روابط مصاحف م الكاب الاسلامي

روابط مصاحف م الكاب الاسلامي
 

Translate

الأربعاء، 1 يونيو 2022

مجلد 3. و4.تفسير البيضاوي البيضاوي

 مجلد 3. و4.تفسير البيضاوي البيضاوي

3.  : مجلد 3.تفسير البيضاوي البيضاوي

112 - { التائبون } رفع على المدح أي هم التائبون والمراد بهم المؤمنون المذكورون ويجوز أن يكون مبتدأ خيره محذوف تقديره التائبون من أهل الجنة وإن لم يجاهدوا لقوله : { وكلا وعد الله الحسنى } أو خبره ما بعده أي التائبون عن الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الخصال وقرئ بالياء نصبا على المدح أو جرا صفة للمؤمنين { العابدون } الذين عبدوا الله مخلصين له الدين { الحامدون } لنعمائه أو لما نابهم من السراء والضراء { السائحون } الصائمون لقوله صلى الله عليه و سلم [ سياحة أمتي الصوم ] شبه بها لأنه يعوق عن الشهوات أو لأنه رياضة نفسانية يتوصل بها إلى الاطلاع على حفايا الملك والملكوت أو السائحون للجهاد أو لطلب العلم { الراكعون الساجدون } في الصلاة { الآمرون بالمعروف } بالإيمان والطاعة { والناهون عن المنكر } عن الشرك والمعصية والعاطف فيه للدلالة على أنه بما عطف عليه في حكم خصلة واحدة كأنه قال : الجامعون بين الوصفين وفي قوله تعالى : { والحافظون لحدود الله } أي فيما بينه وعينه من الحقائق والشرائع للتنبيه على أن قبل مفصل الفضائل وهذا مجملها وقيل إنه للإيذان بأن التعداد قد تم بالسابع من حيث أن السبعة هو العدد التام والثامن ابتداء تعداد آخر معطوف عليه ولذلك سمي واو الثمانية { وبشر المؤمنين } يعني به هؤلاء الموصوفين بتلك الفضائل ووضع { المؤمنين } موضع ضميرهم للتنبيه على أن إيمانهم دعاهم إلى ذلك وأن المؤمن الكامل من كان كذلك وحذف المبشر به للتعظيم كأنه قيل : وبشرهم بما يجل عن إحاطة الأفهام وتعبير الكلام

113 - { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } روي : [ أنه صلى لله عليه وسلم قال لأبي طالب لما حضرته الوفاة : ( قل كلمة أحاج لك بها عند الله ) فأبى فقال عليه الصلاة و السلام : لا أزال أستغفر لك ما لم أنه عنه ) فنزلت ] وقيل [ لما افتتح مكة خرج إلى الإيواء فزار قبر أمه ثم قام مستعبرا فقال : إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي وأنزل علي الآيتين ) ] { ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } بأن ماتوا على الكفر وفيه دليل على جواز الاستغفار لأحيائهم فإنه طلب توفيقهم للإيمان وبه دفع النقيض باستغفار إبراهيم عليه الصلاة و السلام لأبيه الكافر فقال

114 - : { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه } وعدها إبراهيم أباه بقوله : { لأستغفرن لك } أي لأطلبن مغفرتك بالتوفيق للإيمان فإنه يجب ما قبله ويدل عليه قراءة من قرأ ( أباه ) أو ( وعدها إبراهيم أبوه ) وهي الوعد بالإيمان { فلما تبين له أنه عدو لله } بأن مات على الكفر أو أوحي إليه بأنه لن يؤمن { تبرأ منه } قطع استغفاره { إن إبراهيم لأواه } لكثير التأوه وهو كناية عن فرط ترحمه ورقة قلبه { حليم } صبور على الأذى والجملة لبيان ما حمله على الاستغفار له مع شكاسته عليه

115 - { وما كان الله ليضل قوما } أي ليسميهم ضلالا ويؤاخذهم مؤاخذتهم { بعد إذ هداهم } للإسلام { حتى يبين لهم ما يتقون } حتى يبين لهم خطر ما يجب اتقاؤه وكأنه بيان عذر الرسول عليه الصلاة و السلام في يقوله لعمه أو لمن استغفر لأسلافه المشركين قبل المنع وقيل إنه في قوم مضوا على الأمر الأول في القبلة والخمر ونحو ذلك وفي الجملة دليل على أن الغافل غير مكلف { إن الله بكل شيء عليم } فيعلم أمرهم في الحالين

116 - { إن الله له ملك السموات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } لما منعهم عن الاستغفار للمشركين وإن كانوا أولي قربى وتضمن ذلك وجوب التبرؤ عنهم رأسا بين لهم أن الله مالك كل موجود ومتولي أمره والغالب عليه ولا يتأتى له ولاية ولا نصرة إلا منه ليتوجهوا بشرا شرهم إليه ويتبرؤوا مما عداه حتى لا يبقى لهم مقصود فيما يأتون ويذرون سواه

117 - { لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار } من إذن المنافقين في التخلف أو برأهم عن علقة الذنوب كقوله تعالى : { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } وقيل : هو بعث على التوبة والمعنى : ما من أحد إلا وهو محتاج إلى التوبة حتى النبي صلى الله عليه و سلم والمهاجرون والأنصار لقوله تعالى : { وتوبوا إلى الله جميعا } إذ ما من أحد إلا وله مقام يستنقص دونه ما هو فيه والترقي إليه توبة من تلك النقيصة وإظهار لفضلها بأنه مقام الأنبياء والصالحين من عباده { الذين اتبعوه في ساعة العسرة } في وفتها هي حالهم في غزوة تبوك كانوا في عسرة الظهر يعتقب العشرة على بعير واحد والزاد حتى قيل إن الرجلين كانا يقتسمان تمرة والماء حتى شربوا القيظ { من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم } عن الثبات على الإيمان أو اتباع الرسول عليه الصلاة و السلام وفي { كاد } ضمير الشأن أو ضمير القوم والعائد إليه الضمير في { منهم } وقرأ حمزة و حفص { يزيغ } بالياء لأن تأنيث القلوب غير حقيقي وقرئ ( من بعد ما زاغت قلوب فريق منهم ) يعني المتخلفين { ثم تاب عليهم } تكرير للتأكيد وتنبيه على أنه تاب عليه من أدل ما كابدوا من العسرة ن أو المراد أنه تاب نعليهم لكيدودتهم { إنه بهم رؤوف رحيم }

118 - { