدون ليوم الحساب } لآجاله فإن الحساب علة الوصول إلى الجزاء وقرأ ابن كثير و أبو عمرو بالياء ليوافق ما قبله

54 - { إن هذا لرزقنا ما له من نفاد } انقطاع

55 - { هذا } أي الأمر هذا أو هذا كما ذكر أوخذ هذا { وإن للطاغين لشر مآب }

56 - { جهنم } إعرابه ما سبق { يصلونها } حال من جهنم { فبئس المهاد } المهد والمفترش مستعار من فراش النائم والمخصوص بالذم محذوف وهو { جهنم } لقوله { لهم من جهنم مهاد }

57 - { هذا فليذوقوه } أي ليذوقوا هذا فليذوقوه أو العذاب هذا فليذوقوه ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره : { حميم وغساق } وهو على الأولين خبر محذوف أي هو { حميم } والغساق ما يغسق من صديد أهل النار من غسقت العين إذا سال دمعها وقرأ حفص و حمزة و الكسائي غساق بتشديد السين

58 - { وآخر } أي مذوق أوعذاب آخر وقرأ البصريان وأخرى أي ومذوقات أو أنواع عذاب أخر { من شكله } من مثل هذا المذوق أو العذاب في الشدة وتوحيد الضمير على أنه لما ذكر أو للشراب الشامل للحميم والغساق أو للغساق وقرئ بالكسر وهو لغة { أزواج } أجناس خبر ل { آخر } أو صفة له أو للثلاثة أو مرتفع بالجار والخبر محذوف مثل لهم

59 - { هذا فوج مقتحم معكم } حكاية ما يقال للرؤساء الطاغين إذا دخلوا النار واقتحمها معهم فوج تبعهم في الضلال والاقتحام ركوب الشدة والدخول فيها { لا مرحبا بهم } دعاء من المتبوعين على أتباعهم أو صفة ل { فوج } أو حال أي مقولا فيهم لا مرحبا أي ما أتوا بهم رحبا وسعة { إنهم صالوا النار } داخلون النار بأعمالهم مثلنا

60 - { قالوا } أي الأتباع للرؤساء { بل أنتم لا مرحبا بكم } بل أنتم أحق بما قلتم أو قيل لنا لضلالكم وإضلالكم كما قالوا { أنتم قدمتموه لنا } قدمتم العذاب أو الصلي لنا بإغوائنا وإغرائنا على ما قدمتموه من العقائد الزائغة والأعمال القبيحة { فبئس القرار } فبئس المقر جهنم

61 - { قالوا } أي الأتباع أيضا { ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار } مضاعفا أي ذا ضعف وذلك أن يزيد على عذابه مثله فيصير ضعفين كقوله { ربنا آتهم ضعفين من العذاب }

62 - { وقالوا } أي الطاغوت { ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار } يعنون فقراء المسلمين الذين يسترذلون ويسخرون بهم

63 - { أتخذناهم سخريا } صفة أخرى ل { رجالا } وقرأ الحجازيان و ابن عامر و عاصم بهمزة الاستفهام على أنه إنكار على أنفسهم وتأنيب لها في الاستسخار منهم وقرأ نافع و حمزة و الكسائي { سخريا } بالضم وقد سبق مثله في المؤمنين { أم زاغت } مالت { عنهم الأبصار } فلا نراهم { أم } معادلة ل { ما لنا لا نرى } على أن المراد نفي رؤيتهم لغيبتهم كأنهم قالوا : أليسوا ها هنا أم زاغت عنهم أبصارنا أو لاتخذناهم على القراءة الثانية بمعنى أي الأمرين فعلنا بهم الاستسخار منهم أم تحقيرهم فإن زيغ الأبصار كناية عنه على معنى إنكارهما على أنفسهم أو منقطعة والمراد الدلالة على أن استرذالهم والاستسخار منهم كان لزيغ أبصارهم وقصور أنظارهم على رثاثة حالهم

64 - { إن ذلك } الذي حكيناه عنهم { لحق } لا بد أن يتكلموا به ثم بين ما هو فقال : { تخاصم أهل النار } وهو بدل من لحق أو خبر محذوف وقرئ بالنصب على البدل من ذلك

65 - { قل } يا محمد للمشركين { إنما أنا منذر } أنذركم عذاب الله { وما من إله إلا الله الواحد } الذي لا يقبل الشركة والكثرة في ذاته { القهار } لكل شيء يريد قهره

66 - { رب السموات والأرض وما بينهما } منه خلقها وأليه أمرها { العزيز } الذي لا يغلب إذا عاقب { الغفار } الذي يغفر ما يشاء من الذنوب لمن يشاء وفي هذه الأوصاف تقرير للتوحيد ووعد ووعيد للموحدين والمشركين وتثنية ما يشعر بالوعيد وتقديمه لأن المدعو به هو الإنذار

67 - { قل هو } أي ما أنبأتكم به من أني نذير من عقوبة من هذه صفته وأنه واحد في ألوهيته وقيل ما بعده من نبأ آدم { نبأ عظيم }

68 - { أنتم عنه معرضون } لتمادي غفلتكم فإن العاقل لا يعرض عن مثله كيف وقد قامت عليه الحجج الواضحة أما على التوحيد فما مر وأما على النبوة فقوله :

69 - { ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون } فإن إخباره عن تقاول الملائكة وما جرى بينهم على ما ورد في الكتب المتقدمة من غير سماع ومطالعة كتاب لا يتصور إلا بالوحي و { إذ } متعلق ب { علم } أو بمحذوف إذ التقرير من علم بكلام الملأ الأعلى

70 - { إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين } أي لأنما كأنه لما جوز أن الوحي يأتيه بين بذلك ما هو المقصود به تحقيقا لقوله { إنما أنا منذر } ويجوز أن يرتفع بإسناد يوحى إليه وقرئ إنما بالكسر على الحكاية

71 - { إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين } بدل من { إذ يختصمون } مبين له فإن القصة التي دخلت إذ عليها مشتملة على تقاول الملائكة وإبليس في خلق آدم عليه السلام واستحقاقه للخلافة والسجود على ما مر في البقرة غير أنها اختصرت اكتفاء بذلك واقتصارا على ما هو المقصود منها وهو إنذار المشركين على استكبارهم على النبي عليه الصلاة و السلام بمثل ما حاق بإبليس على استكباره على آدم عليه السلام هذا ومن الجائز أن يكون مقاولة الله تعالى إياهم بواسطة ملك وأن يفسر الملأ الأعلى ما يعم الله تعالى والملائكة

72 - { فإذا سويته } عدلت خلقته { ونفخت فيه من روحي } وأحييته بنفخ الروح فيه وإضافته إلى نفسه لشرفه وطهارته { فقعوا له } فخروا له { ساجدين } تكرمه وتبجيلا له وقد مر من الكلام فيه في البقرة

73 - { فسجد الملائكة كلهم أجمعون }

74 - { إلا إبليس استكبر } تعظم { وكان } وصار { من الكافرين } باستنكاره أمر الله تعالى واستكباره عن المطاوعة أو كان منهم في علم الله تعالى

75 - { قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي } خلقته بنفسي من غير توسط كأب وأم والتنبيه لما في خلقه من مزيد القدرة واختلاف الفعل وقرئ على التوحيد وترتيب الإنكار عليه للإشعار بأنه المستدعي للتعظيم أو بأنه الذي تشبث به في تركه وهو لا يصلح مانعا إذ للسيد أن يستخدم بعض عبيده لبعض سيما وله مزيد اختصاص { أستكبرت أم كنت من العالين } تكبرت من غير استحقاق أو كنت ممن علا واستحق التفوق وقيل استكبرت الآن أم لم تزل منذ كنت من المستكبرين وقرئ { استكبرت } بحذف الهمزة لدلالة { أم } عليها أو بمعنى الإخبار

76 - { قال أنا خير منه } إبداء للمانع وقوله : { خلقتني من نار وخلقته من طين } دليل عليه وقد سبق الكلام فيه

77 - { قال فاخرج منها } من الجنة أو من السماء أو من الصورة الملكية { فإنك رجيم } مطرود من الرحمة ومحل الكرامة

78 - { وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين }

79 - { قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون }

80 - { قال فإنك من المنظرين }

81 - { إلى يوم الوقت المعلوم } مر بيانه في الحجر

82 - { قال فبعزتك } فبسلطانك وقهرك { لأغوينهم أجمعين }

83 - { إلا عبادك منهم المخلصين } الذين أخلصهم الله لطاعته وعصمهم من الضلالة أو أخلصوا قلوبهم لله على اختلاف القراءتين

84 - { قال فالحق والحق أقول } أي فأحق الحق وأقوله وقيل الحق الأول اسم الله نصبه بحذف حرف القسم كقوله :
( إن عليك الله أن تبايعا )
وجوابه

85 - { لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } وما بينهما اعتراض وهو على الأول جواب محذوف والجملة تفسير ل { الحق } المقول وقرأ عاصم و حمزة يرفع الأول على الابتداء أي الحق يميني أو قسمي أو الخبر أي أنا { الحق } وقرئا مرفوعين على حذف الضمير من أقول كقوله : كله لم أصنع ومجرورين على إضمار حرف القسم في الأول وحكاية لفظ المقسم به في الثاني للتأكيد وهو سائغ فيه إذا شارك الأول وبرفع الأول وجره ونصب الثاني وتخريجه على ما ذكرناه والضمير في منهم للناس إذ الكلام فيهم والمراد بمنك من جنسك ليتناول الشياطين وقيل للثقلين وأجمعين بأكيد له أو للضميرين

86 - { قل ما أسألكم عليه من أجر } أي على القرآن أو تبليغ الوحي { وما أنا من المتكلفين } المتصفين بما ليسوا من أهله على ما عرفتم من حالي فأنتحل النبوة وأتقول القرآن

87 - { إن هو إلا ذكر } عظة { للعالمين } للثقلين

88 - { ولتعلمن نبأه } وهو ما فيه من الوعد والوعيد أو صدقه بإتيان ذلك { بعد حين } بعد الموت أو يوم القيامة أو عند ظهور الإسلام وفيه تهديد
وعن النبي صلى الله عليه و سلم [ من قرأ سورة ( ص ) كان له بوزن كل جبل سخره الله لداود عشر حسنات وعصمه الله أن يصر على ذنب صغير أو كبير ]

1 - { تنزيل الكتاب } خبر محذوف مثل هذا أو مبتدأ خبره { من الله العزيز الحكيم } وهو على الأول صلة ل { تنزيل } أو خبر ثان أو حال عمل فيها الإشارة أو ل { تنزيل } والظاهر أن { الكتاب } على الأول السورة وعلى الثاني القرآن وقرئ تنزيل بالنصب على إضمار فعل نحو اقرأ أ و الزم

2 - { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق } ملتبسا بالحق أو بسبب إثبات الحق وإظهاره وتفصيله { فاعبد الله مخلصا له الدين } ممحصا له الدين من الشرك والرياء وقرئ برفع الدين عن الاستئناف لتعليل الأمر وتقديم الخبر لتأكيد الاختصاص المستفاد من اللام كما صرح به مؤكدا وإجراؤه مجرى المعلوم المقرر لكثرة حججه وظهور براهينه فقال :

3 - { ألا لله الدين الخالص } أي ألا هو الذي وجب اختصاصه بأن يخلص له الطاعة فإنه المتفرد بصفات الألوهية والاطلاع على الأسرار والضمائر { والذين اتخذوا من دونه أولياء } يحتمل المتخذين من الكفرة والمتخذين من الملائكة وعيسى والأصنام على حذف الراجع وإضمار المشركين من غير ذكر لدلالة المساق عليهم وهو مبتدأ خبره على الأول { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } بإضمار القول { إن الله يحكم بينهم } وهو متعين على الثاني وعلى هذا يكون القول المضمر بما في حيزه حالا أو بدلا من الصلة و { زلفى } مصدر أو حال وقرئ قالوا ما نعبدهم و ما نعبدكم إلا لتقربونا إلى الله حكاية لما خاطبوا به آلهتهم و { نعبدهم } بضم النون اتباعا { في ما هم فيه يختلفون } من الدين بإدخال المحق الجنة والمبطل النار والضمير للكفرة ومقابلتهم وقيل لهم ولمعبوديهم فإنهم يرجون شفاعتهم وهم يلعنونها { إن الله لا يهدي } لا يوفق للاهتداء إلى الحق { من هو كاذب كفار } فإنهما فاقدا البصيرة

4 - { لو أراد الله أن يتخذ ولدا } كما زعموا { لاصطفى مما يخلق ما يشاء } إذ لا موجود سواه إلا هو مخلوقه لقيام الدلالة على امتناع وجود واجبين ووجوب استناد ما عدا الواجب إليه ومن البين أن المخلوق لا يماثل الخالق فيقوم مقام الوالد له ثم قرر ذلك بقوله : { سبحانه هو الله الواحد القهار } فإن الألوهية الحقيقية تتبع الوجوب المستلزم للواحدة الذاتية وهي تنافي المماثلة فضلا عن التوالد لأن كل واحد من المثلين مركب من الحقيقة المشتركة ن والتعين المخصوص والقهارية المطلقة تنافي قبول الزوال المحوج إلى الولد ثم استدل على ذلك بقوله :

5 - { خلق السموات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل } يغشى كل واحد منهما الآخر كأنه يلفه عليه لف اللباس باللابس أو يغيبه به كما يغيب الملفوف باللفافة أو يجعله كارا عليه كرورا متتابعا تتابع أكوار العمامة { وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى } هو منتهى دوره أو منقطع حركته { ألا هو العزيز } القادر على كل ممكن الغالب على كل شيء { الغفار } حيث لم يعاجل بالعقوبة وسلب ما في هذه الصنائع من الرحمة وعموم المنفعة

6 - { خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها } استدلال آخر بما أوجده في العالم السفلي مبدوء به من خلق الإنسان لأنه أقرب وأكثر دلالة وأعجب وفيه ما ذكره ثلاث دلالات : خلق آدم أولا من غير أب و أم ثم خلق حواء من قصيراه ثم تشعيب الخلق الفائت للحصر منهما و { ثم } للعطف على محذوف هو صفة { نفس } مثل خلقها أو على معنى واحدة أي من نفس وحدت ثم جعل منها زوجها فشفعها بها أو على { خلقكم } لتفاوت ما بين الآيتين فإن الأولى عادة مستمرة دون الثانية وقيل أخرج من ظهره ذريته كالذر ثم خلق منها حواء { وأنزل لكم } وقضى أو قسم لكم فإن قضاياه وقسمه توصف بالنزول من السماء حيث كتبت في اللوح المحفوظ أو أحدث لكم بأسباب نازلة كأشعة الكواكب والأمطار { من الأنعام ثمانية أزواج } ذكر و أنثى من الإبل والبقر والضأن والمعز { يخلقكم في بطون أمهاتكم } بيان لكيفية ما ذكر من الأناسي والأنعام إظهارا لما فيها من عجائب القدرة غير أنه غلب أولي العقل أو خصهم بالخطاب لأنهم المقصودون { خلقا من بعد خلق } حيوانا سويا من بعد عظام مكسوة لحما من بعد عظام عارية من بعد مضغ من بعد علق من بعد نطف { في ظلمات ثلاث } ظلمة البطن والرحم والمشيمة أو الصلب والرحم والبطن { ذلكم } الذي هذه أفعاله { الله ربكم } هو المستحق لعبادتكم والمالك { له الملك لا إله إلا هو } إذ لا يشاركه في الخلق غيره { فأنى تصرفون } يعدل بكم عن عبادته إلى الإشراك

7 - { إن تكفروا فإن الله غني عنكم } عن إيمانكم { ولا يرضى لعباده الكفر } لاستضرارهم به رحمة عليهم { وإن تشكروا يرضه لكم } لأنه سبب فلا حكم وقرأ ابن كثير و نافع في رواية و أبو عمرو و الكسائي بإشباع ضمة الهاء لأنها صارت بحذف الألف موصولة بمتحرك وعن أبي عمرو و يعقوب إسكانها وهو لغة فيها { ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون } بالمحاسبة والمجازاة { إنه عليم بذات الصدور } فلا تخفى عليه خافية من أعمالكم

8 - { وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه } لزوال ما ينازع العقل في الدلالة على أن مبدأ الكل منه { ثم إذا خوله } أعطاه من الخول وهو التعهد أو الخول وهو الافتخار { نعمة منه } من الله { نسي ما كان يدعو إليه } أي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه أو ربه الذي كان يتضرع إليه و { ما } مثل الذي في قوله : { وما خلق الذكر والأنثى } { من قبل } من قبل النعمة { وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله } وقرأ ابن كثير و أبو عمرو و رويس بفتح الياء والضلال لما كانا نتيجة جعله صح تعليله بهما وإن لم يكونا غرضين { قل تمتع بكفرك قليلا } أمر تهديد فيه إشعار بأن الكفر نوع تشه لا سند له وإقناط للكافرين من التمتع في الآخرة ولذلك علله بقوله : { إنك من أصحاب النار } على سبيل الاستئناف للمبالغة

9 - { أمن هو قانت } قائم بوظائف الطاعات { آناء الليل } ساعاته وأم متصلة بمحذوف تقديره الكافر خير أم من هو قانت أو منقطعة والمعنى بل { أمن هو قانت } كمن هو بضده وقرأ الحجازيان و حمزة بتخفيف الميم بمعنى أمن هو قانت لله كمن جعل له أندادا { ساجدا وقائما } حالان من ضمير { قانت } وقرئا بالرفع على الخبر بعد الخبر والواو للجمع بين الصفتين { يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه } في موضع الحال أو الاستئناف للتعليل { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } نفى لاستواء الفريقين باعتبار القوة العلمية بعد نفيه باعتبار القوة العملية على وجه أبلغ لمزيد فضل العلم وقيل تقرير للأول على سبيل التشبيه أي كما لا يستوي العالمون والجاهلون لا يستوي القانتون والعاصون { إنما يتذكر أولو الألباب } بأمثال هذه البيانات وقرئ يذكر بالإدغام

10 - { قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم } بلزوم طاعته { للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة } أي للذين أحسنوا بالطاعات في الدنيا مثوبة حسنة في الآخرة وقيل معناه للذين أحسنوا حسنة في الدنيا هي الصحة والعافية وفي هذه بيان لمكان { حسنة } { وأرض الله واسعة } فمن تعسر عليه التوفر على الإحسان في وطنه فليهاجر إلى حيث يتمكن منه { إنما يوفى الصابرون } على مشاق الطاعات من احتمال البلاء ومهاجرة الأوطان لها { أجرهم بغير حساب } أجرا لا يهتدي إليه حساب الحساب وفي الحديث إنه [ ينصب الموازين يوم القيامة لأهل الصلاة والصدقة والحج فيوفون بها أجورهم ولا ينصب لأهل البلاء بل يصب عليهم الأجر صبا حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل ]

11 - { قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين } موحدا له

12 - { أمرت وأنا أول المسلمين } وأمرت بذلك لأجل أن أكون مقدمهم في الدنيا والآخرة لأن قصب السبق في الدين بالإخلاص أو لأنه أول من أسلم وجهه لله من قريش ومن دان بدينهم والعطف لمغايرة الثاني الأول بتقييده بالعلة والإشعار بأن العبادة المقرونة بالإخلاص وإن اقتضت لذاتها أن يؤمر بها فهي أيضا تقتضيه لما يلزمها من السبق في الدين ويجوز أن تجعل اللام مزيدة كما في أردت لأن أفعل فيكون أمر بالتقدم في الإخلاص والبدء بنفسه في الدعاء إليه بعد الأمر به

13 - { قل إني أخاف إن عصيت ربي } بترك الإخلاص والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك والرياء { عذاب يوم عظيم } لعظمة ما فيه

14 - { قل الله أعبد مخلصا له ديني } أمر بالإخبار عن إخلاصه وأن يكون مخلصا له دينه بعد الأمر بالإخبار عن كونه مأمورا بالعبادة والإخلاص خائفا عن المخالفة من العقاب قطعا لأطماعهم ولذلك رتب عليه قوله :

15 - { فاعبدوا ما شئتم من دونه } تهديدا وخذلانا لهم { قل إن الخاسرين } الكاملين في الخسران { الذين خسروا أنفسهم } بالضلال { وأهليهم } بالإضلال { يوم القيامة } حين يدخلون النار بدل الجنة لأنهم جمعوا وجوه الخسران وقيل وخسروا أهليهم لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم وإن كانوا من أهل الجنة فقد ذهبوا عنهم ذهابا لا رجوع بعده { ألا ذلك هو الخسران المبين } مبالغة في خسرانهم لما فيه من الاستئناف والتصدير ب { ألا } وتوسيط الفصل وتعريف الخسران ووصفه ب { المبين }

61 - { لهم من فوقهم ظلل من النار } شرح لخسرانهم { ومن تحتهم ظلل } أطباق من النار هي ظلل للآخرين { ذلك يخوف الله به عباده } ذلك العذاب هو الذي يخوفهم به ليتجنبوا ما يوقعهم فيه { يا عباد فاتقون } ولا تتعرضوا لا يوجب سخطي

17 - { والذين اجتنبوا الطاغوت } البالغ غاية الطغيان فعلوت منه بتقديم اللام على العين بني للمبالغة في المصدر كالرحموت ثم وصف به للمبالغة في النعت ولذلك اختص بالشيطان { أن يعبدوها } بدل اشتمال منه { وأنابوا إلى الله } وأقبلوا إليه بشراشرهم عما سواه { لهم البشرى } بالثواب على ألسنة الرسل أو الملائكة عند حضور الموت { فبشر عباد }

18 - { الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } وضع فيه الظاهر موضع ضمير { الذين اجتنبوا } للدلالة على مبدأ اجتنابهم وأنهم نقاد في الدين يميزون بين الحق والباطل ويؤثرون الأفضل فالأفضل { أولئك الذين هداهم الله } لدينه { وأولئك هم أولو الألباب } العقول السلمية عن منازعة الوهم والعادة وفي ذلك دلالة على أن الهداية تحصل بفعل الله وقبول النفس لها

19 - { أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار } جملة شرطية معطوفة على محذوف دل عليه الكلام تقديره أأنت مالك أمرهم فمن حق عليه العذاب فأنت تنقذه فكررت الهمزة في الجزاء لتأكيد الإنكار والاستبعاد ووضع { من في النار } موضع الضمير لذلك وللدلالة على أن من حكم عليه بالعذاب كالواقع فيه لامتناع الخلف فيه وأن اجتهاد الرسل في دعائهم إلى الإيمان سعي في إنقاذهم من النار ويجوز أن يكون { أفأنت } تنقذ جملة مستأنفة للدلالة على ذلك والإشعار بالجزاء المحذوف

20 - { لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف } علالي بعضها فوق بعض { مبنية } بنيت بناء النازل على الأرض { تجري من تحتها الأنهار } أي من تحت تلك الغرف { وعد الله } مصدر مؤكد لأن قوله { لهم غرف } في معنى الوعد { لا يخلف الله الميعاد } ولأن الخلف نقص وهو على الله محال

21 - { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء } هو المطر { فسلكه } فأدخله { ينابيع في الأرض } هي عيون ومجاري كائنة فيه أو مياه نابعات فيها إذ الينبوع جاء للمنبع وللنابع فنصبها على الظرف أو الحال { ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه } أصنافه من بر وشعير وغيرهما أو كيفياته من خضرة وحمرة وغيرهما { ثم يهيج } يتم جفافه لأنه إذا تم جفافه حان له أن يثور عن منبته { فتراه مصفرا } من يبسه { ثم يجعله حطاما } فتاتا { إن في ذلك لذكرى } لتذكيرا بأنه لا بد من صانع حكيم دبره وسواه أو بأنه مثل الحياة الدنيا فلا تغتر بها { لأولي الألباب } إذ لا يتذكر به غيرهم

22 - { أفمن شرح الله صدره للإسلام } حتى تمكن فيه بيسر عبر به عمن خلق نفسه شديدة الاستعداد لقبوله غير متأبية عنه من حيث إن الصدر محل القلب المنبع للروح المتعلق للنفس القابلة للإسلام { فهو على نور من ربه } يعني المعرفة والاهتداء إلى الحق وعنه عليه الصلاة و السلام [ إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح فقيل فما علامة ذلك قال : الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزوله ] وخبر { من } محذوف دل عيه { فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله } من أجل ذكره وهو أبلغ من أن يكون عن مكان من لأن القاسي من أجل الشيء تأبيا عن قبوله من القاسي عنه لسبب آخر وللمبالغة في وصف أولئك بالقبول وهؤلاء بامتناع ذكر شرح الصدر وأسنده إلى الله وقابلة بقساوة القلب وأسنده إليه { أولئك في ضلال مبين } يظهر للناظر بأدنى نظر والآية نزلت في حمزة وعلي وأبي لهب وولده

23 - { الله نزل أحسن الحديث } يعني القرآن روي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ملوا ملة فقالوا له حدثنا فنزلت وفي الابتداء باسم الله وبناء نزل عليه تأكيد للإسناد إليه وتفخيم للمنزل واستشهاد على حسنه { كتابا متشابها } بدل من { أحسن } أو حال منه وتشابهه تشابه أبعاضه في الإعجاز وتجاوب النظم وصحة المعنى والدلالة على المنافع العامة { مثاني } جمع مثنى أو مثنى أومثن على ما مر في الحجر وصف به كتابا باعتبار تفاصيله كقولك : القرآن سور وآيات والإنسان : عظام وعروق وأعصاب أو جعل تمييزا من { متشابها } كقولك : رأيت رجلا حسنا شمائله { تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم } تشمئز خوفا مما فيه من الوعيد وهو مثل في شدة الخوف واقشعرار الجلد تقبضه وتركيبه من حروف القشع وهو الأديم اليابس بزيادة الراء ليصير رباعيا كتركيب اقمطر من القمط وهو الشد { ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } بالرحمة وعموم المغفرة والإطلاق للإشعار بأن أصل أمره الرحمة وأن رحمته سبقت غضبه والتعدية ب { إلى } لتضمن معنى السكون والاطمئنان وذكر القلوب لتقدم الخشية التي هي من عوارضها { ذلك } أي الكتاب أو الكائن من الخشية والرجاء { هدى الله يهدي به من يشاء } هدايته { ومن يضلل الله } ومن يخذله { فما له من هاد } يخرجهم من الضلال

24 - { أفمن يتقي بوجهه } يجعله درقة يقي به نفسه لأنه يكون يداه مغلولة إلى عنقه فلا يقدر أن يتقي إلا بوجهه { سوء العذاب يوم القيامة } كمن هو آمن منه فحذف الخبر كما حذف في نظائره
{ وقيل للظالمين } أي لهم فوضع الظاهر موضعه تسجيلا عليهم بالظلم وإشعارا بالموجب لما يقال لهم وهو : { ذوقوا ما كنتم تكسبون } أي وباله والواو للحال وقد مقدرة

25 - { كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } من الجهة التي لا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها

26 - { فأذاقهم الله الخزي } الذل { في الحياة الدنيا } كالمسخ والخسف والقتل والسبي والإجلاء { ولعذاب الآخرة } المعد لهم { أكبر } لشدنه ودوامه { لو كانوا يعلمون } لو كانوا من أهل العلم والنظر لعلموا ذلك واعتبروا به

27 - { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل } يحتاج إليه الناظر في أمر دينه { لعلهم يتذكرون } يتعظون به

28 - { قرآنا عربيا } حال من هذا والاعتماد فيها على الصفة كقولك : جاءني زيد رجلا صالحا أو مدح له { غير ذي عوج } لا اختلال فيه بوجه ما وهو أبلغ من المستقيم و أخصر بالمعاني وقيل بالشك استشهادا بقوله :
( وقد أتاك يقين غير ذي عوج ... من الإله وقول غير مكذوب )
وهو تخصيص له ببعض مدلوله { لعلهم يتقون } عله أخرى مرتبة على الأول

29 - { ضرب الله مثلا } للمشرك والموحد { رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل } مثل المشرك على ما يقتضيه مذهبه من أن يدعي كل واحد من معبوديه عبوديته ويتنازعوا فيه بعبد يتشارك فيه جمع يتجاذبونه ويتعاورونه في مهماتهم المختلفة في تحيره وتوزع قلبه والموحد بمن خلص لواحد ليس لغيره عليه سبيل و { رجلا } بدل من مثل وفيه صلة { شركاء } والتشاكس والتشاخص الاختلاف وقرأ نافع و ابن عامر و الكوفيون سلما بفتحتين وقرئ بفتح السين وكسرها مع سكون اللام وثلاثتها مصادر سلم نعت بها أو حذف مها ذا و رجل سالم أي وهناك رجل سالم وتخصيص الرجل لأنه أفطن للضر والنفع { هل يستويان مثلا } صفة وحالا ونصبه على التمييز ولذلك وحده وقرئ مثلين للإشعار باختلاف النوع أو لأن المراد على { يستويان } في الوصفين على أن الضمير للمثلين فإن التقدير مثل رجل ومثل رجل { الحمد لله } كل الحمد له لا يشاركه فيه على الحقيقة سواه لأنه المنعم بالذات والمالك على الإطلاق { بل أكثرهم لا يعلمون } فيشركون به غيره من فرط جهلهم

30 - { إنك ميت وإنهم ميتون } فإن الكل بصدد الموت في عداد الموتى وقرئ مائت و مائتون لأنه مما سيحدث

31 - { ثم إنكم } على تغليب المخاطب على الغيب { يوم القيامة عند ربكم تختصمون } فتحتج عليهم بأنك كنت على الحق في التوحيد وكانوا في الباطل في التشريك واجتهدت في الإرشاد والتبليغ ولجوا في التكذيب والعناد ويعتذرون بالأباطيل مثل { أطعنا سادتنا } و { وجدنا آباءنا } وقيل المراد به الاختصام العام يخاصم الناس بعضهم بعضا فما دار بينهم في الدنيا

32 - { فمن أظلم ممن كذب على الله } بإضافة الولد والشريك إليه { وكذب بالصدق } وهو ما جاء به محمد صلى الله عليه و سلم { إذ جاءه } من غير توقف وتفكر في أمره { أليس في جهنم مثوى للكافرين } وذلك يكفيهم مجازاة لأعمالهم واللام تحتمل العهد والجنس واستدل به على تكفير المبتدعة فإنهم يكذبون بما علم صدقه وهو ضعيف لأنه مخصوص بمن فاجأ ما علم مجيء الرسول به بالتكذيب

33 - { والذي جاء بالصدق وصدق به } اللام للجنس ليتناول الرسل والمؤمنين لقوله : { أولئك هم المتقون } وقيل هو النبي صلى الله عليه و سلم والمراد هو من تبعه كما في قوله تعالى : { ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون } وقيل الجائي هو الرسول والمصدق أبو بكر رضي الله تعالى عنه وذلك يقتضي إضمار الذي هو غير جائز وقرئ وصدق به بالتخفيف أي صدق به الناس فأداه إليهم كما نزل من غير تحريف أو صار صادقا بسببه لأنه معجز يدل على صدقه وصدق به على البناء للمفعول

34 - { لهم ما يشاؤون عند ربهم } في الجنة { ذلك جزاء المحسنين } على إحسانهم

35 - { ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا } خص الأسوأ للمبالغة فإنه إذا كفر كان غيره أولى بذلك أو للإشعار بأنهم لاستعظامهم الذنوب يحسبون أنهم مقصرون مذنبون وأن ما يفرط منهم من الصغائر أسوأ ذنوبهم ويجوز أن يكون بمعنى السيئ كقولهم : الناقص والأشج أعدلا بني مروان وقرئ أسوأ جمع سوء { ويجزيهم أجرهم } ويعطيهم ثوابهم { بأحسن الذي كانوا يعملون } فتعد لهم محاسن أعمالهم بأحسنها في زيادة الأجر وعظمه لفرط إخلاصهم فيها

36 - { أليس الله بكاف عبده } استفهام إنكار للنفي مبالغة في الإثبات والعبد رسول الله صلى الله عليه و سلم ويحتمل الجنس ويؤيده قراءة حمزة و الكسائي عباده وفسر بالأنبياء صلوات الله عليهم { ويخوفونك بالذين من دونه } يعني قريشا فإنهم قالوا له إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا بعيبك إياها وقيل إنه بعث خالدا ليكسر العزى فقال له سادنها أحذركها فإن لها شدة فعمد إليها خالد فهشم أنفها فنزل تخويف خالد منزلة تخويفه لأنه الآمر له بما خوف عليه { ومن يضلل الله } حتى غفل عن كفاية الله له وخوفه بما لا ينفع ولا يضر { فما له من هاد } يهديه إلى الرشاد

37 - { ومن يهد الله فما له من مضل } إذ لا راد لفعله كما قال : { أليس الله بعزيز } غالب منيع { ذي انتقام } ينتقم من أعدائه

38 - { ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله } لوضوح البرهان على تفرده الخالقية { قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره } أي أرأيتم بعد ما تحققتم أن خالق العالم هو الله تعالى وأن آلهتكم إن أراد الله أن يصيبني بضر هل يكشفنه { أو أرادني برحمة } بنفع { هل هن ممسكات رحمته } فيمسكنها عني وقرأ أبو عمرو كاشفات ضره ممسكات رحمته بالتنوين فيهما ونصب ضره ورحمته { قل حسبي الله } كافيا في إصابة الخير ودفع الضر إذ تقرر بهذا التقرير أنه القادر الذي لا مانع لما يريده من خير أو شر روي [ أن النبي عليه الصلاة و السلام سألهم فسكتوا فنزل ذلك ] وإنما قال { كاشفات } و { ممسكات } على ما يصفونها به من الأنوثة تنبيها على كمال ضعفها { عليه يتوكل المتوكلون } لعلمهم بأن الكل منه تعالى

39 - { قل يا قوم اعملوا على مكانتكم } على حالكم اسم للمكان استعير للحال كما استعير هنا وحيث من المكان للزمان وقرئ مكاناتكم { إني عامل } أي على مكانتي فحذف للاختصار والمبالغة في الوعيد والإشعار بأن حاله لا يقف فإنه تعالى يزيده على مر الأيام قوة ونصرة ولذلك توعدهم بكونه منصورا عليهم في الدارين فقال { فسوف تعلمون }

40 - { من يأتيه عذاب يخزيه } فإن خزي أعدائه دليل غلبته وقد أخزاهم الله يوم بدر { ويحل عليه عذاب مقيم } دائم وهو عذاب النار

41 - { إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس } لأجلهم فإنه مناط مصالحهم في معاشهم ومعادهم { بالحق } متلبسا به { فمن اهتدى فلنفسه } إذ نفع به نفسه { ومن ضل فإنما يضل عليها } فإن وبالها لا يتخطاها { وما أنت عليهم بوكيل } وما وكلت عليهم لتجبرهم على الهدى وإنما أمرت بالبلاغ وقد بلغت

42 - { الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها } أي يقبضها عن الأبدان بأن يقطع تعلقها عنها وتصرفها فيها إما ظاهرا أو باطنا وذلك عند الموت أو ظاهرا لا باطنا وهو في النوم { فيمسك التي قضى عليها الموت } ولا يردها إلى البدن وقرأ حمزة و الكسائي قضي بضم القاف وكسر الضاد والموت بالرفع { ويرسل الأخرى } أي النائمة إلى بدنها عند اليقظة { إلى أجل مسمى } هو الوقت المضروب لموته وهو غاية جنس الإرسال وما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أن في ابن آدم نفسا وروحا بينهما مثل شعاع الشمس فالنفس التي بها العقل والتمييز الروح التي بها النفس والحياة فيتوفيان عند الموت وتتوفى النفس وحدها عند النوم قريب مما ذكرناه { إن في ذلك } من التوفي والإمساك والإرسال { لآيات } دالة على كمال قدرته وحكمته وشمول رحمته { لقوم يتفكرون } في كيفية تعلقها بالأبدان وتوفيها عنها بالكلية حين الموت وإمساكها باقية لا تفنى بفنائها وما يعتريها من السعادة والشقاوة والحكمة في توفيها عن ظواهرها وإرسالها حينا بعد حين إلى توفي آجالها

43 - { أم اتخذوا } بل اتخذت قريش { من دون الله شفعاء } تشفع لهم عند الله { قل أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون } ولو كانوا على هذه الصفة كما تشاهدونهم جمادات لا تقدر ولا تعلم

44 - { قل لله الشفاعة جميعا } لعله رد لما عسى يجيبون به وهو أن الشفعاء أشخاص مقربون هي تماثيلهم والمعنى أنه مالك الشفاعة كلها لا يستطيع أحد شفاعة إلا بإذنه ورضاه ولا يستقل بها ثم قرر ذلك : { له ملك السموات والأرض } فإنه مالك الملك كله لا يملك أحد أن يتكلم في أمره دون إذنه ورضاه { ثم إليه ترجعون } يوم القيامة فيكون الملك له أيضا حينئذ

45 - { وإذا ذكر الله وحده } دون آلهتهم { اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة } انقبضت ونفرت { وإذا ذكر الذين من دونه } يعني الأوثان { إذا هم يستبشرون } لفرط افتتانهم بها ونسيانهم حق الله ولقد بالغ في الأمرين حتى بلغ فيهما فإن الاستبشار أن يمتلئ قلبه سرورا حتى تنبسط له بشرة وجهه والاشمئزاز أن يمتلئ غما حتى ينقبض أديم وجهه والعامل في { إذا ذكر } العامل في إذ المفاجأة

46 - { قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة } التجئ إلى الله بالدعاء لما تحيرت في أمرهم وضجرت من عنادهم وشدة شكيمتهم فإنه القادر على الأشياء والعالم بالأحوال كلها { أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون } فأنت وحدك تقدر أن تحكم بيني وبينهم

47 - { ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة } وعيد شديد وإقناط كلي لهم من الخلاص { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } زيادة مبالغة فيه وهو نظير قوله تعالى : { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم } في الوعد

48 - { وبدا لهم سيئات ما كسبوا } سيئات أعمالهم أو كسبهم حين تعرض صحائفهم { وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } وأحاط بهم جزاؤه

49 - { فإذا مس الإنسان ضر دعانا } إخبار عن الجنس بما يغلب فيه والعطف على قوله { و إذا ذكر الله وحده } بالفاء لبيان مناقضتهم وتعكيسهم في التسبب بمعنى أنهم يشمئزون عن ذكر الله وحده ويستبشرون بذكر الآلهة فإذا مسهم ضر دعوا من اشمأزوا من ذكره دون من استبشروا بذكره وما بينهم اعتراض مؤكد لإنكار ذلك عليهم { ثم إذا خولناه نعمة منا } أعطيناه إياه تفضلا فإن التخويل مختص به { قال إنما أوتيته على علم } مني بوجوه كسبه أو بأني سأعطاه لما لي من استحقاقه أو من الله بي واستحقاقي والهاء فيه لما إن جعلت موصولة وإلا فللنعمة والتذكير لأن المراد شيء منها { بل هي فتنة } امتحان له أيشكر أم يكفر وهو رد لما قاله وتأنيث الضمير باعتبار الخير أو لفظ ال { نعمة } وقرئ بالتذكير { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ذلك وهو دليل على أن الإنسان للجنس

50 - { قد قالها الذين من قبلهم } الهاء لقوله { إنما أوتيته على علم } لأنها كلمة أو جملة وقرئ بالتذكير { والذين من قبلهم } قارون وقومه فإنه قاله ورضي به قومه { فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } من متاع الدنيا

51 - { فأصابهم سيئات ما كسبوا } جزاء سيئات أعمالهم أو جزاء أعمالهم وسماه سيئة لأنه في مقابلة أعمالهم السيئة رمزا إلى أن جميع أعمالهم كذلك { والذين ظلموا } بالعتو { من هؤلاء } المشركين و { من } للبيان أو للتبعيض { سيصيبهم سيئات ما كسبوا } كما أصاب أولئك وقد أصابهم فأنهم قحطوا سبع سنين وقتل ببدر صناديدهم { وما هم بمعجزين } بفائتين

52 - { أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } حيث حبس عنهم الرزق سبعا ثم بسط لهم سبعا { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } بأن الحوادث كلها ما الله بوسط أو غيره

53 - { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } أفرطوا في الجناية عليها بالإسراف في المعاصي وإضافة العباد تخصصه بالمؤمنين على ما هو عرف القرآن { لا تقنطوا من رحمة الله } لا تيأسوا من مغفرته أولا وتغضيله ثانيا { إن الله يغفر الذنوب جميعا } عفوا ولو بعد بعد تقييده بالتوبة خلاف الظاهر ويدل على إطلاقه فيما عدا الشرك قوله تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به } والتعليل بقوله : { إنه هو الغفور الرحيم } على المبالغة وإفادة الحصر والوعد بالرحمة بعد المغفرة وتقديم ما يستدعي عموم المغفرة مما في { عبادي } من الدلالة على الذلة والاختصاص المقتضيين للترحم وتخصيص ضرر الإسراف بأنفسهم والنهي عن القنوط مطلقا عن الرحمة فضلا عن المغفرة وإطلاقها وتعليله بأن الله يغفر الذنوب جميعا ووضع اسم { الله } موضع الضمير لدلالته على أنه المستغني والمنعم على الإطلاق والتأكيد بالجميع وما روي أنه عليه الصلاة و السلام قال [ ما أحب أن تكون لي الدنيا وما فيها بها فقال رجل يا رسول الله ومن أشرك فسكت ساعة ثم قال : ألا ومن أشرك ثلاث مرات ] وما روي أن أهل مكة قالوا : يزعم محمد أن من عبد الوثن وقتل النفس بغير حق لم يغفر له فكيف ولم نهاجر وقد عبدنا الأوثان وقتلنا النفس فنزلت وقيل عياش والوليد في جماعة افتتنوا أو في الوحشي لا ينفي عمومها وكذا قوله :

54 - { وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون } فإنها لا تدل على حصول المغفرة لكل أحد من غير توبة وسبق تعذيب لتغني عن التوبة والإخلاص في العمل وتنافي الوعيد بالعذاب

55 - { واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم } القرآن أو المأمور به دون المنهي عنه أو العزائم دون الرخص أو الناسخ دون المنسوخ ولعله ما هو أنجى وأسلم كالإنابة والمواظبة على الطاعة { من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون } بمجيئه فتتداركوا

56 - { أن تقول نفس } كراهة أن تقول وتنكير { نفس } لأن القائل بعض الأنفس أو للتكثير كقول الأعشى :
( ورب بقيع لو هتفت بجوه ... أتاني كريم ينفض الرأس مغضبا )
{ يا حسرتى } وقرئ بالياء على الأصل { على ما فرطت } بما قصرت { في جنب الله } في جانبه أي في حقه وهو طاعته قال سابق البربري :
( أما تتقين الله في جنب وامق ... له كبد حرى عليك تقطع )
وهو كناية فيها مبالغة كقوله :
( إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج )
وقيل في ذاته على تقدير مضاف كالطاعة وقيل في قربه من قوله تعالى : { والصاحب بالجنب } وقرئ في ذكر الله { وإن كنت لمن الساخرين } المستهزئين بأهله ومحل { إن كنت } نصب على الحال كأنه قال فرطت وأنا ساخر

57 - { أو تقول لو أن الله هداني } بالإرشاد إلى الحق { لكنت من المتقين } الشرك والمعاصي

58 - { أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين } في العقيدة والعمل وأو للدلالة على أنها لا تخلو من هذه الأقوال تحيرا وتعللا بما لا طائل تحته

59 - { بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين } رد من الله عليه لما تضمنه قوله { لو أن الله هداني } من معنى النفي وفصله عنه لأن تقديمه يفرق القرائن وتأخير المودود يخل بالنظم للوجود لأنه يتحسر بالتفريط ثم يتعلل يفقد الهداية ثم يتمنى الرجعة وهو لا يمنع تأثير قدرة الله في فعل العبد ولا ما فيه من إسناد الفعل إليه كما عرفت وتذكير الخطاب على المعنى وقرئ بالتأنيث للنفس

60 - { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله } بأن وصفوه بما لا يجوز كاتخاذ الولد { وجوههم مسودة } بما ينالهم من الشدة أو بما يتخيل عليها من ظلمة الجهل والجملة حال إذ الظاهر أن ترى من رؤية البصر واكتفى فيها بالضمير عن الواو { أليس في جهنم مثوى } مقام { للمتكبرين } عن الإيمان والطاعة وهو تقرير لأنهم يرون كذلك

61 - { وينجي الله الذين اتقوا } وقرئ وينجي { بمفازتهم } بفلاحهم مفعلة من الفوز وتفسيرها بالنجاة تخصيصها بأهم أقسامه وبالسعادة والعمل الصالح إطلاق لها على السبب وقرأ الكوفيون غير حفص بالجمع تطبيقا لهم بالمضاف إليه والباء فيها للسببية صلة لينجي أو قوله : { لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون } وهو حال أو استئناف لبيان المفازة

62 - { الله خالق كل شيء } من خير وشر وإيمان وكفر { وهو على كل شيء وكيل } يتولى التصرف

63 - { له مقاليد السموات والأرض } لا يملك أمرها ولا يتمكن من التصرف فيها غيره وهو كناية عن قدرته وحفظه لها وفيها مزيد دلالة على الاختصاص لأن الخزائن لا يدخلها ولا يتصرف فيها إلا من بيده مفاتيحها وهو جمع مقليد أو مقلادة من قلدته إذا ألزمته وقيل جمع إقليد معرب إكليد على الشذوذ كمذاكير وعن عثمان رضي الله عنه : [ أنه سأل النبي صلى الله عليه و سلم عن المقاليد فقال تفسيرها لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ] والمعنى على هذا إن لله هذه الكلمات يوحد بها ويمجد وهي مفاتيح خير السموات والأرض من تكلم بها آصابه { والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون } متصل بقوله { وينجي الله الذين اتقوا } وما بينهما اعتراض للدلالة على أنه مهيمن على العباد مطلع على أفعالهم مجاز عليها وتغيير النظم للإشعار بأن المعنى العمدة في فلاح المؤمنين فضل الله وفي هلاك الكافرين أن خسروا أنفسهم وللتصريح بالوعد والتعريض بالوعيد قضية للكرم أو بما يليه والمراد بآيات الله دلائل قدرته واستبداده بأمر السموات والأرض أو كلمات توحيده وتمجيده وتخصيص الخسار بهم لأن غيرهم ذو حظ من الرحمة والثواب

64 - { قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون } أي أفغير أعبد بعد هذه الدلائل والمواعيد و { تأمروني } اعتراض للدلالة على أنهم أمروه به عقيب ذلك وقالوا استلم بعض ألهتنا ونؤمن بإلهك لفرط غباوتهم ويجوز أن ينتصب غير بما دل عليه { تأمروني أعبد } لأنه بمعنى تعبدونني على أن أصله تأمرونني أن أعبد فحذف إن ورفع كقوله :
( ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى )
ويؤيده قراءة { أعبد } بالنصب وقرأ ابن عامر تأمرونني بإظهار النونين على الأصل و نافع بحذف الثانية فإنها تحذف كثيرا

65 - { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك } أي من الرسل { لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين } كلام على سبيل الفرض والمراد به تهييج الرسل وإقناط الكفرة والإشعار على حكم الأمة وإفراد الخطاب باعتبار كل واحد واللام الأولى موطئة للقسم والأخرين للجواب وإطلاق الإحباط يحتمل أن يكون من خصائصهم لأن شركهم أقبح وأن يكون على التقييد بالموت كما صرح به في قوله { ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم } وعطف الخسران عليه من عطف المسبب على السبب

66 - { بل الله فاعبد } رد لما أمروه به ولولا دلالة التقديم على الاختصاص لم يكن كذلك : { وكن من الشاكرين } إنعامه عليك وفيه إشارة إلى موجب الاختصاص

67 - { وما قدروا الله حق قدره } ما قدروا عظمته في أنفسهم حق تعظيمه حيث جعلوا له شركاء ووصفوه بما لا يليق به وقرئ بالتشديد { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة و السموات مطويات بيمينه } تنبيه على عظمته وحقارة الأفعال العظام التي تتحير فيها الأوهام بالإضافة إلى قدرته ودلالة على أن تخريب العالم أهون شيء عليه على طريقة التمثيل والتخييل من غير اعتبار القبضة واليمين حقيقة ولا مجازا كقولهم : شابت لمة الليل والقبضة المرة من القبض أطلقت بمعنى القبضة وهي المقدار المقبوض بالكف تسمية بالمصدر أو بتقدير ذات قبضة وقرئ بالنصب على الظرف تشبيها للمؤقت بالمبهم وتأكيد { الأرض } بالجميع لأن المراد بها الأرضون السبع أو جميع أبعاضها البادية والغائرة وقرئ { مطويات } على أنها حال و { السموات } معطوفة على { الأرض } منظومة في حكمها { سبحانه وتعالى عما يشركون } ما أبعد وأعلى من هذه قدرته وعظمته عن إشراكهم أو ما يضاف إليه من الشركاء

68 - { ونفخ في الصور } يعني المرة الأولى { فصعق من في السموات ومن في الأرض } خر ميتا أو مغشيا عليه { إلا من شاء الله } قيل جبريل ومكائيل وإسرافيل فإنهم يموتون بعد وقيل حملة العرش { ثم نفخ فيه أخرى } نفخة أخرى وهي تدل على أن المراد بالأولى ونفخ في الصور نفخة واحدة كما صرح به في مواضع وأخرى تحتمل النصب الرفع { فإذا هم قيام } قائمون من قبورهم أو متوقفون وقرئ بالنصب على أن الخبر { ينظرون } وهو حال من ضميره والمعنى : يقلبون أبصارهم في الجوانب كالمبهوتين أو ينتظرون ما يفعل بهم

69 - { وأشرقت الأرض بنور ربها } بما أقام فيها من العدل سماه نور لأنه يزين البقاع ويظهر الحقوق كما سمى الظلم ظلمة وفي الحديث [ الظلم ظلمات يوم القيامة ] ولذلك أضاف اسمه إلى { الأرض } أو بنور خلق فيها بلا واسطة أجسام مضيئة ولذلك أضافه إلى نفسه { ووضع الكتاب } للحساب والجزاء من وضع المحاسب كتاب المحاسبة بين يديه أو صحائف الأعمال في أيدي العمال واكتفى باسم الجنس عن الجمع وقيل اللوح المحفوظ يقابل به الصحائف { وجيء بالنبيين والشهداء } الذين يشهدون للأمم وعليهم من الملائكة والمؤمنين وقيل المستشهدون { وقضي بينهم } بين العباد { بالحق وهم لا يظلمون } بنقص ثواب أو زيادة عقاب علىما جرى به الوعد

70 - { ووفيت كل نفس ما عملت } جزاءه { وهو أعلم بما يفعلون } فلا يفوته شيء من أفعالهم ثم فصل التوفية فقال :

71 - { وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا } أفواجا متفرقة بعضهم في أثر بعض على تفاوت أقدامهم في الضلالة والشرارة جمع زمرة واشتقاقها من الزمر وهو الصوت إذ الجماعة لا تخلو عنه أو من قولهم شاة زمرة قليلة الشعر ورجل زمر قليل المروءة وهي الجمع القليل { حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها } ليدخلوا و { حتى } وهي التي تحكي بعدها الجملة وقرأ الكوفيون فتحت بتخفيف التاء { وقال لهم خزنتها } تقريعا وتوبيخا { ألم يأتكم رسل منكم } من جنسكم { يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا } وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار وفيه دليل على أنه لا تكليف قبل الشرع من حيث إنهم عللوا توبيخهم بإتيان الرسل وتبليغ الكتب { قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين } كلمة الله بالعذاب علينا وهو الحكم عليهم بالشقاوة وأنهم من أهل النار ووضع الظاهر فيه موضع الضمير للدلالة على اختصاص ذلك بالكفرة وقيل هو قوله { لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين }

72 - { قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها } أبهم القائل لتهويل ما يقال لهم { فبئس مثوى } مكان { المتكبرين } اللام فيه للجنس والمخصوص بالذم سبق ذكره ولا ينافي إشعار بأن مثواهم في النار لتكبرهم عن الحق أن يكون دخولهم فيها لأن كلمة العذاب حقت عليهم فإن تكبرهم وسائر مقابحهم مسببة عنه كما قال عليه الصلاة و السلام [ إن الله تعالى إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخل الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل به النار ]

73 - { وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة } إسراعا بهم إلى دار الكرامة وقيل سيق مراكبهم إذ لا يذهب بهم إلا راكبين { زمرا } على تفاوت مراتبهم في الشرف وعلو الطبقة { حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها } حذف جواب إذا للدلالة على أن لهم حينئذ من الكرامة والتعظيم ما لا يحيط به الوصف وأن أبواب الجنة تفتح لهم قبل مجيئهم غير منتظرين وقرأ الكوفيون فتحت بالتخفيف { قال لهم خزنتها سلام عليكم } لا يعتريكم بعد مكروه { طبتم } طهرتم من دنس المعاصي { فادخلوها خالدين } مقدرين الخلود فيها والفاء للدلالة على أن طيبهم سبب لدخولهم وخلودهم وهو لا يمنع دخول العاصي بعفوة لأنه مطهره

74 - { وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده } بالبعث والثواب { وأورثنا الأرض } يريدون المكان الذي استقروا فيه على الاستعارة وإيراثها تمليكها مخلفة عليهم من أعمالهم أو تمكينهم من التصرف فيها تمكين الوارث فيما يرثه { نتبوأ من الجنة حيث نشاء } أي يتبوأ كل منا في أي مقام أراده من جنته الواسعة مع أن في الجنة مقامات معنوية لا يتمانع واردها { فنعم أجر العاملين } الجنة

75 - { وترى الملائكة حافين } محدقين { من حول العرش } أي حوله و { من } مزيدة أو لابتداء الحفوف { يسبحون بحمد ربهم } ملتبسين بحمده والجملة حال ثانية أو مقيدة للأولى والمعنى ذاكرين له بوصفي جلاله وإكرامه تلذذا به وفيه إشعار بأن منتهى درجات العليين وأعلى لذائذهم هو الاستغراق في صفات الحق { وقضي بينهم بالحق } أي بين الخلق بإدخال بعضهم النار وبعضهم الجنة أو بين الملائكة بإقامتهم في منازلهم على حسب تفاضلهم { وقيل الحمد لله رب العالمين } أي على ما قضي بيننا بالحق والقائلون هم المؤمنون من المقضي بينهم أو الملائكة وطي ذكرهم لتعينهم وتعظيمهم
عن النبي صلى الله عليه و سلم : [ من قرأ سورة الزمر لم يقطع رجاءه يوم القيامة وأعطاه الله ثواب الخائفين ] عن عائشة رضي الله عنها : [ أنه عليه الصلاة و السلام كان يقرأ كل ليلة بني إسرائيل والزمر ] والله أعلم

1 - { حم } أماله ابن عامر و الكسائي و أبو بكر صريحا و نافع برواية ورش و أبو عمرو بين بين وقرئ بفتح الميم على التحريك لالتقاء الساكنين أو النصب بإضمار اقرأ ومنع صرفه للتعريف والتأنيث أو لأنها عل زنة أعجمي كقابيل وهابيل

2 - { تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم } لعل تخصيص الوصفين لما في القرآن من الإعجاز والحكم الدال على القدرة الكاملة والحكمة البالغة

3 - { غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول } صفات أخرى لتحقيق ما فيه من الترغيب والترهيب والحث على ما هو المقصود منه والإضافة فيها حقيقية على أنه لم يرد بها زمان مخصوص وأريد ب { شديد العقاب } مشددة أو الشديد عقابه فحذف اللام للازدواج وأمن الالتباس أو إبدال وجعله وحده بدلا مشوش للنظم وتوسيط الواو بين الأولين لإفادة الجمع بين محو الذنوب وقبول التوبة أو تغاير الوصفين إذ ربما يتوهم الاتحاد أو تغاير موقع الفعلين لأن الغفر هو الستر فيكون لذنب باق وذلك لمن لم يتب فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له والتوب مصدر كالتوبة وقيل جمعا والطول الفضل بترك العقاب المستحق وفي توحيد صفة العذاب مغمورة بصفات الرحمة دليل رجحانها { لا إله إلا هو } فيجب الإقبال الكلي على عبادته { إليه المصير } فيجازي المطيع والعاصي

4 - { ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا } لما حقق أمر التنزيل سجل بالكفر على المجادلين فيه بالطعن وإدحاض الحق لقوله : { وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق } وأما الجدال في لحل عقده واستنباط حقائقه وقطع تشبث أهل الزيغ به وقطع مطاعنهم فيه فمن أعظم الطاعات ولذلك قال عليه الصلاة و السلام [ إن جدالا في القرآن كفر ] بالتنكير مع أنه ليس جدالا فيه على الحقيقة { فلا يغررك تقلبهم في البلاد } فلا يغررك إمهالهم وإقبالهم في دنياهم وتقلبهم في بلاد الشام واليمن بالتجارات المربحة فإنهم مأخوذون عما قريب بكفرهم أخذ من قبلهم كما قال :

5 - { كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم } والذين تحزبوا على الرسل وناصبوهم بعد قوم نوح كعاد وثمود { وهمت كل أمة } من هؤلاء { برسولهم } وقرئ برسولها { ليأخذوه } ليتمكنوا من إصابته بما أرادوا من تعذيب وقتل من الأخذ بمعنى الأسر { وجادلوا بالباطل } بما لا حقيقة له { ليدحضوا به الحق } ليزيلوه به { فأخذتهم } بالإهلاك جزاء لهم { فكيف كان عقاب } فأنكم تمرون على ديارهم وترون أثره وهو تقرير فيه تعجيب

6 - { وكذلك حقت كلمة ربك } وعيده أو قضاؤه بالعذاب { على الذين كفروا } بكفرهم { أنهم أصحاب النار } بدل من كلمة { ربك } بدل الكل أو الاشتمال على إرادة اللفظ أو المعنى

7 - { الذين يحملون العرش ومن حوله } الكروبيون أعلى طبقات الملائكة وأولهم وجودا وحملهم إياه وحفيفهم حوله مجاز عن حفظهم وتدبيرهم له أو كناية عن قربهم من ذي العرش ومكانتهم عنده وتوسطهم في نفاذ أمره { يسبحون بحمد ربهم } يذكرون الله بمجامع الثناء من صفات الجلال والإكرام وجعل التسبيح أصلا والحمد حالا لأن الحمد مقتضى حالهم دون التسبيح أصلا { ويؤمنون به } أخبر عنهم بالإيمان إظهارا لفضله وتعظيما لأهله ومساق الآية لذلك كما صرح به بقوله { ويستغفرون للذين آمنوا } وإشعارا بأن حملة العرش وسكان الفرش في معرفته سواء ردا على المجسمة واستغفارهم شفاعتهم وحملهم على التوبة وإلهامهم ما يوجب المغفرة وفيه تنبيه على أن المشاركة في الإيمان توجب النصح والشفقة وإن تخالفت الأجناس لأنها أقوى المناسبات كما قال تعالى : { إنما المؤمنون إخوة } { ربنا } أي يقولون { ربنا } وهو بيان ل { يستغفرون } أو حال { وسعت كل شيء رحمة وعلما } أي وسعت رحمتك وعلمك فأزيل عن أصله للإغراق في وصفه بالرحمة والعلم والمبالغة في عمومها وتقديم الرحمة لأنها المقصودة بالذات ها هنا { فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك } للذين علمت منهم التوبة واتباع سبيل الحق { وقهم عذاب الجحيم } واحفظهم عنه وهو تصريح بعد إشعار للتأكيد والدلالة على شدة العذاب

8 - { ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم } وعدتهم إياها { ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم } عطف على هم الأول أي أدخلهم ومعهم هؤلاء ليتم سرورهم أو الثاني لبيان عموم الوعد وقرئ جنة عدن و صلح بالضم و ذريتهم بالتوحيد { إنك أنت العزيز } الذي لا يمتنع عليه مقدور { الحكيم } الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه حكمته ومن ذلك الوفاء بالوعد

9 - { وقهم السيئات } العقوبات أو جزاء السيئات وهو تعميم بعد تخصيص أو تخصيص بمن { صلح } أو المعاصي في الدنيا لقوله : { ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته } أي ومن تقها في الدنيا فقد رحمته في الآخرة كأنهم طلبوا السبب بعد ما سألوا المسبب { وذلك هو الفوز العظيم } يعني الرحمة أو الوقاية أو مجموعهما

10 - { إن الذين كفروا ينادون } يوم القيامة فيقال لهم : { لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم } أي لمقت الله إياكم أكبر من مقتكم أنفسكم الأمارة بالسوء { إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون } ظرف لفعل دل عليه المقت الأول لا له لأنه أخبر عنه ولا للثاني لأن مقتهم أنفسهم يوم القيامة حين عاينوا جزاء أعمالهم الخبيثة إلا أن يؤول بنحو : بالصيف ضيعت اللبن أو تعليل للحكم و زمان المقتين واحد

11 - { قالوا ربنا أمتنا اثنتين } إماتتين بأن خلقتنا ثم صيرتنا أمواتا عند انقضاء آجالنا فإن الإماتة جعل الشيء عادم الحياة ابتداء أو بتصيير كالتصغير والتكبير ولذلك قيل سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل وإن خص بالتصيير فاختيار الفاعل المختار أحد مفعوليه تصيير وصرف له عن الآخر { وأحييتنا اثنتين } الأولى وإحياءة البعث وقيل الإماتة الأولى عند انخرام الأجل والثانية في القبر بعد الإحياء للسؤال والإحياءان ما في القبر والبعث إذ المقصود اعترافهم بعد المعاينة بما غفلوا عنه ولم يكترثوا به ولذلك تسبب بقوله : { فاعترفنا بذنوبنا } فإن اقترافهم لها من اغترارهم بالدنيا وإنكارهم البعث { فهل إلى خروج } نوع خروج من النار { من سبيل } طريق فنسلكه وذلك إنما يقولونه من فرط قنوطهم تعللا وتحيرا ولذلك أجيبوا بقوله :

12 - { ذلكم } الذي أنتم فيه { بأنه } بسبب أنه { إذا دعي الله وحده } متحدا أو توحد وحده فحذف الفعل وأقيم مقامه في الحالية { كفرتم } بالتوحيد { وإن يشرك به تؤمنوا } بالإشراك { فالحكم لله } المستحق للعبادة حيث حكم عليكم بالعذاب السرمد الدائم { العلي } عن أن يشرك به ويسوي بغيره { الكبير } حيث حكم على من أشرك وسوى به بعض مخلوقاته في استحقاق العبادة بالعذاب السرمد

13 - { هو الذي يريكم آياته } الدالة على التوحيد وسائر ما يجب أن يعلم تكميلا لنفوسكم { وينزل لكم من السماء رزقا } أسباب كالمطر مراعاة لمعاشكم { وما يتذكر } بالآيات التي هي كالمركوزة في العقول لظهورها المغفول عنها للانهماك في التقليد واتباع الهوى { إلا من ينيب } يرجع عن الإنكار بالإقبال عليها والتفكير فيها فإن الجازم بشيء لا ينظر فيما ينافيه

14 - { فادعوا الله مخلصين له الدين } من الشرك { ولو كره الكافرون } إخلاصكم وشق عليهم

15 - { رفيع الدرجات ذو العرش } خبران آخران للدلالة على علو صمديته من حيث المعقول والمحسوس الدال على تفرده في الألوهية فإن من ارتفعت درجات كماله بحيث لا يظهر دونها كمال وكان العرش الذي هو أصل العالم الجسماني في قبضة قدرته لا يصح أن يشرك به وقيل الدرجات مراتب المخلوقات أو مصاعد الملائكة إلى العرش أو السموات أو درجات الثواب وقرئ رفيع أيضا بالنصب على المدح { يلقي الروح من أمره } خبر رابع للدلالة على أن الروحانيات أيضا مسخرات لأمره بإظهار آثارها وهو الوحي وتمهيد للنبوة بعد تقرير التوحيد والروح الوحي ومن أمره بيانه لأنه أمر بالخير أو مبدؤه والآمر هو الملك المبلغ { على من يشاء من عباده } يختار للنبوة وفيه دليل على أنها عطائية { لينذر } غاية الإلقاء والمستكن فيه لله أو لمن أو للروح واللام مع القرب تؤيد الثاني { يوم التلاق } يوم القيامة فإن فيه تتلاقى الأرواح والأجساد وأهل السماء والأرض أو المعبودون والعباد أو الأعمال والعمال

16 - { يوم هم بارزون } خارجون من قبورهم أو ظاهرون لا يسترهم شيء أو ظاهرة نفوسهم لا تحجبهم غواشي الأبدان أو أعمالهم وسرائرهم { لا يخفى على الله منهم شيء } من أعيانهم وأعمالهم وأحوالهم وهو تقرير لقوله { هم بارزون } وإزاحة لنحو ما يتوهم في الدنيا { لمن الملك اليوم لله الواحد القهار } حكاية لما يسأل عنه في ذلك اليوم ولما يجاب به أو لما دل عليه ظاهر الحال فيه من زوال الأسباب وارتفاع الوسائط وأما حقيقة الحال فناطقه بذلك دائما

16 - { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } كأنه لما سبق و تحقيقه أن النفوس تكتسب بالعقائد والأعمال هيئات توجب لذاتها وأملها لكنها لا تشعر بها في الدنيا لعوائق تشغيلها فإذا قامت قيامتها زالت العوائق وأدركت لذاتها وألمها { لا ظلم اليوم } ينقص الثواب وزيادة العقاب { إن الله سريع الحساب } إذ لا يشغله شأن عن شأن فيصل إليهم ما يستحقونه سريعا

18 - { وأنذرهم يوم الآزفة } أي القيامة سميت بها لأزوفها أي قربها أو الخطة الآزفة وهي مشارفتها النار وقيل الموت { إذ القلوب لدى الحناجر } فإنها ترتفع عن أماكنها فتلصق بحلوقهم فلا تعود فيتروحوا ولا تخرج فيستريحوا { كاظمين } على الغم حال من أصحاب القلوب على المعنى لأنه على الإضافة أو منها أو من ضميرها في لدى وجمعه كذلك لأن الكظم من أفعال العقلاء كقوله { فظلت أعناقهم لها خاضعين } أو من مفعول { أنذرهم } على أنه حال مقدر { ما للظالمين من حميم } قريب مشفق { ولا شفيع يطاع } ولا شفيع مشفع والضمائر إن كانت للكفار وهو الظاهر كان وضع الظالمين موضع ضميرهم للدلالة على اختصاص ذلك بهم وأنه لظلمهم

19 - { يعلم خائنة الأعين } النظرة الخائنة كالنظرة الثانية إلى غير المحرم واستراق النظر إليه أو خيانة الأعين { وما تخفي الصدور } من الضمائر والجملة خبر خامس للدلالة على أنه ما من خفي إلا وهو متعلق العلم والجزاء

20 - { والله يقضي بالحق } لأنه المالك الحاكم على الإطلاق فلا يقضي بشيء إلا وهو حقه { والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء } تهكم بهم لأن الجماد لا يقال فيه إنه يقضي أو لا يقضي وقرأ نافع و هشام بالتاء على الالتفات أو إضمار قل { إن الله هو السميع البصير } تقرير لعلمه ب { خائنة الأعين } وقضائه بالحق ووعيد لهم ما يقولون ويفعلون وتعريض بحال ما { يدعون من دونه }

21 - { أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم } مآل حال الذين كذبوا بالفصل وحقه أن يقع بين معرفتين لمضارعة أفعل من للمعرفة في امتناع دخول اللام عليه وقرأ ابن عامر أشد منكم بالكاف { وآثارا في الأرض } مثل القلاع والمدائن الحصينة وقيل المعنى وأكثر آثارا كقوله : متقلدا سيفا ورمحا { فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق } يمنع العذاب عنهم

22 - { ذلك } الأخذ { بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات } بالمعجزات أو الأحكام الواضحة { فكفروا فأخذهم الله إنه قوي } متمكن مما يريده غاية التمكن { شديد العقاب } لا يؤبه بعقاب دون عقابه

23 - { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا } يعني المعجزات { وسلطان مبين } وحجة قاهرة ظاهرة والعطف لتغاير الوصفين أو لإفراد بعض المعجزات كالعصا تفخيما لشأنه

24 - { إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب } يعنون موسى عليه الصلاة و السلام وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه و سلم وبيان لعاقبة من هو أشد الذين كانوا من قبلهم بطشا وأقرتهم زمانا

25 - { فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم } أ ي أعيدوا عليهم ما كنتم تفعلون بهم أولا كي يصدوا عن مظاهرة موسى عليه السلام { وما كيد الكافرين إلا في ضلال } في ضياع ووضع الظاهر فيه موضع الضمير لتعميم الحكم والدلالة على العلة

26 - { وقال فرعون ذروني أقتل موسى } كانوا يكفونه عن قتله ويقولون إنه ليس الذي تخافه بل هو ساحر ولو قتلته ظن أنك عجزت عن معارضته بالحجة وتعلله بذلك مع كونه سفاكا في أهون شيء دليل على أنه تيقن أنه نبي فخاف من قتله أو ظن أنه لو حاوله لم يتيسر له ويؤيده قوله { وليدع ربه } فإنه تجلد وعدم مبالاة بدعائه { إني أخاف } إن لم أقتله { أن يبدل دينكم } أن يغير ما أنتم عليه من عبادته وعبادة الأصنام لقوله تعالى : { ويذرك وآلهتك } { أو أن يظهر في الأرض الفساد } ما يفسد دنياكم من التحارب والتهارج إن لم يقدر أن يبطل دينكم بالكلية وقرأ ابن كثير و نافع و ابن عامر بالواو على معنى الجمع و ابن كثير و ابن عامر و الكوفيون غير حفص بفتح الياء والهاء ورفع الفساد

27 - { وقال موسى } أي لقومه لما سمع بكلامه { إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب } صدر الكلام بأن تأكيدا وإشعارا على أن السبب المؤكد في دفع الشر هو العياذ بالله وخص اسم الرب لأن المطلوب هو الحفظ والتربية وإضافته إليه وإليهم حثا لهم على موافقته لما في تظاهر الأرواح من استجلاب الإجابة ولم يسم فرعون وذكر وصفا يعمه وغيره لتعميم الاستعاذة ورعاية الحق والدلالة على الحامل له على القول وقرأ أبو عمرو و حمزة و الكسائي { عذت } فيه وفي سورة الدخان بالإدغام وعن نافع مثله

28 - { وقال رجل مؤمن من آل فرعون } من أقاربه وقيل { من } متعلق بقوله { يكتم إيمانه } والرجل إسرائيلي أو غريب موحد كان ينافقهم { أتقتلون رجلا } أتقصدون قتله { أن يقول } لأن يقول أو وقت أن يقول من غير روية وتأمل في أمره { ربي الله } وحده وهو في الدلالة على الحصر مثل صديقي زيد { وقد جاءكم بالبينات } المتكثرة الدالة على صدقه من المعجزات والاستدلالات { من ربكم } أضافة إليهم بعد البينات احتجاجا عليهم واستدراجا لهم إلى الاعتراف به ثم أخذهم بالاحتجاج من باب الاحتياط فقال : { وإن يك كاذبا فعليه كذبه } لا يتخطاه وبال كذبه فيحتاج في دفعه إلى قتله { وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم } فلا أقل من أن يصيبكم بعضه وفيه مبالغة في التحذير وإظهار للإنصاف وعدم التعصب ولذلك قدم كونه كاذبا أو يصبكم ما يعدكم من عذاب الدنيا وهو بعض مواعيده كأنه خوفهم بما هو أظهر احتمالا عندهم وتفسير ال { بعض } بالكل كقول لبيد :
( تراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبط النفوس حمامها )
مروج لأنه أراد بال { بعض } نفسه { إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب } احتجاج ثالث ذو وجهين
أحدهما : أنه لو كان مسرفا كذابا لما هداه الله إلى البينات ولما عضده بتلك المعجزات
وثانيهما : أن من خلق الله أهلكه فلا حاجة لكم إلى قتله ولعله أراد به المعنى الأول وخيل إليهم الثاني لتلين شكيمتهم وعرض به لفرعون بأنه { مسرف كذاب } لا يهديه الله سبيل الصواب وطريق النجاة

29 - { يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين } غالبين عالين { في الأرض } أرض مصر { فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا } أي فلا تفسدوا أمركم ولا تتعرضوا لبأس الله بقتله فإنه إن جاءنا لم يمنعنا منه أحد وإنما أدرج نفسه في الضميرين لأنه كان منهم في القرابة وليريهم أنه معهم ومساهمهم فيما ينصح لهم { قال فرعون ما أريكم } ما أشير عليكم { إلا ما أرى } وأستصوبه من قتله وما أعلمكم إلا ما علمت من الصواب وقلبي ولساني متواطئان عليه { وما أهديكم إلا سبيل الرشاد } طريق الصواب وقرئ بالتشديد على أنه فعال للمبالغة من رشد كعلام أو من رشد كعبادلا من أرشد كجبار من أجبر لأنه مقصور على السماع أو بالنسبة إلى الرشد كعواج وبتات

30 - { وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم } في تكذيبه والتعرض له { مثل يوم الأحزاب } مثل أيام الأمم الماضية يعني وقائعهم وجمع { الأحزاب } مع التفسير أغنى عن جمع { اليوم }

31 - { مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود } مثل جزاء ما كانوا عليه دائبا من الكفر وإيذاء الرسل { والذين من بعدهم } كقوم لوط { وما الله يريد ظلما للعباد } فلا يعاقبهم بغير ذنب ولا يخلي الظالم منهم بغير انتقام وهو أبلغ من قوله تعالى : { وما ربك بظلام للعبيد } من حيث أن المنفي فيه حدوث تعلق إرادته بالظلم

32 - { ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد } يوم القيامة ينادي فيه بعضهم بعضا للاستغاثة أو يتصايحون بالويل والثبور أو يتنادى أصحاب الجنة وأصحاب النار كما حكي في الأعراف وقرئ بالتشديد وهو أن يند بعضهم من بعض كقوله تعالى : { يوم يفر المرء من أخيه }

33 - { يوم تولون } عن الموقف { مدبرين } منصرفين عنه إلى النار وقيل فارين عنها { ما لكم من الله من عاصم } يعصمكم من عذابه { ومن يضلل الله فما له من هاد }

34 - { ولقد جاءكم يوسف } يوسف بن يعقوب على أن فرعونه فرعون موسى أو على نسبة أحوال الآباء إلى الأولاد أو سبطه يوسف بن إبراهيم بن يوسف { من قبل } من قبل موسى { بالبينات } بالمعجزات { فما زلتم في شك مما جاءكم به } من الدين { حتى إذا هلك } مات { قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا } ضما إلى تكذيب رسالته تكذيب رسالة من بعده أو جزما بأن لا يبعث من بعده رسول مع الشك في رسالته وقرئ ألن يبعث الله على أن يعضهم يقرر بعضا بنفي البعث { كذلك } مثل الضلال { يضل الله } في العصيان { من هو مسرف مرتاب } شاك فيما تشهد به البينات لغلبة الوهم ولانهماك في التقليد

35 - { الذين يجادلون في آيات الله } بدل من الموصول الأول لأنه بمعنى الجمع { بغير سلطان أتاهم } بغير حجة بل إما بتقليد أو بشبهة داحضة { كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا } فيه ضمير من وإفراده للفظ ويجوز أن يكون الذين آمنوا مبتدأ وخبره { كبر } على حذف مضاف أي : وجدال الذين يجادلون كبر مقتا أو بغير سلطان وفاعل { كبر } { كذلك } أي كبر مقتا مثل ذلك الجدال فيكون قوله : { يطبع الله على كل قلب متكبر جبار } استئنافا للدلالة على الموجب لجدالهم وقرأ أبو عمرو و ابن ذكوان قلب بالتنوين على وصفه بالتكبر والتجبر لأنه منبعهما كقولهم رأت عيني وسمعت أذني أو على حذف مضاف أي عل كل ذي قلب متكبر

36 - { وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا } بناء مكشوفا عاليا من صرح الشيء إذا ظهر { لعلي أبلغ الأسباب } الطرق

37 - { أسباب السموات } بيان لها أو في إبهامها ثم إيضاحها تفخيم لشأنها وتشويق للسامع إلى معرفتها { فأطلع إلى إله موسى } عطف على { أبلغ } وقرأ حفص بالنصب على جواب الترجي ولعله أراد أن يبني له رصدا في موضع عال يرصد منه أحوال الكواكب التي هي أسباب سماوية تدل على الحوادث الأرضية فيرى هل فيها ما يدل على إرسال الله إياه أو إن يرى فساد قول موسى بأن أخباره من إله السماء يتوقف على إطلاعه ووصوله إليه وذلك لا يتأتى إلا بالصعود إلى السماء وهو مما لا يقوى عليه الإنسان وذلك لجهله بالله وكيفية استنبائه { وإني لأظنه كاذبا } في دعوى الرسالة { وكذلك } ومثل التزيين { زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل } سبيل الرشاد والفاعل على الحقيقة هو الله تعالى ويدل عليه أنه قرئ زين بالفتح وبالتوسط الشيطان وقرأ الحجازيان و الشامي و أبو عمرو { و صد } الناس عن الهدى بأمثال هذه التمويهات والشبهات ويؤيده : { وما كيد فرعون إلا في تباب } أي خسار

38 - { وقال الذي آمن } يعني مؤمن آل فرعون وقيل موسى عليه الصلاة و السلام { يا قوم اتبعون أهدكم } بالدلالة { سبيل الرشاد } سبيلا يصل سالكه إلى المقصود وفيه تعريض بأن ما عليه فرعون وقومه سبيل الغي

39 - { يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع } تمتع يسير لسرعة زوالها { وإن الآخرة هي دار القرار } لخلودها

40 - { من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها } عدلا من الله وفيه دليل على أن الجنايات تغرم بمثلها { ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب } بغير تقدير وموازنة بالعمل بل أضعافا فضلا منه ورحمة ولعل تقسيم العمال وجعل الجزاء جملة اسمية مصدرة باسم الإشارة وتفضيل الثواب لتغليب الرحمة وجعل عمدة والإيمان حالا للدلالة على أنه شرط في اعتبار العمل وأن ثوابه أعلى من ذلك

41 - { ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار } كرر ندائهم إيقاظا لهم عن سنة الغفلة واهتماما بالمنادى له ومبالغة في توبيخهم على ما يقولون به نصحه وعطفه على النداء الثاني الداخل على ما هو بيان لما قبله ولذلك لم يعطف على الأول فإن ما بعده أيضا تفسير لما أجمل فيه تصريحا أو على الأول

42 - { تدعونني لأكفر بالله } بدل أو بيان فيه تعليل والدعاء كالهداية في التعدية بإلى واللام { وأشرك به ما ليس لي به } بربوبيته { علم } والمراد نفي المعلوم والإشعار بأن الألوهية لا بد لها من برهان فاعتقادها لا يصح إلا عن إيقان { وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار } المستجمع لصفات الألوهية من كمال القدرة والغلبة وما يتوقف عليه من العلم والإرادة والتمكن من المجازاة والقدرة على التعذيب والغفران

43 - { لا جرم } لا رد لما دعوه إليه و { جرم } فعل بمعنى حق وفاعله : { أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة } أي حق عدم دعوة آلهتكم إلى عبادتها أصلا لأنها جمادات ليس لها ما يقتضي ألوهيتها أو عدم مستجابة أو عدم استجابة دعوة لها وقيل { جرم } بمعنى كسب وفاعله مستكن فيه أي كسب ذلك الدعاء إليه أن لا دعوة له بمعنى ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته وقيل فعل من الجرم بمعنى القطع كما إن بدا من لا بد فعل من التبديد وهو التفريق والمعنى لا قطع لبطلان دعوة ألوهية الأصنام أي لا ينقطع في وقت ما فتنقلب حقا ويؤيده قولهم لا جرم إنه لغة فيه كالرشد والرشد { وأن مردنا إلى الله } بالموت { وأن المسرفين } في الضلالة والطغيان كالإشراك وسفك الدماء { هم أصحاب النار } ملازموها

44 - { فستذكرون } وقرئ { فستذكرون } أي فسيذكر بعضكم بعضا عند معاينة العذاب { ما أقول لكم } من النصيحة { وأفوض أمري إلى الله } ليعصمني من كل سوء { إن الله بصير بالعباد } فيحرسهم وكأنه جواب توعدهم المفهوم من قوله :

45 - { فوقاه الله سيئات ما مكروا } شدائد مكرهم وقيل الضمير لموسى عليه الصلاة و السلام { وحاق بآل فرعون } بفرعون وقومه فاستغنى بذكرهم عن ذكره للعلم بأنه أولى بذلك وقيل بطلبة المؤمن من قومه فإنه فر إلى جبل فاتبعه طائفة فوجدوه يصلي والوحوش حوله صفوفا فرجعوا رعبا فقتلهم { سوء العذاب } الغرق أو القتل أو النار

46 - { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا } جملة مستأنفة أو { النار } خبر محذوف و { يعرضون } استئناف للبيان أو بدل و { يعرضون } حال منها أو من الآل وقرئت منصوبة على الاختصاص أو بإضمار فعل يفسره { يعرضون } مثل يصلون فإن عرضهم على النار إحراقهم بها من قولهم : عرض الأساري على السيف إذا قتلوا به وذلك لأرواحهم كما روي ابن مسعود أن أرواحهم في أجواف طيور سود تعرض على النار بكرة وعشيا إلى يوم القيامة وذكر الوقتين تحتمل التخصيص والتأييد وفيه دليل على بقاء النفس وعذاب القبر { ويوم تقوم الساعة } أي هذا ما دامت الدنيا فإذا قامت الساعة قيل لهم : { أدخلوا آل فرعون } يا آل فرعون { أشد العذاب } عذاب جهنم فإنه أشد مما كانوا فيه أو أشد عذاب جهنم وقرأ حمزة و الكسائي و نافع و يعقوب و حفص { أدخلوا } على أمر الملائكة بإدخالهم النار

47 - { وإذ يتحاجون في النار } واذكر وقت تخاصمهم فيها ويحتمل العطف على غدوا { فيقول الضعفاء للذين استكبروا } تفصيل له { إنا كنا لكم تبعا } تباعا كخدم في جمع خادم أو ذوي تبع بمعنى أتباع على الإضمار أو التجوز { فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار } بالدفع أو الحمل و { نصيبا } مفعول به لما دل عليه { مغنون } أله بالتضمين أو مصدر كشيئا في قوله تعالى : { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا } فيكون من صلة ل { مغنون }

48 - { قال الذين استكبروا إنا كل فيها } نحن فكيف نغني عنكم ولو قدرنا لأغنينا عن أنفسنا وقرئ كلا على التأكيد لأنه بمعنى كلنا وتنويه عوض عن المضاف إليه ولا يجوز جعله حالا من المستكن في الظرف فإنه لا يعمل في الحال المتقدمة كما يعمل في الظرف المتقدم كقولك كل يوم لك ثوب { إن الله قد حكم بين العباد } بأن أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار و { لا معقب لحكمه }

49 - { وقال الذين في النار لخزنة جهنم } أي لخزنتها ووضع { جهنم } موضع الضمير للتهويل أو لبيان محلهم فيها إذ يحتمل أن تكون { جهنم } أبعد دركاتها من قولهم : بئر جهنام بعيدة القعر { ادعوا ربكم يخفف عنا يوما } قدر يوم { من العذاب } شيئا من العذاب ويجوز أن يكون المفعول يوم بحذف المضاف و { من العذاب } بيانه

50 - { قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات } أرادوا به إلزامهم للحجة وتوبيخهم على إضاعتهم أوقات الدعاء وتعطيلهم أسباب الإجابة { قالوا بلى قالوا فادعوا } فإنا لا تجترئ فيه إذ لم يؤذن لنا في الدعاء لأمثالكم وفيه إقناط لهم عن الإجابة { وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } ضياع لا يجاب وفيه اقناط لهم على الإجابة

51 - { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا } بالحجة والظفر والانتقام لهم من الكفرة { في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد } أي في الدارين ولا ينتقض ذلك بما كان لأعدائهم عليهم من الغلبة أحيانا إذ العبرة بالعواقب وغالب الأمر و { الأشهاد } جمع شاهد كصاحب وأصحاب والمراد بهم من يقوم يوم القيامة الشهادة على الناس من الملائكة والأنبياء والمؤمنين

52 - { يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم } بدل من الأول وعدم نفع المعذرة لأنها باطلة أو لأنه لم يؤذن لهم فيعتذروا وقرأ غير الكوفيون و نافع بالتاء { ولهم اللعنة } البعد عن الرحمة { ولهم سوء الدار } جهنم

53 - { ولقد آتينا موسى الهدى } ما يهتدي به في الدين من المعجزات والصحف والشرائع { وأورثنا بني إسرائيل الكتاب } وتركنا عليهم بعده من ذلك التوراة

54 - { هدى وذكرى } هداية وتذكرة أو هاديا ومذكرا { لأولي الألباب } لذوي العقول السليمة

55 - { فاصبر } على أذى المشركين { إن وعد الله حق } بالنصر لا يخلفه واستشهد بحال موسى وفرعون { واستغفر لذنبك } وأقبل على أمر دينك وتدارك فرطاتك بترك الأولى والاهتمام بأمر العدا بالاستغفار فإنه تعالى كافيك في النصر إظهار الأمر { وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار } ودم على التسبيح والتحميد لربك وقيل صل لهذين الوقتين إذ كان الواجب بمكة ركعتين بكرة وركعتين عشيا

56 - { إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم } عام في كل مجادل مبطل وإن نزل في مشركي مكة واليهود حين قالوا : لست صاحبنا بل هو المسيح بن داود يبلغ سلطانه البر والبحر وتسير معه الأنهار { إن في صدورهم إلا كبر } إلا تكبر عن الحق وتعظم عن التفكر والتعلم أو إرادة الرياسة أو إن النبوة والملك لا يكونان إلا لهم { ما هم ببالغيه } ببالغي دفع الآيات أو المراد { فاستعذ بالله } فالتجئ إليه { إنه هو السميع البصير } لأقوالكم وأفعالكم

57 - { لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس } فمن قدر على خلقها مع عظمها أولا من غير أصل قدر على خلق الإنسان ثانيا من أصل وهو بيان لا شكل ما يجادلون فيه من أمر التوحيد { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } لأنهم لا ينظرون ولا يتأملون لفرط غفلتهم وإتباعهم أهواءهم

58 - { وما يستوي الأعمى والبصير } الغافل والمستبصر { والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء } والمحسن والمسيء فينبغي أن يكون لهم حال يظهر فيها التفاوت وهي فيما بعد البعث وزيادة لا في المسيء لأن المقصود نفي مساواته للمحسن فيما له من الفضل والكرامة والعاطف الثاني عطف الموصول بما عطف عليه على { الأعمى والبصير } لتغاير الوصفين في المقصود أو الدلالة بالصراحة والتمثيل { قليلا ما تتذكرون } أي تذكرا ما قليلا يتذكرون والضمير للناس أو الكفار وقرأ الكوفيون بالتاء على تغليب المخاطب أو الالتفات أو أمر الرسول بالمخاطبة

59 - { إن الساعة لآتية لا ريب فيها } في مجيئها لوضوح الدلالة على جوازها وإجماع الرسل على الوعد بوقوعها { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } لا يصدقون بها لقصور نظرهم على ظاهر ما يحسون به

60 - { وقال ربكم ادعوني } اعبدوني { أستجب لكم } أثبكم لقوله : { إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } صاغرين وإن فسر الدعاء بالسؤال كان الاستكبار الصارف عنه منزلا منزلته للمبالغة أو المراد بالعبادة الدعاء فإنه من أبوابها وقرأ ابن كثير و أبو بكر سيدخلون بضم الياء وفتح الخاء

61 - { الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه } لتستريحوا فيه بأن خلقه باردا مظلما ليؤدي إلى ضعف الحركات وهدوء الحواس { والنهار مبصرا } يبصر فيه أو به وإسناد الإبصار إليه مجاز فيه مبالغة ولذلك عدل به عن التعليل إلى الحال : { إن الله لذو فضل على الناس } لا يوازيه فضل وللإشعار به لم يقل لمفضل { ولكن أكثر الناس لا يشكرون } لجهلهم بالمنعم وإغفالهم مواقع النعم وتكرير الناس لتخصيص الكفران بهم

62 - { ذلكم } المخصوص بالأفعال المقتضية للألوهية والربوبية { الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو } أخبار مترادفة تخصص اللاحقة السابقة وتقررها وقرئ خالق بالنصب على الاختصاص فيكون { لا إله إلا هو } استئنافا بما هو كالنتيجة للأوصاف المذكورة { فأنى تؤفكون } فكيف ومن أي وجه تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره

63 - { كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون } أي كما أفكوا أفك عن الحق كل من جحد بآيات الله ولم يتأملها

64 - { الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء } استدلال ثان بأفعال أخر مخصوصة { وصوركم فأحسن صوركم } بأن خلقكم منتصب القامة بادي البشرة متناسب الأعضاء والتخطيطات متهيأ لمزاولة الصنائع واكتساب الكمالات { ورزقكم من الطيبات } اللذائذ { ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين } فإن كل ما سواه مربوب مفتقر بالذات معرض للزوال

65 - { هو الحي } المتفرد بالحياة الذاتية { لا إله إلا هو } إذ لا يوجد سواه ولا موجد يساويه أو يدانيه في ذاته وصفاته { فادعوه } فاعبدوه { مخلصين له الدين } أي الطاعة من الشرك والرياء { الحمد لله رب العالمين } قائلين له

66 - { قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي } من الحجج والآيات أو من الآيات فإنها مقوية لأدلة العقل منبهة عليها { وأمرت أن أسلم لرب العالمين } بأن أنقاد له أو أخلص له ديني

67 - { هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا } أطفالا والتوحيد لإرادة الجنس أو على تأويل كل واحد منكم { ثم لتبلغوا أشدكم } اللام فيه متعلقة بمحذوف تقديره : ثم يبقيكم لتبلغوا وكذا في قوله : { ثم لتكونوا شيوخا } ويجوز عطفه على { لتبلغوا } وقرأ نافع و أبو عمرو و حفص و هشام شيوخا بضم الشين وقرئ شيخا كقوله طفلا { ومنكم من يتوفى من قبل } من قبل الشيخوخة أو بلوغ الأشد { ولتبلغوا } ويفعل ذلك لتبلغوا : { أجلا مسمى } هو وقت الموت أو يوم القيامة { ولعلكم تعقلون } ما في ذلك من الحجج والعبر

68 - { هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا } فإذا أراده { فإنما يقول له كن فيكون } فلا يحتاج في تكوينه إلى عدة وتجشم كلفة والفاء الأولى للدلالة على أن ذلك نتيجة ما سبق من حيث أنه يقتضي قدرة ذاتية غير متوقفة على العدد والمواد

69 - { ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون } عن التصديق به وتكريم ذم المجادلة لتعدد المجادل أو المجادل فيه أ و للتأكيد

70 - { الذين كذبوا بالكتاب } بالقرآن أو بجنس الكتب السماوية { وبما أرسلنا به رسلنا } من سائر الكتب أو الوحي والشرائع { فسوف يعلمون } جزاء تكذيبهم

71 - { إذ الأغلال في أعناقهم } ظرف ل { يعلمون } إذ المعنى على الاستقبال والتعبير بلفظ المضي لتيقنه { والسلاسل } عطف على { الأغلال } أو مبتدأ خبره { يسحبون }

72 - { في الحميم } والعائد محذوف أي يسحبون بها وهو على الأول حال وقرئ { والسلاسل يسحبون } بالنصب وفتح الياء على تقديم المفعول وعطف الفعلية على الاسمية { والسلاسل } بالجر حملا على المعنى { إذ الأغلال في أعناقهم } بمعنى أعناقهم في الأغلال أو إضمار للباء ويدل عليه القراءة به { ثم في النار يسجرون } يحرقون من سجر التنور إذا ملأه بالوقود ومنه السجير للصديق كأنه سجر بالحب أي ملئ والمراد أنهم يعذبون بأنواع من العذاب وينقلون من بعضها إلى بعض

73 - { ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون }

74 - { من دون الله قالوا ضلوا عنا } غابوا عنا وذلك قبل أن تقرن بهم آلهتهم أو ضاعوا عنا فلم نجد ما كنا نتوقع منهم { بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا } أي بل تبين لنا لم نكن نعبد شيئا بعبادتهم فإنهم ليسوا شيئا يعتد به كقولك : حسبته شيئا فلم يكن { كذلك } مثل ذلك الضلال { يضل الله الكافرين } حتى لا يهتدوا إلى شيء ينفعهم في الآخرة أو يضلهم عن آلهتهم حتى لو تطالبوا لم يتصادقوا

75 - { ذلكم } الإضلال { بما كنتم تفرحون في الأرض } تبطرون وتتكبرون { بغير الحق } وهو الشرك والطغيان { وبما كنتم تمرحون } تتوسعون في الفرح والعدول إلى الخطاب للمبالغة في التوبيخ

76 - { ادخلوا أبواب جهنم } الأبواب السبعة المقسومة لكم { خالدين فيها } مقدرين الخلود { فبئس مثوى المتكبرين } عن الحق جهنم وكان مقتضى النظم فبئس مدخل المتكبرين ولكن لما كان الدخول المقيد بالخلود بسبب الثواء عبر بالمثوى

77 - { فاصبر إن وعد الله } بهلاك الكافرين { حق } كائن لا محالة { فإما نرينك } فإن نرك وما مزيدة لتأكيد الشرطية ولذلك لحقت النون الفعل ولا تلحق مع أن وحدها { بعض الذي نعدهم } وهو القتل والأسر { أو نتوفينك } قبل أن تراه { فإلينا يرجعون } يوم القيامة فنجازيهم بأعمالهم وهو جواب { نتوفينك } وجواب { نرينك } محذوف مثل فذاك ويجوز أن يكون جوابا لهما بمعنى إن نعذبهم في حياتك أو لم نعذبهم فإنا نعذبهم في الآخرة أشد العذاب ويدل على شدته الاقتصار بذكر الرجوع في هذا المعرض

78 - { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك } إذ قيل عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا والمذكور قصصهم أشخاص معدودة { وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله } فإن المعجزات عطايا قسمها بينهم على ما اقتضته حكمته كسائر القسم ليس لهم اختيار في إيثار بعضها والاستبداد بإتيان المقترح بها { فإذا جاء أمر الله } بالعذاب في الدنيا أو الآخرة { قضي بالحق } بإنجاء المحق وتعذيب المبطل { وخسر هنالك المبطلون } المعاندون باقتراح الآيات بعد ظهور ما يغنيهم عنها

79 - { الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون } فإن من جنسها ما يؤكل كالغنم ومنها ما يؤكل ويركب كالإبل والبقر

80 - { ولكم فيها منافع } كالألبان والجلود و الأوبار { ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم } بالمسافرة عليها { وعليها } في البر { وعلى الفلك } في البحر { تحملون } وإنما قال { وعلى الفلك } ولم يقل في الفلك للمزاوجة وتغيير النظم في الأكل لأنه في حيز الضرورة وقيل لأنه يقصد به التعيش وهو من الضروريات والتلذذ والركوب والمسافرة عليها قد تكون لأغراض دينية واجبة أو مندوبة أو للفرق بين العين والمنفعة

81 - { ويريكم آياته } دلائله الدالة على كمال قدرته وفرط رحمته { فأي آيات الله } أي فأي آية من تلك الآيات { تنكرون } فإنها لظهورها لا تقبل الإنكار وهو ناصب أي إذا لو قدرته متعلقا بضميره كان الأولى رفعه والتفرقة بالتاء في أي أغرب منها في الأسماء غير الصفات لإبهامه

82 - { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض } ما بقي منهم من القصور والمصانع ونحوهما وقيل آثار أقدامهم في الأرض لعظم أجرامهم { فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } ما الأولى نافية أو استفهامية منصوبة بأغنى والثانية موصولة أو مصدرية مرفوعة به

سورة فصلت
83 - من العلم } واستحقروا علم الرسل والمراد بالعلم عقائدهم الزائغة وشبههم الداحضة كقوله : { بل ادارك علمهم في الآخرة } وهو قولهم : لا نبعث ولا نعذب وما أظن الساعة قائمة ونحوها وسماها علما على زعمهم تهكما بهم أو علم الطبائع والتنجيم و الصنائع ونحو ذلك أو علم الأنبياء وفرحهم به ضحكهم منه واستهزاؤهم به ويؤيده : { وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } وقيل الفرح أيضا للرسل فإنهم لما رأوا تمادي جهل الكفار وسوء عاقبتهم فزحوا بما أوتوا من العلم وشكروا الله عليه وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم

84 - { فلما رأوا بأسنا } شدة عذابنا { قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين } يعنون الأصنام

85 - { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا } لامتناع قبوله حينئذ ولذلك قال : { لم يك } بمعنى لم يصح ولم يستقم والفاء الأولى لأن قوله : { فما أغنى } كالنتيجة لقوله : { كانوا أكثر منهم } والثانية لأن قوله : { فلما جاءتهم رسلهم } كالتفسير لقوله : { فما أغنى } والباقيتان لأن البأس مسببة عن مجيء الرسل نفي الإيمان مسبب عن الرؤية { سنة الله التي قد خلت في عباده } أي سن الله ذلك سنة ماضية في العباد وهي من المصادر المؤكدة { وخسر هنالك الكافرون } أي وقت رؤيتهم البأس اسم مكان استعير للزمان عن النبي صلى الله عليه و سلم : [ من قرأ سورة المؤمن لم يبق روح نبي ولا صديق ولا شهيد ولا مؤمن إلا صلى عليه واستغفر له ]

1 - { حم } إن جعلته مبتدأ فخبره

2 - { تنزيل من الرحمن الرحيم } وإن جعلته تعديدا للحروف ف { تنزيل } خبر محذوف أو مبتدأ لتخصصه بالصفة وخبره :

3 - { كتاب } وهو على الأولين بدل منه أو خبر آخر أو خبر محذوف ولعل افتتاح هذه السور السبع ب { حم } وتسميتها به لكونها مصدرة ببيان الكتاب متشاكلة في النظم والمعنى وإضافة ال { تنزيل } إلى { الرحمن الرحيم } للدلالة على أنه مناط المصالح الدينية والدنيوية { فصلت آياته } ميزت باعتبار اللفظ والمعنى وقرئ { فصلت } أي فصل بعضها من بعض باختلاف الفواصل والمعاني أو فصلت بين الحق والباطل { قرآنا عربيا } نصب على المدح أو الحال من { فصلت } وفيه امتنان بسهولة قراءاته وفهمه { لقوم يعلمون } أي لقوم يعلمون العربية أو لأهل العلم والنظر وهو صفة أخرى ل { قرآنا } أو صلة ل { تنزيل } أو ل { فصلت } الأول أولى لوقوعه بين الصفات

4 - { بشيرا ونذيرا } للعاملين به والمخالفين له وقرئا بالرفع على الصفة لل { كتاب } أو الخبر لمحذوف { فأعرض أكثرهم } عن تدبره وقبوله { فهم لا يسمعون } سماع تأمل وطاعة

5 - { وقالوا قلوبنا في أكنة } أغطية جمع كنان { مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر } صمم وأصله الثقل وقرئ بالكسر { ومن بيننا وبينك حجاب } يمنعنا عن التواصل ومن للدلالة على أن الحجاب مبتدأ منهم بحيث استوعب المسافة المتوسطة ولم يبق فراغ وهذه تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك ما يدعوهم إليه واعتقادهم ومج أسماعهم له وامتناع مواصلتهم وموافقتهم للرسول صلى الله عليه و سلم { فاعمل } على دينك أو في إبطال أمرنا { إننا عاملون } على ديننا أو في إبطال أمرك

6 - { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد } لست ملكا ولا جنيا لا يمكنكم التلقي منه ولا أدعوكم إلى ما تنبو عنه العقول والاسماع وإنما أدعوكم إلى التوحيد والاستقامة في العمل وقد يدل عليهما دلائل العقل وشواهد النقل { فاستقيموا إليه } فاستقيموا في أفعالكم متوجهين إليه أو فاستووا إليه بالتوحيد والإخلاص في العمل { واستغفروه } مما أنتم عليه من سوء العقيدة والعمل ثم هددهم على ذلك فقال : { وويل للمشركين } من فرط جهالتهم واستخفافهم بالله

7 - { الذين لا يؤتون الزكاة } لبخلهم وعدم اشفاقهم على الخلق وذلك من أعظم الرذائل وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالفروع وقيل معناه لا يفعلون ما يزكي أنفسهم وهو الإيمان والطاعة { وهم بالآخرة هم كافرون } حال مشعرة بأن امتناعهم عن الزكاة لاستغراقهم في طلب الدنيا وإنكارهم للآخرة

8 - { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر } عظيم { غير ممنون } لايمن يه عليهم من المن وأصله الثقل أو لا يقطع من مننت الحبل إذا قطعته وقيل نزلت في المرضى والهرمى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصلح ما كانوا يعملون

9 - { قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين } في مقدار يومين أو نوبتين وخلق في كل نوبة ما خلق في أسرع ما يكون ولعل المراد من { الأرض } ما في جهة السفل من الأجرام البسيطة ومن خلقها { في يومين } أنه خلق لها أصلا مشتركا ثم خلق لها صورا بها صارت أنواعا وكفرهم به إلحادهم في ذاته وصفاته { وتجعلون له أندادا } ولا يصح أن يكون له ند { ذلك } الذي { خلق الأرض في يومين } { رب العالمين } خالق جميع ما وجد من الممكنات ومربيها

10 - { وجعل فيها رواسي } استئناف غير معطوف على { خلق } للفصل بما هو خارج عن الصلة { من فوقها } مرتفعة عليها ليظهر ما فيها من وجوه الاستبصار وتكون منافعها معرضة للطلاب { وبارك فيها } وأكثر خيرها بأن خلق فيها أنواع النبات والحيوان { وقدر فيها أقواتها } أقوات أهلها بأن عين لكل نوع ما يصلحه ويعيش به أو أقواتا تنشأ منها بأن خص حدوث كل قوت بقطر من أقطارها وقرئ وقسم فيها أقواتها { في أربعة أيام } في تتمة أربعة أيام كقولك : سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام وإلى الكوفة في خمسة عشر يوما ولعله قال ذلك ولم يقل في يومين للإشعار باتصالهما باليومين الأولين والتصريح على الفذلكة { سواء } أي استوت سواء بمعنى أستواء والجملة صفة أيام ويدل عليه قراءة يعقوب بالجر وقيل حال من الضمير في أقواتها أو فيها وقرئ بالرفع على هي سواء { للسائلين } متعلق بمحذوف تقديره هذا الحصر للسائلين عن مدة خلق الأرض وما فيها أو بقدر فيها الأقوات للطالبين لها

11 - { ثم استوى إلى السماء } قصد نحوها من قولهم استوى إلى مكان كذا إذا توجه إليه توحها لا يلوي على غيره والظاهر أن ثم لتفاوت ما بين الخلقتين لا للتراخي في المدة لقوله : { والأرض بعد ذلك دحاها } ودحوها على خلق الجبال من فوقها { وهي دخان } أمر ظلماني ولعله أراد به مادتها أو الأجزاء المصغرة التي كتب منها { فقال لها وللأرض ائتيا } بما خلقت فيكما من التأثير والتأثر وأبرزا ما أودعتكما من الأوضاع المختلفة والكائنات المتنوعة أو { ائتيا } في الوجود على أن الخلق السابق بمعنى التقدير أو الترتيب للرتبة أو الإخبار أو إتيان السماء حدوثها وإتيان الأرض أن تصير مدحوة وقد عرفت ما فيه أو لتأت كل منكما الأخرى في حدوث ما أريد منكما ويؤيده قراءة آتيا في المؤاتاة أي كل واحدة أختها فيما أردت منكما { طوعا أو كرها } شئتما ذلك أو أبيتما والمراد إظهار كمال قدرته ووجوب وقوع مراده لا إثبات الطوع والكره لهما وهما مصدران وقعا موقع الحال { قالتا أتينا طائعين } منقادين بالذات والأظهر أن المراد تصوير تأثير قدرته فيهما وتأثرهما بالذات عنها وتمثيلهما بأمر المطاع وإجابة المطيع إنما الطائع كقوله : { كن فيكون } وما قيل من أنه تعالى خاطبهما وأقدرهما على الجواب إنما يتصور على الوجه الأول والأخير وإنما قال طائعين على المعنى باعتبار كونهما مخاطبتين كقوله : { ساجدين }

12 - { فقضاهن سبع سماوات } فخلقهن خلقا إبداعيا وأتقن أمرهن والضمير ل { السماء } على المعنى أو مبهم و { سبع سماوات } حال على الأول وتمييز على الثاني { في يومين } قيل خلق السموات يوم الخميس والقمر والنجوم يوم الجمعة { وأوحى في كل سماء أمرها } شأنها وما يتأتى منها بأن حملها عليه اختيارا أو طبعا وقيل أوحى إلى أهلها بأوامره ونواهيه { وزينا السماء الدنيا بمصابيح } فإن الكواكب كلها ترى كأنها تتلألأ عليها { وحفظا } أي وحفظناها من الآفات أو من المسترقة حفظا وقيل مفعول له على المعنى كأنه قال : وخصصنا السماء الدنيا بمصابيح زينة وحفظا { ذلك تقدير العزيز العليم } البالغ في القدرة والعلم

13 - { فإن أعرضوا } عن الإيمان بعد هذا البيان { فقل أنذرتكم صاعقة } فحذرهم أن يصيبهم عذاب شديد الوقع كأنه صاعقة { مثل صاعقة عاد وثمود } وقرئ صعقة مثل صعقة عاد وثمود وهي المرة من الصعق أو الصعق يقال صعقته الصاعقة صعقا فصعق صعقا

14 - { إذ جاءتهم الرسل } حال من { صاعقة عاد } ولا يجوز جعله صفة ل { صاعقة } أو ظرفا ل { أنذرتكم } لفساد المعنى { من بين أيديهم ومن خلفهم } أتوهم من جميع جوانبهم واجتهدوا بهم من كل جهة أو من جهة الزمن الماضي بالإنذار عما جرى فيه على الكفار ومن جهة المستقبل بالتحذير عما أعد لهم في الآخرة وكل من اللفظين يحتملهما أو من قبلهم ومن بعدهم إذ قد بلغتهم خبر المتقدمين وأخبرهم هود وصالح عن المتأخرين داعين إلى الإيمان بهم أجمعين ويحتمل أن يكون عبارة عن الكثرة كقوله تعالى : { يأتيها رزقها رغدا من كل مكان } { أن لا تعبدوا إلا الله } بأن لا تعبدوا أو أي لا تعبدوا { قالوا لو شاء ربنا } إرسال الرسل { لأنزل ملائكة } برسالته { فإنا بما أرسلتم به } على زعمكم { كافرون } إذ أنتم مثلنا لا فضل لكم علينا

15 - { فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق } فتعظموا فيها على أهلها من غير استحقاق { وقالوا من أشد منا قوة } اغترارا بقوتهم وشوكتهم قيل كان من قوتهم أن الرجل منهم ينزع الصخرة فيقتلعها بيده { أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة } قدرة فإنه قادر بالذات مقتدر على ما لا يتناهى قوي على ما لا يقدر عليه أحد غيره { وكانوا بآياتنا يجحدون } يعرفون أنها حق وينكرونها وهو عطف على { فاستكبروا }

16 - { فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا } باردة تهلك بشدة بردها من الصر وهو البرد الذي يصر أي يجمع أو شديدة الصوت في هبوبها من الصرير { في أيام نحسات } جمع نحسة من نحس نحسا نقيص سعد سعدا وقرأ الحجازيان والبصريان بالسكون على التخفيف أو النعت على فعل أو الوصف بالمصدر قيل كان آخر شوال من الأربعاء إلى الأربعاء وما عذب قوم إلا في يوم الأربعاء { لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا } أضاف ال { عذاب } إلى { الخزي } وهو الذل على قصد وصفه به لقوله : { ولعذاب الآخرة أخزى } وهو في الأصل صفة المعذب وإنما وصف به العذاب على الإسناد المجازي للمبالغة { وهم لا ينصرون } بدفع العذاب عنهم

17 - { وأما ثمود فهديناهم } فدللناهم على الحق بنصب الحجج وإرسال الرسل وقرئ { ثمود } بالنصب بفعل مضمر يفسره ما بعده ومنونا في الحالتين وبضم الثاء { فاستحبوا العمى على الهدى } فاختاروا الضلالة على الهدى { فأخذتهم صاعقة العذاب الهون } صاعقة من السماء فأهلكتهم وإضافتها إلى { العذاب } ووصفه ب { الهون } للمبالغة { بما كانوا يكسبون } من اختيار الضلالة

18 - { ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون } من تلك الصاعقة

19 - { ويوم يحشر أعداء الله إلى النار } وقرئ يحشر على البناء للفاعل وهو الله عز و جل وقرأ نافع نحشر بالنون مفتوحة وضم الشين ونصب { أعداء } { فهم يوزعون } يحبس أولهم على آخرهم لئلا يتفرقوا وهو عبارة عن كثرة أهل النار

20 - { حتى إذا ما جاؤوها } إذا حضروها و { ما } مزيدة لتأكيد اتصال الشهادة بالحضور { شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون } بأن ينطقها الله تعالى أو يظهر عليها آثارا تدل على ما اقترف بها بلسان الحال

21 - { وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا } سؤال توبيخ أو تعجب ولعل المراد به نفس التعجب { قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } أي ما نطقنا باختيارنا بل أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء أو ليس نطقنا بعجب من قدرة الله الذي أنطق كل حي ولو أول الجواب النطق بدلالة الحال بقي الشيء عاما في الموجودات الممكنة { وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون } يحتمل أن يكون تمام كلام الجلود وأن يكون استئنافا

22 - { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم } أي كنتم تستترون عن الناس عند ارتكاب الفواحش مخافة الفضاحة وما ظننتم أن أعضاءكم تشهد عليكم بها فما استترتم عنها وفيه تنبيه على أن المؤمن ينبغي أن يتحقق أنه لا يمر عليه حال إلا وهو عليه رقيب { ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون } فلذلك احترأتم على ما فعلتم

23 - { وذلكم } إشارة إلى ظنهم هذا وهو مبتدأ وقوله : { ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم } خبران له ويجوز أن يكون { ظنكم } بدلا و { أرداكم } خبرا ز { فأصبحتم من الخاسرين } إذ صار ما منحوا للاستعاد به في الدارين سببا لشقاء المنزلين

24 - { فإن يصبروا فالنار مثوى لهم } لا خلاص لهم عنها { وإن يستعتبوا } يسألوا العتبى وهي الرجوع إلى ما يحبون { فما هم من المعتبين } المجابين إليها ونظيره قوله تعالى حكاية { أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص } وقرئ { وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين } أي إن يسألوا أن يرضوا ربهم فما هم فاعلون لفوات المكنة

25 - { وقيضنا } وقدرنا { لهم } للكفرة { قرناء } أخذانا من الشياطين يستولون عليهم استيلاء القبض على البيض وهو القشر وقيل أصل القيض البدل ومنه المقايضة لمعارضة { فزينوا لهم ما بين أيديهم } من أمر الدنيا و إتباع الشهوات { وما خلفهم } من أمر الآخرة وإنكاره { وحق عليهم القول } أي كلمة العذاب { في أمم } في جملة أمم كقول الشاعر :
( إن تك عن أحسن الصنيعة مأ ... فوكا ففي آخرين قد أفكوا )
وهو حال من الضمير المجرور { قد خلت من قبلهم من الجن والإنس } وقد عملوا مثل أعمالهم { إنهم كانوا خاسرين } تعليل لاستحقاقهم العذاب والضمير { لهم } ولل { أمم }

26 - { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه } وعارضوه بالخرافات أو ارفعوا أصواتكم بها لتشوشوه على القارئ وقرئ بضم الغين والمعنى واحد يقال لغى يلغي ولغا يلغو إذا هذى { لعلكم تغلبون } أي تغلبونه على قراءته

27 - { فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا } المراد بهم هؤلاء القائلون أو عامة الكفار { ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون } سيئات أعمالهم وقد سبق مثله

28 - { ذلك } : إشارة إلى الأسوأ { جزاء أعداء الله } خبره { النار } عطف بيان لل { جزاء } أو خبر محذوف ز { لهم فيها } في النار { دار الخلد } فإنها دار إقامتهم وهو كقولك : في هذه الدار دار سرور وتعني بالدار عينها على أن المقصود هو الصفة { جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون } ينكرون الحق أو يلغون وذكر الجحود الذي هو سبب اللغو

29 - { وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس } يعني شيطاني النوعين الحاملين على الضلالة والعصيان وقيل هما إبليس وقابيل فإنهما سنا الكفر والقتل وقرأ ابن كثير و ابن عامر و يعقوب و أبو بكر و السوسي { أرنا } بالتخفيف كفخذ في فخذ وقرأ الدوري باختلاس كسرة الراء { نجعلهما تحت أقدامنا } ندوسهما انتقاما منهما وقيل نجعلهما في الدرك الأسفل { ليكونا من الأسفلين } مكانا أو ذلا

30 - { إن الذين قالوا ربنا الله } اعترافا بربوبيته وإقرارا بوحدانيته { ثم استقاموا } في العمل { ثم } لتراخيه عن الإقرار في الرتبة من حيث إنه مبدأ الاستقامة أو لأنها عسر قلما تتبع الإقرار وما روي عن الخلفاء الراشدين في معنى الاستقامة من الثبات على الإيمان وإخلاص العمل وأداء الفرائض فجزئياتها { تتنزل عليهم الملائكة } فيما يعن لهم بما يشرح صدورهم ويدفع عنهم الخوف والحزن أو عند الموت أو الخروج من القبر { أن لا تخافوا } ما تقدمون عليه { ولا تحزنوا } على ما خلفتم وأن مصدرية أو مخففة مقدرة بالياء أو مفسرة { وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون } في الدنيا على لسان الرسل

31 - { نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا } نلهمكم الحق ونحملكم على الخير بدل ما كانت الشياطين تفعل بالكفرة { ما تشتهي أنفسكم } بالشفاعة والكرامة حيثما يتعادى الكفرة وقرناؤهم { ولكم فيها } في الآخرة { ما تشتهي أنفسكم } من اللذائذ { ولكم فيها ما تدعون } ما تتمنون من الدعاء بمعنى الطلب وهو أعم من الأول

32 - { نزلا من غفور رحيم } حال من ما تدعون للإشعار بأن ما يتمنون بالنسبة إلى ما يعطون مما لا يخطر ببالهم كالنزل للضيف

33 - { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله } إلى عبادته { وعمل صالحا } فيما بينه وبين ربه { وقال إنني من المسلمين } تفاخرا به واتخاذا للإسلام دينا ومذهبا من قولهم : هذا قول فلان لمذهبه والآية عامة لمن استجمع تلك الصفات وقيل نزلت في النبي صلى الله عليه و سلم وقيل في المؤذنين

34 - { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة } في الجزاء وحسن العاقبة و { لا } الثانية مزيدة لتأكيد النفي { ادفع بالتي هي أحسن } ادفع السيئة حيث اعترضتك بالتي هي أحسن منها وهي الحسنة على أن المراد بالأحسن الزائد مطلقا أو بأحسن ما يمكن دفعها به من الحسنات وإنما أخرجه مخرج الاستئناف على أنه جواب من قال : كيف أصنع ؟ للمبالغة ولذلك وضع { أحسن } موضع الحسنة { فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم } أي إذا فعلت ذلك صار عدوك المشاق مثل الولي الشفيق

35 - { وما يلقاها } وما يلقى هذه السجية وهي مقابلته الإساءة بالإحسان { إلا الذين صبروا } فإنها تحبش النفس عن الانتقام { وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم } من الخير وكمال النفس وقيل الحظ الجنة

36 - { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ } نخس شبه به وسوسته لأنها تبعث الإنسان على ما لا ينبغي كالدفع بما هو أسوأ وجعل النزغ نازغا على طريقة جديدة أو أريد به نازغ وصفا للشيطان بالمصدر { فاستعذ بالله } من شره ولا تطعه { إنه هو السميع } لاستعاذتك { العليم } بنيتك أو بصلاحك

37 - { ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر } لأنهما مخلوقان مأموران مثلكم { واسجدوا لله الذي خلقهن } الضمير للأربعة المذكورة والمقصود تعليق الفعل بهما إشعارا بأنهما من عداد ما لا يعلم ولا يختار { إن كنتم إياه تعبدون } فإن السجود أخص العبادات وهو موضع السجود عندنا لاقتران الأمر به وعند أبي حنيفة آخر الآية الأخرى لأنه تمام المعنى

38 - { فإن استكبروا } عن الامتثال { فالذين عند ربك } من الملائكة { يسبحون له بالليل والنهار } أي دائما لقوله { وهم لا يسأمون } أي لا يملون

39 - { ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة } يابسة متطامنة مستعار من الخشوع بمعنى التذلل { فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت } تزخرفت وانتفخت بالنبات وقرئ ربأت أي زادت { إن الذي أحياها } بعد موتها ز { لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير } من الإحياء والإماتة

40 - { إن الذين يلحدون } يميلون عن الاستقامة { في آياتنا } بالطعن والتحريف والتأويل الباطل والإلغاء فيها { لا يخفون علينا } فنجازيهم على إلحادهم { أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة } قابل الإلقاء في النار بالإتيان آمنا مبالغة في إحماد حال المؤمنين { اعملوا ما شئتم } تهديد شديد { إنه بما تعملون بصير } وعيد بالمجازاة

41 - { إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم } بدل من قوله : { إن الذين يلحدون في آياتنا } أو مستأنف وخبر { إن } محذوف مثل معاندون أو هالكون أو { أولئك ينادون } و الذكر القرآن { وإنه لكتاب عزيز } كثير النفع النظير أو منيع لا يتأتى إبطاله وتحريفه

42 - { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } لا تطرق إليه الباطل من جهة من الجهات أو مما فيه من الأخبار الماضية والأمور الآتية { تنزيل من حكيم } أي حكيم { حميد } يحمده كل مخلوق بما ظهر عليه من نعمه

43 - { ما يقال لك } أي ما يقول لك كفار قومك { إلا ما قد قيل للرسل من قبلك } إلا مثل ما قال لهم كفار قومهم ويجوز أن يكون المعنى ما يقول الله لك إلا مثل ما قال لهم { إن ربك لذو مغفرة } لأنبيائه { وذو عقاب أليم } لأعدائهم وهو على الثاني يحتمل أن يكون المقول بمعنى أن حاصل ما أوحي إليك وإليهم وعد المؤمنين بالمغفرة والكافرين بالعقوبة

44 - { ولو جعلناه قرآنا أعجميا } جواب لقولهم : هلا أنزل القرآن بلغة العجم والضمير للذكر { لقالوا لولا فصلت آياته } بينت بلسان نفقهه { أأعجمي وعربي } أكلام أعجمي ومخاطب عربي إنكار مقرر للتخصيص والأعجمي يقال للذي لا يفهم كلامه وهذا قراءة أبي بكر و حمزة و الكسائي وقرأ قالون و أبو عمرو بالمد والتسهيل وورش بالمد وإبدال الثانية ألفا و ابن كثير و ابن ذكوان و حفص بغير المد بتسهيل الثانية وقرئ أعجمي وهو منسوب إلى العجم وقرأ هشام أعجمي على الإخبار وعلى هذا يجوز أن يكون المراد هلا فصلت آياته فجعل بعضها أعجميا لإفهام العجم وبعضها عربيا لإفهام العرب والمقصود إبطال مقترحهم باستلزامه المحذور أو للدلالة على أنهم لا ينفكون عن النعت في الآيات كيف جاءت { قل هو للذين آمنوا هدى } إلى الحق { وشفاء } لما في الصدور في الشك والشبه ز { والذين لا يؤمنون } مبتدأ خبره { في آذانهم وقر } على تقدير هو في { آذانهم وقر } لقوله : { وهو عليهم عمى } وذلك لتصامهم عن سماعه وتعاميهم عما يريهم من الآيات ومن جوز العطف على عاملين مختلفين عطف ذلك على { للذين آمنوا هدى } { أولئك ينادون من مكان بعيد } أي صم وهو تمثيل لهم في عدم قبولهم الحق واستماعهم له بمن به مسافة بعيدة

45 - { ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه } بالتصديق والتكذيب كما اختلف في القرآن { ولولا كلمة سبقت من ربك } وهي العدة بالقيامة وفصل الخصومة حينئذ أو تقدير الآجال { لقضي بينهم } باستئصال المكذبين { وإنهم } وإن اليهود أو { الذين لا يؤمنون } { لفي شك منه } من التوراة أو القرآن { مريب } موجب للاضطراب

46 - { من عمل صالحا فلنفسه } نفعه { ومن أساء فعليها } ضره { وما ربك بظلام للعبيد } فيفعل بهم ما ليس له أن يفعله

47 - { إليه يرد علم الساعة } أي إذا سئل عنها إذ لا يعلمها إلا هو { وما تخرج من ثمرات من أكمامها } من أوعيتها جمع كم بالكسر وقرأ نافع و ابن عامر و حفص من ثمرات بالجمع لاختلاف الأنواع وقرئ بجمع الضمير أيضا و { ما } نافية و { من } الأولى مزيدة للاستغراق ويحتمل أن تكون موصولة معطوفة على { الساعة } و { من } مبينة بخلاف قوله : { وما تحمل من أنثى ولا تضع } بمكان { إلا بعلمه } إلا مقرونا بعلمه واقعا حسب تعلقه به { ويوم يناديهم أين شركائي } بزعمكم { قالوا آذناك } أعلمناك { ما منا من شهيد } من أحد يشهد لهم بالشركة إذ تبرأنا عنهم عاينا الحال فيكون السؤال عنهم للتوبيخ أو من أحد يشاهدهم لأنهم ضلوا عنا وقيل هو قول الشركاء أي ما منا من يشهد لهم بأنهم كانوا محقين

48 - { وضل عنهم ما كانوا يدعون } يعبدون { من قبل } لا ينفعهم أو لا يرونه { وظنوا } وأيقنوا { ما لهم من محيص } مهرب والظن معلق عنه بحرف النفي

49 - { لا يسأم الإنسان } لا يمل { من دعاء الخير } من طلب السعة في النعمة وقرئ من دعاء بالخير { وإن مسه الشر } الضيقة { فيؤوس قنوط } من فضل الله ورحمته وهذا صفة الكافر لقوله : { إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون } وقد يولع في يأسه من جهة البنية والتكرير وما في القنوط من ظهور أثر اليأس

50 - { ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته } بتفريجها عنه { ليقولن هذا لي } حقي أستحقه لمالي من الفضل والعمل أولي دائما لا يزول { وما أظن الساعة قائمة } تقوم { ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى } أي ولئن قامت على التوهم كان لي عند الله الحالة الحسنى من الكرامة وذلك لاعتقاده أن ما أصابه من نعم الدنيا فلاستحقاق لا ينفك عنه { فلننبئن الذين كفروا } فلنخبرنهم { بما عملوا } بحقيقة أعمالهم ولنبصرنهم عكس ما اعتقدوا فيها { ولنذيقنهم من عذاب غليظ } لا يمكنهم التقصي عنه

51 - { وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض } عن الشكر { ونأى بجانبه } وانحراف عنه أو ذهب بنفسه وتباعد عنه بكليته تكبرا والجانب مجاز عن النفس كالجنب في قوله : { في جنب الله } { وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض } كثير مستعار مما له عرض متسع للإشعار بكثرته واستمراره وهو أبلغ من الطويل إذ الطول الامتدادين فإذا كان عرضه كذلك فما ظنك بطوله ؟

سورة الشورى
52 - عند الله ثم كفرتم به } من غير نظر وإتباع دليل { من أضل ممن هو في شقاق بعيد } أي من أضل منكم فوضع الموصول موضع الضمير شرحا لحالهم وتعليلا لمزيد ضلالهم

53 - { سنريهم آياتنا في الآفاق } يعني ما أخبرهم النبي عليه الصلاة و السلام به من الحوادث الآتية وآثار النوازل الماضية وما يسر الله له ولخلفائه من الفتوح والظهور على ممالك الشرق والغرب على وجه خارق للعادة { وفي أنفسهم } ما ظهر فيما بين أهل مكة وما حل بهم أو ما في بدن الإنسان من عجائب الصنع الدالة على كمال القدرة { حتى يتبين لهم أنه الحق } الضمير للقرآن أو الرسول أو التوحيد أو الله { أولم يكف بربك } أي أو لم يكف ربك والفاء مزيدة للتأكيد كأنه قيل : أو لم تحصل الكفاية به ولا تكاد تزاد في الفاعل إلا مع كفى { أنه على كل شيء شهيد } بدل منه والمعنى أو لم يكفك أنه تعالى على كل شيء شهيد محقق له فيحقق أمرك بإظهار الآيات الموعودة كما حقق سائر الأشياء الموعودة أو مطلع فيعلم حالك وحالهم أو لم يكف الإنسان رادعا عن المعاصي أنه تعالى مطلع على كل شيء لا يخفى عليه خافية

54 - { ألا إنهم في مرية } شك وقرئ بالضم وهو لغة كخفية وخفية { من لقاء ربهم } بالبعث والجزاء { ألا إنه بكل شيء محيط } عالم بجمل الأشياء وتفاصيلها مقتدر عليها لا يفوته شيء منها
عن النبي صلى الله عليه و سلم : [ من قرأ سورة السجدة أعطاه الله بكل حرف عشر حسنات ]

1 - { حم }

2 - { عسق } لعله إسمان للسورة ولذلك فصل بينهما وعدا آيتين وإن كانا اسما واحدا فالفصل ليطابق سائر الحواميم وقرئ حم سق

3 - { كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم } أي مثل ما في هذه السورة من المعاني أو إيحاء مثل إيحائها أوحى إليك وإلى الرسل من قبلك وإنما ذكر بلفظ المضارع على حكاية الحال الماضية للدلالة على استمرار الوحي وأن إيحاء مثله عادته وقرأ ابن كثير يوحى بالفتح على أن كذلك مبتدأ و يوحى خبره المسند إلى ضميره أو مصدر و يوحى مسند إلى إليك و { الله } مرتفع بما دل عليه يوحى و { العزيز الحكيم } صفتان له مقررتان لعلو شأن الموحى به كما مر في السورة السابقة أو بالابتداء كما في قراءة نوحي بالنون و { العزيز } وما بعده أخبار أو { العزيز الحكيم } صفتان وقوله :

4 - { له ما في السموات وما في الأرض وهو العلي العظيم } خبران له وعلى الوجوه الأخر استئناف مقرر لعزته وحكمته

5 - { تكاد السموات } وقرأ نافع و الكسائي بالياء { يتفطرن } يتشققن من عظمة الله وقيل من ادعاء الولد له وقرأ البصريان و أبو بكر ينفطرن بالنون والأول أبلغ لأنه مطاوع فطر وهذا مطاوع فطر وقرئ تتفطرن بالتاء لتأكيد التأنيث وهو نادر { من فوقهن } أي يبتدئ الانفطار من جهتهن الفوقانية وتخصيصها على الأول لأن أعظم الآيات وأدلها على علو شأنه من تلك الجهة وعلى الثاني ليدل على الانفطار من تحتهن بالطريق الأول وقيل الضمير للأرض فإن المراد بها الجنس { والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض } بالسعي فيما يستدعي مغفرتهم من الشفاعة والإلهام وإعداد الأسباب المقربة إلى الطاعة وذلك في الجملة يعم المؤمن ولكافر بل لو فسر الاستغفار بالسعي فيما يدفع الخلل المتوقع عم الحيوان بل الجماد وحيث خص بالمؤمنين فالمراد به الشفاعة { ألا إن الله هو الغفور الرحيم } إذ ما من مخلوق إلا وهو ذو حظ من رحمته والآية على الأول زيادة تقرير لعظمته وعلى الثاني دلالة على تقدسه عما نسب إليه وإن عدم معاجلتهم بالعقاب على تلك الكلمة الشنعاء باستغفار الملائكة وفرط غفران الله ورحمته

6 - { والذين اتخذوا من دونه أولياء } شركاء وأندادا { الله حفيظ عليهم } رقيب على أحوالهم وأعمالهم فيجازيهم بها { وما أنت } يا محمد { عليهم بوكيل } بموكل بهم أو بموكول إليك أمرهم

7 - { وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا } الإشارة إلى مصدر { يوحي } أو إلى معنى الآية المتقدمة فإنه مكرر في القرآن في مواضع جمة فتكون الكاف مفعولا به و { قرآنا عربيا } حال منه { لتنذر أم القرى } أهل أم القرى وهي مكة شرفها الله تعالى { ومن حولها } من العرب { وتنذر يوم الجمع } يوم القيامة يجمع فيه الخلائق أو الأرواح أو الأشباح أو العمال والأعمال وحذف ثاني مفعول الأول و أول مفعولي الثاني للتهويل وإبهام التعميم وقرئ لينذر بالياء والفعل للقرآن { لا ريب فيه } اعتراض لا محل له من الإعراب { فريق في الجنة وفريق في السعير } أي بعد جمعهم في الموقف يجمعون أولا ثم يفرقون والتقدير منهم فريق والضمير للمجموعين لدلالة الجمع عليه وقرئا منصوبين على الحال منهم أي وتنذر يوم جمعهم متفرقين بمعنى مشارفين للتفرق أو متفرقين في داري الثواب والعقاب

8 - { ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة } مهتدين أو ضالين { ولكن يدخل من يشاء في رحمته } بالهداية والحمل على الطاعة { والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير } أي يدعهم بغير ولي ولا نصير في عذابه ولعل تغيير المقابلة للمبالغة في الوعيد إذ الكلام في الإنذار

9 - { أم اتخذوا } بل اتخذوا { من دونه أولياء } كالأصنام { فالله هو الولي } جواب لشرط محذوف مثل إن أرادوا أولياء بحق فالله هو الولي بالحق { وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير } كالتقرير لكونه حقيقا بالولاية

10 - { وما اختلفتم } أنتم والكفار { فيه من شيء } من أمر من أمور الدنيا أو الدين { فحكمه إلى الله } مفوض إليه يميز المحق من المبطل بالنصر أو بالإثابة والمعاقبة وقيل { وما اختلفتم فيه } من تأويل متشابه فارجعوا فيه إلى المحكم من كتاب الله { ذلكم الله ربي عليه توكلت } في مجامع الأمور { وإليه أنيب } إليه أرجع في المعضلات

11 - { فاطر السموات والأرض } خبر آخر ل { ذلكم } أو مبتدأ خبره { جعل لكم } وقرئ بالجر على البدل من الضمير أو الوصف لإلى الله { من أنفسكم } من جنسكم { أزواجا } نساء { ومن الأنعام أزواجا } أي وخلق للأنعام من جنسها أزواجا أو خلق لكم من الأنعام أصنافا أو ذكورا و أناثا { يذرؤكم } يكثركم من الذرء وهو البث وفي معناه الذر والذرو والضمير على الأول للناس و { الأنعام } على تغليب المخاطبين العقلاء { فيه } في هذا التدبير وهو جعل الناس والأنعام يكون بينهم توالد فإنه كالمنبع للبث والتكثير { ليس كمثله شيء } أي ليس مثله شيء يزاوجه ويناسبه والمراد من مثله ذاته كما في قولهم : مثلك لا يفعل كذا على قصد المبالغة في نفيه عنه فإنه إذا نفى عمن يناسبه ويسد مسده كان نفيه عنه أولى ونظيره قول رقيقة بنت صيفي في سقيا عبد المطلب : ألا وفيهم الطيب الطاهر لذاته ومن قال الكاف فيه زائدة لعله عنى أنه يعطى معنى { ليس كمثله } غير أنه آكد لما ذكرناه وقيل مثله صفته أي ليس كصفته صفة { وهو السميع البصير } لكل ما يسمع ويبصر

12 - { له مقاليد السموات والأرض } خزائنها { يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } يوسع ويضيق على وقف مشيئته { إنه بكل شيء عليم } فيفعله على ما ينبغي

13 - { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى } أي شرع لكم من الدين دين نوح ومحمد عليهما الصلاة والسلام وما بينهما من أرباب الشرائع وهو الأصل المشترك فيما بينهم المفسر بقوله : { أن أقيموا الدين } وهو الإيمان بما يجب تصديقه والطاعة في أحكام الله ومحله النصب على البدل من مفعول { شرع } أو الرفع على الاستئناف كأنه جواب وما ذلك المشروع أو الجر على البدل من هاء به { ولا تتفرقوا فيه } ولا تختلفوا في هذا الأصل أما فروع الشرائع فمختلفة كما قال : { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } { كبر على المشركين } عظم عليهم { ما تدعوهم إليه } من التوحيد { الله يجتبي إليه من يشاء } يجتلب إليه والضمير لما تدعوهم أو للدين { ويهدي إليه } بالإشارة والتوفيق { من ينيب } يقبل إليه

114 - { وما تفرقوا } يعني الأمم السالفة وقيل أهل الكتاب لقوله : { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب } { إلا من بعد ما جاءهم العلم } العلم بأن التفرق ضلال متوعد عليه أو العلم بمبعث الرسل عليهم الصلاة والسلام أو أسباب العلم من الرسل والكتب وغيرهما فلم يلتفتوا إليها { بغيا بينهم } عداوة أو طلبا للدنيا { ولولا كلمة سبقت من ربك } بالإمهال { إلى أجل مسمى } هو يوم القيامة أو آخر أعمارهم المقدرة { لقضي بينهم } باستئصال المبطلين حين اقترفوا لعظم ما اقترفوا { وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم } يعني أهل الكتاب الذين كانوا في عهد الرسول صلى الله عليه و سلم أو المشركين الذين أورثوا القرآن من بعد أهل الكتاب وقرئ ورثوا و ورثوا { لفي شك منه } من كتابهم لا يعلمونه كما هو أو لا يؤمنون به حق الإيمان أو من القرآن { مريب } مقلق أو مدخل في الريبة

15 - { فلذلك } فلأجل ذلك التفرق أو الكتاب أو العلم الذي أوتيته { فادع } إلى الاتفاق على الملة الحنفية أو الإتباع لما أوتيت وعلى هذا يجوز أن تكون اللام في موضع إلى لإفادة الصلة والتعليل { واستقم كما أمرت } واستقم على الدعوة كما أمرك الله تعالى : { ولا تتبع أهواءهم } الباطلة { وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب } يعني جميع الكتب المنزلة لا كالكفار الذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض { وأمرت لأعدل بينكم } في تبليغ الشرائع والحكومات والأول إشارة إلى كمال القوة النظرية وهذا إشارة إلى كمال القوة العملية { الله ربنا وربكم } خالق الكل ومتولي أمره { لنا أعمالنا ولكم أعمالكم } وكل مجازى بعمله { لا حجة بيننا وبينكم } ولا حجاج بمعنى لا خصومة إذ الحق قد ظهر ولم يبق للمحاجة مجال ولا للخلاف مبدأ سوى العناد { الله يجمع بيننا } يوم القيامة { وإليه المصير } مرجع الكل لفصل القضاء وليس في الآية ما يدل على متاركة الكفار رأسا حتى تكون منسوخة بآية القتال

16 - { والذين يحاجون في الله } في دينه { من بعد ما استجيب له } من بعد ما استجاب له الناس ودخلوا فيه أو من بعد ما استجاب الله لرسوله فأظهر دينه بنصره يوم بدر أو من بعد استجاب له أهل الكتاب بأن أقروا بنبوته واستفتحوا به { حجتهم داحضة عند ربهم } زائلة باطلة { وعليهم غضب } لمعاندتهم { ولهم عذاب شديد } على كفرهم

17 - { الله الذي أنزل الكتاب } جنس الكتاب { بالحق } ملتبسا بعيدا من الباطل أو بما يحق إنزاله من العقائد والأحكام { والميزان } والشرع الذي توزن به الحقوق ويسوي بين الناس أو العدل بأن أنزل الأمر به أو آلة الوزن بأن أوحى بإعدادها { وما يدريك لعل الساعة قريب } إتيانها فاتبع الكتاب واعمل بالشرع وواظب على العدل قبل أن يفاجئك اليوم الذي توزن فيه أعمالك وتوفى جزاءك وقيل تذكير القريب لأنه بمعنى ذات قرب أو لأن الساعة بمعنى البعث

18 - { يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها } استهزاء { والذين آمنوا مشفقون منها } خائفون منها مع اغتيابها لتوقع الثواب { ويعلمون أنها الحق } أ ي الكائن لا محالة { ألا إن الذين يمارون في الساعة } يجادلون فيها من المرية أو من مريت الناقة إذا مسحت ضرعها بشدة للحلب لأن كلا من المتجادلين يستخرج ما عند صاحبه بكلام فيه شدة { لفي ضلال بعيد } عن الحق فإن البعث أشبه الغائبات إلى المحسوسات فمن لم يهتد لتجويزه فهو أبعد عن الاهتداء إلى ما وراءه

19 - { الله لطيف بعباده } بربهم بصنوف من البر لا تبلغها الأفهام { يرزق من يشاء } أي يرزقه كما يشاء فيخص كلا من عباده بنوع من البر على ما اقتضته حكمته { وهو القوي } الباهر القدرة { العزيز } المنيع الذي لا يغلب

20 - { من كان يريد حرث الآخرة } ثوابها شبهه بالزرع من حيث أنه فائدة تحصل بعمل ولذلك قيل : الدنيا مزرعة الآخرة والحرث في الأصل إلقاء البذر في الأرض ويقال للزرع الحاصل منه { نزد له في حرثه } فنعطه بالواحد عشرا إلى سبعمائة فما فوقها { من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها } شيئا منها على ما قسمنا له { وما له في الآخرة من نصيب } إذ [ الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى ]

21 - { أم لهم شركاء } بل ألهم شركاء والهمزة للتقرير والتقريع وشركاؤهم شياطينهم { شرعوا لهم } بالتزيين { من الدين ما لم يأذن به الله } كالشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا وقيل شركاؤهم أوثانهم وإضافتها إليهم لأنهم متخذوها شركاء وإسناد الشرع إليها لأنها سبب ضلالهم وافتتانهم بما تدينوا به أو صور من سنة لهم { ولولا كلمة الفصل } أي القضاء السابق بتأجيل الجزاء أو العدة بأن الفصل يكون يوم القيامة { لقضي بينهم } بين الكافرين والمؤمنين أو المشركين وشركائهم { وإن الظالمين لهم عذاب أليم } وقرئ أن بالفتح عطفا على كلمة { الفصل } أي { ولولا كلمة الفصل } وتقدير عذاب الظالمين في الآخرة لقضي بينهم في الدنيا فإن العذاب الأليم غالب في عذاب الآخرة

22 - { ترى الظالمين } في القيامة { مشفقين } خائفين { مما كسبوا } من السيئات { وهو واقع بهم } أي وباله لاحق بهم أشفقوا { والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات } في أطيب بقاعها وأنزهها { لهم ما يشاؤون عند ربهم } أي ما يشتهونه ثابت لهم عند ربهم { ذلك } إشارة إلى المؤمنين { هو الفضل الكبير } الذي يصغر دونه ما لغيرهم في الدنيا

23 - { ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ذلك الثواب الذي يبشرهم الله به فحذف الجار ثم العائد أو ذلك التبشير الذي يبشره الله عباده وقرأ ابن كثير و أبو عمرو و حمزة و الكسائي يبشر من بشره وقرئ يبشر من أبشره { قل لا أسألكم عليه } على ما أتعاطاه من التبليغ والبشارة { أجرا } نفعا منكم { إلا المودة في القربى } أي تودوا قرابتي وقيل الاستثناء منقطع والمعنى : لا أسألكم أجرا قط ولكني أسألكم المودة و { في القربى } حال منها أي { إلا المودة } ثابتة في ذوي { القربى } متمكنة في أهلها أو في حق القرابة ومن أجلها كما جاء في الحديث [ الحب في الله والبغض في الله ] روي : [ أنها لما نزلت قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت مودتهم علينا قال : علي وفاطمة وابناهما ] وقيل { القربى } التقرب إلى الله أي إلا تودوا الله ورسوله في تقربكم إليه بالطاعة والعمل الصالح وقرئ إلا مودة في القربى { ومن يقترف حسنة } ومن يكتب طاعة سيما حب آل رسول الله صلى الله عليه و سلم وقيل نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ومودته لهم { نزد له فيها حسنا } في الحسنة بمضاعفة الثواب وقرئ يزد أي يزد الله وحسنى { إن الله غفور } لمن أذنب { شكور } لمن أطاع بتوفية الثواب والتفضل عليه بالزيادة

24 - { أم يقولون } بل أيقولون { افترى على الله كذبا } افترى محمد بدعوى النبوة أو القرآن { فإن يشإ الله يختم على قلبك } استبعاد للافتراء عن مثله بالإشعار على أنه إنما يجترئ عليه من كان مختوما على قلبه جاهلا بربه فأما من كان ذا بصيرة ومعرفة فلا وكأنه قال : إن يشأ الله خذلانك يختم على قلبك لتجترئ بالافتراء عليه وقيل يختم على قلبك يمسك القرآن أو الوحي عنه أو يربط عليه بالصبر فلا يشق عليك أذاهم { ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور } استئناف لنفي الافتراء عما يقوله بأنه لو كان مفترى لمحقه إذ من عادته تعالى محو الباطل وإثبات الحق بوحيه أو بقضائه أو بوعده بمحو باطلهم وإثبات حقه بالقرآن أو بقضائه الذي لا مرد له وسقوط الواو من { يمح } في بعض المصاحف لإتباع اللفظ كما في قوله تعالى : { ويدع الإنسان بالشر }

25 - { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده } بالتجاوز عما تابوا عنه والقبول يعدي إلى مفعول ثان بمن وعن لتضمنه معنى الأخذ والإبانة وقد عرفت حقيقة التوبة وعن علي رضي الله تعالى عنه : هي اسم يقع على ستة معان : على الماضي من الذنوب الندامة ولتضييع الفرائض الإعادة ورد المظالم وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية وإذاقتها مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية والبكاء بدل كل ضحك ضحكته { ويعفو عن السيئات } صغيرها وكبيرها لمن يشاء { ويعلم ما تفعلون } فيجازي ويتجاوز عن إتقان وحكمة وقرأ الكوفيون غير أبي بكر ما تفعلون بالتاء

26 - { ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات } أي يستجيب الله لهم فحذف اللام كما حذف في { وإذا كالوهم } والمراد إجابة الدعاء أو الإثابة على الطاعة فإنها كدعاء وطلب لما يترتب عليها ومنه قوله عليه الصلاة و السلام [ أفضل الدعاء الحمد لله ] أو يستجيبون لله بالطاعة إذا دعاهم إليها { ويزيدهم من فضله } على ما سألوا واستحقوا واستوجبوا له بالاستجابة { والكافرون لهم عذاب شديد } بدل ما للمؤمنين من الثواب والتفضل

27 - { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض } لتكبروا وأفسدوا فيها بطرا أو لبغى بعضهم على بعض استيلاء واستعلاء وهذا على الغالب وأصل البغي طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى كمية أو كيفية { ولكن ينزل بقدر } بتقدير { ما يشاء } كما اقتضته مشيئته { إنه بعباده خبير بصير } يعلم خفايا أمرهم و جلايا حالهم 0فيقدر لهم ما يناسب شأنهم روي أن أهل الصفة تمنوا الغنى فنزلت وقيل في العرب كانوا إذا أخصبوا تحاربوا وإذا أجدبوا انتجعوا

28 - { وهو الذي ينزل الغيث } المطر الذي يغيثهم من الجدب ولذلك خص بالنافع وقرأ نافع و ابن عامر ينزل بالتشديد { من بعد ما قنطوا } أيسوا منه وقرئ بكسر النون { وينشر رحمته } في كل شيء من السهل والجبل والنبات والحيوان { وهو الولي } الذي يتولى عباده بإحسانه ونشر رحمته { الحميد } المستحق للحمد على ذلك

29 - { ومن آياته خلق السموات والأرض } فإنها بذاتها وصفاتها تدل على وجود صانع قادر حكيم { وما بث فيهما } عطف على السموات ألو ال { خلق } { من دابة } من حي على إطلاق اسم المسبب على السبب أو مما يدب على الأرض وما يكون في أحد الشيئين يصدق أن فيها في الجملة { وهو على جمعهم إذا يشاء } أي في أي وقت يشاء { قدير } متمكن منه و { إذا } كما تدخل على الماضي تدخل على المضارع

30 - { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } فبسبب معاصيكم والفاء لأن { ما } شرطية أو متضمنة معناه ولم يذكرها نافع و ابن عامر استغناء بما في الباء من معنى السببية { ويعفو عن كثير } من الذنوب فلا يعاقب عليها والآية مخصوصة بالمجرمين فإن ما أصاب غيرهم فلأسباب أخر منها تعريضه للأجر العظيم بالصبر عليه

31 - { وما أنتم بمعجزين في الأرض } فائتين ما قضى عليكم من المصائب { وما لكم من دون الله من ولي } يحرصكم عنها { ولا نصير } يدفعها عنكم

32 - { ومن آياته الجوار } السفن الجارية { في البحر كالأعلام } كالجبال قالت الخنساء :
( وإن صخر لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار )

33 - { إن يشأ يسكن الريح } وقرئ الرياح { فيظللن رواكد على ظهره } فيبقين ثوابت على ظهر البحر { إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } لكل من وكل همته وحبس نفسه على النظر في آيات الله والتفكر في آلائه أو لكل مؤمن كامل الإيمان فإن الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر

34 - { أو يوبقهن } أو يهلكهن بإرسال الريح العاصفة المغرقة والمراد إهلاك أهلها لقوله تعالى : { بما كسبوا } وأصله أو يرسلها فيوبقهن لأنه قسيم يسكن فاقتصر فيه على المقصود كما في قوله تعالى : { ويعف عن كثير } إذ المعنى أو يرسلها فيوبق ناسا بذنوبهم وينج ناسا على العفو منهم وقرئ ويعفو على الاستئناف

35 - { ويعلم الذين يجادلون في آياتنا } عطف على علة مقدرة مثل لينتقم منهم { ويعلم } أو على الجزاء ونصب نصب الواقع جوارا للأشياء الستة لأنه أيضا غير واجب وقرأ نافع و ابن عامر بالرفع على الاستئناف وقرئ بالجزم عطفا على { يعف } فيكون المعنى ويجمع بين إهلاك قوم و إنجاء قوم وتحذير آخرين { لهم من محيص } محيد من العذاب والجملة معلق عنها الفعل

36 - { فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا } تمتعون به مدة حياتكم { وما عند الله } من ثواب الآخرة { خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } لخلوص نفعه ودوامه و { ما } الأولى موصولة تضمنت معنى الشرط من حيث أن إيتاء ما أوتوا سبب للتمتع بها في الحياة الدنيا فجاءت الفاء جوابها بخلاف الثانية وعن علي رضي الله تعالى عنه : تصدق أبو بكر رضي الله تعالى عنه بماله كله فلامه جمع فنزلت

37 - { والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون } { والذين } بما بعده عطف على { للذين آمنوا } أو مدح منصوب أو مرفوع وبناء { يغفرون } على ضميرهم خبرا للدلالة على أنهم الأخصاء بالمغفرة حال النصب وقرأ حمزة و الكسائي كبير الإثم

38 - { والذين استجابوا لربهم } نزلت في الأنصار دعاهم رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الإيمان فاستجابوا له { وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم } ذو شورى بينهم لا ينفردون برأي حتى يتشاورا ويجتمعوا عليه وذلك من فرط تدبرهم وتيقظهم في الأمور وهي مصدر كالفتيا بمعنى التشاور { ومما رزقناهم ينفقون } في سبيل الله الخير

39 - { والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون } على ما جعله الله لهم كراهة التذلل وهو وصفهم عن عجز المغفور بسائر أمهات الفضائل وهو لا يخالف وصفهم بالغفران فإنه ينبئ عن عجز المغفور والانتصار عن مقاومة الخصم والحلم عن العاجز محمود وعن المتغلب مذموم لأنه إجراء وإغراء على البغي ثم عقب وصفهم بالانتصار للمنع عن التعدي

40 - { وجزاء سيئة سيئة مثلها } وسمى الثانية { سيئة } للازدواج أو لأنها تسوء من تنزل به { فمن عفا وأصلح } بينه وبين عدوه { فأجره على الله } عدة مبهمة تدل على عظم الموعود { إنه لا يحب الظالمين } المبتدئين بالسيئة والمتجاوزين في الانتقام

41 - { ولمن انتصر بعد ظلمه } بعد ما ظلم وقد قرئ به { فأولئك ما عليهم من سبيل } بالمعاتبة والمعاقبة

42 - { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } يبتدئونهم بالإضرار وبطلبون ما لا يستحقونه تجبرا عليهم { ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم } على ظلمهم وبغيهم

43 - { ولمن صبر } على الأذى { وغفر } ولم ينتصر { إن ذلك لمن عزم الأمور } أي إن ذلك منه فحذف كما حذف في قولهم : السمن منوان بدرهم للعلم به

44 - { ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده } من ناصر يتولاه من بعد خذلان الله إياه { وترى الظالمين لما رأوا العذاب } حين يرونه فذكر بلفظ الماضي تحقيقا { يقولون هل إلى مرد من سبيل } هل إلى رجعة إلى الدنيا

45 - { وتراهم يعرضون عليها } على النار ويدل عليه { العذاب } { خاشعين من الذل } متذللين متقاصرين مما يلحقهم من الذل { ينظرون من طرف خفي } أيبتدئ نظرهم إلى النار مع تحريك لأجفانهم ضعيف كالمصبور ينظر إلى السيف { وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم } بالتعريض للعذاب المخلد { يوم القيامة } ظرف ل { خسروا } والقول في الدنيا أو لقال أي يقولون إذا رأوهم على تلك الحال { ألا إن الظالمين في عذاب مقيم } تمام كلامهم أو تصديق من الله لهم

46 - { وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله فما له من سبيل } إلى الهدى أو النجاة

47 - { استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله } لا يرده الله بعدما حكم به و { من } صلة ل { مرد } وقيل صلة { يأتي } أي من قبل أن يأتي يوم من الله لا يمكن رده { ما لكم من ملجأ } مفر { يومئذ وما لكم من نكير } إنكار لما اقترفتموه لأنه مدون في صحائف أعمالكم تشهد عليه ألسنتكم وجوار حكم

48 - { فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا } رقيبا أو محاسبا { إن عليك إلا البلاغ } وقد بلغت { و إنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها } أراد بالإنسان الجنس لقوله : { وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور } بليغ الكفران ينسى النعمة رأسا ويذكر البلية ويعظمها ولا يتأمل سببها وهدا وإن اختص بالمجرمين جاز إسناده إلى الجنس لغلبتهم واندراجهم فيه وتصدير الشرطية الأولى ب { إذا } والثانية ب { إن } لأن إذاقة النعمة محققة من حيث أنها عادة مقتضاة بالذات بخلاف إصابة البلية وإقامة علة الجزاء مقامه ووضع الظاهر موضع المضمر في الثانية للدلالة على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعمة

49 - { لله ملك السموات والأرض } فله أن يقسم النعمة والبلية كيف يشاء { يخلق ما يشاء } من غير لزوم ومجال اعتراض { يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور }

50 - { أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما } بدل من { يخلق } بدل البعض والمعنى يجعل أحوال العباد في الأولاد مختلفة على مقتضى المشيئة فيهب لبعض إما صنفا واحدا من ذكر أو أنثى أو الصنفين جميعا ويعقم آخرين ولعل تقديم الإناث لأنها أكثر لتكبير النسل أو لأن مساق الآية للدلالة على أن الواقع ما يتعلق به مشيئة الله لا مشيئة الإنسان والإناث كذلك أو لأن الكلام في البلاء والعرب تعدهن بلاء أو لتطييب قلوب آبائهن أو للمحافظة على الفواصل ولذلك عرف الذكور أو لجبر التأخير وتغيير العاطف في الثلث لأنه فسم المشترك بين القسمين ولم يحتج إليه الرابع لا فصاحة بأنه قسيم المشترك بين الأقسام المتقدمة { إنه عليم قدير } فيفعل بحكمة واختيار

سورة الزخرف
51 - وحيا } كلاما خفيا يدرك لأنه بسرعة تمثيل ليس في ذاته مركبا من حروف مقطعة تتوقف على تموجات متعاقبة وهو ما يعم المشاقه به كما روي في الحديث المعراج وما وعد به في حديث الرؤية والمهتف به كما اتفق لموسى في طوى والطور ولكن عطف قوله : { أو من وراء حجاب } عليه يخصه بالأول فالآية دليل على جواز الرؤية لا على امتناعها وقيل المراد به الإلهام والإلقاء في الروع أو الوحي المنزل به الملك إلى الرسل فيكون المراد بقوله : { أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء } أو يرسل إليه نبيا فيبلغ وحيه كما أمره وعلى الأول المراد بالرسول الملك الموحي إلى الرسل ووحيا بما عطف عليه منتصب بالمصدر لأن { من وراء حجاب } صفة كلام محذوف والإرسال نوع من الكلام ويجوز أن يكون وحيا ويرسل مصدرين و { من وراء حجاب } ظرفا وقعت أحوالا وقرأ نافع { أو يرسل } برفع اللام { إنه علي } عن صفات المخلوقين { حكيم } يفعل ما تقتضيه حكمته فيكلم تارة بوسط وتارة بغير وسط إما عيانا و إما من وراء حجاب

52 - { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } يعني ما أوحي إليه وسماه روحا لأن القلوب تحيا به وقيل جبريل والمعنى أرسلناه إليك بالوحي { ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان } أي قبل الوحي وهو دليل على أنه لم يكن متعبدا قيل النبوة بشرع وقيل المراد هو الإيمان بما لا طريق إليه إلا السمع { ولكن جعلناه } أي الروح أو الكتاب أو الإيمان { نورا نهدي به من نشاء من عبادنا } بالتوفيق للقبول والنظر فيه { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } هو الإسلام وقرئ لتهدى أي ليهديك الله

53 - { صراط الله } بدل من الأول { الذي له ما في السموات وما في الأرض } خلقا وملكا { ألا إلى الله تصير الأمور } بارتفاع الوسائط والتعلقات وفيه وعد ووعيد للمطيعين والمجرمين عن النبي صلى الله عليه و سلم [ من قرأ حم عسق كان ممن تصلي عليه الملائكة ويستغفرون له ويسترحمون له ]

1 - { حم }

2 - { والكتاب المبين }

3 - { إنا جعلناه قرآنا عربيا } أقسم بالقرآن على أنه جعله قرآنا عربيا وهو من البدائع لتناسب القسم والمقسم عليه كقول أبي تمام :
( وثناياك أنها إغريض )
ولعل إقسام الله بالأشياء استشهاد بما فيها من الدلالة على المقسم عليه وبالقرآن من حيث أنه معجز مبين لطرق الهدى وما يحتاج إليه في الديانة أو بين للعرب ما يدل على أنه تعالى صيره كذلك { لعلكم تعقلون } لكي تفهموا معانيه

4 - { وإنه } عطف على إنا وقرأ حمزة و الكسائي بالكسر على الاستئناف { في أم الكتاب } في اللوح المحفوظ فإنه أصل الكتب السماوية وقرئ أم الكتاب بالكسر { لدينا } محفوظا عندنا عن التغيير { لعلي } رفيع الشأن في الكتب لكونه معجزا من بينها { حكيم } ذو حكمة بالغة أو محكم لا ينسخه غيره وهما خبران لأن { في أم الكتاب } متعلق ب { لعلي } واللام لا تمنعه أو حال منه و { لدينا } بدل منه أو حال من { أم الكتاب }

5 - { أفنضرب عنكم الذكر صفحا } أفنذوده ونبعده عنكم مجاز من قولهم : ضرب الغرائب عن الحوض قال طرفة :
( اضرب عنك الهموم طارقها ... ضربك بالسيف قونس الفرس )
والفاء للعطف على محذوف أي انهملكم فنضرب { عنكم الذكر } و { صفحا } مصدر من غير لفظه فإن تنحية الذكر عنهم إعراض أو مفعول له أو حال بمعنى صافحين و أصله أن تولي الشيء صفحة عنقك وقيل إنه بمعنى الجانب فيكون ظرفا ويؤيده أنه قرئ صفحا بالضم وحينئذ يحتمل أن يكون تخفيف صفح جمع صفوح بمعنى صافحين والمراد إنكار أن يكون الأمر على خلاف ما ذكر من إنزال الكتاب على لغتهم ليفهموه { أن كنتم قوما مسرفين } أي لأن كنتم وهو في الحقيقة علة مقتضية لترك الإعراض عنهم وقرأ نافع و حمزة و الكسائي { إن } بالكسر على أن الجملة شرطية مخرجة للمحقق مخرج المشكوك استجهالا لهم وما قبلها دليل الجزاء

6 - { وكم أرسلنا من نبي في الأولين }

7 - { وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون } تسلية لرسول الله صلى الله عليه و سلم عن استهزاء قومه

8 - { فأهلكنا أشد منهم بطشا } أي من القوم المسرفين لأنه صرف الخطاب عنهم إلى الرسول مخبرا عنهم { ومضى مثل الأولين } وسلف في القرآن قصتهم العجيبة وفيه وعد للرسول ووعيد لهم بمثل ما جرى على الأولين

9 - { ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم } لعله لازم مقولهم أو ما دل عليه إجمالا أقيم مقامه تقريرا لإلزام الحجة عليهم فكأنهم قالوا الله كما حكي عنهم في مواضع أخر وهو الذي من صفته ما سرد من الصفات ويجوز أن يكون مقولهم وما بعده استئناف { الذي جعل لكم الأرض مهدا } فتستقرون فيها وقرئ غير الكوفيون مهادا بالإلف

10 - { وجعل لكم فيها سبلا } تسلكونها { لعلكم تهتدون } لكي تهتدوا إلى مقاصدكم أو إلى حكمة الصانع بالنظر في ذلك

11 - { والذي نزل من السماء ماء بقدر } بمقدار ينفع ولا يضر { فأنشرنا به بلدة ميتا } مال عنه الماء وتذكيره لأن البلدة والمكان { كذلك } مثل ذلك الإنشار { تخرجون } تنشرون من قبوركم وقرأ ابن عامر و حمزة و الكسائي { تخرجون } بفتح التاء وضم الراء

12 - { والذي خلق الأزواج كلها } أصناف المخلوقات { وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون } ما تركبونه على تغليب المتعدي بنفسه على المتعدي بغيره إذ يقال : ركبت الدابة وركبت في السفينة أو المخلوق للركوب على المصنوع له أو الغالب على النادر ولذلك قال :

13 - { لتستووا على ظهوره } أي ظهور ما تركبون وجمعه للمعنى { ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه } تذكروها بقلوبكم معترفين بها حامدين عليها { وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين } مطيقين من أقرن الشيء إذا أطاقه وأصله وجد قرينته إذ الصعب لا يكون قرينة الضعيف وقرئ بالتشديد والمعنى واحد وعنه عليه الصلاة و السلام [ أنه كان إذا وضع رجله في الركاب قال : بسم الله فإذا استوى على الدابة قال : الحمد لله على كل حال ] { سبحان الذي سخر لنا هذا } إلى قوله :

14 - { وإنا إلى ربنا لمنقلبون } أي راجعون واتصاله بذلك لأن الركوب للتنقل والنقلة العظمى هو الانقلاب إلى الله تعالى أو لأنه مخطر فينبغي للراكب أن لا يغفل عنه ويستعد للقاء الله تعالى

15 - { وجعلوا له من عباده جزءا } متصل بقوله : { ولئن سألتهم } أي وقد جعلوا له بعد ذلك الاعتراف من عباده ولدا فقالوا الملائكة بنات الله ولعله سماه جزءا كما سمي بعضا لأنه بضعة من الوالد دلالة على استحالته على الواحد الحق في ذاته وقرأ أبو بكر جزأ بضمتين { إن الإنسان لكفور مبين } ظاهر الكفران ومن ذلك نسبة الولد إلى الله لأنهما من فرط الجهل به والتحقير لشأنه

16 - { أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين } معنى الهمزة في { أم } للإنكار والتعجب من شأنهم حيث لم يقتعوا بأن جعلوا له جزءا حتى جعلوا له من مخلوقاته أجزاء أخس مما اختير لهم وأبغض الأشياء إليهم بحيث إذا بشر أحدهم بها اشتد غمه به كما قال :

17 - { وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا } بالجنس الذي جعله له مثلا إذ الولد لا بد وأن يماثل الوالد { ظل وجهه مسودا } صار وجهه أسود في الغاية لما يعتريه من الكآبة { وهو كظيم } مملوء قلبه من الكرب وفي ذلك دلالات على فساد ما قالوه وتعريف البنين بما مر في الذكور وقرئ مسود و مسواد على أن في { ظل } ضمير المبشر و وجهه مسود جملة وقعت خبرا

18 - { أو من ينشأ في الحلية } أي أو جعلوا له أو اتخذ من يتربى في الزينة يعني البنات { وهو في الخصام } في المجادلة { غير مبين } مقرر لما يدعيه من نقصان العقل وضعف الرأي ويجوز أن يكون من مبتدأ محذوف الخبر أي أو من هذا حالة ولده و { في الخصام } متعلق ب { مبين } وإضافة { غير } إليه لا يمنعه لما عرفت وقرأ حمزة و الكسائي و حفص { ينشأ } أي يربي وقرئ { ينشأ } و يناشأ بمعناه ونظير ذلك أعلاه وعلاه وعالاه بمعنى

19 - { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا } كفر آخر تضمنه مقالهم شنع به عليهم وهو جعلهم أكمل العباد وأكرمهم على الله تعالى أنقصهم رأيا وأخسهم صنفا وقرئ عبيد و الحجازيان و ابن عامر و يعقوب عند على تمثيل زلفاهم وقرئ أنثا وهو جمع الجمع { أشهدوا خلقهم } أحضروا خلق الله إياهم فشاهدوهم إناثا فإن ذلك مما يعلم بالمشاهدة وهو تجهيل وتهكم به وقرأ نافع أشهدوا بهمزة الاستفهام وهمزة مضمومة بين بين و آأشهدوا بمدة بينهما { ستكتب شهادتهم } التي شهدوا بها على الملائكة { ويسألون } أي عنها يوم القيامة وهو وعيد شديد و قرئ سيكتب و سنكتب بالياء والنون و شهاداتهم وهي أن الله جزء أو أن له بنات وهن الملائكة ويساءلون من المساءلة

20 - { وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم } أي لو شاء عدم عبادة الملائكة ما عبدناهم فاستدلوا بنفي مشيئته عدم العبادة على امتناع النهي عنها أو على حسنها وذلك باطل لأن المشيئة ترجح بعض الممكنات على بعض مأمورا كان أو منهيا حسنا كان أو غيره ولذلك جهلهم فقال : { ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون } يتمحلون تمحلا باطلا ويجوز أن تكون الإشارة إلى أصل الدعوى كأنه لما أبدى وجوه فسادها وحكى شبهتهم المزيفة نفى أن يكون لهم بها علم من طريق العقل ثم أضرب عنه إلى إنكار أن يكون لهم سند من جهة النقل فقال :

21 - { أم آتيناهم كتابا من قبله } من قبل القرآن أو ادعائهم ينطق على صحة ما قالوه { فهم به مستمسكون } بذلك الكتاب متمسكون

22 - { بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة و إنا على آثارهم مهتدون } أي لا حجة لهم على عقلية ولا نقلية و إنما جنحوا فيه إلى تقليد آبائهم الجهلة و ال { أمة } الطريقة التي تؤم كالراحلة للمرحول إليه وقرئت بالكسر وهي الحالة التي يكون عليها الأم أي القاصد ومنها الدين

23 - { وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون } تسلية لرسول الله صلى الله عليه و سلم ودلالة على أن التقليد في نحو ذلك ضلال قديم وأن مقدميهم أيضا لم يكن لهم سند منظور إليه وتخصيص المترفين إشعار بأن التنعم وحب البطالة صرفهم عن النظر إلى التقليد

24 - { قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم } أي أتتبعون آبائكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم وهي حكاية أمر ماض أو حي إلى النذير أو خطاب لرسول الله صلى الله صلى الله ويؤيد الأول أنه قرأ ابن عامر و حفص { قال } وقوله : { قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون } أي وإن كان أهدى إقناطا للنذير من أن ينظروا أو يتفكروا فيه

25 - { فانتقمنا منهم } بالاستئصال { فانظر كيف كان عاقبة المكذبين } ولا تكترث بتكذيبهم

26 - { وإذ قال إبراهيم } واذكر وقت قوله هذا ليروا كيف تبرأ عن التقليد وتمسك بالدليل أو ليقلدوه إن لم يكن لهم بد من التقليد فإنه أشرف آبائهم { لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون } بريء من عبادتكم أو معبودكم مصدر نعت به ولذلك استوى فيه الواحد والمتعدد والمذكر والمؤنث وقرئ بريء و براء ككريم وكرام

27 - { إلا الذي فطرني } استثناء منقطع أو متصل على أن ما يعم أولي العلم وغيرهم وأنهم كانوا يعبدون الله والأصنام والأوثان أو صفة على أن ما موصوفة أي إنني بريء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني { فإنه سيهدين } سيثبتني على الهداية أو سيهديني إلى ما وراء ما هداني إليه

28 - { وجعلها } وجعل إبراهيم عليه الصلاة و السلام أو الله كلمة التوحيد { كلمة باقية في عقبه } في ذريته فيكون فيهم أبدا من يوحد الله ويدعو إلى توحيده وقرئ { كلمة } و { في عقبه } على التخفيف و في عاقبه أي فيمن عقبه { لعلهم يرجعون } يرجع من أشرك بدعاء من وحد

29 - { بل متعت هؤلاء وآباءهم } هؤلاء المعاصرين للرسول صلى الله عليه و سلم من قريش وآباءهم بالمد في العمر والنعمة فاغتروا لذلك وانهمكوا في الشهوات وقرئ منعت بالفتح على أنه تعالى اعتراض به على ذاته في قوله : { وجعلها كلمة باقية } مبالغة في تعييرهم { حتى جاءهم الحق } دعوة التوحيد أو القرآن { ورسول مبين } ظاهر الرسالة بما له من المعجزات أو { مبين } للتوحيد بالحجج والآيات

30 - { ولما جاءهم الحق } لينبههم عن غفلتهم { قالوا هذا سحر وإنا به كافرون } زادوا شرارة فضموا إلى شركهم معاندة الحق والاستخفاف به فسموا القرآن سحرا وكفروا به واستحقروا الرسول

31 - { وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين } من إحدى القريتين مكة والطائف { عظيم } بالجاه والمال كالوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي فإن الرسالة منصب عظيم لا يليق إلا بعظيم ولم يعلموا أنها رتبة روحانية تستدعي عظم النفس بالتحلي بالفضائل والكمالات القدسية لا التزخرف بالزخارف الدنيوية

32 - { أهم يقسمون رحمة ربك } إنكار فيه تجهيل وتعجيب من تحكمهم والمراد بالرحمة النبوة { نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا } وهم عاجزون عن تدبيرها وهي خويصة أمرهم في دنياهم فمن أين لهم أن يدبروا أمر النبوة التي هي أعلى المراتب الإنسية وإطلاق المعيشة يقتضي أن يكون حلالها وحرامها من الله { ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات } وأوقعنا بينهم التفاوت في الرزق وغيره { ليتخذ بعضهم بعضا سخريا } ليستعمل بعضهم بعضا في حوائجهم فيحصل بينهم تآلف وتضام ينتظم بذلك نظام العالم لا لكمال في الموسع ولا لنقص في المقتر ثم إنه لا اعتراض لهم علينا في ذلك ولا تصرف فكيف يكون فيما هو أعلى منه { ورحمة ربك } يعني هذه النبوة وما يتبعها { خير مما يجمعون } من حطام الدنيا والعظيم من رزق منها لا منه

33 - { ولولا أن يكون الناس أمة واحدة } لولا أن يرغبوا في الكفر إذا رأوا الكفار في سعة وتنعم لحبهم الدنيا فيجتمعوا عليه { لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج } ومصاعد جمع معراج وقرئ و معاريج جمع معراج { عليها يظهرون } يعلون السطوح لحقارة الدنيا

34 - { و لبيوتهم } بدل من { لمن } بدل الاشتمال أو على كقولك : وهبت له ثوبا لقميصه وقرأ ابن كثير و أبو عمرو وسقفا اكتفاء بجميع البيوت وقرئ سقفا بالتخفيف و سقوفا و سقفا وهي لغة في سقف { ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون } أي أبوابا وسررا من فضة

35 - { وزخرفا } وزينة عطف على { سقفا } أو ذهبا عطف على محل من فضة { وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا } إن هي المخففة واللام هي الفارقة وقرأ عاصم و حمزة و هشام بخلاف عنه لما بالتشديد بمعنى إلا وأن نافية وقرئ به مع أن وما { والآخرة عند ربك للمتقين } عن الكفر والمعاصي وفيه دلالة على أن العظيم هو العظيم في الآخرة لا في الدنيا وإشعار بما لأجله لم يجعل ذلك للمؤمنين حتى يجتمع الناس على الإيمان وهو إنه تمتع قليل بالإضافة إلى ما لهم في الآخرة مخل به في الإغلب لما فيه من الآفات قل من يتخلص عنها كما أشار إليه بقوله :

36 - { ومن يعش عن ذكر الرحمن } يتعام ويعرض عنه لفرط اشتغاله بالمحسوسات وانهماكه في الشهوات وقرئ يعش بالفتح أي يعم يقال عشي إذا كان في بصره آفة وعشى إذا تعشى بلا آفة كعراج وعرج وقرئ يعشو على أن { من } موصولة { نقيض له شيطانا فهو له قرين } يوسوسه ويغريه دائما وقرأ يعقوب بالياء على إسناده إلى ضمير { الرحمن } ومن رفع يعشو ينبغي أن يرفع { نقيض }

37 - { وإنهم ليصدونهم عن السبيل } عن الطريق الذي من حقه أن يسبل وجمع الضميرين للمعنى إذ المراد جنس العاشي والشيطان المقيض له { ويحسبون أنهم مهتدون } الضمائر الثلاثة الأول له والباقيان للشيطان

38 - { حتى إذا جاءنا } أي العاشي وقرأ الحجازيان و ابن عامر و أبو بكر جاءانا أي العاشي والشيطان { قال } أي العاشي للشيطان { يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين } بعد المشرق من المغرب فغلب المشرق وثنى وأضيف البعد إليهما { فبئس القرين } أنت

39 - { ولن ينفعكم اليوم } أي ما أنتم عليه من التمني { إذ ظلمتم } إذ صح إنكم ظلمتم أنفسكم في الدنيا بدل من { اليوم } { أنكم في العذاب مشتركون } لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وشياطينكم في العذاب كما كنتم مشتركين في سببه ويجوز أن يسند الفعل إليه بمعنى ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب كما ينفع الواقعين في أمر صعب معاونتهم في تحمل أعبائه وتقسمهم لمكابدة عنائه إذ لكل منكم ما لا تسعه طاقته وقرئ { إنكم } بالكسر وهو يقوي الأول

40 - { أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي } إنكار و تعجب من أن تحمل هو الذي يقدر على هدايتهم بعد تمرنهم على الكفر واستغراقهم في الضلال بحيث صار عشاهم عمى مقرونا بالصمم كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يتعب نفسه في دعاء قومه وهم لا يزيدون إلا غنيا فنزلت { ومن كان في ضلال مبين } عطف على { العمى } باعتبار تغاير الوصفين وفيه إشعار بأن الوجب لذلك تمكنهم في ضلال لا يخفى

41 - { فإما نذهبن بك } أي فإن قبضناك قبل أن نبصرك عذابهم و ما مزيدة مؤكدة بمنزلة لام القسم في استجلاب النون المؤكدة { فإنا منهم منتقمون } بعذاب في الدنيا والآخرة

42 - { أو نرينك الذي وعدناهم } أو إن أردنا أن نريك ما وعدناهم من العذاب وقرأ يعقوب برواية رويس أو { نرينك } بإسكان النون وكذا { نذهبن } { فإنا عليهم مقتدرون } لا يفوتوننا

43 - { فاستمسك بالذي أوحي إليك } من الآيات والشرائع وقرئ أوحي على البناء للفاعل وهو الله تعالى { إنك على صراط مستقيم } لا عوج له

44 - { وإنه لذكر لك } لشرف لك { ولقومك وسوف تسألون } أي عنه يوم القيامة وعن قيامكم بحقة

45 - { واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا } أي واسأل أممهم وعلماء دينهم وقرأ ابن كثير و الكسائي بتخفيف الهمزة { أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون } هل حكمنا بعبادة الأوثان وهل جاءت في ملة من مللهم والمراد به الاستشهاد بإجماع الأنبياء على التوحيد والدلالة على أنه ليس بدع فيكذب ويعادي له فإنه كان أقوى ما حملهم على التكذيب والمخالفة

46 - { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إني رسول رب العالمين } يريد باقتصاصه تسلية رسول الله صلى الله عليه و سلم ومناقضة قولهم { لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } والاستشهاد بدعوة موسى عليه السلام إلى التوحيد ليتأملوا فيها

47 - { فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون } فاجئوا وقت ضحكهم منها أو استهزؤوا بها أول ما رأوها ولم يتأملوا فيها

48 - { وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها } إلا هي بالغة أقصى درجات الإعجاز بحيث يحسب الناظر فيها أنها أكبر مما يقاس إليها من الآيات والمراد وصف الكل بالكبر كقولك : رأيت رجالا بعضهم أفضل من بعض و كقوله :
( من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري )
أو { إلا } وهي مختصة بنوع من الإعجاز مفضلة على غيرها بذلك الاعتبار { وأخذناهم بالعذاب } كالسنين والطوفان والجراد { لعلهم يرجعون } على وجه يرجى رجوعهم

49 - { وقالوا يا أيها الساحر } نادوه بذلك في تلك الحال لشدة شكيمتهم وفرط حماقتهم أو لأنهم كانوا يسمون العالم الماهر ساحرا وقرأ ابن عامر بضم الهاء { ادع لنا ربك } فيكشف عنا العذاب { بما عهد عندك } بعهده عندك من النبوة أو من أن يستجيب دعوتك أو أن يكشف العذاب عمن اهتدى أو { بما عهد عندك } فوفيت به وهو الإيمان والطاعة { إننا لمهتدون }

50 - { فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون } فاجئوا نكث عهدهم بالاهتداء

51 - { ونادى فرعون } بنفسه أو بمناديه { في قومه } في مجمعهم أو فيما بينهم بعد كشف العذاب عنهم مخافة أن يؤمن بعضهم { قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار } أنهار النيل ومعظمها أربعة أنهر : نهر الملك ونهر طولون ونهر دمياط و نهر تنيس { تجري من تحتي } تحت قصري أو أمري أو بين يدي في جناني والواو إما عاطفة لهذه { الأنهار } على الملك و { تجري } حال منها أو واو حال وهذه مبتدأ و { الأنهار } صفتها و { تجري } خبرها { أفلا تبصرون } ذلك

52 - { أم أنا خير } مع هذه المملكة والبسطة { من هذا الذي هو مهين } ضعيف حقير لا يستعد للرئاسة من المهانة وهي القلة { ولا يكاد يبين } الكلام لما به من الرتة فكيف يصلح للرسالة و { أم } إما منقطعة والهمزة فيها للتقرير إذ قدم من أسباب فضله أو متصلة على إقامة المسبب مقام السبب والمعنى أفلا تبصرون أم تبصرون فتعلمون أني خير منه

53 - { فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب } أي فهلا ألقي عليه مقاليد الملك إن كان صادقا إذ كانوا إذا سودوا رجلا سوروه وطوقوه بسوار وطوق من ذهب وأساورة جمع أسوار بمعنى السوار على تعويض التاء من ياء أساوير وقد قرئ به وقرأ يعقوب و حفص أسورة وهي جمع سوار وقرئ أساور جمع أسورة و ألقي عليه أسورة و أساور على البناء للفاعل وهو الله تعالى { أو جاء معه الملائكة مقترنين } مقرونين يعينونه أو يصدقونه من قرنته به فاقترن أو متقارنين من اقترن بمعنى تقارن

54 - { فاستخف قومه } فطلب منهم الخفة في مطاوعته أو فاستخف أحلامهم { فأطاعوه } فيما أمرهم به { إنهم كانوا قوما فاسقين } فلذلك أطاعوا ذلك الفاسق

55 - { فلما آسفونا } أغضبونا بالإفراط في العناد والعصيان منقول من أسف إذا اشتد غضبه { انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين } في اليم

56 - { فجعلناهم سلفا } قدوة لمن بعدهم من الكفار يقتدون به في استحقاق مثل عقابهم مصدر نعت به أو جمع سالف كخدم وخادم وقرأ حمزة و الكسائي بضم السين واللام جمع سليف كرغف ورغيف أو سالف كصبر جمع صابر أو سلف كخشب وقرئ سلفا بإبدال ضمة اللام فتحة أو على أنه جمع سلفة أي ثلة قد سلفت { ومثلا للآخرين } وعظة لهم أو قصة عجيبة تسير مسير الأمثال لهم فيقال : مثلكم مثل قوم فرعون

57 - { ولما ضرب ابن مريم مثلا } أي ضربه ابن الزبعري لما جادل رسول الله صلى الله عليه و سلم في قوله تعالى : { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } أو غيره بأن قال النصارى أهل كتاب وهم يعبدون عيسى عليه السلام ويزعمون أنه ابن الله والملائكة أولى بذلك أو على قوله تعالى : { واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا } أو أن مححمدا يريد أن نعبده كما عبد المسيح { إذا قومك } في قريش { منه } من هذا المثل { يصدون } يضجون فرحا لظنهم أن الرسول صلى الله عليه و سلم صار ملزما به قرأ نافع و ابن عامر و الكسائي بالضم من الصدود أي يصدون عن الحق ويعرضون عنه وقيل هما لغتان نحو يعكف ويعكف

58 - { وقالوا أآلهتنا خير أم هو } أي آلهتنا خير عندك أم عيسى عليه السلام فإن يكن في النار فلتكن آلهتنا معه أو آلهتنا الملائكة خير أم عيسى عليه السلام فإذا أجاز أن يعبد ويكون ان الله آلهتنا أولى بذلك أو آلهتنا خير أم محمد صلى الله عليه و سلم فنعبده وندع آلهتنا وقرأ الكوفيون أآلهتنا بتحقيق الهمزة وألف بعدهما { ما ضربوه لك إلا جدلا } ما ضربوا هذا المثل إلا لأجل الجدل والخصومة لا لتمييز الحق من الباطل { بل هم قوم خصمون } شداد الخصومة حراص على اللجاج

59 - { إن هو إلا عبد أنعمنا عليه } بالنبوة { وجعلناه مثلا لبني إسرائيل } أمرا عجيبا كالمثل السائر لبني إسرائيل وهو كالجواب المزيح لتلك الشبهة

60 - { ولو نشاء لجعلنا منكم } لولدنا منكم يا رجال كما ولدنا عيسى من غير أب أو لجعلنا بدلكم { ملائكة في الأرض يخلفون } ملائكة يخلفونكم في الأرض والمعنى أن حال عيسى عليه السلام وإن كانت عجيبة فإنه تعالى قادر على ما هو أعجب من ذلك وأن الملائكة مثلكم من حيث أنها ذوات ممكنة يحتمل خلقها توليدا كما جاز خلقها إبداعا فمن أين لهم استحقاق الألوهية والانتساب إلى الله سبحانه وتعالى

61 - { وإنه } وإن عيسى عليه السلام { لعلم للساعة } لأن حدوثه أو نزوله من أشرط الساعة يعلم به دنوها أو لأن احياء الموتى يدل على قدرة الله تعالة عليه وقرئ { لعلم } أي لعلامة ولذكر على تسمية ما يذكر به ذكرا وفي الحديث [ ينزل عيسى عليه السلام على ثنية بالأرض المقدسة يقال لها أفيق وبيده حربة يقتل بها الدجال فيأتي بيت المقدس والناس في صلاة الصبح فيتأخر الإمام فيقدمه عيسى عليه الصلاة و السلام ويصلي خلفه على شريعة محمد عليه الصلاة و السلام ثم يقتل الخنازير ويكسر الصليب ويخرب البيع والكنائس ويقتل النصارى إلا من آمن به ] وقيل الضمير للقرآن فإن فيه الإعلام بالساعة والدلالة عليها { فلا تمترن بها } فلا تشكن فيها { واتبعون } واتبعوا هداي أو شرعي أو رسولي وقيل هو قول الرسول صلى الله عليه و سلم أمر أن يقوله { هذا } الذي أدعوكم إليه { صراط مستقيم } لا يضل سالكه

62 - { ولا يصدنكم الشيطان } عن المتابعة { إنه لكم عدو مبين } ثابت عداوته بأن أخرجكم عن الجنة وعرضكم للبلية

63 - { ولما جاء عيسى بالبينات } بالمعجزات أو بآيات الإنجيل أو بالشرائع الواضحات { قال قد جئتكم بالحكمة } بالإنجيل أو بالشريعة { ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه } وهو ما يكون من أمر الدين لا ما يتعلق بأمر الدنيا فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يبعثوا لبيانه ولذلك قال عليه الصلاة و السلام [ أنتم أعلم بأمر دنياكم ] { فاتقوا الله وأطيعون } فيما أبلغه عنه

64 - { إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه } بيان لما أمرهم بالطاعة فيه وهو اعتقاد التوحيد والتعبد بالشرائع { هذا صراط مستقيم } الإشارة إلى مجموع الأمرين وهو تتمة كلام عيسى عليه الصلاة و السلام أو استئناف من الله تعالى يدل على ما هو المقتضي للطاعة في ذلك

65 - { فاختلف الأحزاب } الفرق المتحزبة { من بينهم } من بين النصارى أو اليهود والنصارى من بين قومه المبعوث إليهم { فويل للذين ظلموا } من المتحزبين { من عذاب يوم أليم } هو القيامة

66 - { هل ينظرون إلا الساعة } الضمير لقريش أو { للذين ظلموا } { أن تأتيهم } بدل من { الساعة } والمعنى هل ينظرون إلا إتيان الساعة { بغتة } فجأة { وهم لا يشعرون } غافلون عنها لاشتغالهم بأمور الدنيا وإنكارهم لها

67 - { الأخلاء } الأحباء { يومئذ بعضهم لبعض عدو } أي يتعادون يومئذ لانقطاع العلق لظهور ما كانوا يتخالون له سببا للعذاب { إلا المتقين } فإن خلتهم لما كانت في الله تبقى نافعة أبد الآباد

68 - { يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون } حكاية لما ينادي به المتقون المتحابون في الله يومئذ وقرأ ابن كثير و حمزة و الكسائي و حفص بغير الياء

69 - { الذين آمنوا بآياتنا } صفة المنادي { وكانوا مسلمين } حال من الواو أي الذين آمنوا مخلصين غير أن هذه العبارة آكد وأبلغ

70 - { ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم } نساؤكم المؤمنات { تحبرون } تسرون سرورا يظهر حباره أي أثره على وجوهكم أو تزينون من الحبر وهو حسن الهيئة أو تكرمون إكراما يبالغ فيه والحبرة المبالغة فيما وصف بجميل

71 - { يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب } الصحاف جمع صحفة والأكواب جمع كوب وهو كوز لا عروة له { وفيها } وفي الجنة { ما تشتهيه الأنفس } وقرأ نافع و ابن عامر و حفص { تشتهيه الأنفس } على الأصل { وتلذ الأعين } بمشاهدته وذلك تعميم بعد تخصيص ما يعد من الزوائد في التنعم والتلذذ { وأنتم فيها خالدون } فإن كل نعيم زائل موجب لكلفة الحفظ وخوف الزوال ومستعقب للتحسر في ثاني الحال

72 - { وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون } وقرأ وثتموها شبه جزاء العمل بالميراث لأنه يخلفه عليه العامل وتلك إشارة إلى الجنة المذكورة وقعت مبتدأ والجنة خبرها و { التي أورثتموها } صفتها أو { الجنة } صفة { تلك } و { التي } خبرها أو صفة { الجنة } والخبر { بما كنتم تعملون } وعليه يتعلق الباء بمحذوف لا ب { أورثتموها }

73 - { لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون } بعضها تأكلون لكثرتها ودوام نوعها ! ولعل تفصيل التنعم بالمطاعم والملابس وتكريره في القرآن وهو حقير بالإضافة إلى سائر نعائم الجنة لما كان بهم من الشدة والفاقة

74 - { إن المجرمين } الكاملين في الإجرام وهم الكفار لأنه جعل قسيم المؤمنين بالآيات وحكى عنهم ما يخص بالكفار { في عذاب جهنم خالدون } خبر إن أو خالدون خبر والظرف متعلق به

75 - { لا يفتر عنهم } لا يخفف عنهم من فترت عنه الحمى إذا سكنت قليلا والتركيب للضعف { وهم فيه } في العذاب { مبلسون }

76 - { وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين } مر مثله غير مرة وهم فصل

77 - { ونادوا يا مالك } وقرئ يا مال على الترخيم مكسورا ومضموما ولعله إشعار بأنهم لضعفهم لا يستطعون تأدية اللفظ ولذلك اختصروا فقالوا : { ليقض علينا ربك } والمعنى سل ربنا أن يقضي علينا من قضى عليه إذا أماته وهو لا ينافي إبلاسهم فإنه جؤار وتمن للموت من فرط الشدة { قال إنكم ماكثون } لا خلاص لكم بموت ولا بغيره

78 - { لقد جئناكم بالحق } بالإرسال والإنزال وهو تتمة الجواب إن كان في { قال } ضمير الله وإلا فجواب منه فكأنه تعالى تولى جوابهم بعد جواب مالك { ولكن أكثركم للحق كارهون } لما في اتباعه من إتعاب النفس و آداب الجوارح

79 - { أم أبرموا أمرا } في تكذيب الحق ورده ولم يقتصروا على كراهته { فإنا مبرمون } أمرا في مجازاتهم والعدول عن الخطاب للإشعار بأن ذلك أسوأ من كراهتهم أو أم أحكم المشركون أمرا من كيدهم بالرسول { فإنا مبرمون } كيدنا بهم ويؤيده قوله :

80 - { أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم } حديث أنفسهم بذلك { ونجواهم } وتناجيهم { بلى } نسمعها { ورسلنا } والحفظة مع ذلك { لديهم } ملازمة لهم { يكتبون } ذلك

81 - { قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين } منكم فإن النبي صلى الله عليه و سلم يكون أعلم بالله وبما يصح له وبما لا يصح له وأولى بتعظيم ما يوجب تعظيمه ومن تعظيم الوالد تعظيم ولده ولا يلزم من ذلك صحة كينونة الولد وعبادته له إذ المحال قد يستلزم المحال بل المراد نفيهما على أبلغ الوجوه كقوله تعالى : { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } غير أن { لو } ثم مشعرة بانتفاء الطرفين و { إن } ههنا لا تشعر به ولا بنقيضه فإنها لمجرد الشريطة بل الانتفاء معلوم لانتفاء اللازم الدال على انتفاء ملزومه والدلالة على أن إنكاره الولد ليس لعناد ومراء بل لو كان لكان أولى الناس بالاعتراف وقيل معناه إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول العابدين لله الموحدين له أو الآنفين منه أو من أن يكون له ولد من عبد يعبد إذا اشتد أنفه أو ما كان له ولد فأنا أول الموحدين من أهل مكة وقرأ حمزة و الكسائي { ولد } بالضم وسكون اللام

82 - { سبحان رب السموات والأرض رب العرش عما يصفون } عن كونه ذا ولد فإن هذه الأجسام لكونها أصولا ذات استمرار تبرأت عما يتصف به سائر الأجسام من توليد المثل فما ظنك بمبدعها وخالقها

83 - { فذرهم يخوضوا } في باطلهم { ويلعبوا } في دنياهم { حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون } أي يوم القيامة وهو دلالة على أن قولهم هذا جهل واتباع هوى وإنهم مطبوع على قلوبهم معذبون في الآخرة

84 - { وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله } مستحق لأن يعبد فيهما والظرف متعلق به لأنه بمعنى المعبود أو متضمن معناه كقولك : هو حاتم في البلد وكذا فيمن قرأ الله والراجع مبتدأ محذوف لطول الصلة بمتعلق الخبر والعطف عليه ولا يجوز جعله خبرا له لأنه لا يبقى له عائد لكن لو جعل صلة وقدر الإله مبتدأ محذوف بكون به جملة مبنية للصلة دالة على أن كونه في السماء بمعنى الألوهية دون الاستقرار وفيه نفي الآلهة السماوية والأرضية واختصاصه باستحقاق الألوهية { وهو الحكيم العليم } كالدليل عليه

85 - { وتبارك الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما } كالهواء { وعنده علم الساعة } العلم بالساعة التي تقوم القيامة فيها { وإليه يرجعون } للجزاء وقرأ نافع و ابن عامر و أبو عمرو و عاصم و روح بالتاء على الالتفات للتهديد

86 - { ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة } كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله { إلا من شهد بالحق وهم يعلمون } بالتوحيد والاستثناء متصل إن أريد بالموصول كل ما عبد من دون الله لاندراج الملائكة والمسيح فيه ومنفصل إن خص بالأصنام

سورة الدخان
87 - فيه وفرط ظهوره { فأنى يؤفكون } يصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره

88 - { وقيله } وقول الرسول ونصبه للعطف على سرهم أو على محل الساعة أو لإضمار فعله أي وقال { قيله } وجره عاصم و حمزة عطفا على { الساعة } وقرئ بالرفع على أنه مبتدأ خبره { يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون } أو معطوف على { علم الساعة } بتقدير مضاف وقيل هو قسم منصوب بحذف الجار أو المجرور بإضماره أو مرفوع بتقدير { وقيله يا رب } قسمي و { إن هؤلاء } جوابه

89 - { فاصفح عنهم } فأعرض عن دعوتهم آيسا عن إيمانهم { وقل سلام } تسلم منكم ومتاركة { فسوف يعلمون } تسلية للرسول صلى الله عليه و سلم وتهديد لهم و قرأ نافع و ابن عامر بالتاء على أنه من المأمور بقوله عن النبي صلى الله عليه و سلم [ من قرأ سورة الزخرف كان ممن يقال له يوم القيامة { يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون } ]

1 - { حم }

2 - { والكتاب المبين } القرآن والواو للعطف إن كان { حم } مقسما به وإلا فللقسم والجواب قوله :

3 - { إنا أنزلناه في ليلة مباركة } ليلة القدر أو البراءة ابتدئ فيها إنزاله أو أنزل فيها جملة إلى سماء الدنيا من اللوح المحفوظ ثم أنزل على الرسول صلى الله عليه و سلم نجوما وبركتها لذلك فإن نزول القرآن سبب للمنافع الدينية والدنيوية أو لما فيها من نزول الملائكة والرحمة وإجابة الدعوة وقسم النعمة وفصل الأقضية { إنا كنا منذرين } استئناف يبين المقتضى للإنزال وكذلك قوله :

4 - { فيها يفرق كل أمر حكيم } فإن كونها مفرق الأمور المحكمة أو الملتبسة بالحكمة يستدعي أن ينزل فيها القرآن الذي هو عظائمها ويجوز أن يكون صفة { ليلة مباركة } وما بينهما اعتراض وهو يدل على أن الليلة ليلة القدر لأنه صفتها لقوله : { تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر } وقرئ بالتشديد و { يفرق } كل أي يفرقه الله و نفرق بالنون

5 - { أمرا من عندنا } أي أعني بهذا الأمر أمرا حاصلا من عندنا على مقتضى حكمتنا وهو مزيد تفخيم للأمر ويجوز أن يكون حالا من كل أوامر أو ضميره المستكن في { حكيم } لأنه موصوف وأن يكون المراد به مقابل النهي وقع مصدرا ل { يفرق } أو لفعله مضمرا من حيث أن الفرق به أو حالا من أحد ضميري { أنزلناه } بمعنى آمرين أو مأمورا { إنا كنا مرسلين }

6 - { رحمة من ربك } بدل من { إنا كنا منذرين } أي أنزلنا القرآن لأن من عادتنا إرسال الرسل بالكتب إلى العباد لأجل الرحمة عليهم وضع الرب موضع الضمير للإشعار بأن الربوبية اقتضت ذلك فإنه أعظم أنواع التربية أو علة ل { يفرق } أو { أمرا } و { رحمة } مفعول به أي يفصل فيها كل أمر أو تصدر الأوامر { من عندنا } لأن من شأننا أن نرسل رحمتنا فإن فصل كل أمر من قسمة الأرزاق وغيرها وصدور الأوامر الإلهية من باب الرحمة وقرئ { رحمة } على تلك رحمة { إنه هو السميع العليم } يسمع أقوال العباد ويعلم أحوالهم وهو بما بعده تحقيق لربوبيته فإنها لا تحق إلا لمن هذه صفاته

7 - { رب السموات والأرض وما بينهما } خبر آخر أو استئناف وقرأ الكوفيون بالجر بدلا { من ربك } { إن كنتم موقنين } أي أن كنتم من أهل الإيقان في العلوم أو كنتم موقنين في إقراركم إذا سئلتم من خلقها ؟ فقلتم الله علمتم أن الأمر كما قلنا أو إن كنتم مريدين اليقين فاعلموا ذلك

8 - { لا إله إلا هو } إلا لا خالق سواه { يحيي ويميت } كما تشاهدون { ربكم ورب آبائكم الأولين } وقرئا بالجر بدلا { من ربك }

9 - { بل هم في شك يلعبون } رد لكونهم موقنين

10 - { فارتقب } فانتظر لهم { يوم تأتي السماء بدخان مبين } يوم شده ومجاعة فإن الجائع يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان من ضعف بصره أو لأن الهواء يظلم عام القحط لقلة الأمطار وكثرة الغبار أو لأن العرب تسمي الشر الغالب دخانا وقد قحطوا حتى أكلوا جيف الكلاب وعظامها وإسناد الإتيان إلى السماء لأن ذلك يكفه عن الأمطار أو يوم ظهور الدخان المعدود في أشراط الساعة لما روي عليه الصلاة و السلام لما قال : [ أول الآيات الدخان ونزول عيسى عليه السلام ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر قيل وما الدخان فتلا رسول الله صلى الله عليه و سلم الآية وقال : يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة أما المؤمن فيصيبه كهيئة الزكام وأما الكافر فهو كالسكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره ] أو يوم القيامة والدخان يحتمل المعنيين

11 - { يغشى الناس } يحيط بهم صفة للدخان وقوله : { هذا عذاب أليم }

12 - { ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون } مقدر بقول وقع حالا و { إنا مؤمنون } وعد بالإيمان إن كشف العذاب عنهم

13 - { أنى لهم الذكرى } من أين لهم وكيف يتذكرون بهذه الحالة { وقد جاءهم رسول مبين } بين لهم ما هو أعظم منها في إيجاب الادكار من الآيات والمعجزات

14 - { ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون } أي قال بعضهم يعلمه غلام أعجمي لبعض ثقيف وقال آخرون إنه { مجنون }

15 - { إنا كاشفوا العذاب } بدعاء النبي عليه الصلاة و السلام فإنه لما دعا رفع القحط { قليلا } كشفا قليلا أو زمانا قليلا وهو ما بقي من أعمارهم { إنكم عائدون } إلى الكفر غب الكشف ومن فسر الدخان بما هو من الأشراط قال إذا جاء الدخان غوث الكفار بالدعاء فيكشفه الله عنهم بعد الأبعين فريثما يكشفه عنهن يرتدون ومن فسره بما في القيامة أوله بالشرط والتقدير

16 - { يوم نبطش البطشة الكبرى } يوم القيامة أو يوم بدر ظرف لفعل دل عليه { إنا منتقمون } لا لمنتقمون فإن إن تحجزه عنه أو بدل من { يوم تأتي } وقرئ { نبطش } أي نجعل البطشة الكبرى باطشة بهم أو نحمل الملائكة على بطشهم وهو التناول بصوله

17 - { ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون } امتحناهم بإرسال موسى عليه السلام إليهم أو أوقعناهم في الفتنة بالإمهال وتوسيع الرزق عليهم وقرئ بالتشديد للتأكيد أو لكثرة القوم { وجاءهم رسول كريم } على الله أو على المؤمنين أو في نفسه لشرف نسبه وفضل حسبه

18 - { أن أدوا إلي عباد الله } بأن أدرهم إلي وأرسلوا معي أو بأن أدوا إلي حق الله من الإيمان وقبول الدعوة يا عباد الله ويجوز أن تكون { أن } مخففة ومفسرة لأن مجيء الرسول يكون برسالة ودعوة { إني لكم رسول أمين } غير متهم لدلالة المعجزات على صدقه أو لائتمان الله إياه على وحيه وهو علة الأمر

19 - { وأن لا تعلوا على الله } ولا تتكبروا عليه بالاستهانة بوحيه ورسوله و { أن } كالأولى في وجهيها { إني آتيكم بسلطان مبين } علة للنهي ولذكر ال { أمين } مع الأداء والسلطان مع العلاء شأن لا يخفى

20 - { وإني عذت بربي وربكم } التجأت إليه وتوكلت عليه { أن ترجمون } أن تؤذوني ضربا أو شتما أو أن تقتلوني وقرئ عت بالإدغام فيه

21 - { وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون } فكونوا بمعزل مني لا علي ولا لي ولا تتعرضوا إلي بسوء فإنه ليس جزاء من دعاكم إلى ما فيه فلا حكم

22 - { فدعا ربه } بعدما كذبوه { أن هؤلاء } بأن هؤلاء { قوم مجرمون } وهو تعريض بالدعاء عليهم بذكر ما استوجبوه به ولذلك سماه دعاء وقرئ بالكسر على إضماء القول

23 - { فأسر بعبادي ليلا } أي فقال أسر أو قال إن كان الأمر كذلك { فأسر } وقرأ نافع و أبو عمرو و ابن كثير بوصل الهمزة من سوى { إنكم متبعون } يتبعكم فرعون وجنوده إذا علموا بخروجكم

24 - { واترك البحر رهوا } مفتوحا ذا فجوة واسعة أو ساكنا على هيئة بعد ما جاوزته ولا تضربه بعصاك ولا تغير منه شيئا ليدخله القبط { إنهم جند مغرقون } وقرئ بالفتح بمعنى لأنهم

25 - { كم تركوا } كثيرا تركوا { من جنات وعيون }

26 - { وزروع ومقام كريم } محافل مزينة ومنازل حسنة

27 - { ونعمة } وتنعم { كانوا فيها فاكهين } متنعمين وقرئ فكهين

28 - { كذلك } مثل ذلك الإخراج أخرجناهم أو الأمر كذلك { وأورثناها } عطف على القدر أو على { تركوا } { قوما آخرين } ليسوا منهم في شيء وهم بنو إسرائيل وقيل غيرهم لأنهم لم يعودوا إلى مصر

29 - { فما بكت عليهم السماء والأرض } مجاز من عدم الاكتراث بهلاكهم والاعتداد بوجودهم كقولهم : بكت عليهم السماء والأرض وكسفت لمهلكهم الشمس في نقيض ذلك ومنه ما روي في الأخبار : إن المؤمن ليبكي عليه مصلاه ومحل عبادته ومصعد عمله ومهبط رزقه وقيل تقديره فما بكت عليهم أهل السماء والأرض { وما كانوا منظرين } ممهلين إلى وقت آخر

30 - { ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين } من استعباد فرعون وقتله أبناءهم

31 - { من فرعون } بدل من { العذاب } على حذف المضاف أو جعله عذابا لإفراطه في التعذيب أو حال من المهين بمعنى واقعا من جهته وقرئ { من فرعون } على الاستفهام تنكير له لنكر ما كان عليه من الشيطنة { إنه كان عاليا } متكبرا { من المسرفين } في العتو والشرارة وهو خبر ثان أي كان متكبرا مسرفا أو حال من الضمير في { عاليا } أي كان رفيع الطبقة من بينهم

32 - { ولقد اخترناهم } اخترنا بني إسرائيل { على علم } عالمين بأنهم أحقاء بذلك أو مع علم منا بأنهم يزيغون في بعض الأحوال { على العالمين } لكثرة الأنبياء فيهم أو على عالمي زمانهم

33 - { وآتيناهم من الآيات } كفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى { ما فيه بلاء مبين } نعمة جلية أو اختبار ظاهر

34 - { إن هؤلاء } يعني كفار قريش لأن الكلام فيهم وقصة فرعون وقومه مسوقة للدلالة على أنهم مثلهم في الإصرار على الضلالة والإنذار عن مثل ما حل بهم { ليقولون }

35 - { إن هي إلا موتتنا الأولى } ما العاقبة ونهاية الأمر إلا الموتة الأولى المزيلة للحياة الدنيوية ولا قصد فيه إلى إثبات ثانية كما في قولك : حج زيد الحجة الأولى ومات وقيل لما قيل إنكم تموتون موتة يعقبها حياة كما تقدم منكم كذلك قالوا إن هي إلا موتتنا الأولى أي ما الموتة التي من شأنها كذلك إلا الموتة الأولى { وما نحن بمنشرين } بمبعوثين

36 - { فاتوا بآبائنا } خطاب لمن وعدهم بالنشور من الرسول والمؤمنين { إن كنتم صادقين } في وعدكم ليدل عليه

37 - { أهم خير } في القوة والمنعة { أم قوم تبع } تبع الحميري الذي سار بالجيوش وحير الحيرة وبنى سمرقند وقيل هدمها وكان مؤمنا وقومه كافرين ولذلك ذمهم دونه وعنه عليه الصلاة و السلام : [ ما أدري أكان تبع نبيا أم غير نبي ] وقيل لملوك اليمن التبابعة لأنهم يتبعون كما قيل لهم الأقيال لأنهم يتقيلون { والذين من قبلهم } كعاد وثمود { أهلكناهم } استئناف بمآل قوم تبع { والذين من قبلهم } هدد به كفار قريش أو حال بإضمار قد أو خبر من الموصول إن استؤنف به { إنهم كانوا مجرمين } بيان للجامع المقتضي للإهلاك

38 - { وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما } وما بين الجنسين وقرئ وما بينهن { لاعبين } لاهين وهو دليل على صحة الحشر كما مر في الأنبياء وغيرها

39 - { ما خلقناهما إلا بالحق } إلا بسبب الحق الذي اقتضاه الدليل من الإيمان والطاعة أو البعث والجزاء { ولكن أكثرهم لا يعلمون } لقلة نظرهم

40 - { إن يوم الفصل } فصل الحق عن الباطل أو المحق عن المبطل بالجزاء أو فصل الرجل عن أقاربه وأحبائه { ميقاتهم } وقت موعدهم { أجمعين } وقرئ { ميقاتهم } بالنصب على أنه الاسم أي أن ميعاد جزائهم في { يوم الفصل }

41 - { يوم لا يغني } بدل من { يوم الفصل } أو صفة ل { ميقاتهم } أو ظرف لما دل عليه الفصل لاله للفصل { مولى } من قرابة أوغيرها { عن مولى } أي مولى كان { شيئا } من الاغناء { ولا هم ينصرون } الضمير ل { مولى } الأول باعتبار المعنى لأنه عام

42 - { إلا من رحم الله } بالعفو عنه وقبول الشفاعة فيه ومحله الرفع على البدل من الواو والنصب على الاستثناء { إنه هو العزيز } لا ينصر منه من أراد تعذيبه { الرحيم } لمن أراد أن يرحمه

43 - { إن شجرة الزقوم } وقرئ بكسر الشين ومعنى { الزقوم } سبق في الصافات

44 - { طعام الأثيم } الكثير الآثام والمراد به الكافر لدلالة ما قبله وما بعده عليه

45 - { كالمهل } وهو ما يمهل في النار حتى يذوب وقيل دردي الزيت { يغلي في البطون } وقرأ ابن كثير و حفص و رويس بالياء على أن الضمير لل { طعام } أو { الزقوم } لا للمهل إذ الأظهر أن الجملة حال من أحدهما

46 - { كغلي الحميم } غليانا مثل غليه

47 - { خذوه } على إرادة القول والمقول له الزبانية { فاعتلوه } فجروه والعتل الأخذ بمجامع الشيء وجره بقهر وقرأ الحجازيان و ابن عامر و يعقوب بالضم وهما لغتان { إلى سواء الجحيم } وسطه

48 - { ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم } كان أصله يصب من فوق رؤوسهم الحميم فقيل يصب من { فوق } رؤوسهم { عذاب } هو { الحميم } للمبالغة ثم أضيف ال { عذاب } إلى { الحميم } للتخفيف وزيد من الدلالة على أن المصبوب بعض هذا النوع

49 - { ذق إنك أنت العزيز الكريم } أي وقولوا له ذلك استهزاء به وتفريعا على ما كان يزعمه وقرأ الكسائي أنك بالفتح أي ذق لأنك أو { عذاب } { أنك }

50 - { إن هذا } إن هذا ال { عذاب } { ما كنتم به تمترون } تشكون وتمارون فيه

51 - { إن المتقين في مقام } في موضع إقامة ' وقرأ نافع و ابن عامر بضم الميم { أمين } يأمن صاحبه عن الآفة والانتقال

52 - { في جنات وعيون } بدل من مقام جيء به للدلالة على نزاهته واشتماله على ما يستلذ به من المآكل والمشارب

53 - { يلبسون من سندس وإستبرق } خبر ثان أو حال من الضمير في الجار أو استئناف والسندس ما رق من الحرير والاستبرق ما غلظ منه معرب استبره أو مشتق من البراقة { متقابلين } في مجالسهم ليسأنس بعضهم ببعض

54 - { كذلك } الأمر كذلك أو آتيناهم مثل ذلك { وزوجناهم بحور عين } قرناهم بهن ولذلك عذي بالباء والحوراء البيضاء والعيناء عظيمة العينين واختلف في أنهن نساء الدنيا أو غيرها

55 - { يدعون فيها بكل فاكهة } بطلبون ويأمرون بإحضار ما يشتهون من الفواكه لا يتخصص شيء منها بمكان ولا بزمان { آمنين } من الضرر

56 - { لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى } بل يحيون فيها دائما والاستثناء منقطع أو متصل والضمير للآخرة و { الموت } أول أحوالها أو الجنة والمؤمن يشارفها بالموت ويشاهدها عنده فكأنه فيها أو الاستثناء للمبالغة في تعميم النفي وامتناع { الموت } فكأنه قال : { لا يذوقون فيها الموت } إلا إذا أمكن ذوق الموتة الأولى في المستقبل { ووقاهم عذاب الجحيم } وقرئ ووقاهم على المبالغة

سورة الجاثية
57 - رئ بالرفع أي ذلك فضل { ذلك هو الفوز العظيم } لأنه خلاص عن المكاره وفوز بالمطالب

58 - { فإنما يسرناه بلسانك } سهلناه حيث أنزلناه بلغتك وهو فذلكة السورة { لعلهم يتذكرون } لعلهم يفهمونه فيتذكرون به ما لم يتذكروا

59 - { فارتقب } فانتظر ما يحل بهم { إنهم مرتقبون } منتظرون ما يحل بك عن النبي صلى الله عليه و سلم [ من قرأ حم الدخان ليلة جمعة أصبح مغفورا له ]

1 - { حم }

2 - { تنزيل الكتاب } إن جعلت { حم } مبتدأ خبره { تنزيل الكتاب } احتجت إلى إضمار مثل { تنزيل } { حم } وإن جعلتها تعديدا للحروف كان { تنزيل } مبتدأ خبره : { من الله العزيز الحكيم } وقيل { حم } مقسم به و { تنزيل الكتاب } صفته وجواب القسم

3 - { إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين } وهو يحتمل أن يكون على ظاهره وأن يكون المعنى إن في خلق السموات لقوله :

4 - { وفي خلقكم وما يبث من دابة } ولا يحسن عطف ما على الضمير المجرور بل عطفه على المضاف إليه بأحد الاحتمالين فإن بثه وتنوعه واستجماعه لما به يتم معاشه إلى غير ذلك دلائل على وجود الصانع المختار { آيات لقوم يوقنون } محمول على محل إن واسمها وقرأ حمزة و الكسائي و يعقوب بالنصب حملا على الاسم

5 - { واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق } من مطر وسماه رزقا لأنه سببه { فأحيا به الأرض بعد موتها } يبسها { وتصريف الرياح } باختلاف جهاتها وأحوالها وقرأ حمزة و الكسائي وتصريف الريح { آيات لقوم يعقلون } فيه القراءتان ويلزمهما العطف على عاملين في والابتداء أو أن إلا أن يضمر في أو ينصب { آيات } على الاختصاص أو يرفع بإضمار هي ولعل اختلاف الفواصل الثلاث لاختلاف الآيات في الدقة والظهور

6 - { تلك آيات الله } أي تلك الآيات دلائله { نتلوها عليك } حال عاملها معنى الإشارة { بالحق } ملتبسين به أو ملتبسة به { فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون } أي بعد { آيات الله } وتقديم اسم { الله } للمبالغة والتعظيم كما في قولك إعجبني زيد وكرمه أو بعد حديث { الله } وهو [ في ] القرآن كقوله تعالى : { الله نزل أحسن الحديث } و { آياته } دلائله المتلوة أو القرآن والعطف لتغاير الوصفين وقرأ الحجازيان و حفص و أبو عمرو و روح { يؤمنون } بالياء ليوافق ما قبله

7 - { ويل لكل أفاك } كذاب { أثيم } كثير الآثام

8 - { يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر } يقيم على كفره { مستكبرا } عن الإيمان بالآيات و { ثم } لاستبعاد الإصرار بعد سماع الآيات كقوله :
( يرى غمرات ثم يزورها )
{ كأن لم يسمعها } أي كأنه فخفف وحذف ضمير الشأن والجملة في موضع الحال أي يصر مثل غير السامع { فبشره بعذاب أليم } على أصراره والبشارة على الأصل أو التهكم

9 - { وإذا علم من آياتنا شيئا } وإذا بلغه شيء من { آياتنا } وعلم أنه منها { اتخذها هزوا } لذلك من غير أن يرى فيها ما يناسب الهزء والضمير ل { آياتنا } وفائدته الإشعار بأنه إذا سمع كلاما وعلم أنه من الآيات بادر إلى الاستهزاء بالآيات كلها ولم يقتصر على ما سمعه أو لشيء لأنه بمعنى الآية { أولئك لهم عذاب مهين }

10 - { من ورائهم جهنم } من قدامهم لأنهم متوجهون إليها أو من خلفهم لأنها بعد آجالهم { ولا يغني عنهم } ولا يدفع عنهم { ما كسبوا } من الأموال والأولاد { شيئا } من عذاب الله { ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء } أي الأصنام { ولهم عذاب عظيم } لا يتحملونه

11 - { هذا هدى } الإشارة إلى القرآن ويدل عليه قوله : { والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم } وقرأ ابن كثير و يعقوب و حفص برفع { أليم } و ال { رجز } أشد العذاب

12 - { الله الذي سخر لكم البحر } بأن جعله أملس السطح يطفو عليه ما يتخلخل كالأخشاب ولا يمنع الغوص فيه { لتجري الفلك فيه بأمره } بتسخيره وأنتم راكبوها { ولتبتغوا من فضله } التجارة والغوص والصيد وغيرها { ولعلكم تشكرون } هذه النعم

13 - { وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا } بأن خلقها نافعة لكم { منه } حال من ما أي سخر هذه الأشياء كائنة منه أو خبر لمحذوف أي هي جميعا منه أو ل { ما في السموات } { سخر لكم } تكرير للتأكيد أو ل { ما في الأرض } وقرئ منه على المفعول له ومنه على أنه فاعل { سخر } على الإسناد المجازي أو خبر محذوف { إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } في صنائعه

14 - { قل للذين آمنوا يغفروا } حذف المقول لدلالة الجواب عليه والمعنى قل لهم اغفروا يغفروا أي يعفوا ويصفحوا { للذين لا يرجون أيام الله } لا يتوقعون وقائعه بأعدائه من قولهم أيام العرب لوقائعهم أو لا يأملون الأوقات التي وقتها الله لنصر المؤمنين وثوابهم ووعدهم بها والآية في عمر رضي الله عنه شتمه غفاري فهم أن يبطش به وقيل إنها منسوخة بآية القتال { ليجزي قوما بما كانوا يكسبون } علة للامر والقوم هم المؤمنون أو الكافرون أو كلاهما فيكون التتكير للتعظيم أو التحقير أو الشيوع والكسب المغفرة أو الإساءة أو ما يعمهما وقرأ ابن عامر و حمزة و الكسائي لنجزي بالنون وقرئ ليجزي قوم وليجزي قوما أي ليجزي الخير أو الشر أو الجزاء أعني ما يجزى به لا المصدر فإن الإسناد إليه سيما مع المفعول به ضعيف

15 - { من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها } أي لها ثواب العمل وعليها عقابه { ثم إلى ربكم ترجعون } فيجازيكم على أعمالكم

16 - { ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب } التوراة { والحكم } والحكمة النظرية والعملية أو فصل الخصومات { والنبوة } إذ كثر فيهم الأنبياء ما لك يكثروا في غيرهم { ورزقناهم من الطيبات } مما أحل الله من اللذائذ { وفضلناهم على العالمين } حيث آتيناهم ما لم نؤت غيرهم

17 - { وآتيناهم بينات من الأمر } إدلة في أمر الدين ويندرج فيها المعجزات وقيل آيات من أمر النبي عليه الصلاة و السلام مبينة لصدقه { فما اختلفوا } في ذلك الأمر { إلا من بعد ما جاءهم العلم } بحقيقة الحال { بغيا بينهم } عداوة وحسدا { إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } بالمؤاخذة والمجازاة

18 - { ثم جعلناك على شريعة } طريقة { من الأمر } من أمر الدين { فاتبعها } فاتبع شريعتك الثابتة بالحجج { ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون } آراء الجهال التابعة للشهوات وهو رؤساء قريش قالوا له ارجع إلى دين آبائك

19 - { إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا } مما أراد بك { وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض } إذ الجنسية علة الانضمام فلا توالهم باتباع أهوائهم { والله ولي المتقين } فواله بالتقى واتباع الشريعة

20 - { هذا } أي القرآن أو اتباع الشريعة { بصائر للناس } بينات تبصرهم وجه الفلاح { وهدى } من الضلالة { ورحمة } ونعمة من الله { لقوم يوقنون } يطلبون اليقين

21 - { أم حسب الذين اجترحوا السيئات } أم منقطعة ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان والاجتراح الاكتساب ومنه الجارحة { أن نجعلهم } أن نصيرهم { كالذين آمنوا وعملوا الصالحات } مثلهم وهو ثاني مفعولي نجعل وقوله : { سواء محياهم ومماتهم } بدل منه إن كان الضمير للموصول الأول لأن المماثلة فيه إذ المعنى إنكار أن يكون حياتهم ومماتهم سيين في البهجة والكرامة كما هو المؤمنين ويدل عليه قراءة حمزة و الكسائي و حفص { سواء } بالنصب على البدل أو الحال من الضمير في الكاف أو المفعولية والكاف حال وإن كان الثاني فحال منه أو استئناف يبين المقتضى للإنكار وإن كان لهما فبدل أو حال من الثاني وضمير الأول والمعنى إنكار أن يستووا بعد الممات في الكرامة أو ترك المؤاخذة كما استووا في الرزق والصحة في الحياة أو استئناف مقرر لتساوي محياكل صنف ومماته في الهدى والضلال وقرئ مماتهم بالنصب على أن { محياهم ومماتهم } ظرفان كمقدم الحاج { ساء ما يحكمون } ساء حكمهم هذا حكمهم هذا أو بئس شيئا حكموا به ذلك

22 - { وخلق الله السموات والأرض بالحق } كأنه دليل على الحكم السابق من حيث أن خلق ذلك بالحق المقتضي للعدل يستدعي انتصار المظلوم من الظالم والتفاوت بين المسيء والمحسن وإذا لم يكن في المحيا كان بعد الممات { ولتجزى كل نفس بما كسبت } عطف على بالحق لأنه في معنى العلة أو على العلة أو على علة محذوفة مثل ليدل به ا على قدرته أو ليعدل { ولنجزي } { وهم لا يظلمون } بنقص ثواب وتضعيف عقاب وتسمية ذلك ظلما ولو فعله الله لم يكن منه ظلما لأنه لو فعله غيره لكان ظلما كالابتلاء والاختبار

23 - { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه } ترك متابعة الهدى إلى متابعة الهوى فكأنه يعبده وقرئ آلهة هواه لأنه كان أحدهم يستحسن حجرا فيعبده فإذا رأى أحسن منه رفضه إليه { وأضله الله } وخذله { على علم } عالما بضلاله وفساد جوهر روحه { وختم على سمعه وقلبه } فلا يبالي بالمواعظ ولا يتفكر في الآيات { وجعل على بصره غشاوة } فلا ينظر بعين الاستبصار والاعتبار وقرأ حمزة و الكسائي غشوة { فمن يهديه من بعد الله } من بعد إضلاله { أفلا تذكرون } وقرئ تتذكرون

24 - { وقالوا ما هي } ما الحياة أو الحال { إلا حياتنا الدنيا } التي نحن فيها { نموت ونحيا } أي نكون أمواتا نطفا وما قبلها ونحيا بعد ذلك أو نموت بانفسنا ونحيا ببقاء أولادنا أو يموت بعضنا ويحيا بعضنا أويصيبنا الموت والحياة فيها وليس وراء ذلك حياة ويحتمل أنهم أرادوا به التناسخ فإنه عقيدة أكثر عبدة الأوثان { وما يهلكنا إلا الدهر } إلا مرور الزمان وهو في الأصل مدة بقاء العالم من دهرة إذا غلبه { وما لهم بذلك من علم } يعني نسبة الحوادث إلى حركات الأفلاك وما يتعلق بها على الاستقلال أو إنكار البعث أو كليهما { إن هم إلا يظنون } إذ لا دليل لهم عليه وإنما قالوه بناء على التقليد والإنكار لما لم يحسوا به

25 - { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } واضحات الدلالة على ما يخالف معتقدهم أو مبينات له { ما كان حجتهم } ما كان لهم متشبث يعارضونها به { إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين } وإنما سماه حجة على حسبانهم ومساقهم أو على أسلوب قولهم
( تحية بينهم ضرب وجيع )
فإنه لا يلزم من عدم حصول الشيء حالا امتناعه مطلقا

26 - { قل الله يحييكم ثم يميتكم } على ما دلت عليه الحجج { ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه } فإن من قدر على الابتداء قدر على الإعادة والحكمة اقتضت الجمع للمجازاة على ما قرر مرارا والوعد المصدق بالآيات دل على وقوعها وإذا كان كذلك أمكن الإتيان بآبائهم لكن الحكمة اقتضت أن يعادوه يوم الجمع للجزاء { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } لقلة تكفرهم وقصور نظرهم على ما يحسونه

27 - { ولله ملك السموات والأرض } تعميم للقدرة بعد تخصيصها { ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون } أي ويخسر يوم تقوم و { يومئذ } بدل منه

28 - { وترى كل أمة جاثية } مجتمعة من الجثوة وهو الجماعة أو باركة مستوفزة على الركب وقرئ جاذية أي جالسة على أطراف الأصابع لا ستيفازهم { كل أمة تدعى إلى كتابها } صحيفة أعمالها وقرأ يعقوب { كل } على أنه بدل من الأول وتدعى صفة أو مفعول ثان { اليوم تجزون ما كنتم تعملون } محمول على القول

29 - { هذا كتابنا } أضاف صحائف أعمالهم إلى نفسه لأنه أمر الكتبة أن يكتبوا فيها أعمالهم { ينطق عليكم بالحق } يشهد عليكم بما عملتم بلا زيادة ولا نقصان { إنا كنا نستنسخ } نستكتب الملائكة { ما كنتم تعملون } أعمالكم

30 - { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته } التي من جملتها الجنة { ذلك هو الفوز المبين } الظاهر لخلوصه عن الشوائب

31 - { وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم } أي فيقال لهم ألم يأتكم رسلي { أفلم تكن آياتي تتلى عليكم } فحذف القول والمعطوف عليه اكتفاء بالمقصود واستغناء بالقرينة { فاستكبرتم } عن الإيمان بها { وكنتم قوما مجرمين } عادتكم الإجرام

32 - { وإذا قيل إن وعد الله } يحتمل الموعود به والمصدر { حق } كائن هو أو متعلقة لا محالة : { والساعة لا ريب فيها } إفراد للمقصود وقرأ حمزة بالنصب عطفا على اسم إن { قلتم ما ندري ما الساعة } أي شيء الساعة استغرابا لها { إن نظن إلا ظنا } أصله نظن ظنا فأدخل حرفا النفي والاستثناء لأثبات الظن ونفي ما عداه كأنه قال : ما نحن نظن ظنا أو لنفي ظنهم فيما سوى ذلك مبالغة ثم أكده بقوله : { وما نحن بمستيقنين } أي لإمكانه ولعل ذلك قول بعضهم تحيروا بين ما سمعوا من آبائهم وما تليت عليهم من الآيات في أمر الساعة

33 - { وبدا لهم } ظهر لهم { سيئات ما عملوا } على ما كانت عليه بأن عرفوا قبحها وعاينوا وخامة عاقبتها أو جزاءها { وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } وهو الجزاء

34 - { وقيل اليوم ننساكم } نترككم في العذاب ترك ما ينسى { كما نسيتم لقاء يومكم هذا } كما تركتم عدنه ولم تبالوا به وإضافة لقاء إلى يوم إضافة المصدر إلى ظرفه { ومأواكم النار وما لكم من ناصرين } يخلصونكم منها

سورة الاحقاف
35 - هزوا } استهزأتم بها ولم تتفكروا فيها { وغرتكم الحياة الدنيا } فحسبتم أن لا حياة سواها { فاليوم لا يخرجون منها } وقرأ حمزة و الكسائي بفتح الياء وضم الراء { ولا هم يستعتبون } لا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم أي يرضوه لفوات أوانه

36 - { فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين } إذ الكل نعمة منه ودال على كمال قدرته

37 - { وله الكبرياء في السموات والأرض } إذ ظهر فيها آثارها { وهو العزيز } الذي لا يغلب { الحكيم } فيما قدر وقضى فاحمدوه وكبروه وأطيعوا له عن النبي صلى الله عليه و سلم [ من قرأ حم الجاثية ستر الله عورته وسكن روعته يوم الحساب ]

1 - { حم }

2 - { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم }

3 - { ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق } إلا خلقا ملتبسا بالحق وهو ما تقتضيه الحكمة والمعدلة وفيه دلالة على وجود الصانع الحكيم والبعث للمجازاة على ما قررناه مرارا { وأجل مسمى } وبتقدير أجل مسمى ينتهي إليه الكل وهو يوم القيامة أو كل واحد وهو آخر مدة بقائه المقدرة له { والذين كفروا عما أنذروا } من هول ذلك الوقت ويجوز أن تكون ما مصدرية { معرضون } لا يتفكرون فيه ولا يستعدون لحلوله

4 - { قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات } أي أخبروني عن حال آلهتكم بعد تأمل فيها هل يعقل أن يكون في انفسها مدخل في خلق شيء من أجزاء العالم فنستحق به العبادة وتخصيص الشرك بالسموات احتراز عما يتوهم أن للوسائط شركة في إيجاد الحوادث السفلية { ائتوني بكتاب من قبل هذا } من قبل هذا الكتاب يعني القرآن فإنه ناطق بالتوحيد { أو أثارة من علم } أو بقية من علم بقيت عليكم من علوم الأولين هل فيها ما يدل على استحقاقهم للعبادة أو الأمر به { إن كنتم صادقين } في دعواكم وهو إلزام بعدم ما يدل على ألوهيتهم بوجه ما نقلا بعد إلزامهم بعدم ما يقتضيها عقلا وقرئ إثارة بالكسر أي مناظرة فإن المناظرة تثير المعاني و أثرة أي شيء أوثرتم به وأثرة بالحركات الثلاث في الهمزة وسكون الثاء فالمفتوحة للمرة من مصدر أثر الحديث إذا رواه والمكسورة بمعنى الأثرة والمضمومة اسم ما يؤثر

5 - { ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له } إنكار أن يكون أحد أضل من المشركين حيث تركوا عبادة السميع البصير المجيب القادر الخبير إلى عبادة من لا يستجيب لهم لو سمع دعاءهم فضلا أن يعلم سرائرهم ويراعي مصالحهم { إلى يوم القيامة } ما دامت الدنيا { وهم عن دعائهم غافلون } لأنهم إما جمادات وإما عباد مسخرون مشتغلون بأحوالهم

6 - { وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء } يضربونهم ولا ينفعونهم { وكانوا بعبادتهم كافرين } مكذبين بلسان الحال أو المقال وقيل الضمير للعابدين وهو كقوله تعالى : { والله ربنا ما كنا مشركين }

7 - { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } واضحات أو مبينات { قال الذين كفروا للحق } لأجله وفي شأنه والمراد به الآيات ووضعه موضع ضميرها ووضع { الذين كفروا } موضع ضمير المتلو عليهم للتسجيل عليها بالحق وعليهم بالكفر والانهماك في الضلالة { لما جاءهم } حينما جاءهم من غير نظر وتأمل { هذا سحر مبين } ظاهر بطلانه

8 - { أم يقولون افتراه } إضراب عن ذكر تسميتهم إياه سحرا إلى ذكر ما هو أسنع منه وإنكار له وتعجيب { قل إن افتريته } على الفرض { فلا تملكون لي من الله شيئا } أي إن عاجلني الله بالعقوبة فلا تقدرون على دفع شيء منها فكيف أجترء عليه وأعرض نفسي للعقاب من غير توقع نفع ولا دفع ضر من قبلكم { هو أعلم بما تفيضون فيه } تندفعون فيه من القدح في آياته { كفى به شهيدا بيني وبينكم } يشهد لي بالصدق والبلاغ وعليكم بالكذب والإنكار وهو عيد بجزاء إفاضتهم { وهو الغفور الرحيم } وعد بالمغفرة والرحمة لمن تاب وآمن وإشعار بحلم الله عنهم مع عظم جرمهم

9 - { قل ما كنت بدعا من الرسل } بديعا منهم أدعوكم إلى ما لا يدعون إليه أو أقدر على ما لم يقدروا عليه وهو الإتيان بالمقترحات كلها ونظيره الخف بمعنى الخفيف وقرئ بفتح الدال على أنه كقيم أو مقدر بمضاف أي ذا بدع { وما أدري ما يفعل بي ولا بكم } في الدارين على التفضيل إذ لا علم لي بالغيب و { لا } لتأكيد النفي المشتمل على ما يفعل بي { وما } إما موصولة منصوبة أو استفهامية مرفوعة وقرئ { يفعل } الله { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } لا أتجاوزه وهو جواب عن اقتراحهم الإخبار عما لم يوح إليه من الغيوب أو استعجال المسلمين أن يتخلصوا من أذى المشركين { وما أنا إلا نذير } من عقاب { مبين } بين الإنذار بالشواهد المبينة والمعجزات المصدقة

10 - { قل أرأيتم إن كان من عند الله } أي القرآن { وكفرتم به } وقد كفرتم به ويجوز أن تكون الواو عاطفة على الشرط وكذا الواو في قوله : { وشهد شاهد من بني إسرائيل } إلا أنها تعطفه بما عطف عليه على جملة ما قبله والشاهد هو عبد الله بن سلام وقيل موسى عليه الصلاة و السلام وشهادته ما في التوراة من نعت الرسول عليه الصلاة و السلام { على مثله } مثل القرآن وهو ما في التوراة من المعاني المصدقة للقرآن المطابقة له أو مثل ذلك وهو كونه من عند الله { فآمن } أي بالقرآن لما رآه من جنس الوحي مطابقا للحق { واستكبرتم } عن الإيمان { إن الله لا يهدي القوم الظالمين } استئناف مشعر بأن كفرهم به لضلالهم المسبب عن ظلمهم ودليل على الجواب المحذوف مثل ألستم ظالمين

11 - { وقال الذين كفروا للذين آمنوا } لأجلهم { لو كان } الإيمان أو ما أتى به محمد عليه الصلاة و السلام { خيرا ما سبقونا إليه } وهم سقاط إذ عامتهم فقراء وموال ورعاة وإنما قاله قريش وقيل بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع لما أسلم جهينة ومزينة وأسلم وغفار أو اليهود حين أسلم عبد الله من سلام وأصحابه { وإذ لم يهتدوا به } ظرف لمحذوف مثل ظهر عنادهم وقوله : { فسيقولون هذا إفك قديم } مسبب عنه وهو كقولهم : أساطير الأولين

12 - { ومن قبله } ومن قبل القرآن وهو خبر لقوله : { كتاب موسى } ناصب لقوله : { إماما ورحمة } على الحال { وهذا كتاب مصدق } لكتاب موسى أو لما بين يديه وقد قرئ به { لسانا عربيا } حال من ضمير { كتاب } في { مصدق } أو منه لتخصصه بالصفة وعاملها معنى الإشارة وفائدتها الإشعار بالدلالة على أن كونه مصدقا للتوراة كما دل على أنه حق دل على أنه وحي وتوقيف من الله سبحانه وتعالى وقيل مفعول { مصدق } أي يصدق ذا لسان عربي بإعجازه { لينذر الذين ظلموا } علة { مصدق } وفيه ضمير الكتاب أو الله أو الرسول ويؤيد الأخير قراءة نافع و ابن عامر و البزي بخلاف عنه و يعقوب بالتاء { وبشرى للمحسنين } عطف على محله

13 - { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم والإستقامة في الأمور التي هي منتهى العمل وثم للدلالة على تأخر رتية العمل وتوقف اعتباره على التوحيد { فلا خوف عليهم } من لحوق مكروه { ولا هم يحزنون } على فوات محبوب والفاء لتضمن الاسم معنى الشرط

14 - { أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون } من اكتساب الفضائل العلمية والعملية وخالدين حال من المستكن في أصحاب وجزاء مصدر لفعل دل عليه الكلام أي جوزوا جزاء

15 - { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } وقرأ الكوفيون إحسانا وقرئ { حسنا } أي إيصاء { حسنا } { حملته أمه كرها ووضعته كرها } ذات كره أو حملا ذاكره وهو المشقة وقرأ الحجازيان و أبو عمرو و وهشام وهما لغتان كالفقر والفقر وقيل المضموم اسم والمفتوح مصدر { وحمله وفصاله } ومدة { حمله وفصاله } ن والفصال الفطام ويدل عليه قراءة يعقوب وفصله أو وقته والمراد به الرضاع التام المنتهى به ولذلك عبر به كما يعبر بالأمد عن المدة قال :
( كل حي مستكمل عدة العمـ ... ر ومود إذا انتهى أمده )
{ ثلاثون شهرا } كل ذلك بيان لما تكابده الأم في تربية الولد مبالغة في التوصية بها وفيه دليل على أن أقل مدة ستة أشهر لأنه حط منه الفطام حولان لقوله تعالى : { حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة } بقي ذلك وبه قال الأطباء ولعل تخصيص أقل الحمل وأكثر الرضاع لانضباطهما وتحقق ارتباط حكم النسب والرضاع بهما { حتى إذا بلغ أشده } إذا اكتهل واستحكم قوته وعقله { وبلغ أربعين سنة } قيل لم يبعث نبي إلا بعد الأربعين { قال رب أوزعني } ألهمني وأصله أولعني من أوزعته بكذا { أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي } يعني نعمة الدين أو ما يعمها وغيرها وذلك يؤيد ما روي أنها نزلت في أبي بكر رضي الله تعالى عنه لأنه لم يكن أحد أسلم هو و أبواه من المهاجرين والأنصار سواه { وأن أعمل صالحا ترضاه } نكرة للتعظيم أو لأنه أراد نوعا من الجنس يستجلب رضا الله عز و جل { وأصلح لي في ذريتي } واجعل لي الصلاح ساريا في ذريتي واسخا فيهم ونحوه قوله :
( وإن تعتذر بالمحل عن ذي ضروعها ... إلى الضيف يجرح في عراقيبها نصلي )
{ إني تبت إليك } عما لا ترضاه أو يشغل عنك { وإني من المسلمين } المخلصين لك

16 - { أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا } يعني طاعاتهم فإن المباح حسن ولا يثاب عليه { ونتجاوز عن سيئاتهم } لتوبتهم وقرأ حمزة و الكسائي و حفص بالنون فيهما { في أصحاب الجنة } كائنين في عدادهم أو مثابين أو معدودين فيهم { وعد الصدق } مصدر مؤكد لنفسه فإن يتقبل ويتجاوز عد { الذي كانوا يوعدون } أي في الدنيا

17 - { والذي قال لوالديه أف لكما } مبتدأ خبره { أولئك } والمراد به الجنس وإن صح نزولها في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه فإن خصوص السبب لا يوجب التخصيص وفي { أف } قراءات ذكرت في سوة بني إسرائيل { أتعدانني أن أخرج } أبعث وقرأ هشام أتعداني بنون واحدة مشددة { وقد خلت القرون من قبلي } فلم يرجع أحد منهم { وهما يستغيثان الله } يقولان الغياث بالله منك أو يسألانه أن يغيثه بالتوفيق للإيمان { ويلك آمن } أي يقولان له { ويلك } وهو الدعاء بالثبور بالحث على ما يخاف على تركه { إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين } أباطيلهم التي كتبوها

18 - { أولئك الذين حق عليهم القول } بأنهم أهل النار وهو يرد النزول في عبد الرحمن لأنه يدل على أنه من أهلها لذلك وقد جب عنه إن كان لإسلامه { في أمم قد خلت من قبلهم } كقوله في أصحاب الجنة { من الجن والإنس } بيان للأمم { إنهم كانوا خاسرين } تعليل للحكم على الاستئناف

19 - { ولكل } من الفريقين { درجات مما عملوا } مراتب من جزاء ما عملوا من الخير والشر أو من أجل ما عملوا وال { درجات } غالبة في المثوبة وها هنا جاءت على التغليب { وليوفيهم أعمالهم } جزاءها وقرأ نافع و ابن عامر و حمزة و الكسائي و ابن ذكوان بالنون { وهم لا يظلمون } بنقص ثواب وزيادة عقاب

20 - { ويوم يعرض الذين كفروا على النار } يعذبون بها وقيل تعرض النار عليهم فقلب مبالغة كقولهم : عرضت الناقة على الحوض { أذهبتم } أي يقال لهم أذهبتم وهو ناصب اليوم وقرأ ابن كثير و ابن عامر و يعقوب بالاستفهام غير أن ابن كثير يقرؤه بهمزة ممدودة وهما يقرآن بها وبهمزتين محققتين { طيباتكم } لذاتكم { في حياتكم الدنيا } باستيفائها { واستمتعتم بها } فما بقي لكم منها شيء { فاليوم تجزون عذاب الهون } الهوان وقد قرئ به { بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون } بسبب الاستكبار الباطل والفسوق عن طاعة الله وقرئ { تفسقون } بالكسر

21 - { واذكر أخا عاد } يعني هودا { إذ أنذر قومه بالأحقاف } جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء من احقوقف الشيء إذا اعوج وكانوا يسكنون بين رمال مشرفة على البحر بالشحر من اليمن { وقد خلت النذر } الرسل { من بين يديه ومن خلفه } قبل هود وبعده والجملة حال أو اعتراض { أن لا تعبدوا إلا الله } أي لا تعبدوا أو بأن لا تعبدوا فإن النهي عن الشيء إنذار من مضرته { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } هائل بسبب شرككم

22 - { قالوا أجئتنا لتأفكنا } لتصرفنا { عن آلهتنا } عن عبادتها { فأتنا بما تعدنا } من العذاب على الشرك { إن كنت من الصادقين } في وعدك

23 - { قال إنما العلم عند الله } لا علم لي بوقت عذابكم ولا مدخل لي فيه فاستعجل به وإنما علمه عند الله فيأتيكم به في وقته المقدر له { وأبلغكم ما أرسلت به } إليكم وما على الرسول إلا البلاغ { ولكني أراكم قوما تجهلون } لا تعلمون أن الرسل بعثوا مبلغين ومنذرين لا معذبين مقترحين

24 - { فلما رأوه عارضا } سحابا عرض في أفق السماء { مستقبل أوديتهم } متوجه أوديتهم والإضافه فيه لفظية وكذا في قوله : { قالوا هذا عارض ممطرنا } أي يأتينا بالمطر { بل هو } أي قال هود عليه الصلاة و السلام { بل هو ما استعجلتم به } من العذاب وقرئ قل بل : { ريح } هي ريح ويجوز أن يكون بدل ما { فيها عذاب أليم } صفتها وكذا قوله :

25 - { تدمر } تهلك { كل شيء } من نفوسهم و أحوالهم { بأمر ربها } إذ لا توجد نابضة حركة ولا قابضة سكون إلا بمشيئته وفي ذكر الأمر والرب وإضافة إلى الريح فوائد سبق ذكرها مرارا وقرئ يدمر كل شيء من دمر دمارا إذا هلك فيكون العائد محذوفا أو الهاء في { ربها } ويحتمل أن يكون استئنافا للدلالة على أن لكل ممكن فناء مقضيا لا يتقدم ولا يتأخر وتكون الهاء لكل شيء فإنه بمعنى الأشياء { فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم } أي فجاءتهم الريح فدمرتهم فأصبحوا بحيث لو حضرت بلادهم لا ترى إلا مساكنهم وقرأ عاصم و حمزة و الكسائي لا يرى إلا مساكنهم بالياء المضمومة ورفع المساكن { كذلك نجزي القوم المجرمين } روي أن هودا عليه السلام لما أحس بالريح اعتزل بالمؤمنين في الحظيرة وجاءت الريح فأمالت الأحقاف على الكفرة وكانوا تحتها سبع ليال وثمانة أيام ثم كشفت عنهم واحتملتهم تقذفتهم في البحر

26 - { ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه } { إن } نافية وفي أحسن من ما ههنا لأنها توجب التكرير لفظا ولذلك قلبت ألفها هاء في مهما او شرطية محذوفة الجواب والتقدير ولقد مكناهم في الذي أوفي شيء إن مكناكم فيه كان بغيكم أكثر أو صلة كما في قوله :
( يرجي المرء ما إن لا يراه ... ويعرض دون أدناه الخطوب )
والأول أظهر وأوفق لقوله : { هم أحسن أثاثا } { كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا } { وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة } ليعرفوا تلك النعم يستدلوا بها على مانحها تعالى ويواظبوا على شكرها { فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء } من الإغناء وهو القليل { إذ كانوا يجحدون بآيات الله } صلة { فما أغنى } وهو ظرف جرى مجرى التعليل من حيث إن الحكم مرتب على ما أضيف إليه وكذلك حيث { وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } من العذاب

27 - { ولقد أهلكنا ما حولكم } يا أهل مكة { من القرى } كحجر ثمود وقرى قوم لوط { وصرفنا الآيات } بتكريرها { لعلهم يرجعون } عن كفرهم

28 - { فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة } فهلا منعتهم من الهلاك آلهتهم الذين يتقربون بهم إلى الله تعالى حيث قالوا : هؤلاء شفعاؤنا عند الله وأول مفعولي { اتخذوا } الراجع إلى الموصول محذوف وثانيهما { قربانا } و { آلهة } بدل أو عطف بيان أو { آلهة } و { قربانا } حال أو مفعول له على أنه بمعنى التقرب وقرئ قربانا بضم الراء { بل ضلوا عنهم } غابوا عن نصرهم وامتنع أن يستمدوا بهم امتناع الاستمداد بالضال { وذلك إفكهم } وذلك الاتخاذ الذي هذا أثره صرفهم عن الحق وقرئ إفكهم بالتشديد للمبالغة و آفكهم أي جعلهم آفكين و آفكهم أي قولهم الأفك أي ذو الإفك { وما كانوا يفترون }

29 - { وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن } أملناهم إليك والنفر دون العشرة وجمعه أنفار { يستمعون القرآن } حال محمولة على المعنى { فلما حضروه } أي القرآن أو الرسول { قالوا أنصتوا } قالوا بعضهم لبعض اسكتوا لنسمعه { فلما قضي } أتم وفرغ من قراءته وقرئ على بناء الفاعل وهو ضميرة الرسول عليه الصلاة و السلام { ولوا إلى قومهم منذرين } أي منذرين إياهم بما سمعوا روي أنهم وافوا رسول الله صلى الله عليه و سلم بوادي النخلة عند منصرفه من الطائف يقرأ في تهجده

30 - { قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى } قيل إنما قالوا ذلك لأنهم كانوا يهودا أو ما سمعوا بأمر عيسى عليه الصلاة و السلام { مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق } من العقائد { وإلى طريق مستقيم } من الشرائع

31 - { يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم } بعض ذنوبكم وهو ما يكون في خالص حق الله فإن المظالم لا تغفر بالإيمان { ويجركم من عذاب أليم } هو معد للكفار واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه باقتصارهم على المغفرة والإجارة على أن لا ثواب لهم والأظهر في توابع التكليف كبني آدم

32 - { ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض } إذ لا ينجي منه مهرب { وليس له من دونه أولياء } يمنعونه منه { أولئك في ضلال مبين } حيث أعرضوا عن إجابة من هذا شأنه

سورة محمد
33 - السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن } ولم يتعب ولم يعجز والمعنى أن قدرته واجبة لا تنقص ولا تنقطع بالإيجاد أبد الآباد { بقادر على أن يحيي الموتى } أي قادر ويدل عليه قراءة يعقوب يقدر والباء مزيدة لتأكيد النفي فإنه مشتمل على { أن } وما في حيزها ولذلك أجاب عنه بقوله : { بلى إنه على كل شيء قدير } تقرير للقدرة على وجه عام يكون كالبرهان على المقصود كأنه صدر السورة بتحقيق المبدأ أراد ختمها بإثبات المعاد

34 - { ويوم يعرض الذين كفروا على النار } منصوب بقول مضمر مقوله : { أليس هذا بالحق } والإشارة إلى العذاب { قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } بكفركم في الدنيا ومعنى الأمر هو الإهانة بهم والتوبيخ لهم

35 - { فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل } أولو الثبات والجد منهم فإنك من جملتهم و { من } للتبيين وقيل للتبعيض و { أولو العزم } منهم أصحاب الشرائع اجتهدوا في تأسيسها وتقريرها وصبروا على تحمل مشاقها ومعاداة الطاعنين فيها ومشاهيرهم : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام وقيل الصابرون على بلاء الله كنوح صبر على أذى قومه كانوا يضربونه حتى يغشى عليه وإبراهيم على النار وذبح ولده والذبيح على الذبح ويعقوب على فقد الولد والبصر ويوسف على الجب والسجن وأيوب على الضر وموسى قال له قومه { إنا لمدركون * قال كلا إن معي ربي سيهدين } وداود بكى على خطيئته أربعين سنة وعيسى لم يضع لبنة على لبنة { ولا تستعجل لهم } لكفار قريش بالعذاب فإنه نازل بهم في وقته لا محالة { كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار } استقصروا من هوله مدة لبثهم في الدنيا حتى يحسبونها ساعة { بلاغ } هذا الذي وعظتم به أو هذه السورة بلاغ أي كفاية أو تبليغ من الرسول عليه الصلاة و السلام ويؤيده أنه قرئ بلغ وقيل { بلاغ } مبتدأ خبره { لهم } و { ما } بينهما اعتراض أي لهم وقت يبلغون إليه كأنهم إذا بلغوه ورأوا ما فيه استقصروا مدة عمرهم وقرئ بالنصب اي بلغوا بلاغا { فهل يهلك إلا القوم الفاسقون } الخارجون عن الاتعاظ أو الطاعة وقرئ يهلك بفتح اللام وكسرها من هلك وهلك ونهلك بالنون ونصب القوم عن النبي صلى الله عليه و سلم [ من قرأ سورة الأحقاف كتب له عشر حسنات بعدد كل رملة في الدنيا ]

1 - { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } امتنعوا عن الدخول في الإسلام وسلوك طريقة أو منعوا الناس عنه كالمطعمين يوم بدر أو شياطين قريش أو المصريين من أهل الكتاب أو عام في جميع من كفر وصد { أضل أعمالهم } جعل مكارمهم كصلة الرحم وفك الأسارى وحفظ الجوار ضالة أي ضائعة محيطة بالكفر أو مغلوبة مغمورة فيه كما يضل الماء في اللبن أو ضلال حيث لم يقصدوا به وجه الله أو أبطل ما عملوه من الكيد لرسوله والصد عن سبيله بنصر رسوله وإظهار دينه على الدين كله

2 - { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } يعم المهاجرين والأنصار والذين آمنوا من أهل الكتاب وغيرهم { وآمنوا بما نزل على محمد } تخصيص للمنزل عليه مما يجب الإيمان به تعظيما له وإشعارا بأن الإيمان لا يتم دونه وأنه الأصل فيه ولذلك أكده بقوله : { وهو الحق من ربهم } اعتراضا على طريقة الحصر وقيل حقيقته بكونه ناسخا لا ينسخ وقرئ نزل على البناء للفاعل و أنزل على البناءين و نزل بالتخفيف { كفر عنهم سيئاتهم } سترها بالإيمان وعملهم الصالح { و أصلح بالهم } في الدين والدنيا بالتوفيق والتأييد

3 - { ذلك } إشارة إلى ما مر من الضلال والتكفير والإصلاح وهو مبتدأ خبره { بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم } بسبب اتباع هؤلاء الباطل واتباع هؤلاء الحق وهذا تصريح بما أشعر به ما قبلها ولذلك سمي تفسيرا { كذلك } مثل ذلك الضرب { يضرب الله للناس } يبين لهم { أمثالهم } أحوال الفريقين أو أحوال الناس أو يضرب أمثالهم بأن جعل اتباع الباطل مثلا لعمل الكفار والإضلال مثلا لخيبتهم واتباع الحق مثلا للمؤمنين وتكفير السيئات مثلا لفوزهم

4 - { فإذا لقيتم الذين كفروا } في المحاربة { فضرب الرقاب } أصله فاضربوا الرقات ضربا فحذف الفعل وقدم المصدر وأنيب منابه مضافا إلى المفعول ضما إلى التأكيد والاختصار والتعبير به عن القتل إشعارا بأنه ينبغي أن يكون بضرب الرقاب حيث أمكن وتصوير له بأشنع صورة { حتى إذا أثخنتموهم } أكثرتم قتلهم وأغلظتموه من الثخين وهو الغليظ { فشدوا الوثاق } فأسروهم واحفظوهم والوثاق بالفتح والكسر ما يوثق به { فإما منا بعد وإما فداء } أي فإما تمنون منا أو تفدون فداء والمراد التخيير بعد الأسر بين المن والإطلاق وبين أخذ الفداء وهو ثابت عندنا فإن الذكر الحر المكلف إذا أسر تخير الإمام بين القتل والمن والفداء والاسترقاق منسوخ عند الحنفية أو مخصوص بحرب بدر فإنهم قالوا يتعين القتل أو الاسترقاق وقرئ فدا كعصا { حتى تضع الحرب أوزارها } آلاتها وأثقالها التي لا تقوم إلا بها كالسلاح والكراع أي تنقضي الحرب ولم يبق إلا مسلم أو مسالم وقيل آثامها والمعنى حتى يضع أهل الحرب شركهم ومعاصيهم وهو غاية للضرب أو الشد أو للمن والفداء أو للمجموع بمعنى أن هذه الأحكام جارية فيها حتى لا يكون حرب مع المشركين بزوال شوكتهم وقيل بنزول عيسى عليه الصلاة و السلام { ذلك } اي الأمر ذلك أو افعلوا بهم ذلك { ولو يشاء الله لانتصر منهم } لانتقم منهم بالاستئصال { ولكن ليبلو بعضكم ببعض } ولكن أمركم بالقتال ليبلوا المؤمنين بالكافرين بأن يجاهدوهم فيستوجبوا الثواب العظيم بالمؤمنين بأن يعاجلهم على أيديهم ببعض عذابهم كي يرتدع بعضهم عن الكفر { الذين قتلوا في سبيل الله } أي جاهدوا وقرأ البصريان و حفص قتلوا أي استشهدوا { فلن يضل أعمالهم } فلن يضيعها و قرئ يضل من ضل ويضل على البناء للمفعول

5 - { سيهديهم } إلى الثواب أو سيثبت هدايتهم { ويصلح بالهم }

6 - { ويدخلهم الجنة عرفها لهم } وقد عرفها لهم في الدنيا حتى اشتاقوا إليها فعملوا ما استحقوها به أو بينها لهم بحيث يعلم كل واحد منزله ويهتدي إليه كأنه كان ساكنه منذ خلق أو طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة أو حددها لهم بحيث يكون لكل جنة مفرزة

7 - { يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله } إن تنصروا دينه ورسوله { ينصركم } على عدوكم { ويثبت أقدامكم } في القيام بحقوق الإسلام والمجاهدة مع الكفار

8 - { والذين كفروا فتعسا لهم } فعثورا لهم ونحطاطا ونقضه لعا قال الأعشى :
( فالتعس أولى بها من أن أقول لعا )
وانتصابه بفعله الواجب إضماره سماعا والجملة خبر { الذين كفروا } أو مضمرة لناصبه { وأضل أعمالهم } عطف عليه

9 - { ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله } القرآن لما فيه من التوحيد والتكاليف المخالفة لما ألفوه واشتهته أنفسهم وهو تخصيص وتصريح بسببه الكفر بالقرآن للتعس والإضلال { فأحبط أعمالهم } كرره إشعارا بأنه يلزم الكفر بالقرآن ولا ينفك عنه بحال

10 - { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم } استأصل عليهم ما اختص بهم من أنفسهم وأهليهم وأموالهم { وللكافرين } من وضع الظاهر موضع المضمر { أمثالها } أمثال تلك العاقبة أو العقوبة أو الهلكة لأ التدمير يدل عليها أو السنة لقوله تعالى : { سنة الله التي قد خلت }

11 - { ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا } ناصرهم على أعدائهم { وأن الكافرين لا مولى لهم } فيدفع العذاب عنهم وهو لا يخالف قوله : { وردوا إلى الله مولاهم الحق } فإن المولى فيه بمعنى المالك

12 - { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون } ينتفعون بمتاع الدنيا { ويأكلون كما تأكل الأنعام } حريصين غافلين عن العاقبة { والنار مثوى لهم } منزل ومقام

13 - { وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك } على حذف المضاف وإجراء أحكامه على المضاف إليه والإخراج باعتبار التسبب { أهلكناهم } بأنواع العذاب { فلا ناصر لهم } يدفع عنهم العذاب وهو كالحال المحكية

14 - { أفمن كان على بينة من ربه } حجة من عنده وهو القرآن أو ما يعمه والحجج العقلية كالنبي صلى الله عليه و سلم والمؤمنين { كمن زين له سوء عمله } كالشرك والمعاصي { واتبعوا أهواءهم } في ذلك لا شبهة لهم عليه فضلا عن حجة

15 - { مثل الجنة التي وعد المتقون } أي فيما قصصنا عليك صفتها العجيبة وقيل مبتدأ خبره : { كمن هو خالد في النار } وتقدير الكلام أمثل أهل الجنة من هو خالد أو أمثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد فعري عن حرف الإنكار وحذف ما حذف استغناء يجري مثله تصويرا لمكابرة من يسوي بين المتمسك بالبينة والتابع للهوى بمكابرة من يسوي بين الجنة والنار وهو على الأول خبر محذوف تقديره : أفمن هو خالد في هده الجنة كمن هو خالد في النار أو بدل من قوله : { كمن زين } وما بينهما اعتراض لبيان ما يمتاز به من على بينة في الآخرة تقريرا لإنكار المساواة { فيها أنهار من ماء غير آسن } استئناف لشرح المثل أو حال من العائد المحذوف أو خبر لمثل و { آسن } من أسن الماء بالفتح إذا تغير طعمه وريحه أو بالكسر على معنى الحدوث وقرأ ابن كثير أسن { وأنهار من لبن لم يتغير طعمه } لم يصر قارصا ولا حازرا { وأنهار من خمر لذة للشاربين } لذيذة لا يكون فيها كراهة طعم وريح ولا غائلة سكر وخمار تأنيث لذ او مصدر نعت به بإضمار ذات أو تجوز وقرئت بالرفع على صفة الأنهار والنصب على العلة { وأنهار من عسل مصفى } لم يخالطه الشمع وفضلات النحل وغيرها وفي ذلك تمثيل لما يقوم مقام الأشربة في الجنة بأنواع ما يستلذ منها في الدنيا بالتجريد عما ينقصها وينغصها والتوصيف بما يوجب غزارتها واستمرارها { ولهم فيها من كل الثمرات } صنف على هذا القياس { ومغفرة من ربهم } عطف على الصنف المحذوف أو مبتدأ خبره محذوف أي لهم مغفرة { كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما } مكان تلك الأشربة { فقطع أمعاءهم } من فرط الحرارة

16 - { ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك } يعنى المنافقين كانوا يحضرون مجلس الرسول صلى الله عليه و سلم ويسمعون كلامه فإذا خرجوا { قالوا للذين أوتوا العلم } أي العلماء الصحابة رضي الله تعالى عنهم { ماذا قال آنفا } ما الذي قال الساعة استهزاء أو استعلاما إذا لم يلقوا له آذانهم تهاونا به و { آنفا } من قولهم أنف الشيء لما تقدم منه مستعار من الجارحة ومنه استأنف وائتنف وهو ظرف بمعنى وقتا مؤتنفا أو حال من الضمير في { قال } وقرأ ابن كثير أنفا { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم } فلذلك استهزؤوا وتهاونوا بكلامه

17 - { والذين اهتدوا زادهم هدى } أي زادهم الله بالتوفيق والإلهام أو قول الرسول عليه الصلاة و السلام { وآتاهم تقواهم } بين لهم ما يتقون أو أعانهم على تقواهم أو أعطاهم جزاءها

18 - { فهل ينظرون إلا الساعة } فهل ينتظرون غيرها { أن تأتيهم بغتة } بدل اشتمال من { الساعة } وقوله : { فقد جاء أشراطها } كالعلة له وقرئ أن تأتهم على أنه شرط مستأنف جزاؤه : { فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم } والمعنى أن تأتهم الساعة بغتة لأنه قد ظهر أماراتها كمبعث النبي عليه الصلاة و السلام وانشقاق القمر فكيف لهم { ذكراهم } أي تذكرهم { إذا جاءتهم } الساعة بغتة وحينئذ لا يفرغ له ولا ينفع

19 - { فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك } أي إذا علمت سعادة المؤمنين وشقاوة الكافرين فاثبت على ما أنت عليه من العلم بالوحدانية وتكميل النفس بإصلاح أحوالها وأفعالها وهضمها بالاستغفار { لذنبك } { وللمؤمنين والمؤمنات } ولذنوبهم بالدعاء بفرط احتياجهم وكثرة ذنوبهم وأنها جنس آخر فإن الذنب له ماله تبعة ما بترك الأولى { والله يعلم متقلبكم } في الدنيا فإنها مراحل لا بد من قطعها { ومثواكم } في العقبى فإنها دار إقامتكم فاتقوا الله واستغفروه وأعدوا لمعادكم

20 - { ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة } أي هلا { نزلت سورة } في أمر الجهاد { فإذا أنزلت سورة محكمة } مبينة لا تشابه فيها { وذكر فيها القتال } أي الأمر به { رأيت الذين في قلوبهم مرض } ضعف في الدين وقيل نفاق { ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت } جبنا ومخافة { فأولى لهم } فويل { لهم } أفعل من الولى وهو القرب أو فعلى من آل ومعناه الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه أو يؤول إليه أمرهم

21 - { طاعة وقول معروف } استئناف أي امرهم { طاعة } أو { طاعة وقول معروف } خير لهم أو حكاية قولهم لقراءة أبي يقولون طاعة { فإذا عزم الأمر } أي جد وهو لأصحاب الأمر وإسناده إليه مجاز وعامل الظرف محذوف وقيل { فلو صدقوا الله } أي فيما زعموا من الحرص على الجهاد أو الإيمان { لكان } الصدق { خيرا لهم }

22 - { فهل عسيتم } فهل يتوقع منكم { إن توليتم } أمور الناس وتأمرتم عليهم أو اعرضتم وتوليتم عن الإسلام { أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم } تناحرا على الولاية وتجادبا لها أو رجوعا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من التغاور ومقاتلة الأقارب والمعنى أنهم لضعفهم في الدين وحرصهم على الدنيا أحقاء بأن يتوقع ذلك منهم من عرف حالهم ويقول لهم : هل عسيتم وهذا على لغة الحجاز فإن بني تميم لايلحقون الضمير به وخبره { أن تفسدوا } و { إن توليتم } اعتراض وعن يعقوب { توليتم } أي إن تولاكم ظلمة خرجتم معهم وساعدتموهم في الإفساد وقطيعة الرحم { وتقطعوا } من القطع وقرئ { تقطعوا } من التقطع

23 - { أولئك } إشارة إلى المذكورين { الذين لعنهم الله } لأفسادهم وقطعهم الأرحام { فأصمهم } عن استماع الحق { وأعمى أبصارهم } فلا يهتدون سبيله

24 - { أفلا يتدبرون القرآن } يتصفحونه وما فيه من المواعظ الزواجر حتى لا يجسروا على المعاصي { أم على قلوب أقفالها } لا يصل إليها ذكر ولا ينكشف لها أمر وقيل { أم } منقطعة ومعنى الهمزة فيها التقرير وتنكير القلوب لأن القلوب لأن المراد قلوب بعض منهم أو للإشعار بأنها لإبهام أمرها في القساوة أو لفرط جهالتها ونكرها كأنها مبهمة منكورة وإضافة الأقفال إليها للدلالة على أقفال مناسبى لها مختصة بها لا تجانس الأقفال المعهودة وقرئ إقفالها على المصدر

25 - { إن الذين ارتدوا على أدبارهم } أي ما كانوا عليه من الكفر { من بعد ما تبين لهم الهدى } بالدلائل الواضحات والمعجزات الظاهرة { الشيطان سول لهم } سهل لهم اقتراف الكبائر من السول وهو الاسترخاء وقيل حملهم على الشهوات من السول وهو التمني وفيه أن السول مهموز قلبت همزته واوا لضم ما قبلها ولا كذلك التسويل ويمكن رده بقولهم هما يتساولان وقرئ سول على تقدير مضاف أي كيد الشيطان { سول لهم } { وأملى لهم } ومد لهم في الأمال والأماني أو أمهلهم الله تعالى ولم يعاجلهم بالعقوبة لقراءة يعقوب وأملي لهم أي وأنا أملي لهم فتكون الواو للحال أو الاستئناف وقرأ أبو عمرو وأملي لهم على البناء للمفعول وهو ضمير { الشيطان } أو { لهم }

26 - { ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله } أي قال اليهود للذين كفروا بالنبي عليه الصلاة و السلام بعدما تبين لهم نعته للمنافقين أو المنافقون لهم أو أحد الفريقين للمشركين { سنطيعكم في بعض الأمر } في بعض أموركم أو في بعض ما تأمرون به كالقعود عن الجهاد والموافقة في الخروج معم إن أخرجوا والتظافر على الرسول صلى الله عليه و سلم { والله يعلم إسرارهم } ومنها قولهم هذا الذي أفشاه الله عليهم وقرأ حمزة و الكسائي و حفص إسرارهم على المصدر

27 - { فكيف إذا توفتهم الملائكة } فكيف يعملون ويحتالون حينئذ وقرئ توفاهم وهو يحتمل الماضي والمضارع المحذوف إحدى تاءيه { يضربون وجوههم وأدبارهم } تصوير لتوفيهم بما يخافون منه ويجبنون عن القتال له

28 - { ذلك } إشارة إلى التوفي الموصوف { بأنهم اتبعوا ما أسخط الله } من الكفر ككتمان نعت الرسول عليه الصلاة و السلام وعصيان الأمر { وكرهوا رضوانه } ما يرضاه من الإيمان والجهاد وغيرهما من الطاعات { فأحبط أعمالهم } لذلك

29 - { أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله } أن لن يبرز الله لرسوله صلى الله عليه و سلم والمؤمنين { أضغانهم } أحقادهم

30 - { ولو نشاء لأريناكهم } لعرفناكم بدلائل تعرفهم بأعيانهم { فلعرفتهم بسيماهم } بعلاماتهم التي نسمهم بها واللام لام الجواب كررت في المعطوف { ولتعرفنهم في لحن القول } جواب قسم محذوف و { لحن القول } أسلوبه أو إمالته إلى جهة تعريض وتورية ومنه قيل للمخطئ لاحن لأنه يعدل بالكلام عن الصواب { والله يعلم أعمالكم } فيجازيكم على حساب قصدكم إذ الأعمال بالنيات

31 - { ولنبلونكم } بالأمر بالجهاد وسائر التكاليف الشاقة { حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين } على مشاقه { ونبلو أخباركم } ما يخبر به عن أعمالكم فيظهر حسنها وقبحها أو أخبارهم عن إيمانهم وموالاتهم المؤمنين في صدقها وكذبها وقرأ أبو بكر الأفعال الثلاثة بالياء لتوافق ما قبلها وعن يعقوب ونبلو بسكون الواو على تقدير ونحن نبلو

32 - { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى } هم قريظة والنضير أو المطعمون يوم بدر { لن يضروا الله شيئا } بكفرهم وصدهم أو لن يضروا رسول الله صلى الله عليه و سلم بمشاقته وحذف المضاف لتعظيمه وتفظيع مشاقته { وسيحبط أعمالهم } ثواب حسنات أعمالهم بذلك أو مكايدهم التي نصبوها في مشاقته فلا يصلون بها إلى مقاصدهم ولا تثمر لهم إلا القتل والجلاء عن أوطانهم

33 - { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم } بما أبطل به هؤلاء كالكفر والنفاق والعجب والرياء والمن والأذى ونحوها وليس فيه دليل على إحباط الطاعات بالكبائر

34 - { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم } عام في كل من مات على كفره وإن صح نزوله في أصحاب القليب ويدل بمفهومه على أنه قد يغفر لمن لم يمت على كفره سائر ذنوبه

35 - { فلا تهنوا } فلا تضعفوا { وتدعوا إلى السلم } ولا تدعوا إلى الصلح خورا وتذللا ويجوز نصبه بإضمار إن وقرئ ولا تدعوا من ادعى بمعنى دعا وقرئ أبو بكر و حمزة بكسر السين { وأنتم الأعلون } الأغلبون { والله معكم } ناصركم { ولن يتركم أعمالكم } ولن يضيع أعمالكم من وترت الرجل إذا قتلت متعلقا به من قريب أو حميم فأفردته منه من الوتر شبه به تعطيل ثواب العمل وإفراده منه

سورة الفتح
36 - لا ثبات لها { وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم } ثواب إيمانكم وتقواكم { ولا يسألكم أموالكم } جميع أموالكم بل يقتصر على جزء يسير كربع العشر والعشر

37 - { إن يسألكموها فيحفكم } فيجهدكم بطلب الكل والإخفاء والإلحاف المبالغة وبلوغ الغاية يقال : أحفى شاربه إذ استأصله { تبخلوا } فلا تعطوا { ويخرج أضغانكم } يضغنكم على رسول الله صلى الله عليه و سلم والضمير في يخرج لله تعالى ويؤيده القراءة بالنون أو البخل لأنه سبب الإضغان وقرئ وتخرج بالتاء والياء ورفع { أضغانكم }

38 - { ها أنتم هؤلاء } أي أنتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون وقوله : { تدعون لتنفقوا في سبيل الله } استئناف مقرر لذلك أو صلة ل { هؤلاء } على أنه بمعنى الذين وهو يعم نفقة الغزو والزكاة وغيرهما { فمنكم من يبخل } ناس يبخلون وهو كالدليل على الآية المتقدمة { ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه } فإن نفع الإنفاق وضر البخل عائدان إليه والبخل يعدى بعن وعلى لتضمنه معنى الإمساك والتعدي فإنه إمساك عن مستحق { والله الغني وأنتم الفقراء } فما يأمركم به فهو لاحتياجكم إليه فإن امتثلتم فلكم وإن توليتم فعليكم { وإن تتولوا } عطف على { إن تؤمنوا } { يستبدل قوما غيركم } يقم مقامكم قوما آخرين { ثم لا يكونوا أمثالكم } في التولي والزهد في الإيمان وهم الفرس لأنه [ سئل عليه الصلاة و السلام عنه وكان سلمان إلى جنبه فضرب فخذه وقال : هذا وقومه ] أو الأنصار أو اليمن أو الملائكة عن النبي صلى الله عليه و سلم [ من قرأ سورة محمد كان حقا على الله أن يسقيه من أنهار الجنة ]

1 - { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } وعد بفتح مكة والتعبير عنه بالماضي لتحققه أو بما اتفق له في تلك السنة كفتح خيبر وفدك أو إخبار عن صلح الحديبية وإنما سماه فتحا لأنه كان بعد ظهوره على المشركين حتى سألوا الصلح وتسبب لفتح مكة وفرغ به رسول الله صلى الله عليه و سلم لسائر العرب فغزاهم وفتح مواضع و أدخل في الإسلام خلقا عظيما وظهر له في الحديبية آية عظيمة وهي [ أنه نزح ماؤها بالكلية فتمضمض ثم مجه فيها فدرت بالماء حتى شرب جميع من كان معه ] أو فتح الروم فإنهم غلبوا الفرس في تلك السنة وقد عرفت كونه فتحا للرسول عليه الصلاة و السلام في سورة الروم : وقيل الفتح بمعنى القضاء أي قضينا لك أن تدخل مكة من قابل

2 - { ليغفر لك الله } علة للفتح من حيث إنه مسبب عن جهاد الكفار والسعي في إزاحة الشرك وإعلاء الدين وتكميل النفوس الناقصة قهرا ليصير ذلك بالتدريج اختيارا وتخليص الضعفة عن أيدي الظلمة { ما تقدم من ذنبك وما تأخر } جميع ما فرط منك مما يصح أن تعاتب عليه { ويتم نعمته عليك } بإعلاء الدين وضم الملك إلى النبوة { ويهديك صراطا مستقيما } في تبليغ الرسالة وإقامة مراسم الرئاسة

3 - { وينصرك الله نصرا عزيزا } نصرا فيه عز ومنعة أو يعز به المنصور فوصف بوصفه مبالغة

4 - { هو الذي أنزل السكينة } الثبات والطمأنينة { في قلوب المؤمنين } حتى ثبتوا حيث تقلق النفوس وتدحض الأقدام { ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } يقينا مع يقينهم برسوخ العقيدة واطمئنان النفس عليها أو نزل فيها السكون إلى ما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم ليزدادوا إيمانا بالشرائع مع إيمانهم بالله واليوم الآخر { ولله جنود السموات والأرض } يدبر أمرها فيسلط بعضها على بعض تارة ويوقع فيما بينهم السلم أخرى كما تقتضيه حكمته { وكان الله عليما } بالمصالح { حكيما } فيما يقدر ويدبر

5 - { ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } علة بما بعده لما دل عليه قوله تعالى : { ولله جنود السموات والأرض } من معنى التدبير أي دبر ما دبر من تسليط المؤمنين ليعرفوا نعمة الله فيه ويشكروها فيدخلهم الجنة ويعذب الكفار والمنافقين لما غاظهم من ذلك أو { فتحنا } أو { أنزل } أو جميع ما ذكر أو { ليزدادوا } وقيل إنه بدل منه بدل الاشتمال { ويكفر عنهم سيئاتهم } يغطيها ولا يظهرها { وكان ذلك } أي الإدخال والتكفير { عند الله فوزا عظيما } لأنه منتهى ما يطلب من جلب نفع أو دفع ضر وعند حال من الفوز

6 - { ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات } عطف على { يدخل } إلا إذا جعلته بدلا فيكون عطفا على المبدل منه { الظانين بالله ظن السوء } ظن الأمر السوء وهو أن لا ينصر رسوله والمؤمنين { عليهم دائرة السوء } دائرة ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين لا يتخطاهم وقرأ ابن كثير و أبو عمرو { دائرة السوء } بالضم وهما لغتان غير أن المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمه والمضموم جرى مجرى الشر وكلاهما في الأصل مصدر { وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم } عطف لما استحقوه في الآخرة على ما استوجبوه في الدني والواو في الأخرين والموضع موضع الفاء إذ اللعن سبب للاعداد الغضب سبب له لاستقلال الكل في الوعيد بلا اعتبار النسبية { وساءت مصيرا } جهنم

7 - { ولله جنود السموات والأرض وكان الله عزيزا حكيما }

8 - { إنا أرسلناك شاهدا } على أمتك { ومبشرا ونذيرا } على الطاعة والمعصية

9 - { لتؤمنوا بالله ورسوله } الخطاب للنبي صلى الله عليه و سلم والأمة أو لهم على أن خطابه منزل منزلة خطابهم { وتعزروه } وتقووه بتقوية دينه ورسوله { وتوقروه } وتعظموه { وتسبحوه } وتنزهوه أو تصلوا له { بكرة وأصيلا } غدوة وعشيا أو دائما وقرأ ابن كثير و أبو عمرو الأفعال الأربعة بالياء وقرئ تعزروه بسكون العين و تعزروه بفتح التاء وضم الزاي وكسرها و تعزروه بالزاءين وتوقروه من أوقره بمعنى وقره

10 - { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } لأنه المقصود ببيعته { يد الله فوق أيديهم } حال أو استئناف مؤكد له على سبيل التخييل { فمن نكث } نقض العهد { فإنما ينكث على نفسه } فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه { ومن أوفى بما عاهد عليه الله } في مبايعته { فسيؤتيه أجرا عظيما } هو الجنة وقرئ عهد وقرأ حفص { عليه } بضم الهاء و ابن كثير و نافع و ابن عامر و روح فسنؤتيه بالنون الآية نزلت في بيعة الرضوان

11 - { سيقول لك المخلفون من الأعراب } هم أسلم وجهينة ومزينة وغفار استنفرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم عام الحديبية فتخلفوا واعتلوا بالشغل بأموالهم وأهاليهم وإنما خلفهم الخذلان وضعف العقيدة والخوف من مقاتلة قريش إن صدوهم { شغلتنا أموالنا وأهلونا } إذ لم يكن لنا من يقوم بأشغالهم وقرئ بالتشديد للتكثير { فاستغفر لنا } من الله على التخلف { يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم } تكذيب لهم في الاعتذار والاستغفار { قل فمن يملك لكم من الله شيئا } فمن يمنعكم من مشيئته وقضائه { إن أراد بكم ضرا } ما يضركم كقتل أو هزيمة أو خلل في المال والأهل عقوبة على التخلف وقرأ حمزة و الكسائي بالضم { أو أراد بكم نفعا } ما يضاد ذلك وهو تعريض بالرد { بل كان الله بما تعملون خبيرا } فيعلم تخلفكم وقصدكم فيه

12 - { بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا } لظنكم أن المشركين يستأصلونهم وأهلون جمع أهل وقد يجمع على أهلات كأرضات على أن أصله أهلة وأما أهال فاسم جمع كليال { وزين ذلك في قلوبكم } فتمكن فيها وقرئ على البناء للفاعل وهو الله أو الشيطان { وظننتم ظن السوء } الظن المذكور والمراد التسجيل عليه ب { السوء } أو هو وسائر ما يظنون بالله ورسوله من الأمور الزائغة { وكنتم قوما بورا } هالكين عند الله لفساد عقيدتكم وسوء نيتكم

13 - { ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا } وضع الكافرين موضع الضمير إيذانا بأن من لم يجمع بين الإيمان بالله ورسوله فهو كافر وأنه مستوجب للسعير بكفره وتنكير سعيرا للتهويل أو لأنها نار مخصوصة

14 - { ولله ملك السموات والأرض } يدبره كيف يشاء { يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } إذ لا وجوب عليه { وكان الله غفورا رحيما } فإن الغفران والرحمة من ذاته والتعذيب داخل تحت قضائه بالعرض ولذلك جاء في الحديث الإلهي [ سبقت رحمتي غضبي ]

15 - { سيقول المخلفون } يعني المذكورين { إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها } يعني مغانم خيبر فإنه عليه الصلاة و السلام رجع من الحديبية في ذي الحجة من سنة ست وأقام بالمدينة بقيتها وأوائل المحرم ثم غزا خيبر بمن شهد الحديبية ففتحها وغنم أموالا كثيرة فخصها بهم { ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله } أن يغيروه وهو وعده لأهل الحديبية أن يعوضهم من مغانم مكة مغانم خيبر وقيل قوله تعالى : { لن تخرجوا معي أبدا } والظاهر أنه في تبوك والكلام اسم للتكليم غلب في الجملة المفيدة وقرأ حمزة و الكسائي كلم الله وهو جمع كلمة { قل لن تتبعونا } نفي في معنى النهي { كذلكم قال الله من قبل } من قبل تهيئهم للخروج إلى خيبر { فسيقولون بل تحسدوننا } أن يشارككم في الغنائم وقرئ بالكسر { بل كانوا لا يفقهون } لا يفهمون { إلا قليلا } إلا فهما قليلا وهو فطنتهم لأمور الدنيا ومعنى الإضراب الأول رد منهم أن يكون حكم الله أن لا يتبعوهم وإثبات للحسد والثاني رد من الله لذلك وإثبات لجهلهم بأمور الدين

16 - { قل للمخلفين من الأعراب } كرر ذكرهم بهذا الاسم مبالغة في الذم وإشعارا بشناعة التخلف { ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد } بني حنيفة أو غيرهم ممن ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم أو المشركين فإنه قال : { تقاتلونهم أو يسلمون } أي يكون أحد الأمرين إما المقاتلة أو الإسلام لا غير كما دل عليه قراءة أو يسلموا ومن عداهم يقاتل حتى يسلم أو يعطي الجزية وهو يدل على إمامة أبي بكر رضي الله عنه إذا لم تتفق هذه الدعوة لغيره إلا إذا صح أنهم ثقيف و هوزان فإن ذلك كان في عهد النبوة وقيل فارس والروم ومعنى { يسلمون } ينقادون ليتناول تقبلهم الجزية { فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا } هو الغنيمة في الدنيا والجنة في الآخرة { وإن تتولوا كما توليتم من قبل } عن الحديبية { يعذبكم عذابا أليما } لتضاعف جرمكم

17 - { ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج } لما أوعد على التخلف نفي الحرج عن هؤلاء المعذورين استثناء لهم عن الوعيد { ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار } فصل الوعد وأجمل الوعيد مبالغة في الوعد لسبق رحمته ثم جبر ذلك بالتكرير على سبيل التعميم فقال : { ومن يتول يعذبه عذابا أليما } إذ الترهيب ها هنا أنفع من الترغيب وقرأ نافع و ابن عامر ندخله و نعذبه بالنون

18 - { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } روي : [ أنه صلى الله عليه و سلم لما نزل الحديبية بعث جواس بن أمية الخزاعي إلى أهل مكة فهموا به فمنعه الأحابيش فرجع فبعث عثمان بن عفان رضي الله عنه فحبسوه فأرجف بقتله فدعا رسول الله صلى الله عليه و سلم أصحابه وكانوا ألفا وثلثمائة أو أربعمائة أو خمسمائة وبايعهم على أن يقاتلوا قريشا ولا يفروا عنهم وكان جالسا تحت سمرة أو سدرة ] { فعلم ما في قلوبهم } من الإخلاص { فأنزل السكينة عليهم } الطمأنينة وسكون النفس بالتشجيع أو الصلح { وأثابهم فتحا قريبا } فتح خيبر غب انصرافهم وقيل مكة أو هجر

19 - { ومغانم كثيرة يأخذونها } يعني مغانم خبير { وكان الله عزيزا حكيما } غالبا مراعيا مقتضى الحكمة

20 - { وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها } وهي ما يفيء على المؤمنين إلى يوم القيامة { فعجل لكم هذه } يعني مقام خيبر { وكف أيدي الناس عنكم } أي أيدي أهل خيبر وخلفائهم من بني أسد وغطفان أو أيدي قريش بالصلح { ولتكون } هذه الكفة أو الغنيمة { آية للمؤمنين } أمارة يعرفون بها أنهم من الله بمكان أو صدق الرسول في وعدهم فتح خيبر في حين رجوعه من الحديبية أو عد المغانم أو عنوانا لفتح مكة والعطف على محذوف هو علة ل { كف } أو عجل مثل لتسلموا أو لتأخذوا أو العلة لمحذوف مثل فعل ذلك { ويهديكم صراطا مستقيما } هو الثقة بفضل الله والتوكل عليه

21 - { وأخرى } ومغانم أخرى معطوفة على هذه أو منصوبة بفعل يفسره { قد أحاط الله بها } مثل قضى ويحتمل رفعها بالابتداء لأنها موصوفة وجرها بإضمار رب { لم تقدروا عليها } بعد لما كان فيها من الجولة { قد أحاط الله بها } استولى فأظفركم بها وهي مغانم هوازن أو فارس { وكان الله على كل شيء قديرا } لأن قدرته ذاتية لا تختص بشيء دون شيء

22 - { ولو قاتلكم الذين كفروا } من أهل مكة ولم يصالحوا { لولوا الأدبار } لانهزموا { ثم لا يجدون وليا } يحرسهم { ولا نصيرا } ينصرهم

23 - { سنة الله التي قد خلت من قبل } أي سن غلبة أنبيائه سنة قديمة فيمن مضى من الأمم كما قال تعالى : { لأغلبن أنا ورسلي } { ولن تجد لسنة الله تبديلا } تغييرا

24 - { وهو الذي كف أيديهم عنكم } أي أيدي كفار مكة { وأيديكم عنهم ببطن مكة } في داخل مكة { من بعد أن أظفركم عليهم } أظهركم عليهم وذلك أن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة إلى الحديبية فبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم خالد بن الوليد على جند فهزمهم حتى أدخلهم حيطان مكة ثم عاد وقيل ذلك يوم الفتح واستشهد به على أن مكة فتحت عنوة وهو ضعيف إذ السورة نزلت قبله { وكان الله بما تعملون } من مقاتلتهم أولا طاعة لرسوله وكفهم ثانيا لتعظيم بيته وقرأ أبو عمرو بالياء { بصيرا } فيجازيهم عليه

25 - { هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله } يدل على أن ذلك كان عام الحديبية والهدي ما يهدى إلى مكة وقرئ { الهدي } وهو فعيل بمعنى مفعول ومحله مكانه الذي يحل فيه نحره والمراد مكانه المعهود وهو منى لا مكانه الذي لا يجوز أن ينحر في غيره وإلا لما نحره الرسول صلى الله عليه و سلم حيث أحصر فلا ينتهض حجة للحنفية على أن مذبح هدي المحصر هو الحرم { ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم } لم تعرفوهم بأعيانهم لاختلاطهم بالمشركين { أن تطئوهم } أن توقعوا بهم وتبيدهم قال :
( ووطئتنا وطأ على حنق ... وطء المقيد ثابت الهرم )
وقال عليه الصلاة و السلام [ إن آخر وطأة وطئها الله بوج ] وهو واد بالطائف كان آخر وقعة للنبي صلى الله عليه و سلم بها وأصله الدوس وهو بدل الاشتمال من { رجال } { نساء } أو من ضميرهم في { تعلموهم } { فتصيبكم منهم } من جهتهم { معرة } مكروه كوجوب الدية والكفارة بقتلهم وللتأسف عليهم وتعيير الكفار بذلك والإثم بالتقصير في البحث عنه مفعلة عن عره إذا أعراه ما يكرهه { بغير علم } متعلق ب { أن تطئوهم } أي تطؤهم غير عالمينبهم وجواب { لولا } محذوف لدلالة الكلام عليه والمعنى { لولا } كراهة أن تهلكوا أناسا مؤمنين بين أظهر الكافرين جاهلين بهم يصيبكم بإهلاكهم مكروه لما كف أيديكم عنهم { ليدخل الله في رحمته } علة لما دل عليه كف الأيدي عن أهل مكة صونا لمن فيها من المؤمنين أي كان ذلك ليدخل الله في رحمته أي في توفيقه لزيادة الخير أو للإسلام { من يشاء } من مؤمنيهم أو مشركيهم { لو تزيلوا } لو تفرقوا وتميز بعضهم من بعض وقرئ تزايلوا { لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما } بالقتل والسبي

26 - { إذ جعل الذين كفروا } مقدر باذكر أو ظرف { لعذبنا } أو { صدوكم } { في قلوبهم الحمية } الأنفة { حمية الجاهلية } التي تمنع إذعان الحق { فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين } فأنزل عليهم الثبات والوقار وذلك ما روي [ أنه عليه الصلاة و السلام لما هم بقتالهم بعثوا سهيل بن عمرو أو حويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص ليسألوه أن يرجع من عامه على أن يخلي له قريش مكة من القابل ثلاثة أيام فأجابهم وكتبوا بينهم كتابا فقال عليه الصلاة و السلام لعلي رضي الله عنه : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقالوا ما نعرف هذا اكتب باسمك اللهم ثم قال : اكتب هذا ما صالح عليه رسول الله أهل مكة فقالوا : لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت وما قاتلناك اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة فقال عليه الصلاة و السلام : اكتب ما يريدون ] فهم المؤمنون أن يأبوا ذلك ويبطشوا عليهم فأنزل الله السكينة عليهم فتوقروا وتحملوا { وألزمهم كلمة التقوى } كلمة الشهادة أو بسم الله الرحمن الرحيم محمد رسول الله اختارها لهم أو الثبات والوفاء بالعهد وإضافة ال { كلمة } إلى { التقوى } لأنها سببها أو كلمة أهلها { وكانوا أحق بها } من غيرهم { وأهلها } والمستأهلين لها { وكان الله بكل شيء عليما } فيعلم أهل كل شيء وييسره له

سورة الحجرات
27 - لرؤيا } رأى عليه الصلاة و السلام أنه وأصحابه دخلوا مكة آمنين وقد حلقوا وقصروا فقص الرؤيا على أصحابه ففرحوا وحسبوا أن ذلك يكون في عامهم فلما تأخر قال بعضهم والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا البيت فنزلت والمعنى صدقة في رؤياه { بالحق } ملتبسا به فإن ما رآه كائن لا محالة في وقته المقدر له وهو العام القابل ويجوز أن يكون { بالحق } صفة مصدر محذوف أي صدقا ملتبسا { بالحق } وهو القصد إلى التمييز بين الثابت على الإيمان والمتزلزل فيه وأن يكون قسما إما باسم الله تعالى أو بنقيض الباطل وقوله { لتدخلن المسجد الحرام } جوابه وعلى الأولين جواب قسم محذوف { إن شاء الله } تعليق للعدة بالمشيئة تعليما للعباد أو إشعارا بأن بعضهم لا يدخل لموت أو غيبة أو حكاية لما قاله ملك الرؤيا أو النبي صلى الله عليه و سلم لأصحابه { آمنين } حال من الواو والشرط معترض { محلقين رؤوسكم ومقصرين } أي محلقا بعضكم و مقصرا آخرون { لا تخافون } حال مؤكدة أو استئناف أي لا تخافون بعد ذلك { فعلم ما لم تعلموا } من الحكمة في تأخير ذلك { فجعل من دون ذلك } من دون دخولكم المسجد أو فتح مكة { فتحا قريبا } هو فتح خيبر ليستروح إليه قلوب المؤمنين إلى أن يتيسر الموعود

28 - { هو الذي أرسل رسوله بالهدى } ملتبسا به أو بسببه أو لأجله { ودين الحق } وبدين الإسلام { ليظهره على الدين كله } ليغلبه على جنس الدين كله بنسخ ما كان حقا وإظهار فساد ما كان باطلا أو بتسليط على أهله إذ ما من أهل دين إلا وقد قهرهم المسلمون وفيه تأكيد لما وعده من الفتح { وكفى بالله شهيدا } على أن ما وعده كائن أو على نبوته بإظهار المعجزات

29 - { محمد رسول الله } جملة مبينة للمشهود به ويجوز أن يكون { رسول الله } صفة و { محمد } خبر محذوف أو مبتدأ : { والذين معه } معطوف عليه وخبرهما { أشداء على الكفار رحماء بينهم } و { أشداء } جمع شديد و { رحماء } جمع رحيم والمعنى أنهم يغلظون على من خالف دينهم ويتراحمون فيما بينهم كقوله : { أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } { تراهم ركعا سجدا } لأنهم مشتغلون بالصلاة في أكثر أوقاتهم { يبتغون فضلا من الله و رضوانا } الثواب والرضا { سيماهم في وجوههم من أثر السجود } يريد السمة التي تحدث في جباهم من كثرة السجود فعلى من سامه إذا أعلمه وقد قرئت ممدودة و { من أثر السجود } بيانها أو حال من المستكن في الجار { ذلك } إشارة إلى الوصفى المذكور أو إشارة مبهمة يفسرها { كزرع } { مثلهم في التوراة } صفتهم العجيبة الشأن المذكورة فيها { ومثلهم في الإنجيل } عطف عليه أي ذلك مثلهم في الكتابين وقوله ك { كزرع } تمثيل مستأنف أو تفسيرا أو مبتدأ و { كزرع } خبره { أخرج شطأه } فراخه يقال أشطأ الزرع إذا فرخ وقرأ ابن كثير و ابن عامر برواية ابن ذكوان { شطأه } بفتحات وهو لغة فيه وقرئ شطاه بتخفيف الهمزة و شطاءه بالمد و شطه بنقل حركة الهمزة وحذفها و شطوه بقلبها واوا { فآزره } فقواه من المؤازرة وفي المعاينة أو من الإيزار وهي الإاعانة وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان فأزره كأجره في آجره { فاستغلظ } فصار من الدقة إلى الغلظ { فاستوى على سوقه } فاستقام على قصبه جمع ساق وعن ابن كثير سؤقه بالهمزة { يعجب الزراع } بكثافته وقوته وغلظه وحسن منظره وهو مثل ضربه الله تعالى للصحابة قلوا في بدء الإسلام ثم كثروا واستحكموا فترقى أمرهم بحيث أعجب الناس { ليغيظ بهم الكفار } علة لتشبيههم بالزرع في زكاته واستحكامه أو لقوله : { وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم } فإن الكفار لما سمعوه غاظهم ذلك ومنهم للبيان عن النبي صلى الله عليه و سلم [ من قرأ سورة الفتح فكأنما كان ممن شهد مع محمد عليه الصلاة السلام فتح مكة ]

1 - { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا } أي لا تقدموا أمرا فحذف المفعول ليذهب الوهم إلى كل ما يمكن أو ترك لأن المقصود نفي التقديم رأسا أو لا تتقدموا ومنه مقدمة الجيش لمتقدميهم ويؤيده قراءة يعقوب لا تقدموا وقرئ لا تقدموا من القدوم { بين يدي الله ورسوله } مستعار مما بين الجهتين المسامتتين ليدي الإنسان تهجينا لما نهوا عنه والمعنى لا تقطعوا أمرا قبل أن يحكما به وقيل المراد بين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم وذكر الله تعظيم له وإشعار بأنه من الله بمكان يوجب إجلاله { واتقوا الله } في التقديم أو مخالفة الحكم { إن الله سميع } لأقوالكم { عليم } بأفعالكم

2 - { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } أي إذا كلمتموه فلا تجاوزوا أصواتكم عن صوته { ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض } ولا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم بل اجعلوا أصواتكم أخفض من صوته محاماة على الترحيب ومراعاة للأدب وقيل معناه ولا تخاطبوه باسمه وكنيته كما يخاطب بعضكم بعضا وخاطبوه بالنبي والرسول وتكرير النداء لاستدعاء مزيد الاستبصار والمبالغة في الاتعاظ والدلالة على استقلال المنادى له وزيادة الاهتمام به { أن تحبط أعمالكم } كراهة أن تحبط فيكون علة للنهي أو لأن تحبط على أن النهي عن الفعل المعلل باعتبار التأدية لأن في الجهر والرفع استخفافا قد يؤدي إلى الكفر المحبط وذلك إذ انضم إليه قصد الإهانة وعدم المبالاة وقد روي : [ أن ثابت بن قيس كان في أذنه وقر وكان جهوريا فلما نزلت تخلف عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فتفقده ودعاه فقال : يا رسول الله لقد نزلت إليك هذه الآية وإني رجل جهير الصوت فأخاف أن يكون عملي قد حبط فقال عليه الصلاة و السلام : لست هنالك إنك تعيش بخير وتموت بخير وإنك من أهل الجنة ] { وأنتم لا تشعرون } أنها محبطة

3 - { إن الذين يغضون أصواتهم } يخفضونها { عند رسول الله } مراعاة للأدب أو مخافة عن مخالفة النهي قيل كان أبو بكر وعمر بعد ذلك يسرانه حتى يستفهمهما { أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى } جربها للتقوى ومرنها عليها أو عرفها كائنة للتقوى خالصة لها فإن الامتحان سبب المعرفة واللام صلة محذوف أو للفعل باعتبار الأصل أو ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف الشاقة لأجل التقوى فإنها لا تظهر إلا بالاصطبار عليها أو أخلصها للتقوى من امتحن الذهب إذا أذابه وميز إبريزه من خبثه { لهم مغفرة } لذنوبهم { وأجر عظيم } لغضبهم وسائر طاعاتهم والتنكير للتعظيم والجملة خبر ثان لأن أو استئناف لبيان ما هو جزاء الغاضبين إحمادا لحالهم كما أخبر عنه بجملة مؤلفة من معرفتين والمبتدأ اسم الإشارة المتضمن لما جعل عنوانا لهم والخبر الموصول بصلة دلت على بلوغهم أقصى الكمال مبالغة في الاعتداد بغضبهم والارتضاء له وتعريضا بشناعة الرفع والجهر وأن حال المرتكب لهما على خلاف ذلك

4 - { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات } من خارجها خلفها أو قدامها ومن ابتدائية فإن المناداة نشأت من جهة الوراء وفائدتها الدلالة على أن المنادي داخل الحجرة إذ لا بد وأن يختلف المبتدأ والمنتهى بالجهة وقرئ الحجرات بفتح الجيم وسكونها وثلاثتها جمع حجرة وهي القطعة من الأرض الحجورة بحائط ولذلك يقال لحظيرة الإبل حجرة وهي فعلة بمعنى مفعول كالغرفة والقبضة والمراد حجرات نساء النبي عليه الصلاة و السلام وفيها كناية عن خلوته بالنساء ومناداتهم من ورائهم إما بأنهم أتوها حجرة حجرة فنادوا من ورائها أو بأنهم تفرقوا على الحجرات متطلبين له فأسند فعل الأبعاض إلى الكل وقيل إن الذي ناداه عيينة بن حصن والأقرع بن حابس وفدا على رسول الله صلى الله عليه و سلم في سبعين رجلا من بني تميم وقت الظهيرة وهو راقد فقالا يا محمد اخرج إلينا وإنما أسند إلى جميعهم لأنهم رضوا بذلك أو أمروا به أو لأنه وجد فيما بينهم { أكثرهم لا يعقلون } إذ العقل يقتضي حسن الأدب ومراعاة الحشمة سيما لمن كان بهذا المنصب

5 - { ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم } أي ولو ثبت صبرهم وانتظارهم حتى تخرج إليهم فإن أن وإن دلت في حيزها على المصدر دلت بنفسها على الثبوت ولذلك وجب إضمار الفعل وحتى تفيد أن الصبر ينبغي أن يكون مغنيا بخروجه فإن مختصة بغاية الشيء في نفسه ولذلك تقول : أكلت السمكة حتى رأسها ولا تقول حتى نصفها بخلاف إلى فإنها عامة { إليهم } إشعار بأنه لو خرج لا لأجلهم ينبغي أن يصبروا حتى يفاتحهم الكلام أو يتوجه إليهم { لكان خيرا لهم } لكان الصبر خيرا لهم من الاستعجال لما فيه من حفظ الأدب وتعظيم الرسول الموجبين للثناء والثواب والإسعاف بالمسؤول إذ روي إنهم وفدوا شافعين في أسارى بني العنبر فأطلق النصف وفادى النصف { والله غفور رحيم } حيث اقتصر على النصح والتقريع لهؤلاء المسيئين الأدب التاركين تعظيم الرسول عليه الصلاة و السلام

6 - { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا } فتعرفوا وتصفحوا روي أنه عليه الصلاة و السلام بعث الوليد بن عقبة مصدقا إلى بني المصطلق وكان بينه وبينهم إحنة فلما سمعوا به استقبلوه فحسبهم مقاتليه فرجع وقال لرسول الله صلى الله عليه و سلم قد ارتدوا ومنعوا الزكاة فهم بقتالهم فنزلت وقيل بعث إليهم خالد بن الوليد فوجدهم منادين بالصلاة متهجدين فسلموا إليه الصدقات فرجع وتنكير الفاسق والنبأ للتعميم وتعليق الأمر بالتبين على فسق المخبر يقتضي جواز قبول خبر العدل من حيث إن المعلق على شيء بكلمة إن عدم عند عدمه وأن خبر الواحد لو وجب تبينه من حيث هو كذلك لما رتب على الفسق إذ الترتيب يفيد التعليل وما بالذات لا يعلل بالغير وقرأ حمزة و الكسائي فتثبتوا أي فتوقفوا إلى أن يتبين لكم الحال { أن تصيبوا } كراهة إصابتكم { قوما بجهالة } جاهلين بحالهم { فتصبحوا } فتصيروا { على ما فعلتم نادمين } مغتمين غما لازما متمنين أنه لم يقع وتركيب هذه الأحرف الثلاثة دائر على الدوام

7 - { واعلموا أن فيكم رسول الله } أن بما في حيزه ساد مسد مفعولي اعلموا باعتبار ما قيد به من الحال وهو قوله : { لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم } فإنه حال من أحد ضميري فيكم ولو جعل استئنافا لم يظهر للأمر فائدة والمعنى أن فيكم رسول الله على حال يجب تغييرها وهي أنكم تريدون أن يتبع رأيكم في الحوادث ولو فعل ذلك { لعنتم } أي لوقعتم في الجهد من العنت وفيه إشعار بأن بعضهم أشار إليه بالإيقاع ببني المصطلق وقوله : { ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان } استدراك ببيان عذرهم وهو أنه من فرط حبهم للإيمان وكراهتهم للكفر حملهم على ذلك لما سمعوا قول الوليد أو بصفة من لم يفعل ذلك منهم إحمادا لفعلهم وتعريضا بذم من فعل ويؤيده قوله : { أولئك هم الراشدون } أي أولئك المستثنون هم الذين أصابوا الطريق السوي { وكره } يتعدى بنفسه إلى مفعول واحد فإذا شدد زاد له آخر لكنه لما تضمن معنى التبعيض نزل كره منزلة بغض فعدي إلى آخر بإلى أو نزل إليكم منزلة مفعول آخر و { الكفر } تغطية نعم الله الجحود { والفسوق } الخروج عن القصد { والعصيان } الامتناع عن الانقياد

8 - { فضلا من الله ونعمة } تعليل ل { كره } أو { حبب } وما بينهما اعتراض لا لا { الراشدون } فإن الفضل فعل الله والرشد وإن كان مسببا عن فعلة مسند إلى ضميرهم أو مصدر لغير فعلة فإن التحبيب والرشد فضل من الله وإنعام { والله عليم } بأحوال المؤمنين وما بينهم من التفاضل { حكيم } حيث يفضل وينعم بالتوفيق عليهم

9 - { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } تقاتلوا والجمع باعتبار المعنى فإن كل طائفة جمع { فأصلحوا بينهما } بالنصح والدعاء إلى حكم الله تعالى { فإن بغت إحداهما على الأخرى } تعدت عليها { فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله } ترجع إلى حكمه أو ما أمر به وإنما أطلق الفيء على الظل لرجوعه بعد نسخ الشمس والغنيمة لرجوعها من الكفار إلى المسلمين { فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل } بفصل ما بينهما على ما حكم الله وتقييد الإصلاح بالعدل ها هنا لأنه مظنة الحيف من حيث إنه بعد المقاتلة { وأقسطوا } واعدلوا في كل الأمور { إن الله يحب المقسطين } يحمد فعلهم بحسن الجزاء والآية نزلت في قتال حدث بين الأوس والخزرج في عهده عليه الصلاة و السلام بالسعف والنعال وهي تدل على أن الباغي مؤمن وأنه إذا قبض عن الحربت ترك كما جاء في الحديث لأنه فيء إلى أمر الله تعالى وأنه يجب معاونة من بغى عليه بعد تقديم النصح والسعي في المصالحة

10 - { إنما المؤمنون إخوة } من حيث إنهم منتسبون إلى أصل واحد وهو الإيمان الموجب للحياة الإبدية وهو تعليل وتقرير للأمر بالإصلاح ولذلك كرره مرتبا عليه بالفاء فقال : { فأصلحوا بين أخويكم } ووضع الظاهر موضع الضمير مضافا إلى المأمورين للمبالغة في التقرير والتخصيص وخص الاثنين بالذكر لأنهما أقل من يقع بينهم الشقاق وقيل المراد بالأخوين الأوس والخزرج وقرئ بين إخوانكم و إخوانكم { واتقوا الله } في مخالفة حكمه والإهمال فيه { لعلكم ترحمون } على تقواكم

11 - { يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن } أي لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض إذ قد يكون المسخور منه خيرا عند الله من الساخر والقوم مختص بالرجال لأنه إما مصدر نعت به فشاع في الجمع لقائم كزائر و زور والقيام بالأمور وظيفة الرجال كما قال تعال { الرجال قوامون على النساء } وحيث فسر بالقبيلين كقوم عاد وفرعون فإما على التغليب أو الاكتفاء بذكر الرجال على ذكرهن لأنهن توابع واختيار الجمع لأن السخرية تغلب في المجامع و { عسى } باسمها استئناف بالعلة الموجبة للنهي ولا خبر لها لإغناء الاسم عنه وقرئ عسوا أن يكونا و عسين أن يكن فهي على هذا ذات خبر { ولا تلمزوا أنفسكم } أي ولا يغتب بعضكم بعضا فإن المؤمنين كنفس واحدة أو لا تفعلوا ما تلمزون به فإن من فعل ما يستحق به اللمز فقد لمز نفسه واللمز الطعن باللسان وقرأ يعقوب بالضم { ولا تنابزوا بالألقاب } ولا يدع بعضكم بعضا بلقب السوء فإن النبز مختص بلقب السوء عرفا { بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } أي بئس الذكر المرتفع للمؤمنين أن يذكروا بالفسوق بعد دخولهم الإيمان واشتهارهم به والمراد به إما تهجين نسبة الكفر والفسق إلى المؤمنين خصوصا إذ روي أن الآية [ نزلت في صفية بنت حيي رضي لله عنها أتت رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت : إن النساء يقلن لي يا يهودية بنت يهوديين فقال لها هلا قلت إن أبي هارون وعمي موسى و زوجي محمد عليهم السلام ] أو للدلالة على أن التنابز فسق والجمع بينه وبين الإيمان مستقبح { ومن لم يتب } عما نهى عنه { فأولئك هم الظالمون } بوضع العصيان موضع الطاعة وتعريض النفس للعذاب

12 - { يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن } كونوا منه على جانب وإبهام الكثير ليحتاط في كل ظن ويتأمل حتى يعلم أنه من أي القبيل فإن من الظن ما يجب اتباعه كالظن حيث لا قاطع من العمليات وحسن الظن بالله سبحانه وتعالى وما يحرم كالظن في الإلهيات والنبوات وحيث يحالفه قاطع وظن السوء بالمؤمنين وما يباح كالظن في الأمور المعاشة { إن بعض الظن إثم } مستأنف للأمر والإثم الذنب الذي يستحق العقوبة عليه والهمزة فيه بدل من الواو كأنه يثم الأعمال أي بكسرها { ولا تجسسوا } ولا تبحثوا عن عورات المسلمين تفعل من الجس باعتبار ما فيه من معنى الطلب كالتلمس وقرئ بالحاء من الحس الذي هو أثر الجس وغايته ولذلك قيل للحواس الخمس الجواس وفي الحديث [ لا تتبعوا عورات المسلمين فإن من تتبع عوراتهم تتبع الله عورته حتى يفضحه ولو في جوف بيته ] { ولا يغتب بعضكم بعضا } ولا يذكر بعضكم بعضا بالسوء في غيبته و [ سئل عليه الصلاة و السلام عن الغيبة فقال أن تذكر أخاك بما يكرهه فإن كان فيه فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته ] { أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا } تمثيل لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفحش وجه مع مبالغات الاستفهام المقرر وإسناد الفعل إلى أحد للتعميم وتعليق المحبة بما هو في غاية الكراهة وتمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان وجعل المأكول أخا وميتا وتعقيب ذلك بقوله : { فكرهتموه } تقريرا وتحقيقا لذلك والمعنى أن صح ذلك أو عرض عليكم هذا فقد كرهتموه ولا يمكنكم إنكار كراهته وانتصاب { ميتا } على الحال من اللحم أو الأخ وشدده نافع { واتقوا الله إن الله تواب رحيم } لمن اتقى ما نهى عنه وتاب مما فرظ منه والمبالغة في ال { تواب } لأنه بليغ في قبول التوبة إذ يجعل صاحبها كمن لم يذنب أو لكثرة المتوب عليهم أو لكثرة ذنوبهم روي : [ أن رجلين من الصحابة بعثا سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم يبغي لهما إداما وكان أسامة على طعامه فقال : ما عندي شيء فأخبرهما سلمان فقالا : لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها فلما راحا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لهما : ما لي أرى حضرة اللحم في أفواهكما فقالا : ما تناولنا لحما فقال : إنكما قد اغتبتما فنزلت ]

13 - { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } من آدم وحواء عليهما السلام أو خلقنا كل واحد منكم من أب و أم فالكل سواء في ذلك فلا وجه للتفاخر بالنسب ويجوز أن يكون تقريرا للأخوة المانعة عن الاغتياب { وجعلناكم شعوبا وقبائل } الشعب الجمع العظيم المنتسبون إلى أصل واحد وهو يجمع القبائل والقبيلة تجمع العمائر والعمارة تجمع البطون والبطن تجمع الأفخاذ والفخذ يجمع الفصائل فخزيمة شعب وكنانة قبيلة وقريش عمارة وقصي بطن وهاشم فخذ وعباس فصيلة وقبل الشعوب بطون العجم والقبائل بطون العرب { لتعارفوا } ليعرف بعضكم بعضا لا للتفاخر بالآباء والقبائل وقرئ { لتعارفوا } بالإدغام و لتتعارفوا و لتعرفوا { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } فإن التقوى بها تكمل النفوس وتتفاضل بها الأشخاص فمن أراد شرفا فليلتمسه منها كما قال عليه الصلاة و السلام [ من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله ] وقال عليه الصلاة و السلام [ يا أيها الناس إنما الناس رجلان مؤمن تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله ] { إن الله عليم } بكم { خبير } ببواطنكم

14 - { قالت الأعراب آمنا } نزلت في نفر من بني أسد قدموا المدينة في سنة جدبة وأظهروا الشهادتين وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه و سلم أتيناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان يريدون الصدقة ويمنون { قل لم تؤمنوا } إذ الأيمان تصديق مع ثقة وطمأنينة قلب ولم يحصل لكم إلا لما مننتم على الرسول عليه الصلاة و السلام بالإسلام وترك المقاتلة كما دل عليه آخر السورة { ولكن قولوا أسلمنا } فإن الإسلام انقياد ودخول في السلم وإظهار الشهادتين وترك المحاربة يشعر به وكان نظم الكلام أن يقول لا تقولوا آمنا { ولكن قولوا أسلمنا } أو لم تؤمنوا ولكن أسلمتم فعدل منه إلى هذا النظم احترازا من النهي عن القول بالإيمان والجزم بإسلامهم وقد فقد شرط اعتباره شرعا { ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } توقيت ل { قولوا } فإنه حال من ضميره أي : { ولكن قولوا أسلمنا } ولم تواطئ قلوبكم ألسنتكم بعد { وإن تطيعوا الله ورسوله } بالإخلاص وترك النفاق { لا يلتكم من أعمالكم } لا ينقصكم من أجورها { شيئا } من لات يليت ليتا إذا نقص وقرأ البصريان لا يألتكم من الألت وهو لغة غطفان { إن الله غفور } لما فرط من المطيعين { رحيم } بالتفضل عليهم

15 - { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا } لم يشكوا من ارتاب مطاوع رابه إذ أوقعه في الشك مع التهمة وفيه إشارة إلى ما أوجب نفي الإيمان عنهم و { ثم } للإشعار بأن اشتراط عدم الارتياب في اعتبار الإيمان ليس حال الإيمان فقط بل فيه وفيما يستقبل فهي كما في قوله : { ثم استقاموا } { وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله } في طاعته المجاهدة بالأموال والأنفس تصلح للعبادات المالية والبدنية بأسرها { أولئك هم الصادقون } الذين صدقوا في ادعاء الإيمان

سورة ق
16 - ن الله بدينكم } أتخبرونه به بقولكم { آمنا } { والله يعلم ما في السموات وما في الأرض والله بكل شيء عليم } لا يخفى عليه خافية وهو تجهيل لهم وتوبيخ روي أنه لما نزلت الآية المتقدمة جاؤوا وحلفوا أنهم مؤمنون معتقدون فنزلت هذه الآية

17 - { يمنون عليك أن أسلموا } يعدون إسلامهم عليك منة وهي النعمة التي لا يستثيب موليها ممن بذلها إليه من المن بمعنى القطع لأن المقصود بها قطع حاجته وقيل النعمة الثقيلة من المن { قل لا تمنوا علي إسلامكم } أي بإسلامهم فنصب بنزع الخافض أو تضمين الفعل معنى الاعتدال { بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان } على ما زعمتم مع أن الهداية لا تستلزم الاهتداء وقرئ إن هداكم بالكسر و إذ هداكم { إن كنتم صادقين } في ادعاء الإيمان وجوابه محذوف يدل عليه ما قبله أي فالله المنة عليكم وفي سياق الآية لطف وهو أنهم لما سمعوا ما صدر عنهم إيمانا ومنوا به فنفى أنه إيمان وسماه إسلاما بأن قال يمنون عليكم بما هو في الحقيقة إسلام وليس بجدير أن يمن به عليك بل لو صح ادعاؤهم للإيمان فلله المنة عليهم بالهداية له لا لهم

18 - { إن الله يعلم غيب السموات والأرض } ما غاب فيهما { والله بصير بما تعملون } في سركم وعلانيتكم فكيف يخفى عليه ما في ضمائركم وقرأ ابن كثير بالياء لما في الآية من الغيبة عن النبي صلى الله عليه و سلم [ من قرأ سورة الحجرات أعطي من الأجر بعدد من أطاع الله وعصاه ]

1 - { ق والقرآن المجيد } الكلام فيه كما مر في { ص والقرآن ذي الذكر } و { المجيد } ذو المجد والشرف على سائر الكتب أو لأنه كلام المجيد أو لأن من علم معانيه وامتثل أحكامه مجد

2 - { بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم } إنكارلتعجبهم مما ليس بعجب وهو أن ينذرهم أحد من جنسهم أو من أبناء جلدتهم { فقال الكافرون هذا شيء عجيب } حكاية لتعجيبهم وهذا إشارة إلى اختيار الله محمدا صلى الله عليه و سلم للرسالة وإضمار ذكرهم ثم إظهاره للإشعار بتعنتهم بهذا المقال ثم التسجيل على كفرهم بذلك أو عطف لتعجبهم من البعث على تعجبهم من البعثة والمبالغة فيه بوضع الظاهر موضع ضميرهم وحكاية تعجبهم مبهما أن كانت الإشارة إلى منهم يفسره ما بعده أو مجملا إن أهون مما يشاهدون من صنعه

3 - { أإذا متنا وكنا ترابا } أي أنرجع إذا متنا وصرنا ترابا ويدل على المحذوف قوله : { ذلك رجع بعيد } أي بعيد عن الوهم أو العادة أو الإمكان وقيل الرجع بمعنى المرجوع

4 - { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم } ما تأكل من أجساد موتاهم وهو رد لاستبعادهم بإزاحة ما هو الأصل فيه وقيل إنه جواب القسم واللام محذوف لطول الكلام { وعندنا كتاب حفيظ } حافظ لتفاصيل الأشياء كلها أو محفوظ عن التغيير والمراد إما تمثيل علمه بتفاصيل الأشياء بعلم من عنده كتاب محفوظ يطالعه أو تأكيد لعلمه بها بثبوتها في اللوح المحفوظ عنده

5 - { بل كذبوا بالحق } يعني النبوة الثابتة بالمعجزات أو النبي صلى الله عليه و سلم أو القرآن { لما جاءهم فهم } وقرئ لما بالكسر { في أمر مريج } مضطرب من مرج الخاتم في أصبعه إذا خرج وذلك قولهم تارة أنه { شاعر } وتارة أنه { ساحر } وتارة أنه كاهن

6 - { أفلم ينظروا } حين كفروا بالبعث { إلى السماء فوقهم } إلى آثار قدرة الله تعالى في خلق العالم { كيف بنيناها } رفعناها بلا عمد { وزيناها } بالكواكب { وما لها من فروج } فتوق بأن خلقها ملساء متلاصقة الطباق

7 - { والأرض مددناها } بسطناها { وألقينا فيها رواسي } جبالا ثوابت { وأنبتنا فيها من كل زوج } أي من كل صنف { بهيج } حسن

8 - { تبصرة وذكرى لكل عبد منيب } راجع إلى ربه متفكر في بدائع صنعه وهما علتان للأفعال المذكورة معنى وإن انتصبتا عن الفعل الأخير

9 - { ونزلنا من السماء ماء مباركا } كثير المنافع { فأنبتنا به جنات } أشجارا وأثمارا { وحب الحصيد } وحب الزرع الذي من شأنه أن يحصد كالبر الشعير

10 - { والنخل باسقات } طوالا أو حوامل من أبسقت الشاة إذا حملت فيكون من أفعل فهو فاعل وإفرادها بالذكر لفرط ارتفاعها وكثرة منافعها وقرئ لأجل القاف { لها طلع نضيد } منضود بعضه فوق بعض والمراد تراكم الطلع أو كثرة ما فيه من الثمر

11 - { رزقا للعباد } علة ل { أنبتنا } أو مصدر فإن الإثبات رزق { وأحيينا به } بذلك الماء { بلدة ميتا } أرضا جدبة لا نماء فيها { كذلك الخروج } كما حييت هذه البلدة يكون خروجكم أحياء بعد موتكم

12 - { كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود }

13 - { وعاد وفرعون } أراد بفرعون إياه وقومه ليلائم ما قبله وما بعده { وإخوان لوط } أخوانه لأنهم كانوا أصهاره

14 - { وأصحاب الأيكة وقوم تبع } سبق في الحجر و الدخان { كل كذب الرسل } أي كل واحد أو قوم منهم أو جميعهم وإفراد الضمير لإفراد لفظه { فحق وعيد } فوجب وحل عليه وعيدي وفيه تسلية للرسول صلى الله عليه و سلم وتهديد لهم

15 - { أفعيينا بالخلق الأول } أي أفعجزنا عن الإبداء حتى نعجز عن الإعادة من عيي بالأمر إذا لم يهتد لوجه عمله والهمزة فيه للإنكار { بل هم في لبس من خلق جديد } أي هم لا ينكرون قدرتنا على الخلق الأول بل هم في خلط وشبهة في خلق مستأنف لما فيه من مخالفة العادة وتنكير الخلق الجديد لتعضيم شأنه والإشعار بأنه على وجه غير متعارف ولا معتاد

16 - { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه } ما تحدثه به نفسه وهو ما يخطر بالبال والوسوسة الصوت الخفي ومنها وسواس الحلي والضمير لما إن جعلت موصولة والباء مثلها في صوت بكذا أو ل { الإنسان } إن جعلت مصدرية والباء للتعدية { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } أي ونحن أعلم بحاله ممن كان أقرب إليه { من حبل الوريد } تجوز بقرب الذات لقرب العلم لأنه موجبة و { حبل الوريد } مثل في القرب قال :
( والموت أدنى لي من الوريد )
وال { حبل } العرق وإضافته للبيان والوريدان عرقان مكتنفان بصفتحي العنق في مقدمها بالوتين يردان من الرأس إليه وقيل سمي وريدا لأن الزوج ترده

17 - { إذ يتلقى المتلقيان } مقدر باذكر أو متعلق ب { أقرب } أي هو أعلم بحاله من كل قريب حين يتلقى أي يتلقن الحفيظان ما يتلفظ به وفيه إيذان بأنه غني عن استحفاظ الملكين فإنه أعلم منهما ومطلع على ما يخفى عليهما لكنه لحكمة اقتضته وهي ما فيه من تشديد يثبط العبد عن المعصية وتأكيد في اعتبار الأعمال وظبطها للجزاء وإلزام للحجة يوم يقوم الاشهاد { عن اليمين وعن الشمال قعيد } أي { عن اليمين } قعيد { وعن الشمال قعيد } أي مقاعد كالجليس فحذف الأول لدلالة الثاني عليه كقوله :
( فإني وقيار بها لغريب )
وقد يطلق الفعل للواحد والمتعدد كقوله تعالى : { والملائكة بعد ذلك ظهير }

18 - { ما يلفظ من قول } ما يرمي به من فيه { إلا لديه رقيب } ملك يرقب عمله { عتيد } معد حاضر ولعله يكتب عليه ما فيه ثواب أو عقاب وفي الحديث [ كاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا عمل حسنة كتبها ملك اليمين عشرا وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر ]

19 - { وجاءت سكرة الموت بالحق } لما ذكر استبعادهم البعث للجزاء وأزاح ذلك بتحقيق قدرته وعلمه أعلمهم بأنهم يلاقون ذلك عن قريب عند الموت وقيام الساعة ونبه على اقترابه بأن عبر عنه بلفظ الماضي وسكرة الموت شدته الذاهبة بالعقل والباء للتعدية كما في قولك : جاء زيد بعمرو والمعنى وأحضرت سكرة الموت حقيقة الأمر أو الموعود الحق أو الحق الذي ينبغي أن يكون من الموت أو الجزاء فإن الإنسان خلق له أو مثل الباء في { تنبت بالدهن } وقرئ سكرة الحق بالموت على أنها لشدتها اقتضت الزهوق أو لاستعقابها له كأنها جاءت به أو على أن الباء بمعنى مع وقيل { سكرة الموت بالحق } سكرة الله وإضافتها إليه للتهويل وقرئ سكرات الموت { ذلك } أي الموت { ما كنت منه تحيد } تميل وتنفر عنه والخطاب للإنسان

20 - { ونفخ في الصور } يعني نفخة البعث { ذلك يوم الوعيد } أي وقت ذلك يوم تحقق الوعيد وإنجازه والإشارة إلى مصدر { نفخ }

21 - { وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد } ملكان أحدهما يسوقه والآخر يشهد بعمله أو ملك جامع للوصفين وقيل السائق كاتب السيئات والشهيد كاتب الحسنات وقيل السائق نفسه او قرينه والشهيد جوارحه أو أعماله ومحل { معها } النصب على الحال من كل لإضافته إلى ما هو في حكم المعرفة

22 - { لقد كنت في غفلة من هذا } على إضمارالقول والخطاب { لكل نفس } إذ ما من أحد إلا وله أشتغال ما عن الآخرة أو للكافر { فكشفنا عنك غطاءك } الغطاء الحاجب لأمور المعاد وهو الغفلة والانهماك في المحسوسات والإلف بها وقصور النظر عليها { فبصرك اليوم حديد } نافذ لزوال المانع للأبصار وقيل الخطاب للنبي عليه الصلاة و السلام والمعنى : كنت في غفلة من أمر الديانة فكشفنا عنك غطاء الغفلة بالوحي وتعليم القرآن { فبصرك اليوم حديد } ترى ما يرون وتعلم ما لا يعلمون ويؤيد الأول قراءة من كسر بالتاء والكافات على خطاب النفس

23 - { وقال قرينه } قال الملك الموكل عليه { هذا ما لدي عتيد } هذا ما هو مكتوب عندي حاضر لدي أو الشيطان الذي قيض له هذا ما عندي وفي ملكتي عتيد لجهنم هيأته لها باغوائي وإضلالي و { ما } إن جعلت موصوفة ف { عتيد } صفتها وإن جعلت موصولة فبدلها أو خبر بعد خبر أو خبر محذوف

24 - { ألقيا في جهنم كل كفار } خطاب من الله تعالى للسائق والشهيد أو الملكين من خزنة النار أو لواحد وتثنية الفاعل منزل منزلة تثنية الفعل وتكريره كقوله :
( فإن تزجراني يا ابن عفان أنزجر ... وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا )
أو الألف بدل من نون التأكيد على إجراء الوصل مجرى الوقف ويؤيده أنه قرئ ألقين بالنون الخفيفة { عنيد } معاند للحق

25 - { مناع للخير } كثير المنع للمال عن حقوقه المفروضة وقيل المراد بالخير الإسلام فإن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة لما منع بني أخيه عنه { معتد } متعد { مريب } شاك في الله وفي دينه

26 - { الذي جعل مع الله إلها آخر } مبتدأ متضمن معنى الشرط وخبره { فألقياه في العذاب الشديد } أو بدل من { كل كفار } فيكون { فألقياه } تكريرا للتوكيد او مفعول لمضمر يفسره { فألقياه }

27 - { قال قرينه } أي الشيطان المقيض له وإنما استؤنفت كما تستأنف الجمل الواقعة في حكاية التقاول فإنه جواب لمحذوف دل عليه { ربنا ما أطغيته } كأن الكافر قال هو أطغاني ف { قال قرينه ربنا ما أطغيته } بخلاف الأولى فإنها واجبة العطف على ما قبلها للدلالة على الجمع بين مفهوميهما في الحصول أعني مجيء كل نفس مع الملكين وقول قرينه : { ولكن كان في ضلال بعيد } فأعنته عليه فإن إغواء الشياطين إنما يؤثر فيمن كان مختل الرأي مائلا إلى الفجور كما قال تعال : { وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي }

28 - { قال } أي الله تعالى { لا تختصموا لدي } أي في موقف الحساب فإنه لا فائدة فيه وهو استئناف مثل الأول { وقد قدمت إليكم بالوعيد } على الطغيان في كتبي وعلى ألسنة رسلي فلم يبق لكم حجة وهو حال تعليل للنهي أي { لا تختصموا } عالمين بأني أعدتكم والباء مزيدة أو معدية على أن قدم بمعنى تقدم ويجوز أن يكون { بالوعيد } حالا والفعل واقعا على قوله :

29 - { ما يبدل القول لدي } أي بوقوع الخلف فيه فلا تطمعوا أن أبدل وعيدي وعفو بعض المذنبين لبعض الأسباب من التبديل فإن دلائل العفو تدل على تخصيص الوعيد { وما أنا بظلام للعبيد } فأعذب من ليس لي تعذيبه

30 - { يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد } سؤال وجواب جيء بهما للتخييل والتصوير والمعنى أنها مع اتساعها تطرح فيها الجنة والناس فوجا فوجا حتى تمتلئ لقوله تعالى : { لأملأن جهنم } أو أنها من السعة بحيث يدخلها من يدخلها وفيها بعد فراغ أو أنها من شدة زفيرها وحدتها وتشبثها بالعصاة كالمستكثرة لهم والطالبة لزيادتهم وقرأ نافع و أبو بكر يقول بالباء وال { مزيد } إما مصدر كالمحيد أو مفعول كالمبيع و { يوم } مقدر باذكر أو ظرف ل { نفخ } فيكون ذلك إشارة إليه فلا يفتقر إلى تقدير مضاف

31 - { وأزلفت الجنة للمتقين } قربت لهم { غير بعيد } مكانا غير بعيد ويجوز أن يكون حالا وتذكيره لأنه صفة محذوف أوشيئا غير بعيد أو على زنة المصدر أو لأن الجنة بمعنى البستان

32 - { هذا ما توعدون } على إضمار القوم والإشارة إلى الثواب أو مصدر { أزلفت } و قرأ ابن كثير بالياء { لكل أواب } رجاع إلى الله تعالى بدل من المتقين بإعادة الجار { حفيظ } حافظ لحدوده

33 - { من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب } بعد بدل أو بدل من موصوف { أواب } ولا يجوز أن يكون في حكمه لأن { من } لا يوصف به أو مبتدأ خبره

34 - { ادخلوها } على تأويل يقال لهم { ادخلوها } فإن من بمعنى الجمع وبالغيب حال من الفاعل أو المفعول أو صفة لمصدر أي خشية ملتبسة بالغيب حيث خشي عقابه وهو غائب أو العقاب بعد غيب أو هو غائب عن الإعين لا يراه أحد وتخصيص { الرحمن } للإشعار بأنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه أو بأنهم يخشون مع علمهم بسعة رحمته ووصف القلب بالإنابة إذ الاعتبار برجوعه إلى الله { بسلام } سالمين من العذاب وزوال النقم أو مسلما عليكم من الله وملائكته { ذلك يوم الخلود } يوم تقدير الخلود كقوله تعالى : { فادخلوها خالدين }

35 - { لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد } وهو ما لا يخطر ببالهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر

36 - { وكم أهلكنا قبلهم } قبل قومك { من قرن هم أشد منهم بطشا } قوة كعاد وثمود وفرعون { فنقبوا في البلاد } فخرقوا في البلاد وتصرفوا فيها أو جالوا في الأرض كل مجال حذر الموت فالفاء على الأول للتسبب وعلى الثاني لمجرد التعقيب وأصل التنقيب التنقير عن الشيء والبحث عنه { هل من محيص } أي لهم من الله أو من الموت وقيل الضمير في { نقبوا } لأهل مكة أي ساروا في أسفارهم في بلاد القرون فهل رأوالهم محيصا حتى يتوقعوا مثله لأنفسهم ويؤيده أنه قرئ فنقبوا على الأمر وقرئ فنقبوا بالكسر من النقب وهو أن ينتقب خف البعير أي أكثروا السير حتى نقبت أقدامهم أو أخفاف مراكبهم

37 - { إن في ذلك } فيما ذكر في هذه السورة { لذكرى } لتذكرة { لمن كان له قلب } أي قلب واع يتفكر في حقائقه { أو ألقى السمع } أي أصغى لاستماعه { وهو شهيد } حاضر بذهنه ليفهم معانيه أو شاهد بصدقه فيتعظ بظواهره وينزجر بزواجره وفي تنكير ال { قلب } وإبهامه تفخيم وإشعار بأن كل قلب لا يتفكر ولا يتدبر كلا قلب

38 - { ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام } مر تفسيره مرارا { وما مسنا من لغوب } من تعب وإعياء وهو رد لما زعمت اليهود من أنه تعالى بدأ خلق العالم يوم الأحد وفرغ منه يوم الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على العرش

39 - { فاصبر على ما يقولون } ما يقول المشركين من إنكارهم البعث فإن من قدر على خلق العالم بلا عياء قدر على بعثهم والانتقام منهم أو ما يقول اليهود من الكفر والتشبيه { وسبح بحمد ربك } ونزهه عن العجز عما يمن والوصف بما يوجب التشبيه حامدا له على ما أنعم عليك من إصابة الحق وغيرها { قبل طلوع الشمس وقبل الغروب } يعني الفجر والعصر وقد عرفت فضيلة الوقتين

40 - { ومن الليل فسبحه } أي وسبحه بعض الليل { وأدبار السجود } وأعقاب الصلوات جمع دبر من أدبر وقرأ الحجازيان و حمزة و خلف بالكسر من أدبرت الصلاة إذا انقضت وقيل المراد بالتسبيح الصلاة فالصلاة قبل طلوع الصبح وقبل الغروب : الظهر والعصر ومن الليل : العشاءان والتهجد وأدبار السجود النوافل بعد المكتوبات وقيل الوتر بعد العشاء

41 - { واستمع } لما أخبرك به من أحوال القيامة وفيه تهويل وتعظيم للمخبر به { يوم يناد المناد } إسرافيل أو جبريل عليهما الصلاة والسلام فيقول : أيتها العظام البالية واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء { من مكان قريب } بحيث يصل نداؤه إلى الكل على سواء ولعله في الإعادة نظيركن في الإبداء ويوم نصب بما دل عليه يوم الخروج

42 - { يوم يسمعون الصيحة } بدل منه و { الصيحة } النفخة الثانية { بالحق } متعلق ب { الصيحة } والمراد به البعث للجزاء { ذلك يوم الخروج } من القبور وهو من أسماء يوم القيامة وقد يقال للعبد

سورة الذاريات
43 - ينا المصير } للجزاء في الآخرة

44 - { يوم تشقق } تشقق وقرئ تنشق وقرأ عاصم و حمزة و الكسائي و خلف و أبو عمرو بتخفيف الشين { الأرض عنهم سراعا } مسرعين { ذلك حشر } بهث وجمع { علينا يسير } هين وتقديم الظرف للاختصاص فإن ذلك لا يتيسر إلا على العالم القادر لذاته لا يشغله شأن عن شأن كما قال الله تعالى : { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة }

45 - { نحن أعلم بما يقولون } تسلية لرسول الله صلى الله عليه و سلم وتهديد لهم { وما أنت عليهم بجبار } بمسلط تفسرهم على الإيمان أو تفعل بهم ما تريد وإنما أنت داع { فذكر بالقرآن من يخاف وعيد } فإنه لا ينتفع به غيره عن النبي صلى الله عليه و سلم : [ من قرأ سورة ق هون الله عليه تارات الموت وسكراته ] والله أعلم

1 - { والذاريات ذروا } يعني الرياح تذرو التراب وغيره أو النساء الولود فإنهن يذرين الأولاد أو الأسباب التي تذري الخلائق من الملائكة وغيرهم و قرأ أبو عمرو و حمزة بإدغام التاء في الدال

2 - { فالحاملات وقرا } فالسحب الحاملة للأمطار أو الرياح الحاملة للسحاب أو النساء الحوامل أو أسباب ذلك وقرئ وقرا على تسمية المحمول بالمصدر

3 - { فالجاريات يسرا } فالسفن الجارية في البحر سهلا أو الرياح الجارية في مهابها أو الكواكب التي تجري في منازلها و { يسرا } صفة مصدر محذوف أي جريا ذا يسر

4 - { فالمقسمات أمرا } الملائكة التي تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرها أو مايعمهم وغيرهم من أسباب القسمة أو الريح يقسمن الأمطار بتصريف السحاب فإن حملت على ذوات مختلفة بالفاء لترتيب الأقسام بها باعتبار ما بينها من التفاوت في الدلالة على كمال القدرة وإلا فالفاء لترتيب الأفعال إذ الرياح مثلا تذرو الأبخرة إلى الجو حتى تنعقد سحابا فتحمله فتجري به باسطة له إلى حيث أمرت به فتقسم المطر ب

5 - { إنما توعدون لصادق }

6 - { وإن الدين لواقع } جواب القسم كأنه استدل باقتداره على هذه الأشياء العجيبة المخالفة لمقتضى الطبيعة على اقتداره على البعث للجزاء الموعود وما موصولة أو مصدرية و { الدين } الجزاء والواقع الحاصل

7 - { والسماء ذات الحبك } ذات الطرائق والمراد إما الطرائق المحسوسة التي هو مسير الكواكب أو المعقولة التي يسلكها النظار وتتوصل بها إلى المعارف أو النجوك فإن لها طرائق أو أنها كما يزين الموشي طرائق الوشي جمع حبيكة كطريقة وطرق أو حباك كمثال ومثل وقرئ الحبك بالسكون و الحبك كالإبل و الحبك كالسلك و الحبك كالجبل و الحبك كالنعم و الحبك كالبرق

8 - { إنكم لفي قول مختلف } في الرسول صلى الله عليه و سلم وهو قولهم تارة أنه { شاعر } وتارة أنه { ساحر } وتارة أنه { مجنون } أو في القرآ ن أو القيامة أو أمر الديانة ولعل النكتة في هذا القسم تشبيه أقوالهم في اختلافها وتنافي أغراضها بطرائق السموات في تباعدها واختلاف غاياتها

9 - { يؤفك عنه من أفك } يصرف عنه والضمير للرسول أو القرآ ن أو الإيمان من صرف إذ لا صرف أشد منه فكأنه لا صرف بالنسبة إليه أو يصرف من صرف في علم الله وقضائه ويجوز أن يكون الضمير لل { قول } على معنى يصدر { أفك } من أفك عن القول المختلف وبسببه كقوله :
( ينهون عن أكل وعن شرب )
أي يصدر تناهيهم عنهما وسببهما وقرئ { أفك } بالفتح أي من أفك الناس وهم قريش كانوا يصدون الناس عن الإيمان

10 - { قتل الخراصون } الكذابون من أصحاب القول المختلف وأصله الدعاء بالقتل أجري مجرى اللعن

11 - { الذين هم في غمرة } في جهل يغمرهم { ساهون } غافلون عما امروا به

12 - { يسألون أيان يوم الدين } أي فيقولون متى يوم الجزاء أي وقوعه وقرئ إيان الكسر

13 - { يوم هم على النار يفتنون } يحرقون جواب للسؤال أي يقع { يوم هم على النار يفتنون } أو هو { يوم هم على النار يفتنون } وفتح { يوم } لإضافته إلى غير متمكن ويدل عليه أنه قرئ بالرفع

14 - { ذوقوا فتنتكم } أي مقولا لهم هذا القول { هذا الذي كنتم به تستعجلون } هذا العذاب هو الذي كنتم به تستعجلون ويجوز أن يكون هذا بدلا من { فتنتكم } و { الذي } صفته

15 - { إن المتقين في جنات وعيون }

16 - { آخذين ما آتاهم ربهم } قابلين لما أعطاهم راضين به ومعناه أن كل ما آتاهم حسن مرضي متلقى بالقبول { إنهم كانوا قبل ذلك محسنين } قد أحسنوا أعمالهم وهو تعليل لاستحقاقهم ذلك

17 - { كانوا قليلا من الليل ما يهجعون } تفسير لإحسانهم و { ما } مزيدة أي يهجعون في طائفة من الليل أو { يهجعون } هجوعا قليلا أو مصدرية أو موصولة أي في قليل من الليل هجوعهم أو ما يهجعون فيه ولا يجوز أن تكون نافية لأن { ما } بعدها لا يعمل فيما قبلها وفيه مبالغات لتقليل نومهم واستراحتهم ذكر القليل و { الليل } الذي هو وقت السبات والهجوع الذي هو الفرار من النوم وزيادة { ما }

18 - { وبالأسحار هم يستغفرون } أي أنهم مع قلة هجوعهم وكثرة تهجدهم إذا أسحروا أخذوا في الاستغفار كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم وفي بناء الفعل على الضمير إشعارا بأنهم أحقاء بذلك لوفور علمهم بالله وخشيتهم منه

19 - { وفي أموالهم حق } نصيب يستوجبونه على أنفسهم تقربا إلى الله وإشفاقا على الناس { للسائل والمحروم } للمستجدي والمتعفف الذين يظن غنيا فيحرم الصدقة

20 - { وفي الأرض آيات للموقنين } أي فيها دلائل من أنواع المعادن والحيوانات أو وجوه دلالات من الدحو والسكون وارتفاع بعضها عن الماء واختلاف أجزائها في الكيفيات والخواص والمنافع تدل على وجود الصانع وعلمه وقدرته وإرادته ووحدته وفرط رحمته

21 - { وفي أنفسكم } أي وفي أنفسكم آيات إذ ما في العالم شيء إلا وفي الإنسان له نظير يدل دلالته مع ما انفرد به من الهيئات النافعة والمناظر البهية والتركيبات العجيبة التمكن من الأفعال الغريبة واستنباط الصنائع المختلفة واستجماع الكمالات المتنوعة { أفلا تبصرون } تنظرون نظر من يعتبر

22 - { وفي السماء رزقكم } أسباب رزقكم أو تقديره وقيل المراد ب { السماء } السحاب وبالرزق المطر فإنه سبب الأقوات { وما توعدون } من الثواب لأن الجنة فوق السماء السابعة أو لأن الأعمال وثوابها مكتوبة مقدرة في السماء وقيل إنه مستأنف خبره :

23 - { فورب السماء والأرض إنه لحق } وعلى هذا فالضمير ل { ما } وعلى الأول يحتمل أن يكون له ولما ذكر من أمر الآيات والرزق والوعد { مثل ما أنكم تنطقون } أي مثل نطقكم كما أنه لا شك لكم في أنكم تنطقون ينبغي أن لا تشكوا في تحقيق ذلك ونصبه على الحال من المستكن في لحق أو الوصف لمصدر محذوف أي أنه لحق حقا مثل نطقكم وقيل إنه مبني على الفتح لإضافته إلى غير متمكن وهو ما إن كانت بمعنى شيء وإن بما في حيزها إن جعلت زائدة ومحله الرفع على أنه صفة { لحق } ويؤيده قراءة حمزة و الكسائي و أبي بكر بالرفع

24 - { هل أتاك حديث ضيف إبراهيم } فيه تفخيم لشأن الحديث وتنبيه على أنه أوحي إليه والضيف في الأصل مصدر ولذلك يطلق على الواحد والمتعدد قيل كانوا اثني عشر ملكا وقيل ثلاثة جبريل و ميكائيل و إسرافيل وسماهم ضيفا لأنهم كانوا في صورة الضيف { المكرمين } أي مكرمين عند الله أو عند إبراهيم إذ خدمهم بنفسه و زوجته

25 - { إذ دخلوا عليه } ظرف لل { حديث } أو ال { ضيف } أو { المكرمين } { فقالوا سلاما } أي نسلم عليك سلاما { قال سلام } أي عليكم سلام عدل به إلى الرفع بالابتداء لقصد الثبات حتى تكون تحيته أحسن من تحيتهم وقرئا مرفوعين وقرأ حمزة و الكسائي قال سلم وقرئ منصوبا والمعنى واحد { قوم منكرون } أي أنتم قوم منكرون وإنما أنكرهم لأنه ظن أنهم بنو آدم ولم يعرفهم أو لأن السلام لم يكن تحيتهم فإنه علم الإسلام وهو كالتعرف عنهم

26 - { فراغ إلى أهله } فذهب إليهم في خفية من ضيفه فإن من أدب المضيف أن يبادر بالقرى حذرا من أن يكفه الضيف أو يصير منتظرا { فجاء بعجل سمين } لأنه كان عامة ماله البقر

27 - { فقربه إليهم } بأن وضعه بين أيديهم { قال ألا تأكلون } أي منه وهو مشعر بكونه حنيذا والهمزة فيه للعرض والحث على الأكل على طريقة الأدب أن قاله أول ما وضعه ن وللإنكار إن قاله حينما رأى إعراضهم

28 - { فأوجس منهم خيفة } فأضمر منهم خوفا لما رأى إعراضهم عن طعامه لظنه أنهم جاؤوه لشر وقيل وقع في نفسه أنهم ملائكة أوسلوا للعذاب { قالوا لا تخف } إنا رسل الله مسح جبريل العجل بجناحة فقام يدرج حتى لحق بأمه فعرفهم وأمن منهم { وبشروه بغلام } هو اسحاق عليه السلام { عليم } يكمل علمه إذ بلغ

29 - { فأقبلت امرأته } سارة إلى بيتها وكانت في زاوية تنظر إليهم { في صرة } في صيحة من الصرير ومحله النصب على الحال أو المفعول إن أول فأقبلت بأخذت { فصكت وجهها } فلطمت بأطراف الأصابع جبهتها فعل المتعجب وقيل وجدت حرارة دم الحيض فلطمت وجهها من الحياء { وقالت عجوز عقيم } أي أنا عجوز فكيف ألد

30 - { قالوا كذلك } مثل ذلك الذي بشرنا به { قال ربك } وإنما نخبرك به عنه { إنه هو الحكيم العليم } فيكون قوله حقا وفعله محكما

31 - { قال فما خطبكم أيها المرسلون } لما علم أنهم ملائكة وأنهم لا ينزلون مجتمعين إلا لأمر عظيم سأل عنه

32 - { قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين } يعنون قوم لوط

33 - { لنرسل عليهم حجارة من طين } يريد السجيل فإنه طين متحجر

34 - { مسومة عند ربك } مرسلة من أسمت الماشية أو معلمة من السومة وهي العلامة { للمسرفين } المجاوزين الحد في الفجور

35 - { فأخرجنا من كان فيها } في قرى قوم لوط وإضمارها ولم يجر ذكرها لكونها معلومة { من المؤمنين } ممن آمن بلوط

36 - { فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين } غير أهل بيت من المسلمين واستدل به على اتحاد الإيمان والإسلام وهو ضعيف لأن ذلك لا يقتضي إلا من صدق المؤمن والمسلم على من اتبعه وذلك لا يقتضي اتحاد مفهوميها لجواز صدق المفهومات المختلفة على ذات واحدة

37 - { وتركنا فيها آية } علامة { للذين يخافون العذاب الأليم } فإنهم المعتبرون بها وهي تلك الأحجار أو صخر مضود فيها أو ماء أسود منتن

38 - { وفي موسى } عطف على { وفي الأرض } أو { تركنا فيها } على معنى وجعلنا في موسى كقوله :
( علفتها تبنا وماء باردا )
{ إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين } هو معجزانه كالعصا واليد

39 - { فتولى بركنه } فأعرض عن الإيمان به كقوله { ونأى بجانبه } أو فتولى بما كان يتقوى به من جنوده وهو اسم لما يركن إليه الشيء ويتقوى به وقرئ بضم الكاف { وقال ساحر } أي هو ساحر { أو مجنون } كأنه جعل ما ظهر عليه من الخوارق منسوبا إلى الجن وتردد في أنه حصل ذلك باختيار وسعيه أو بغيرهما

40 - { فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم } فأغرقناهم في البحر { وهو مليم } آت بما يلام عليه من الكفر والعناد والجملة حال من الضمير في { فأخذناه }

41 - { وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم } سماها عقيما لأنها أهلكنهم وقطعت دابرهم أو لأنها لم تتضمن منفعة وهي الدبور أو الجنوب أو النكباء

42 - { ما تذر من شيء أتت } مرت { عليه إلا جعلته كالرميم } كالرماد من الرم وهو البلى والتفتت

43 - { وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين } تفسيره قوله : { تمتعوا في داركم ثلاثة أيام }

44 - { فعتوا عن أمر ربهم } فاستكبروا عن امتثاله { فأخذتهم الصاعقة } أي العذاب بعد الثلاث و قرأ الكسائي الصعقة وهي المرة من الصعق { وهم ينظرون } إليها فإنها جاءتهم معاينة بالنهار

45 - { فما استطاعوا من قيام } كقوله : { فأصبحوا في دارهم جاثمين } وقيل من قولهم ما يقوم به إذا عجز عن دفعه { وما كانوا منتصرين } ممتنعين منه

46 - { وقوم نوح } أي وأهلكنا قوم نوح لأن ما قبله يدل عليه أو ادكر ويجوز أن يكون عطفا على محل { في عاد } ويؤيده قراءة أبي عمرو و حمزة و الكسائي بالجر { من قبل } من قبل هؤلاء المذكورين { إنهم كانوا قوما فاسقين } خارجين عن الاستقامة بالكفر والعصيان

47 - { والسماء بنيناها بأيد } بقوة { وإنا لموسعون } لقادرون من الوسع بمعنى الطاقة والموسع القادر على الإنفاق أو { لموسعون } السماء أو ما بينها وبين الأرض أو الرزق

48 - { والأرض فرشناها } مهدناها لتستقروا عليها { فنعم الماهدون } أي نحن

49 - { ومن كل شيء } من الأجناس { خلقنا زوجين } نوعين { لعلكم تذكرون } فتعلمون أن التعدد من خواص الممكنات وأن الواجب بالذات لا يقبل التعدد والانقسام

50 - { ففروا إلى الله } من عقابه بالإيمان والتوحيد وملازمة الطاعة { إني لكم منه } أي من عذابه المعد لمن أشرك أو عصى { نذير مبين } بين كونه منذرا من الله بالمعجزات أو { مبين } ما يجب أن يحذر عنه

51 - { ولا تجعلوا مع الله إلها آخر } إفراد لأعظم ما يجب أن يفر منه { إني لكم منه نذير مبين } تكرير للتأكيد أو الأول مرتب على ترك الإيما ن والطاعة والثاني على الإشراك

52 - { كذلك } أي الأمر مثل ذلك والإشارة إلى تكذيبهم الرسول وتسميتهم إياه { ساحر أو مجنون } وقوله : { ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون } كالتفسير له ولا يجوز نصبه ب { أتى } أو ما يفسره لأن ما بعد { ما } النافية لا يعمل فيما قبلها

53 - { أتواصوا به } أي كأن الأولين والآخرين منهم أوصى بعضهم بعضا بهذا القول حتى قالوا جميعا { بل هم قوم طاغون } إضراب عن أن التواصي جامعهم لتباعد أيامهم إلى أن الجامع لهم على هذا القول مشاركتهم في الطغيان الحامل عليه

54 - { فتول عنهم } فاعرض عن مجادلتهم بعدما كررت عليهم الدعوة فأبوا إلا الإصرار والعناد { فما أنت بملوم } على الإعراض بعدما بذلت جهدك في البلاغ

55 - { وذكر } ولا تدع التذكير و الموعظة { فإن الذكرى تنفع المؤمنين } من قدر الله إيمانه أو من آمن فإنه يزداد بها بصيرة

56 - { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } لما خلقهم على صورة متوجهة إلى العبادة مغلبة لها جعل خلقهم مغيا بها مبالغة في ذلك ولو حمل على ظاهره مع أن الدليل يمنعه لنا في ظاهر قوله : { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس } وقيل معناه إلا لأمرهم بالعبادة أو ليكونوا عبادا لي

57 - { ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون } أي ما أريد أن أصرفكم في تحصيل رزقي فاشتغلوا بما أنتم كالمخلوقين له والمأمورين به والمراد أن يبين أن شأنه مع عباده ليس شأن السادة مع عبيدهم فإنهم إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم ويحتمل أن يقدر بقل فيكون بمعنى قوله : { قل لا أسألكم عليه أجرا }

سورة الطور
58 - وفيه إيماء باستغنائه عنه وقرئ إني أنا الرزاق { ذو القوة المتين } شديد القوة وقرئ { المتين } بالجر صفة ل { القوة }

59 - { فإن للذين ظلموا ذنوبا } اي للذين ظلموا رسول لله صلى الله عليه و سلم بالتكذيب نصيبا من العذاب { مثل ذنوب أصحابهم } مثل نصيب نظرائهم من الأمم السابقة وهو مأخوذ من مقاسمة السقاة الماء بالدلاء فإن الذنوب هو الدلو العظيم المملوء { فلا يستعجلون } جواب لقولهم { متى هذا الوعد إن كنتم صادقين }

60 - { فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون } من يوم القيامة أو يوم بدر عن النبي صلى الله عليه و سلم [ من قرأ سورة والذاريات أعطاه الله عشر حسنات بعدد كل ريح هبت وجرت في الدنيا ]

1 - { والطور } يريد طور سينين وهو جبل بمدين سمع فيه موسى عليه السلام كلام الله تعالى { والطور } الجبل بالسريانية أو ما طار من أوج الإيجاد إلى حضيض المواد أو من عالم الغيب إلى عالم الشهادة

2 - { وكتاب مسطور } مكتوب والسطر ترتيب الحروف المكتوبة والمراد به القرآن أو ما كتبه الله في اللوح المحفوظ أو ألواح موسى عليه السلام أو في قلوب أوليائه من المعارف والحكم أو تكتبه الحفظة

3 - { في رق منشور } الرق الجلد الذي يكتب فيه استعير لما كتب فيه الكتاب وتنكيرهما للتعظيم والإشعار بأنهما ليسا من المتعارف فيما بين الناس

4 - { والبيت المعمور } يعني الكعبة وعمارتها بالحجاج والمجاورين أو الضراح وهو في السماء الرابعة وعمرانه كثرة غاشيته من الملائكة أو قلب المؤمنن وعمارته بالمعرفة والإخلاص

5 - { والسقف المرفوع } يعني السماء

6 - { والبحر المسجور } أي المملوء وهو المحيط أو الموقد من قوله : { وإذا البحار سجرت } روي أنه تعالى بجعل يوم القيامة البحار نارا يسجر بها نار جهنم أو المختلط من السجير وهو الخليط

7 - { إن عذاب ربك لواقع } لنازل

8 - { ما له من دافع } يدفعه ووجه دلالة هذه الأمور المقسم بها على ذلك أنها أمور تدل على كمال قدرة الله تعالى وحكمته وصدق أخباره وضبطه أعمال العباد للمجازاة

9 - { يوم تمور السماء مورا } تضطرب والمور تردد في المحيء والذهاب وقيل تحرك في تموج و { يوم } ظرف

10 - { وتسير الجبال سيرا } أي تسير عن وجه الأرض فتصير هباء

11 - { فويل يومئذ للمكذبين } أي إذا وقع ذلك فويل لهم

12 - { الذين هم في خوض يلعبون } أي في الخوض في الباطل

13 - { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا } يدفعون إليها دفعا بعنف وذلك بأن تغل أيديهم إلى أعناقهم وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم فيدفعون إلى النار وقرئ يدعون من الدعاء فيكون دعا حالا بمعنى مدعوين و { يوم } بدل من { يوم تمور } أو ظرف لقول مقدر محكية

14 - { هذه النار التي كنتم بها تكذبون } أي يقال لهم ذلك

15 - { أفسحر هذا } أي كنتم تقولون للوحي هذا سحر أفهذا المصداق أيضا سحر وتقديم الخبر لأنه المقصود بالإنكار والتوبيخ { أم أنتم لا تبصرون } هذا أيضا كما كنتم لا تبصرون في الدنيا ما يدل عليه وهو تقريع وتهكم أو : أم سدت أبصاركم كما سدت في الدنيا على زعمكم حين قلتم { إنما سكرت أبصارنا }

16 - { اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا } أي أدخلوها على أي وجه شئتم من الصبر وعدمه فإنه لا محيص لكم عنها { سواء عليكم } أي الأمران الصبر وعدمه { إنما تجزون ما كنتم تعملون } تعليل للاستواء فإنه لما كان الجزاء واجب الوقوع كان الصبر وعدمه سيين في عدم النفع

17 - { إن المتقين في جنات ونعيم } في أية جنان وأي نعيم أو في { جنات ونعيم } مخصوصة بها

18 - { فاكهين } ناعمين متلذذين { بما آتاهم ربهم } وقرئ فكهين و فاكهون على أنه الخبر والظرف لغو { ووقاهم ربهم عذاب الجحيم } عطف على { آتاهم } إن جعل { ما } مصدرية أو { في جنات } أو حال بإضمار من المستكن في الظرف أو الحال أو من فاعل آتي أو مفعوله أو منهما

19 - { كلوا واشربوا هنيئا } أي أكلا وشرابا { هنيئا } أو طعاما وشرابا { هنيئا } وهو الذي لا تنغيص فيه { بما كنتم تعملون } بسببه أو بدله وقيل الباء زائدة و ما فاعل { هنيئا } والمعنى هنأكم بما كنتم تعملون جزاؤه

20 - { متكئين على سرر مصفوفة } مصطفة { وزوجناهم بحور عين } الباء لما في التزويج من معنى الوصل والإلصاق أو للسببية إذ المعنى صيرناهم أزواجا بسببهن أو لما في التزويج من معنى الإلصاق والقرن ولذلك عطف

21 - { والذين آمنوا } على حور أي قرناهم بأزواج حور ورفقاء مؤمنين وقيل إنه مبتدأ { ألحقنا بهم } وقوله : { واتبعتهم ذريتهم بإيمان } اعتراض للتعليل وقرأ ابن عامر و يعقوب ذرياتهم بالجمع وضم تاء المبالغة في كثرتهم والتصريح فإن الذرية تقع على الواحد والكثير وقرأ أبو عمرو أتبعناهم ذرياتهم أي جعلناهم تابعين لهم في الإيمان وقيل { بإيمان } حال من الضمير أو الذرية أو منهما وتنكيره للتعظيم أو الإشعار بأنه يكفي للإلحاق المتابعة في أصل الإيمان { ألحقنا بهم ذريتهم } في دخول الجنة أو الدرجة لما روي أنه عليه الصلاة و السلام قال [ إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه لتقر بهم عينه ثم تلا هذه الآية ] وقرأ نافع و ابن عامر و البصريان { ذرياتهم } { وما ألتناهم } وما نقصناهم { من عملهم من شيء } بهذا الإلحاق فإنه كان يحتمل أن يكون بنقص مرتبة الآباء أو بإعطاء بعض مثوباتهم ويحتمل أن يكون بالتفصيل عليهم وهو الائق بكمال لطفه وقرأ ابن كثير بكسر اللام من ألت يألت وعنه لتناهم من لات يليت و آلتناهم من آلت يولت و والتناهم من ولت ومعنى الكل واحد { كل امرئ بما كسب رهين } بعمله مرهون عند الله تعالى فإن عمل صالحا فكه وإلا أهلكه

22 - { وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون } أي وزدناهم وقتا بعد وقت ما يشتهون من أنواع التنعم

23 - { يتنازعون فيها } يتعاطون هو وجلساؤهم بتجاذب { كأسا } خمرا سماها باسم محلها ولذلك أنت الضمير في قوله : { لا لغو فيها ولا تأثيم } أي لا يتكلمون بلغو الحديث في أثناء شربها ولا يفعلوا ما يؤثم به فاعله كما هو عادة الشاربين في الدنيا وذلك مثل قوله تعالى : { لا فيها غول } وقرأهما ابن كثير والبصريان بالفتح

24 - { ويطوف عليهم } أي بالكأس { غلمان لهم } أي مماليك مخصوصون بهم وقيل هم أولادهم الذين سبقوهم { كأنهم لؤلؤ مكنون } مصون في الصدف من بياضهم وصفائهم وعنه صلى الله عليه و سلم [ والذي نفسي بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ]

25 - { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } يسأل بعضهم بعضا عن أحواله وأعماله

26 - { قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين } خائفين من عصيان الله معتنين بطاعته أو وجلين من العاقبة

27 - { فمن الله علينا } بالرحمة والتوفيق { ووقانا عذاب السموم } عذاب النار النافذة في السمام نفوذ السموم وقرئ ووقانا بالتشديد

28 - { إنا كنا من قبل } من قبل ذلك في الدنيا { ندعوه } نعبده أو نسأله الوقاية { إنه هو البر } المحسن وقرأ نافع و الكسائي أنه بالفتح { الرحيم } الكثير الرحمة

29 - { فذكر } فاثبت على التذكير ولا تكترث لقولهم { فما أنت بنعمة ربك } بحمد الله وإنعمامه { بكاهن ولا مجنون } كما يقولون

30 - { أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون } ما يقلق النفوس من حوادث الدهر وقيل { المنون } الموت فعول من منه إذا قطعه

31 - { قل تربصوا فإني معكم من المتربصين } أتربص هلاككم كما تتربصون هلاكي

32 - { أم تأمرهم أحلامهم } عقولهم { بهذا } بهذا التناقض في القول فإن الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر والمجنون مغطى عقله والشاعر يكون ذا كلام موزون متسق مخيل ولا يتأتى ذلك من المجنون وأمر الأحلام به مجاز عن أدائها إليه { أم هم قوم طاغون } مجاوزون الحد في العناد وقرئ بل هم

33 - { أم يقولون تقوله } اختلقه من تلقاء نفسه { بل لا يؤمنون } فيرمونه بهذه المطاعن لكفرهم وعنادهم

34 - { فليأتوا بحديث مثله } مثل القرآن { إن كانوا صادقين } في زعمهم إذ فيهم كثير ممن عدوا فصحاء فهو رد للأقوال المذكورة بالتحدي ويجوز أن يكون رد للتقول فإن سائر الأقسام ظاهر الفساد

35 - { أم خلقوا من غير شيء } أم أحدثوا وقدروا من غير محدث ومقدر فلذلك لا يبعدونه أو من أجل لا شيء من عبادة ومجازاة { أم هم الخالقون } يؤيد الأول فإن معناه أم خلقوا أنفسهم ولذلك عقبه بقوله :

36 - { أم خلقوا السموات والأرض } و { أم } في هذه الآيات منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار { بل لا يوقنون } إذا سئلوا من خلقكم ومن خلق السموات والأرض قالوا الله إذ لو أيقنوا ذلك لما أعرضوا عن عبادته

37 - { أم عندهم خزائن ربك } خزائن رزقه حتى يرزقوا النبوة من شاؤوا أو خزائن علمه حتى يختاروا لها من اختارته حكمته { أم هم المصيطرون } الغالبون على الأشياء يدبرونها كيف شاؤوا وقرأ قنبل و حفص بخلاف عنه و هشام بالسين و حمزة بخلاف عن خلاد بين الصاد والزاي و الباقون بالصاد خاصة

38 - { أم لهم سلم } مرتقى إلى السماء { يستمعون فيه } صاعدين فيه إلى كلام الملائكة وما يوحي إليهم من علم الغيب حتى يعلموا ما هو كائن { فليأت مستمعهم بسلطان مبين } بحجة واضحة تصدق استماعه

39 - { أم له البنات ولكم البنون } فيه تسفيه لهم وإشعار بأن من هذا رأيه لا يعد من العقلاء فضلا أن يترقى بروحه إلى عالم الملكوت فيتطلع على الغيوب

40 - { أم تسألهم أجرا } على تبليغ الرسالة { فهم من مغرم } من التزام غرم { مثقلون } محملون الثقل فلذلك زهدوا في اتباعك

41 - { أم عندهم الغيب } اللوح المحفوظ المثبت فيه المغيبات { فهم يكتبون } منه

42 - { أم يريدون كيدا } وهو كيدهم في دار النبوة برسول الله صلى الله عليه و سلم { فالذين كفروا } يحتمل العموم والخصوص فيكون وضعه موضع الضمير للتسجيل على كفرهم والدلالة على أنه الموجب للحكم المذكور
{ هم المكيدون } هم الذين يحيق بهم الكيد أو يعود عليهم وبال كيدهم وهو قتلهم يوم بدر أو المغلوبون في الكيد من كايدته فكدته

43 - { أم لهم إله غير الله } يعينهم ويحرسهم من عذابه { سبحان الله عما يشركون } عن إشراكهم أو شركة ما يشركونه به

44 - { وإن يروا كسفا } قطعة { من السماء ساقطا يقولوا } من فرط طغيانهم وعنادهم { سحاب مركوم } هذا سحاب تراكم بعضه على بعض وهو جواب قولهم { فأسقط علينا كسفا من السماء }

45 - { فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون } وهو عند النفخة الأولى وقرئ يلقوا وقرأ ابن عامر و عاصم { يصعقون } على المبني للمفعول من صعقة أو أصعقه

46 - { يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا } أي شيئا من الإغناء في رد العذاب { ولا هم ينصرون } يمنعون من عذاب الله

سورة النجم
47 - عذابا دون ذلك } اي دون عذاب الآخرة وهو عذاب القبر أو المؤاخذة في الدنيا كقتلهم ببدر والقحط سبع سنين { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ذلك

48 - { واصبر لحكم ربك } بإمهالهم وإبقائك في عنائهم { فإنك بأعيننا } في حفظنا بحيث نراك ونكلؤك وجمع العين لجمع الضمير والمبالغة بكثرة أسباب الحفظ { وسبح بحمد ربك حين تقوم } من أي مكان قمت أو من منامك أو إلى الصلاة

49 - { ومن الليل فسبحه } فإن العبادة فيه أشق على النفس وأبعد من الرياء ولذلك أفرده بالذكر وقدمه على الفعل { وإدبار النجوم } وإذا أدبرت من آخر الليل وقرئ بالفتح أي في أعقابها إذا غربت أو خفيت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم [ من قرأ سورة والطور كان حقا على الله أن يؤمنه من عذابه وأن ينعمه في جنته ]

1 - { النجم إذا هوى } أقسم بجنس النجوم أو الثريا فإنه غلبت فيها إذا غرب أو انتثر يوم القيامة أو انقض أو طلع فإنه يقال : هوى هويا بالفتح إذا سقط وغرب وهويا بالضم إذا علا وصعد أو بالنجم من نجوم القرآن إذا نزل أو النبات إذا سقط على الأرض أو إذا نما ارتفع على قوله

2 - { ما ضل صاحبكم } ما عدل محمد صلى الله عليه و سلم عن الطريق المستقيم الخطاب لقريش { وما غوى } وما اعتقد باطلا والخطاب لقريش والمراد نفي ما ينسبون إليه

3 - { وما ينطق عن الهوى } وما يصدر نطقه بالقرآن عن الهوى

4 - { إن هو } ما القرآن أو الذي ينطق به { إلا وحي يوحى } أي إلا وحي يوحيه الله إليه واحتج به من لم ير الاجتهاد له وأجيب عنه بأنه إذا أوحي إليه بأن يجتهد كان اجتهاده وما يستند إليه وحيا وفيه نظر لأن ذلك حينئذ يكون بالوحي لا الوحي

5 - { علمه شديد القوى } ملك شديد قواه وهو جبريل عليه السلام فإنه الواسة في بداء الخوارق روي أنه قلع قرى قوم لوط ورفعها إلى السماء ثم قلبها وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين

6 - { ذو مرة } حصافة في عقله ورأيه { فاستوى } فاستقام على صورته الحقيقية التي خلقه الله تعالى عليها قيل ما رآه أحد من الأنبياء في صورته غير محمد عليه الصلاة و السلام مرتين مرة في السماء ومرة في الأرض وقيل استوى بقوته على ماجعل له من الأمر

7 - { وهو بالأفق الأعلى } في أفق السماء والضمير لجبريل عليه السلام

8 - { ثم دنا } من النبي عليه الصلاة و السلام { فتدلى } فتعلق به وهو تمثيل لعروجه بالرسول صلى الله عليه و سلم وقيل ثم تدلى من الأفق الأعلى فدنا فيكون من الرسول إشعارا بإنه عرج به غير منفصل عن محله تقريرا لشدة قوته فإن التدلي استرسال مع تعلق كتدلي الثمرة ويقال دلى رجليه من السرير وأدلى دلوه والدوالي الثمر المعلق

9 - { فكان } جبريل عليه السلام كقولك : هو مني معقد إزار أو المسافة بينهما { قاب قوسين } مقدارهما { أو أدنى } على تقديركم كقوله أو يزيدون والمقصود تمثيل ملكة الاتصال وتحقيق استماعه لما أوحي إليه بنفي البعد الملبس

10 - { فأوحى } جبريل عليه السلام { إلى عبده } عبد الله وإضماره قبل الذكر لكونه معلوما كقوله : { على ظهرها } { ما أوحى } جبريل عليه السلام وفيه تفخيم للموحى به أو الله إليه وقيل الضمائر كلها لله تعالى وهو المعني بتشديد القوى كما في قوله تعالى : { إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } ودنوه منه برفع مكانته وتدليه جذبه بشراشره إلى جناب القدس

11 - { ما كذب الفؤاد ما رأى } ما رأى ببصره من صورة جبريل عليه السلام أو الله تعالى أي ما كذب بصره بما حكاه له فإن الأمور القدسية تدزك أولا بالقلب ثم تنتقل منه إلى البصر أو ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك ولو قال ذلك كان كاذبا لأه عرفه بقلبه كما رآه ببصره أو ما رآه بقلبه والمعنى أنه لم يكن تخيلا كاذبا ويدل عليه [ أنه عليه الصلاة و السلام سئل هل رأيت ربك ؟ فقال رأيته بفؤادي ] وقرأ هشام ما كذب أي صدقه ولم يشك فيه

12 - { أفتمارونه على ما يرى } أفتجادلونه عليه من المراء وهو المجادلة واشتقاقه من مرى الناقة كأن كلا من المتجادلين يمري ما عند صاحبه وقرأ حمزة و الكسائي و خلف و يعقوب أفتمرونه أي أفتغلبونه في المراء من ماريته فمريته أو أفتجحدونه من مراه حقه إذا جحده وعلى لتضمين الفعل معنى الغلبة فإن الغلبة المماري والجاحد يقصدان بفعلهما غلبة الخصم

13 - { ولقد رآه نزلة أخرى } مرة أخرى فعلة من النزول أقيمت مقام المرة ونصبت نصبها إشعارا بأن الرؤية في هذه المرة كانت أيضا بنزول ودنو الكلام في المرئي والدنو ما سبق وقيل تقديره ولقد رآه نازلا نزلة أخرى ونصبها على المصدر والمراد به نفي الريبة عن المرة الأخيرة

14 - { عند سدرة المنتهى } التي ينتهي إليها أعمال الخلائق وعلمهم أو ما ينزل من قوقها ويصعد من تحتها ولعلها شبهت بالسدرة وهي شجرة النبق لأنهم يجتمعون في ظلها وروي مرفوعا أنها في السماء السابعة

15 - { عندها جنة المأوى } الجنة التي يأوي إليها المتقون أو أرواح الشهداء

16 - { إذ يغشى السدرة ما يغشى } تعظيم وتكثير لما يغشاها بحيث لا يكتنهها نعت ولا يحصيها عد وقيل يغشاها الجم الغفير من الملائكة يعبدون الله عندها

17 - { ما زاغ البصر } ما مال بصر رسول الله صلى الله عليه و سلم عما رآه { وما طغى } وما تجاوزه بل أثبته إثباتا صحيحا مستيقنا أو ما عدل عن رؤية العجائب التي أمر برؤيتها وما جاوزها

18 - { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } أي والله لقد رأى من آياته وعجائبه الملكية والملكوتية ليلة المعراج وقد قيل إنها المعنية بما { رأى } ويجوز أن تكون { الكبرى } صفة لل { آيات } على أن المفعول محذوف أي شيئا من آيات ربه أو { من } مزيدة

19 - { أفرأيتم اللات والعزى }

20 - { ومناة الثالثة الأخرى } هي أصنام كانت لهم فاللات كانت لثقيف بالطائف أو لقريش بنخلة وهي فعلة من لوى لأنهم كانوا يلوون عليها أي يطوفون وقرأ هبة الله عن البزي و رويس عن يعقوب اللات بالتشديد على أنه سمي به لأنه صورة رجل كان يلت السويق بالسمن ويطعم الحاج { والعزى } بالتشديد سمرة لغطفان كانوا يعبدونها فبعث إليها رسول الله صلى الله عليه و سلم خالد بن الوليد فقطعها وأصلها تأنيث الأعز { ومناة } صخرة كانت لهذيل وخزاعة أو لثقيف وهي فعلة من مناة إذا قطعه فإنهم كانوا يذبحون عندها القرابين ومنه منى وقرأ ابن كثير { مناة } وهي مفعلة من النوء فإنهم كانوا يستمطرون الأنواء عندها تبركا بها وقوله { الثالثة الأخرى } صفتان للتأكيد كقوله تعالى : { يطير بجناحيه } أو { الأخرى } من التأخر في الرتبة

21 - { ألكم الذكر وله الأنثى } إنكار لقولهم الملائكة بنات الله وهذه الأصنام استوطنها جنيات هن بناته أو هياكل الملائكة وهو المفعول الثاني لقوله { أفرأيتم }

22 - { تلك إذا قسمة ضيزى } جائرة حيث جعلتم له ما تستنكفون منه وهي فعلى من الضيز وهو الجور لكنه كسر فاؤه لتسلم الياء كما فعل في بيض فإن فعلى بالكسر لم تأت وصفا وقرأ ابن كثير بالهمز من ضأزه إذا ظلمه على أنه مصدر نعت به

23 - { إن هي إلا أسماء } الضمير للأصنام أي ما هي باعتبار الألوهية إلا أسماء تطلقونها عليها لأنهم يقولون أنها آلهة وليس فيها شيء من معنى الألوهية أو للصفة التي تصغونها بها من كونها آلهة وبنات وشفعاء أو للأسماء المذكورة فإنهم كانوا يطلقون اللات عليها باعتبار استحقاقها للعكوف على عبادتها والعزى لعزتها ومناة لاعتقادهم أنها تستحق أن يتقرب إليها بالقرابين { سميتموها } سميتم بها
{ أنتم وآباؤكم } بهواكم { ما أنزل الله بها من سلطان } برهان تتعلقون به { إن يتبعون } وقرئ بالتاء { إلا الظن } إلا توهم أن ما هم عليه حق تقليدا وتوهما باطلا { وما تهوى الأنفس } وما تشتهيه أنفسهم { ولقد جاءهم من ربهم الهدى } الرسول أو الكتاب فتركوه

24 - { أم للإنسان ما تمنى } { أم } منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار والمعنى ليس له كل ما يتمناه والمراد نفي طمعهم في شفاعة الآلهة وقولهم : { لئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى } وقوله : { لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } ونحوهما

25 - { فلله الآخرة والأولى } يعطي منهما ما يشاء لمن يريد وليس لأحد أن يتحكم عليه في شيء منهما

26 - { وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا } وكثير من الملائكة لا تغني شفاعتهم شيئا ولا تنفع
{ إلا من بعد أن يأذن الله } في الشفاعة { لمن يشاء } من الملائكة أن يشفع أو من الناس أن يشفع له { ويرضى } ويراه أهلا لذلك فكيف تشفع الأصنام لعبدتهم

27 - { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة } اي كل واحد منهم { تسمية الأنثى } بأن يسموه بنتا

28 - { وما لهم به من علم } أي بما يقولون وقرئ بها أي بالملائكة أو بالتسمية { إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا } فإن الحق الذي هو حقيقة الشيء لا يدرك إلا بالعم والظن لا اعتبار له في المعارف الحقيقية وإنما العبرة به في العمليات وما يكون وصلة إليها

29 - { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا } فأعرض عن دعوته والاهتمام بشأنه فإن من غفل عن الله وأعرض عن ذكره وانهمك في الدنيا بحيث كانت منتهى همته ومبلغ علمه لا تزيده الدعوة إلا عنادا وإصرارا على الباطل

30 - { ذلك } أي أمر الدنيا أو كونها شهية { مبلغهم من العلم } لا يتجاوزه علمهم والجملة اعتراض مقرر لقصور هممهم بالدنيا وقوله : { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى } تعليل للأمر بالإعراض أي إنما يعلم الله من يجيب ممن لا يجيب فلا تتعب نفسك في دعوتهم إذ ما عليك إلا البلاغ وقد بلغت

31 - { ولله ما في السموات وما في الأرض } خلقا وملكا { ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا } بعقاب ما عملوا من السوء أو بمثله أو بسبب ما عملوا من السوء وهو بمثله دل عليه ما قبله أي خلق العالم وسواه للجزاء أو ميز الضال عن المهتدي وحفظ أحوالهم لذلك { ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } بالمثوبة الحسنى وهي الجنة أو بأحسن من أعمالهم أو بسبب الأعمال الحسنى

32 - { الذين يجتنبون كبائر الإثم } ما يكبر عقابه من الذنوب وهو ما رتب عليه الوعيد بخصوصه وقيل ما أوجب الحد وقرأ حمزة و الكسائي و خلف كبير الإثم على إرادة الجنس أو الشرك { والفواحش } ما فحش من الكبائر خصوصا { إلا اللمم } إلا ما قل وصغر فإنه مغفور من مجتنبي الكبائر والاستثناء منقطع ومحل { الذين } النصب على الصفة أو المدح أو الرفع على أنه خبر محذوف { إن ربك واسع المغفرة } حيث يغفرالصغائر باجتناب الكبائر أو له أن يغفر ما شاء من الذنوب صغيرها وكبيرها ولعله عقب به وعيد المسيئين ووعد المحسنين لئلا ييأش صاحب الكبيرة من رحمته ولا يتوهم وجوب العقاب على الله تعالى { هو أعلم بكم } أعلم بأحوالكم منكم { إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم } علم بأحوالكم ومصارف أموركم حين ابتدأ خلقكم من التراب بخلق آدم وحينما صوركم في الأرحام { فلا تزكوا أنفسكم } فلا تثنوا عليها بزكاة العمل وزيادة الخير أو بالطهارة عن المعاصي والرذائل { هو أعلم بمن اتقى } فإنه يعلم التقى وغيره منكم قبل أن يخرجكم من صلب آدم عليه السلام

33 - { أفرأيت الذي تولى } عن اتباع الحق والثبات عليه

34 - { وأعطى قليلا وأكدى } وقطع العطاء من قولهم أكدى الحافر إذا بلغ الكدية وهي الصخرة الصلبة فترك الحفر والأكثر على أنها نزلت في الوليد بن المغيرة وكان يتبع رسول الله صلى الله عليه و سلم فعيره بعض المشركين وقال : تركت دين الأشياخ وضللتهم قال أخشى عذاب الله تعالى فضمن أن يتحمل عنه العقاب إن أعطاه بعض ماله فارتد وأعطى بعض المشروط ثم بخل بالباقي

35 - { أعنده علم الغيب فهو يرى } يعلم أن صاحبه يتحمل عنه

36 - { أم لم ينبأ بما في صحف موسى }

37 - { وإبراهيم الذي وفى } وفى وأتم ما التزمه وأمر به أو بالغ في الوفاء بما عاهد الله وتخصيصه بذلك لاحتماله ما لم يحتمله غيره كالصبر على نار نمرود حتى أتاه جبريل عليه السلام حين ألقي في النار فقال ألك حاجة فقال أما إليك فلا وذبح الولد وأنه كان يمشي كل يوم فرسخا يرتاد ضيفا فإن وافقه أكرمه وإلا نوى الصوم وتقدم موسى عليه الصلاة و السلام لأن صحفه وهي التوراة كانت أشهر وأكبر عندهم

38 - { ألا تزر وازرة وزر أخرى } أن هي المخففة من الثقيلة وهي بما بعدها في محل الجر بدلا مما { في صحف موسى } أو الرفع على هو أن { لا تزر } كأنه قيل ما في صحفها ؟ فأجاب به والمعنى أنه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره ولا يخالف ذلك قوله : { كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا } وقوله عليه الصلاة و السلام [ من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ] فإن ذلك للدلالة والتسبب الذي هو وزره

39 - { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } إلا سعيه أي كما لا يؤاخذ أحد بذنب الغير لا يثاب بفعله وما جاء في الأخبار من أن الصدقة ينفعان الميت فلكون الناوي له كالنائب عنه

40 - { وأن سعيه سوف يرى }

41 - { ثم يجزاه الجزاء الأوفى } أي يجزى العبد سعيه بالجزاء الأوفر فنصب بنزع الخافض ويجوز أن يكون مصدرا وأن تكون الهاء للجزاء المدلول عليه بيجزى و { الجزاء } بدله

42 - { وأن إلى ربك المنتهى } انتهاء الخلائق ورحوعهم وقرئ بالكسر على أنه منقطع عما في الصحف وكذلك ما بعده

43 - { وأنه هو أضحك وأبكى }

44 - { وأنه هو أمات وأحيا } لا يقدر على الإماتة والإحياء غيره فإن القاتل ينقض البينة والموت يحصل عنده بفعل الله تعالى على سبيل العادة

45 - { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى }

46 - { من نطفة إذا تمنى } تدفق في الرحم أو تخلق أويقدر منها الولد من منى إذا قدر

47 - { وأن عليه النشأة الأخرى } الإحياء بعد الموت وفاء بوعده وقرأ ابن كثير و أبو عمرو النشاءة بالمدة وهو أيضا مصدر نشأ

48 - { وأنه هو أغنى وأقنى } وأعطى القنية وهو ما يتأثل من الأموال وإفرادها لأنها أشرف الأموال وأرضى وتحقيقه جعل الرضا له قنية

49 - { وأنه هو رب الشعرى } يعني العبور وهي أشد ضياء من الغميصاء عبدها أبو كبشة أحد أجداد النبي صلى الله عليه و سلم وخالف قريشا في عبادة الأوثان ولذلك كانوا يسمون الرسول صلى الله عليه و سلم ابن أتي كبشة ولعل تخصيصها للإشعار بأنه عليه الصلاة و السلام وإن وافق أبا كبشة في مخالفاتهم خالفه أيضا في عبادنها

50 - { وأنه أهلك عادا الأولى } القدماء لأنهم أولى الأمم هلاكا بعد قوم نوح عليه الصلاة و السلام وقيل { عادا الأولى } قوم هود وعاد الأخرى إرم وقرئ عادا لولي بحذف الهمزة ونقل ضمها إلى لام التعريف وقرأ نافع و أبو عمرو عادا لولي بضم اللام بحركة الهمزة وبإدغام التنوين وقالون بعد ضمة اللام بهمزة ساكنة في موضع الواو

51 - { وثمود } عطف على { عادا } لأن ما بعده لا يعمل فيه وقرأ عاصم و حمزة بغير تنوين ويقفان بغير الألف والباقون بالتنوين ويقفون بالألف { فما أبقى } الفريقين

52 - { وقوم نوح } أيضا معطوف عليه { من قبل } من قبل عاد وثمود { إنهم كانوا هم أظلم وأطغى } من الفريقين لأنهم كانوا يؤذونه وينفرون عنه ويضربونه حتى لا يكون به حراك

53 - { والمؤتفكة } والقرى التي ائتفكت بأهلها أي انقلبت وهي قرى قوم لوط { أهوى } بعد أن رفعها فقلبها

54 - { فغشاها ما غشى } فيه تهويل وتعميم لما أصابهم

55 - { فبأي آلاء ربك تتمارى } تتشكك والخطاب للرسول صلى الله عليه و سلم أو لكل أحد والمعدودات وإن كانت نعما ونقما سماها { آلاء } من قبل ما في نقمه من العبر والمواعط للمعتبرين والانتقام للأنبياء عليهم الصلاة والسلام والمؤمنين

56 - { هذا نذير من النذر الأولى } أي هذا القرآن إنذار من جنس الإنذارات المتقدمة أو هذا الرسول نذير من جنس المنذرين الأولين

57 - { أزفت الآزفة } دنت الساعة الموصوفة بالدنو في نحو قوله تعالى : { اقتربت الساعة }

58 - { ليس لها من دون الله كاشفة } ليس لها نفس قادرة على كشفها إذا وقعت إلا الله لكنه لا يكشفها أو الآ بتأخيرها إلا الله أو ليس لها كاشفة لوقتها إلا الله إذ لا يطلع عليه سواه أو ليس لها من غير الله كاشف على أنها مصدر كالعافية

59 - { أفمن هذا الحديث } يعني القرآن { تعجبون } إنكارا

سورة القمر
60

61 - { وأنتم سامدون } لا هون أو مستكبرون من سمد البعير في مسيره إذا رفع رأسه أو مغنون لتشغلوا الناس عن استماعه من الثمود وهو الغناء

62 - { فاسجدوا لله واعبدوا } أي واعبدوه دون الآلهة
عن النبي صلى الله عليه و سلم [ من قرأ سورة النجم أعطاه الله عشر حسنات بعدد من صدق بمحمد صلى الله عليه و سلم وجحد به بمكة ]

1 - { اقتربت الساعة وانشق القمر } روي أن الكفار سألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم آية فانشق القمر وقيل معناه سينشق يوم القيامة ويؤيد الأول أنه قرئ وقد انشق القمر أي اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها انشقاق القمر وقوله :

2 - { وإن يروا آية يعرضوا } عن تأملها والإيمان بها { ويقولوا سحر مستمر } مطرد وهو يدل على أنهم رأوا قبله آيات أخر مترادفة ومعجزات متتابعة حتى قالوا ذلك أو محكم من المرة يقال أمررته فاستمر إذا أحكمه فأستحكم أو مستبشع من استمر الشيء إذا اشتدت مرارته أو مار ذاهب لا يبقى

3 - { وكذبوا واتبعوا أهواءهم } وهو ما زين لهم الشيطان من رد الحق بعد ظهوره وذكرهما بلفظ الماضي للإشعار بأنهما من عادتهم القديمة { وكل أمر مستقر } منته إلى غاية من خذلان أونصر في الدني وشقاوة أو سعادة في الآخرة فإن الشيء إذا انتهى إلى غايته ثبت واستقر وقرئ بالفتح أي ذو مستقر بمعنى استقرار وبالكسر والجر على أنه صفة أمر وكل معطوف على الساعة

4 - { ولقد جاءهم } في القرآن { من الأنباء } أنباء القرون الخالية أو أنباء الآخرة { ما فيه مزدجر } ازدجار من تعذيب أو وعيد وتاء الافتعال تقلب دالا مع الذال و الدال والزاي للتناسب وقرئ مزجر بقلبها زايا وإدغامها

5 - { حكمة بالغة } غايتها لا خال فيها وهي بدل من ما أو خبر لمحذوف وقرئ بالنصب حالا من ما فإنها موصولة أو مخصوصة بالصفة نصب الحال عنها { فما تغن النذر } نفي أو استفهام إنكار أي فأي غناء تغني النذر وهو جمع نذير بمعنى المنذر ن أو المنذر منه أو مصدر بمعنى الإنذار

6 - { فتول عنهم } لعلمك بأن الإنذار لا يغني فيهم { يوم يدع الداع } إسرافيل ويجوز أن يكون الدعاء فيه كالأمر في قوله { كن فيكون } وإسقاط الياء اكتفاء بالكسرة للتخفيف وانتصاب { يوم } ب { يخرجون } أو بإضمار اذكر { إلى شيء نكر } فظيع تنكره النفوس لأنها لم تعهد مثله وهو هول يوم القيامة وقرأ ابن كثير بالتخفيف وقرئ نكرا بمعنى أنكر

7 - { خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث } أي يخرجون من قبورهم خاشعا ذليلا أبصارهم من الهول وإفراده وتذكيره لأن فاعله ظاهر غير حقيقي التأنيث وقرئ خاشعة على الأصل وقرأ ابن كثير و نافع و ابن عامر و عاصم { خشعا } وإنما حسن ذلك ولم يحسن مررت برجال قائمين غلمانهم لأنه ليس على صيغة تشبه الفعل وقرئ خشع أبصارهم على الابتداء والخبر فتكون الجملة حالا { كأنهم جراد منتشر } في الكثرة والتموج والانتشار في الأمكنة

8 - { مهطعين إلى الداع } مسرعين مادي أعناقهم إليه أو ناظرين إليه { يقول الكافرون هذا يوم عسر } صعب

9 - { كذبت قبلهم قوم نوح } قبل قومك { فكذبوا عبدنا } نوحا عليه السلام وهو تفصيل بعد إجمال وقيل معناه كذبوه تكذيبا على عقب تكذيب كلما خلا منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب أو كذبوه بعدما كذبوا الرسل { وقالوا مجنون } هو مجنون { وازدجر } وزجر عن التبليغ بأنواع الأذية وقيل إنه من جملة قيلهم أي هو مجنون وقد ازدجرته الجن وتخبطته

10 - { فدعا ربه أني } بأني وقرئ بالكسر على إرادة القول { مغلوب } غلبني قومي { فانتصر } فانتقم لي منهم وذلك بعد يأسه منهم فقد روي أن الواحد منهم كان يلقاه فيخنقه حتى يخر مغشيا عليه فيفيق ويقول : [ اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ]

11 - { ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر } منصب وهو مبالغة وتمثيل لكثرة الأمطار وشدة انصبابها وقرأ ابن عامر و يعقوب ففتحنا بالتشديد لكثرة الأبواب

12 - { وفجرنا الأرض عيونا } وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون متفجرة وأصله وفجرنا عيون الأرض فغير للمبالغة { فالتقى الماء } ماء السماء وماء الأرض وقرئ الماءان لاختلاف النوعين و الماوان بقلبت الهمزة واوا { على أمر قد قدر } على حال قدرها الله تعالى في الأزل من غير تفاوت أو على حال قدرت وسويت وهو أن قدر ما أنزل على قدر ما أخرج أو على قدره الله تعالى وهو هلاك قوم نوح بالطوفان

13 - { وحملناه على ذات ألواح } ذات أخشاب عريضة { ودسر } ومسامير جمع دسار من الدسر وهو الدفع الشديد وفي صفة للسفينة أقيمت من حيث أنها كالشرح لها تؤدي مؤداها

14 - { تجري بأعيننا } بمرأى منا أي محفوظة بحفظنا { جزاء لمن كان كفر } أي فعلنا ذلك جزاء لنوح لأنه نعمة كفروها فإن كل نبي نعمة من الله تعالى ورحمة على أمته ويجوز أن يكون على حذف الجار وإيصال الفعل إلى الضمير وقرئ لمن كفر أي للكافرين

15 - { ولقد تركناها } أي السفينة أو الفعلة { آية } يعتبر بها إذ شاع خبرها واشتهر { فهل من مدكر } معتبر وقرئ مذتكر على الأصل ن و مذكر بقلب التاء ذالا والإدغام فيها

16 - { فكيف كان عذابي ونذر } استفهام تعظيم ووعيد والنذر يحتمل المصدر والجمع

17 - { ولقد يسرنا القرآن } سهلناه أو هيأناه من يسير ناقته للسفر إذا رحلها { للذكر } للادكار والاتعاظ بأن صرفنا فيه أنواع المواعظ والعبر أو للحفظ بالاختصار وعذوبة اللفظ { فهل من مدكر } متعظ

18 - { كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر } وإنذاري أتى لهم بالعذاب قبل نزوله أو لمن بعدهم في تعذيبهم

19 - { إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا } باردا أو شديد الصوت { في يوم نحس } شؤم { مستمر } أي استمر شؤمه أو استمر عليهم حتى أهلكهم أو على جميعهم كبيرهم وصغيرهم لهم يبق منهم أحدا أو اشتد مرارته وكان يوم الاربعاء آخر الشهر

20 - { تنزع الناس } تقلعهم روي أنهم دخلوا في الشعاب والحفر وتمسك بعضهم ببعض فنفنزعتهم الريح منها وصرعتهم موتى { كأنهم أعجاز نخل منقعر } أصول نخل منقلع عن مغارسه ساقط على الأرض وقيل شبهوا بالاعجاز لأن الريح طيرت رؤوسهم وطرحت أحسادهم وتذكير { فعقر } للحمل على اللفظ والتأنيث في قوله { أعجاز نخل خاوية } للمعنى

21 - { فكيف كان عذابي ونذر } كرره للتهويل وقيل الأول لما حاق بهم في الدنيا والثاني لما يحيق بهم في الآخرة كما قال أيضا في قصتهم { لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى }

22 - { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر }

23 - { كذبت ثمود بالنذر } بالإنذارات والمواعظ أو الرسل

24 - { فقالوا أبشرا منا } من جنسنا أو من حملنا لا فضل له علينا وانتصابه بفعل يفسره وما بعده وقرئ بالرفع على الابتداء والأول أوجه للاستفهام { واحدا } منفردا لاتبع له أو من آحادهم دون أشرافهم { نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر } جمع سعير كأنه عكسوا عليه فرتبوا على اتباعهم إياه ما رتبه على ترك اتباعهم له وقيل السعر الجنون ومنه ناقة مسعورة

25 - { ألقي الذكر } الكتاب أو الوحي { عليه من بيننا } وفيه من هو أحق منه بذلك { بل هو كذاب أشر } حمله بطره على الترفع علينا بادعائه إياه

26 - { سيعلمون غدا } عند نزول العذاب بهم أو يوم القيامة { من الكذاب الأشر } الذي حمله أشره على الاستكبار عن الحق وطلب الباطل أصالح عليه السلام أم من كذبه ؟ وقرأ ابن عامر و حمزة و رويس ستعلمون على الالتفات أو حكاية ما أجابهم به صالح وقرئ الأشر كقولهم حذر في حذر و الأشر أي الأبلغ في الشرارة وهو أصل مرفوض كالأخير

27 - { إنا مرسلو الناقة } مخرجوها وباعثوها { فتنة لهم } امتحانا لهم { فارتقبهم } فانتظرهم وتبصر ما يصنعون { واصطبر } على أذاهم

28 - { ونبئهم أن الماء قسمة بينهم } مقسوم لها يوم ولهم يوم و { بينهم } لتغليب العقلاء { كل شرب محتضر } يحضره صاحبه في نوبته أو يحضره عنه غيره

29 - { فنادوا صاحبهم } قدار بن سالف أحيمر ثمود { فتعاطى فعقر } فاجترأ على تعاطي قتلها فقتلها أو فتعاطى السيف فقتلها والتعاطي تناول الشيء بتكلف

30 - { فكيف كان عذابي ونذر }

31 - { إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة } صيحة جبريل عليه السلام { فكانوا كهشيم المحتظر } كالشجر اليابس المتكسر الذي يتخذه من يعمل الحظيرة لأجلها أو كالحشيش اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته في الشتاء وقرئ بفتح الظاء أي كهشيم الحظيرة أو الشجر المتخذ لها

32 - { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر }

33 - { كذبت قوم لوط بالنذر }

34 - { إنا أرسلنا عليهم حاصبا } ريحا تحصبهم بالحجارة أي ترميهم { إلا آل لوط نجيناهم بسحر } في سحر وهو آخر الليل أو مسحرين

35 - { نعمة من عندنا } إنعاما منا وهو علة لنجينا { كذلك نجزي من شكر } نعمتنا بالإيمان والطاعة

36 - { ولقد أنذرهم } لوط { بطشتنا } أخذتنا العذاب { فتماروا بالنذر } فكذبوا بالنذر متشاكين

37 - { ولقد راودوه عن ضيفه } قصدوا الفجور بهم { فطمسنا أعينهم } فمسحناها وسويناها بسائر الوجه روي أنهم لما دخلوا دارة عنوة صفقهم جبريل عليه السلام صفقة فأعماهم { فذوقوا عذابي ونذر } فقلنا لهم ذوقوا على ألسنة الملائكة أو ظاهر الحال

38 - { ولقد صبحهم بكرة } وقرئ بكرة غير مصروفة على أن المراد بها أول نهار معين { عذاب مستقر } يستقر بهم حتى يسلمهم إلى النار

39 - { فذوقوا عذابي ونذر }

40 - { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } كرر ذلك في كل قصة إشعارا بأن تكذيب كل رسول مقتض لنزول العذاب واستماع كل قصة مستدع للادكار والاتعاظ واستئنافا للتنبيه والاتعاظ لئلا يغلبهم السهو والغفلة وهكذا تكرير قوله : { فبأي آلاء ربكما تكذبان } { ويل يومئذ للمكذبين } ونحوهما

41 - { ولقد جاء آل فرعون النذر } اكتفى بذكرهم عن ذكره للعلم بأنه أولى بذلك منهم

42 - { كذبوا بآياتنا كلها } يعني الآيات التسع { فأخذناهم أخذ عزيز } لا يغالب { مقتدر } لا يعجزه شيء

43 - { أكفاركم } يا معشر العرب { خير من أولئكم } الكفار المعدودين قوة وعدة أو مكانة ودينا عند الله تعالى { أم لكم براءة في الزبر } أم نزل لكم في الكتب السماوية أن من كفر منكم فهو في أمان من العذاب

44 - { أم يقولون نحن جميع } جماعة أمرنا { منتصر } ممتنع لا نرام أو منتصر من الأعداء لا نغلب أو متناصر ينصر بعضنا بعضا والتوحيد على لفظ الجميع

45 - { سيهزم الجمع ويولون الدبر } أي الأدبار وإفراده لإرادة الجنس أو لأن كل واحد يولي دبره وقد وقع ذلك يوم بدر وهو من دلائل النبوة وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه [ لما نزلت قال : لم أعلم ما هو فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يلبس الدرع ويقول : سيهزم الجمع فعلمته ]

46 - { بل الساعة موعدهم } موعد عذابهم الأصلى وما يحيق بهم في الدنيا فمن طلائعه { والساعة أدهى } أشد والداهية أمر فظيع لا يهتدي لدوائه { وأمر } مذاقا من عذاب الدنيا

47 - { إن المجرمين في ضلال } عن الحق في الدنيا { وسعر } ونيران في الآخرة

48 - { يوم يسحبون في النار على وجوههم } يجرون عليها { ذوقوا مس سقر } أي يقال لهم ذوقوا حر النار وألمها فإن مسها سبب التألم بها وسقر علم لجهنم ولذلك لم يصرف من سقرته النار وصقرته إذا لوحته

49 - { إنا كل شيء خلقناه بقدر } أي إنا خلقنا كل شيء مقدرا مرتبا على مقتضى الحكمة أو مقدرا مكتوبا في اللوح المحفوظ قبل وقوعه وكل شيء منصوب بفعل يفسره ما بعده وقرئ بالرفع على الابتداء وعلى هذا فالأولى أن يجعل خلقناه خبرا لا نعتا ليطابق المشهورة في الدلالة على أن كل شيء مخلوق بقدر ولعل اختيار النصب ها هنا مع الإضمار لما فيه من النصوصية على المقصود

50 - { وما أمرنا إلا واحدة } إلا فعلة واحدة وهو الإيجاد بلا معالجة ومعاناة أو { إلا } كلمة واحدة وهو قوله كن { كلمح بالبصر } في اليسر والسرعة وقيل معناه معنى قوله تعالى : { وما أمر الساعة إلا كلمح البصر }

51 - { ولقد أهلكنا أشياعكم } أشباهكم في الكفر ممن قبلكم { فهل من مدكر } متعظ

52 - { وكل شيء فعلوه في الزبر } مكتوب في كتب الحفظة

سورة الرحمن
53 - اللوح

54 - { إن المتقين في جنات ونهر } أنهار واكتفى باسم الجنس أو سعة أو ضياء من النهار وقرئ { نهر } وبضم الهاء جمع نهر كأسد و أسد

55 - { في مقعد صدق } في مكان مرضي وقرئ مقاعد صدق { عند مليك مقتدر } مقربين عند الله تعالى أمره في الملك والاقتدار بحيث أبهمه ذوو الأفهام
عن النبي صلى الله عليه و سلم [ من قرأ سورة القمر في كل غب بعثه الله يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر ]

1 - { الرحمن }

2 - { علم القرآن } لما كانت السورة مقصورة على تعداد النعم الدنيوية والآخروية صدرها ب { الرحمن } وقدم هو أصل النعم الدينية وأجلها وهو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه فإنه أساس الدين ومنشأ الشرع وأعظم الوعي وأعز الكتب إذ هو بإعجازه واشتماله على خلاصتها مصدق لنفسه ومصداق لها ثم اتبعه قوله :

3 - { خلق الإنسان }

4 - { علمه البيان } إيماء بأن خلق البشر وما يميز به عن سائر الحيوان من البيان وهو التعبير عما في الضمير وإفهام الغير لما أدركه لتلقي الوحي وتعرف الحق وتعلم الشرع وإخلاء الجمل الثلاث التي هي أخبار مترادفة ل { الرحمن } عن العاطف لمجيئها على نهج التعديد

5 - { الشمس والقمر بحسبان } يجريان بحساب معلوم مقدر في بروجهما ومنازلهما وتتسق بذلك أمور الكائنات السفلية وتختلف الفصول والأوقات ويعلم السنون والحساب

6 - { والنجم } والنبات الذي ينجم أي يطلع من الأرض ولا ساق له { والشجر } الذي له ساق { يسجدان } ينقادان لله تعالى فيما يريد بهما طبعا انقياد الساجد من المكلفين طوعا وكان حق النظم في الجملتين أن يقال : وأجرى الشمس والقمر وأسجد النجم والشجر أو { الشمس والقمر بحسبان } النجم والشجر ييسجدان له ليطابقا ما قبلهما وما بعدهما في اتصالهما ب { الرحمن } لكنهما جردتا عما يدل على الاتصال إشعارا بأن وضوحه يغنيه عن البيان وإدخال العاطف بينهما لاشتراكهما في الدلالة على أن ما يحس به من تغيرات أحوال الأجرام العلوية والسفلية بتقديره وتدبيره

7 - { والسماء رفعها } خلقها مرفوعة محلا ومرتبة فإنها منشأ أقضيته ومتنزل أحكامه ومحل ملائكته وقرئ بالرفع على الابتداء { ووضع الميزان } العدل بأن وفر على كل مستعد مستحقه ووفى كل ذي حق حقه حتى انتظم أمر العالم واستقام كما قال عليه الصلاة و السلام [ بالعدل قامت السموات والأرض ] أو ما يعرف به مقادير الأشياء من ميزان ومكيال ونحوهما كأنه لما وصف السماء بالرفعة من حيث إنها مصدر القضايا والإقرار أراد وصف الأرض بما فيها مما يظهر به التفاوت ويعرف به المقدار ويسوى به الحقوق والمواجب

8 - { أن لا تطغوا في الميزان } لئلا تطغوا فيه أي لا تعتدوا ولا تجاوزا الانصاف وقرئ لا تطغوا على إرادة القول

9 - { وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان } ولا تنقصوه فإن من حقه أن يسوى لأنه المقصود من وضعه وتكريره مبالغة في التوصية به و زيادة حث على استعماله وقرئ ولا تخسروا بفتح التاء وضم السين وكسرها و تخسروا بفتحها على أن الأصل { ولا تخسروا } في { الميزان } فحذف الجار و أوصل الفعل

10 - { والأرض وضعها } خفضها مدحوة { للأنام } للخلق وقيل الأنام كل ذي روح

11 - { فيها فاكهة } ضروب مما يتفكه به { والنخل ذات الأكمام } أوعية التمر جمع كم أو كل يكم أي يغطى من ليف وسعف وكفري فإنه ينتفع به كالمكموم كالجذع والجمار والتمر

12 - { والحب ذو العصف } كالحنطة والشعير وسائر ما يتغذى به و { العصف } ورق النبات اليابس كالتين { والريحان } يعنى المشموم أو الرزق من قولهم : خرجت أطلب ريحان الله وقرأ ابن عامر والحب ذا العصف والريحان أي وخلق الحب والريحان أو وأخص ويجوز أن يراد وذا الريحان فحذف المضاف وقرأ حمزة و الكسائي والريحان بالخفض ما عذا ذلك بالرفع وهو فيعلان من الروح فقلبت الواو ياء وأدغم ثم خفف وقيل روحان فقلبت واوه ياء للتخفيف

13 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان } الخطاب للثقلين المدلول عليهما بقوله : { للأنام } وقوله : { أيها الثقلان }

14 - { خلق الإنسان من صلصال كالفخار } الصلصال الطين اليابس الذي له صلصلة والفخار الخزف وقد خلق الله آدم من تراب جعله طينا ثم حمأ مسنونا ثم صلصالا فلا يخالف ذلك قوله خلقه من تراب ونحوه

15 - { وخلق الجان } الجن أو أبا الجن { من مارج } من صاف من الدخان { من نار } بيان ل { مارج } فإنه في الأصل للمضطرب من مرج إذا اضطرب

16 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان } مما أفاض عليكما في أطوار خلقتكما حتى صيركما أفضل المركبات وخلاصة الكائنات

17 - { رب المشرقين ورب المغربين } مشرقي الشتاء والصيف ومغربيهما

18 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان } مما في ذلك من الفوائد التي لا تحثى كاعتدال الهواء واختلاف الفصول وحدوث ما يناسب كل فصل فيه إلى غير ذلك

19 - { مرج البحرين } أرسلهما من مرجت الدابة إذا أرسلتها والمعنى أرسل البحر الملح والبحر العذب { يلتقيان } يتجاوزان ويتماس سطوحهما أو بحري فارس والروم يلتقيان في المحيط لأنهما خليجان يتشعبان منه

20 - { بينهما برزخ } حاجز من قدرة الله تعالى أو من الأرض { لا يبغيان } لا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة وإبطال الخاصية أو لا يتجاوزان حديهما بإغراق ما بينهما

21 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان }

22 - { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } كبار الدر وصغاره وقيل المرجان الخزر الأحمر وإن صح أن الدر يخرج من الملح فعلى الأول إنما قال منهما لأنه مخرج من مجتمع الملح والعذب أو لأنهما لما اجتمعا صارا كالشيء الواحد فكأن المخرج من أحدهما كالمخرج منهما وقرأ نافع و أبو عمرو و يعقوب { يخرج } وقرئ نخرج بنصب { اللؤلؤ والمرجان }

23 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان }

24 - { وله الجوار } أي السفن جمع جارية وقرئ بحذف الياء ورفع الراء كقوله :
( لها ثنايا أربع حسان ... وأربع فكلها ثمان )
{ المنشآت } المرفوعات الشرع أو المصنوعات وقرأ حمزة و أبو بكر الشين أي الرافعات الشرع أو اللاتي ينشئن الأمواج أو السير { في البحر كالأعلام } كالجبال جمع علم وهو الجبل الطويل

25 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان } من خلق مواد السفن والإرشاد إلى أخذها وكيفية تركيبها وإجرائها في البحر بأسباب لا يقدر على خلقها وجمعها غيره

26 - { كل من عليها } من على الأرض من الحيوانات أو المركبات و { من } للتغليب أو من الثقلين { فان }

27 - { ويبقى وجه ربك } ذاته ولو استقريت جهات الوجودات وتفحصت وجوهها وجدتها بأسرها فانية في حد ذاتها إلا وجه الله أي الوجه الذي يلى جهته { ذو الجلال والإكرام } ذو الاستغناء المطلق والفضل العام

28 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان } أي مما ذكرنا قبل من بقاء الرب وإبقاء مما لا يحصى مما هو على صدد الفناء وفضلا أو مما يترتب على فناء الكل من الإعادة والحياة الدائمة والنعيم المقيم

29 - { يسأله من في السموات والأرض } فإنهم مفتقرون إليه في ذواتهم وصفاتهم وسائر ما يهمهم ويعن لهم المراد بالسؤال ما يدل على الحاجة إلى تحصيل الشيء في ذواتهم وصفاتهم نطقا كان أو غيره { كل يوم هو في شأن } كل وقت يحدث أشخاصا ويحدد أحوالا على ما سبق به قضاؤه ن وفي الحديث [ من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين ] وهو رد لقول اليهود إن الله لا يقضي يوم السبت شيئا

30 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان } أي مما يسعف به سؤالكما وما يخرج لكما من مكمن العدم حينا فحينا

31 - { سنفرغ لكم أيها الثقلان } أي سنتجرد لحسابكم وجزائكم وذلك يوم القيامة فإنه تعالى لا يفعل فيه غيره وقيل تهديد مستعار من قولك لمن تهدده سأفرغ لك فإن المتجرد للشيء كان أقوى عليه وأجد فيه وقرأ حمزة و الكسائي بالياء وقرئ سنفرغ إليكم أي سنقصدإليكم و { الثقلان } الإنس والجن سميا بذلك لثقلهما على الأرض أو لرزانة رأيهما وقدرهما أو لأنهما مثقلان بالتكيف

32 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان }

33 - { يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض } إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السموات والأرض هاربين من الله فارين من قضائه { فانفذوا } فاخرجوا { لا تنفذون } لا تقدرون على النفوذ { إلا بسلطان } إلا بقوة وقهر وأنى لكم ذلك أو إن قدرتم أن تنفذوا لتعلموا ما في السموات والأرض { فانفذوا } لتعلموا لكن { لا تنفذون } ولا تعلمون إلا ببينة نصبها الله تعالى فتعرجون عليها بأفكاركم

34 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان } أي من التنبيه والتحذير والمساهمة والعفو مع كمال القدرة أو مما نصب من المصاعد العقلية والمعارج النقلية فتنفذون بها إلى ما فوق السموات العلا

35 - { يرسل عليكما شواظ } لهب { من نار ونحاس } ودخان قال :
( تضيء كضوء السراج السليـ ... ط لم يجعل الله فيه نحاسا )
أو صفر مذاب يصب على رؤوسهم وقرأ ابن كثير شواظ بالكسر وهو لغة ونحاس بالجر عطفا على { نار } ووفقه أبو عمرو و يعقوب في رواية و قرئ ونحس وهو جمع كلحف { فلا تنتصران } فلا تمتنعان

36 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان } فإن التهديد لطف والتمييز بين المطيع والعاصي بالجزاء والانتقام من الكفار في عداد الآلاء

37 - { فإذا انشقت السماء فكانت وردة } اي حمراء كوردة وقرئت بالرفع على كان التامة فيكون من باب التجريد كقوله :
( ولئن بقيت لأرحلن بغزوة ... تحوي الغنائم أو يموت كريم )
{ كالدهان } وهو اسم لما يدهن كالحزام أو جمع دهن وقيل هو الأديم الأحمر

38 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان } أي ما يكون بعد ذلك

39 - { فيومئذ } أي فيوم تنشق السماء { لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان } لأنهم يعرفون بسيماهم وذلك حين ما يخرجون من قبورهم ويحشرون إلى الموقف ذودا على اختلاف مراتبهم وأما قوله تعالى : { فوربك لنسألنهم } ونحوه فحين يحاسبون في المجمع والهاء للإنس باعتبار اللفظ فإنه وإن تأخر لفظا تقدم رتبة

40 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان } أي مما أنعم الله على عباده المؤمنين في هذا اليوم

41 - { يعرف المجرمون بسيماهم } وهو ما يعلوها من الكآبة والحزن { فيؤخذ بالنواصي والأقدام } مجموعا بينهما وقيل يؤخذون { بالنواصي } تارة و ب { الأقدام } أخرى

42 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان }

43 - { هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون }

44 - { يطوفون بينها } بين النار يحرقون بها { وبين حميم } ماء حار { آن } بلغ النهاية في الحرارة يصب عليهم أو يسقون منه وقيل إذا استغاثوا من النار أغيثوا بالحميم

45 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان }

46 - { ولمن خاف مقام ربه } موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب أو قيامه على أحواله من قام عليه إذا راقبه أو مقام الخائف عند ربه للحساب بأحد المعنيين فأضيف إلى الرب تفخيما وتهويلا أو ربه و { مقام } مخم للمبالغة كقوله :
( ذعرت به القطا ونفيت عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين )
{ جنتان } جنة للخائف الإنسي ولأخرى للخائف الجني فإن الخطاب للفريقين والمعنى لكل خائفين منكما أو لكل واحد جنة لعقيدته وأخرى لعمله أو جنة لفعل الطاعات وأخرى لترك المعاصي أو جنة يثاب بها وأخرى بها عليه أو روحانية وجسمانية وكذا ما جاء مثنى بعد

47 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان }

48 - { ذواتا أفنان } أنواع الأشجار والثمار جمع فن أو أغصان جمع فنن وهي الغصنة التي تتشعب من فرع الشجرة وتخصيصها بالذكر لأنها التي تورق وتثمر وتمد الظل

49 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان }

50 - { فيهما عينان تجريان } حيث شاؤوا في الأعالي والأسافل قيل إحدهما التسنيم والأخرى السلسبيل

51 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان }

52 - { فيهما من كل فاكهة زوجان } صنفان غريب ومعروف أو رطب ويابس

53 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان }

54 - { متكئين على فرش بطائنها من إستبرق } من ديباج ثخين وإذا كانت البطائن كذلك فما ظنك بالظهائر { متكئين } مدح للخائفين أو حال منهم لأن من خاف في معنى الجمع { وجنى الجنتين دان } قريب يناله القاعد المضطجع { وجنى } اسم بمعنى مجني وقرئ بكسر الجيم

55 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان }

56 - { فيهن } في الجنان فإن جنتان تدل على جنان هي للخائفين أو فيما فيمها من الأماكن والقصور أو في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش { قاصرات الطرف } نساء قصرن أبصارهن على أزواجهن { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان } لم يمس الإنسيات إنس ولا الجنيات جن وفيه دليل على أن الجن يطمثون وقرأ الكسائي بضم الميم

57 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان }

58 - { كأنهن الياقوت والمرجان } أي حمرة الوجنة وبياض البشرة وصفائهما

59 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان }

60 - { هل جزاء الإحسان } في العمل { إلا الإحسان } في الثواب وهو الجنة

61 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان }

62 - { ومن دونهما جنتان } ومن دون تينك الجنبين الموعودتين للخائفين المقربين { جنتان } لمن دونهم من أصحاب اليمين

63 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان }

64 - { مدهامتان } خضراوان تضربان إلى السواد من شدة الخضرة وفيه إشعار بأن الغالب عى هاتين الجنتين النبات والرياحين المنبسطة على وجه الأرض وعلى الأوليين الأشجار والفواكه دلالة على ما بينهما من التفاوت

65 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان }

66 - { فيهما عينان نضاختان } فوارتان بالماء هو أيضا أقل مما وصف به الأوليين وكذا ما بعده

67 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان }

68 - { فيهما فاكهة ونخل ورمان } عطفهما على الفاكهة بيانا لفضلهما فإن ثمرة النخل فاكهة وغذاء الرمان فاكهة ودواء واحتج به أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه على أن من حلف لا يأكل فاكهة فأكل رطبا أو رمانا لم يحنث

69 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان }

70 - { فيهن خيرات } أي خيرات فخففت لأن خيرا الذي بمعنى أخير لا يجمع وقد قرئ على الأصل { حسان } حسان الخلق والخلق

71 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان }

72 - { حور مقصورات في الخيام } قصرن في خدورهن يقال امرأة قصيرة وقصورة ومقصورة أي مخدرة أو مقصورات الطرف على أزواجهن

73 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان }

74 - { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان } كحور الأولين وهم أصحاب الجنتين فإنهما يدلان عليهم

75 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان }

سورة الواقعة
76 - و ذيل الخيمة وقد يقال لكل ثوب عريض { خضر وعبقري حسان } العبقري منسوب إلى عبقر تزعم العرب أنه اسم بلد للجن فينسبون إليه كل شيء عجيب والمراد به الجنس ولذلك جمع { حسان } حملا على المعنى

77 - { فبأي آلاء ربكما تكذبان }

78 - { تبارك اسم ربك } تعالى اسمه من حيث إنه مطلق على ذاته فما ظنك لذاته وقيل الاسم بمعنى الصفة أو مقحم كما في قوله :
( إلى الحول ثم اسم السلام عليكما )
{ ذي الجلال والإكرام } وقرأ ابن عامر بالرفع صفة للاسم
عن النبي صلى الله عليه و سلم [ من قرأ سورة الرحمن أدى شكر ما أنعم الله تعالى عليه ]

1 - { إذا وقعت الواقعة } إذا حدثت القيامة سماها واقعة لتحقق وقوعها وانتصاب { إذا } بمحذوف مثل اذكر أو كان كيت وكيت

2 - { ليس لوقعتها كاذبة } أي لا يكون حين تقع نفس تكذب على الله تعالى أو تكذيب في نفيها كما تكذب الآن واللام مثلها في قوله تعالى : { قدمت لحياتي } أو ليس لأحد في وقعتها كاذبة فإنه من أخبر عنها صدق أو ليس لها حينئذ نفس تحدث صاحبها بإطاقة شدتها واحتمالها وتغريه عليها من قولهم : كذبت فلانا نفسه في الخطب العظيم إذا شجعته عليه وسولت له أنه يطيقه

3 - { خافضة رافعة } تخفض قوما آخرين وهو تقرير لعظمتها فإن الوقائع العظام كذلك أو بيان لما يكون حينئذ من خفض أعداء الله أوليائه أو إزالة الأجرام عن مقارها بنثر الكواكب وتسيير الجبال في الجو وقرئنا بالنصب على الحال

4 - { إذا رجت الأرض رجا } حركت تحريكا شديدا بحيث ينهدم ما فوقها من بناء وجبل والظرف متعلق ب { خافضة } أو بدل من { إذا وقعت }

5 - { وبست الجبال بسا } اي فتتت حتى صارت كالسويق الملتوت من بس السويق إذا لته أو سيقت وسيرت من بس الغنم إذا ساقها

6 - { فكانت هباء } غبارا { منبثا } متشرا

7 - { وكنتم أزواجا } أصنافا { ثلاثة } وكل صنف يكون أو يذكر مع صنف آخر زوج

8 - { فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة }

9 - { وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة } فأصحاب المنزلة السنية وأصحاب المنزلة الدنيئة من تيمنهم بالميامن وتشاؤمهم بالشمائل أو { أصحاب الميمنة } و { أصحاب المشأمة } الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم والذين يؤتونها بشمائلهم أو أصحاب اليمن والشؤم فإن السعداء ميامين على أنفسهم بطاعتهم والأشقياء مشائيم عليها بمعصيتهم والجملتان الاستفهاميتان خبران لما قبلهما بإقامة الظاهر مقام الضمير ومعناهما التعجب من حال الفريقين

10 - { والسابقون السابقون } والذين سبقوا إلى الإيمان والطاعة بعد ظهور الحق من غير تلعثم وتوان أو سبقوا في حيازة الفضائل والكمالات أو الأنبياء فإنهم مقدموا أهل الأديان هم الذين عرفت حالهم وعرفت مآلهم كقول أبي النجم :
( أنا أبو النجم وشعري شعري )
أو الذين سبقوا إلى الجنة

11 - { أولئك المقربون }

12 - { في جنات النعيم } الذين قربت درجاتهم في الجنة وأعليت مراتبهم

13 - { ثلة من الأولين } أي هم كثير من الأولين يعني الأممم السالفة من لدن آدم إلى سيدنا محمد عليه الصلاة و السلام

14 - { وقليل من الآخرين } يعني أمة محمد عليه الصلاة و السلام ولا يحالف ذلك قوله عليه الصلاة و السلام [ إن أمتي يكثرون سائر الأمم ] لجواز أن يكون سابقو سائر الأمم أكثر من سابقي هذه الأمة وتابعو هذه أكثر من تابعيهم ولا يرده قوله في أصحاب اليمين { ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين } لأن كثرة الفريقين لا تنافي أكثرية أحدهما وروي مرفوعا أنهما من هذه الأمة واشتقاقها من الثل وهو القطع

15 - { على سرر موضونة } خير آخر للضمير المحذوف وال { موضونة } المنسوجة بالذهب مشبكة بالدر والياقوت أو المتواصلة من الوضن وهو نسج الدرع

16 - { متكئين عليها متقابلين } حالان من الضمير في { على سرر }

17 - { يطوف عليهم } للخدمة { ولدان مخلدون } مبقون أبدا على هيئة الولدان وطراوتهم

18 - { بأكواب وأباريق } حال الشرب وغيره والكوب إناء بلا عروة ولا خرطوم له والإبريق إناء له ذلك { وكأس من معين } من خمر

19 - { لا يصدعون عنها } بخمار { ولا ينزفون } ولا ينزف عقولهم أو لا ينفد شرابهم وقرأ الكوفيون بكسر الزاي { لا يصدعون } بمعنى لا يتصدعون أي لا يتفرقون

20 - { وفاكهة مما يتخيرون } أي يختارون

21 - { ولحم طير مما يشتهون } يتمنون

22 - { وحور عين } عطف على { ولدان } أو مبتدأ محذوف الخبر أي وفيها أو ولهم حور وقرأ حمزة و الكسائي بالجر عطفا على { جنات } بتقدير مضاف أي هم في جنات ومصاحبة حور أو على أكواب لأن معنى { يطوف عليهم ولدان مخلدون * بأكواب } ينعمون بأكواب وقرئتا بالنصب على ويؤتون حورا

23 - { كأمثال اللؤلؤ المكنون } المصون عما يضربه في الصفاء والنقاء

24 - { جزاء بما كانوا يعملون } أي يفعل ذلك كله بهم جزاء أعمالهم

25 - { لا يسمعون فيها لغوا } باطلا { ولا تأثيما } ولا نسبة إلى الإثم أي لا يقال لهم أثمتم

26 - { إلا قليلا } أي قولا { سلاما سلاما } بدل من { قيلا } كقوله تعالى : { لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما } أو صفته أو مفعوله بمعنى إلا أن يقولوا سلاما أو مصدر والتكرير للدلالة على فشو السلام بينهم وقرئ سلام سلام على الحكاية

27 - { وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين }

28 - { في سدر مخضود } لا شوك فيه من خضد الشوك إذا قطعه أو مثني أغصانه من كثرة حمله من خضد الغصن إذا ثناه وهو رطب

29 - { وطلح } وشجر موز أو أم غيلان وله أنواع كثيرة طيبة الرائحة وقرئ بالعين { منضود } نضد حمله من أسفله إل أعلاه

30 - { وظل ممدود } منبسط لا يتقلص ولا يتفاوت

31 - { وماء مسكوب } يسكب لهم أين شاؤوا وكيف شاؤوا بلا تعب أو مصبوب سائل كأنه لما شبه حال السابقين في التنعم بأعلى ما يتصور لأهل المدن شبه حال أصحاب اليمين بأكمل ما يتمناه أهل البوادي إشعارا بالتفاوت بين الحالين

32 - { وفاكهة كثيرة } كثيرة الأجناس

33 - { لا مقطوعة } لا تنقطع في وقت { ولا ممنوعة } لا تمنع عن متناولها بوجه

34 - { وفرش مرفوعة } رفيعة القدر أو منضدة مرتفعة وقيل الفرش النساء وارتفاعها أنها على الأرائك ويدل عليه قوله :

35 - { إنا أنشأناهن إنشاء } أي ابتدأناهن ابتداء جديدا من غير ولادة إبداء أو إعادة وفي الحديث [ هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز شمطا رمصا جعلهن الله بعد الكبر أترابا على ميلاد واحد كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا ]

36 - { فجعلناهن أبكارا }

37 - { عربا } متحببات إلى أزواجهن جمع عروب وسكن راءه حمزة و أبو بكر و روي عن نافع و عاصم مثله { أترابا } فإن كلهن بنات ثلاث وثلاثين وكذا أزواجهن

38 - { لأصحاب اليمين } متعلق ب { أنشأنا } أو جعلنا أو صفة ل { أبكارا } أو خبر لمحذوف مثل هن أو لقوله :

39 - { ثلة من الأولين }

40 - { وثلة من الآخرين } وهي على الوجه الأول خبر محذوف

41 - { وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال }

42 - { في سموم } في حر نار ينفذ في المسام { وحميم } وماء متناه في الحرارة

43 - { وظل من يحموم } من دخان أسود يفعول من الحممة

44 - { لا بارد } كسائر الظل { ولا كريم } ولا نافع نفى بذلك ما أوهم الظل من الاسترواح

45 - { إنهم كانوا قبل ذلك مترفين } منهمكين في الشهوات

46 - { وكانوا يصرون على الحنث العظيم } الذنب العظيم يعني الشرك ومنه بلغ الغلام الحنث أي الحلم ووقت المؤاخذة بالذنب وحنث في يمينه خلاف بر فيها و تحنث إذا تأثم

47 - { وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون } كررت الهمزة للدلالة على إنكار البعث مطلقا وخصوصا في هذا الوقت كما دخلت العاطفة في قوله :

48 - { أو آباؤنا الأولون } للدلالة على ذلك أشد إنكارا في حقهم لتقادم زمانهم وللفصل بها حسن العطف على المستكن في { لمبعوثون } وقرأ نافع و ابن عامر { أو } بالسكون وقد سبق مثله والعامل في الظرف ما دل عليه مبعوثون لا هو للفصل بأن الهمزة

49 - { قل إن الأولين والآخرين }

50 - { لمجموعون } وقرئ لمجمعون { إلى ميقات يوم معلوم } إلى ما وقت به الدنيا وحدث من يوم معين عند الله معلوم له

51 - { ثم إنكم أيها الضالون المكذبون } أي بالبعث والخطاب لأهل مكة وأضرابهم

52 - { لآكلون من شجر من زقوم } { من } الأولى للابتداء والثانية للبيان

53 - { فمالئون منها البطون } من شدة الجوع

54 - { فشاربون عليه من الحميم } لغلبة العطش وتأنيث الضمير في منها وتذكيره في { عليه } على معنى الشجر ولفظه وقرئ من شجرة فيكون التذكير لل { زقوم } فإنه تفسيرها

55 - { فشاربون شرب الهيم } الإبل التي يها الهيام وهو داء يشبه الاستسقاء جمه أهيم وهيماء قال ذو الرمة :
( فأصبحت كالهيماء لا الماء مبرد ... صداها ولا يقضي عليها هيامها )
وقيل الرمال على أنه جمع هيام بالفتح وهو الرمل الذي لا يتماسك جمع على هيم كسحب ثم خفف وفعل به ما فعل بجمع أبيض وكل من المعطوف والمعطوف عليه أخص من الآخر من وجه فلا اتحاد وقرأ نافع و حمزة و عاصم { شرب } بضم الشين

56 - { هذا نزلهم يوم الدين } يوم الجزاء فما ظنك بما يكون لهم بعد ما استقروا في الجحيم وفيه تهكم كما في قوله : { فبشرهم بعذاب أليم } لأن النزل ما يعد للنازل تكرمة له وقرئ نزلهم بالتخفيف

57 - { نحن خلقناكم فلولا تصدقون } بالخلق متيقنين محققين للتصديق بالأعمال الدالة عليه أو بالبعث فإن من قدر على الإبداء قدر على الإعادة

58 - { أفرأيتم ما تمنون } أي ما تقذفونه في الأرحام من النطف وقرئ بفتح التاء من منى النطفة بمعنى أمناها

59 - { أأنتم تخلقونه } تجعلون بشرا سويا { أم نحن الخالقون }

60 - { نحن قدرنا بينكم الموت } قسمناه عليكم وأقتنا موت كل بوقت معين وقرأ ابن كثير بتخفيف الدال { وما نحن بمسبوقين } لا يسبقنا أحد فيهرب من الموت أو يغير وقته أو لا يغلبنا أحد من سبقته على كذا إذا غلبته عليه

61 - { على أن نبدل أمثالكم } على الأول حال أو علة ل { قدرنا } وعلى بمعنى اللام { وما نحن بمسبوقين } اعتراض وعلى الثاني صلة والمعنى على أن نبدل منكم أشباهكم فنخلق بدلكم أو نبدل صفاتكم على أن أمثالكم جمع مثل بمعنى صفة { وننشئكم في ما لا تعلمون } في خلق أو صفات لا تعلمونها

62 - { ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون } أن من قدر عليها قدر على النشأة الأخرى فإنها أقل صنعا لحصول المواد وتخصيص الاجزاء وسبق المثال وفيه دليل على صحة القياس

63 - { أفرأيتم ما تحرثون } تبذرون حبه

64 - { أأنتم تزرعونه } تنبتونه { أم نحن الزارعون } المنبتون

65 - { لو نشاء لجعلناه حطاما } هشيما { فظلتم تفكهون } تعجبون أو تندمون على اجتهادكم فيه أو على ما أصبتم لأجله من المعاصي فتتحدثون فيه والفكه التنقل بصنوف الفاكهة وقد استعير للتنقل بالحديث وقرئ فظلتم بالكسر و فظللتم على الأصل

66 - { إنا لمغرمون } لملزمون غرامة ما أنفقنا أو مهلكون لهلاك رزقنا من الغرام وقرأ أبو بكر أإنا لمغرمون على الاستفهام

67 - { بل نحن } قوم { محرومون } حرمنا رزقنا أو محدودون لا مجدودون

68 - { أفرأيتم الماء الذي تشربون } أي العذب الصالح للشرب

69 - { أأنتم أنزلتموه من المزن } من سحاب واحده مزنة وقيل { المزن } السحاب الأبيض وماؤه أعذب { أم نحن المنزلون } بقدرتنا و الرؤية إن كانت بمعنى العلم فمتعلقة بالاستفهام

70 - { لو نشاء جعلناه أجاجا } ملحا أو من الأجيج فإنه يحرق الفم وحذف اللام الفاصلة بين جواب ما يتمحض للشرط وما يتضمن معناه لعلم السامع بمكانها أو الاكتفاء بسبق ذكرها أو يختص ما يقصد لذاته يكون أهم وفقده أصعب بمزيد التأكيد { فلولا تشكرون } أمثال هذه النعم الضرورية

71 - { أفرأيتم النار التي تورون } تقدحون

72 - { أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون } يعني الشجرة التي منها الزناد

73 - { نحن جعلناها } جعلنا نار الزناد { تذكرة } تبصرة في أمر البعث كما في سورة يس أو في الظلام أو تذكيرا و أنموذجا لنار جهنم { ومتاعا } و منفعة { للمقوين } الذين ينزلون القواء وهي الفقر أو الذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام من أقوت الدار إذا خلت من ساكنيها

74 - { فسبح باسم ربك العظيم } فأحدث التسبيح بذكر اسمه تعالى أو بذكره فإن إطلاق اسم الشيء ذكره والعظيم صفة للاسم أو الرب وتعقيب الأمر بالتسبيح لما عدد من بدائع صنعه وإنعامه إما لتنزيهه تعالى عما يقول الجاحدون لوحدانيته الكافرون لنعمته أو للتعجب من أمرهم في غمط نعمه أو للشكر على ما عدها من النعم

75 - { فلا أقسم } إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم أو فأقسم و لا مزيدة للتأكيد كما في { لئلا يعلم } أو فلأنا أقسم فحذف المبتدأ و أشبع فتحة لام الابتداء ويدل عليه قراءة { فلا أقسم } أو { فلا } رد لكلام يخالف المقسم عليه { بمواقع النجوم } بمساقطها وتخصيص المغارب لما في غروبها من زوال أثرها والدلالة على وجود مؤثر لا يزول تأثيره أو بمنازلها ومجاريها وقيل النجوم نجوم القرآن ومواقعها أوقات نزولها و قرأ حمزة و الكسائي بموقع

76 - { وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } لما في المقسم له من الدلالة على عظم القدرة وكمال الحكمة وفرط الرحمة ومن مقتضيات رحمته أن لا يترك عباده سدى وهو اعتراض في اعتراض فإنه اعتراض بين القسم والمقسم عليه و { لو تعلمون } اعتراض بين الموصوف والصفة

77 - { إنه لقرآن كريم } كثير النفع لاشتماله على أصول العلوم المهمة في إصلاح المعاش والمعاد أو حسن مرضي في جنسه

78 - { في كتاب مكنون } مصون وهو اللوح المحفوظ

79 - { لا يمسه إلا المطهرون } لا يطلع على اللوح إلا المطهرون من الكدورا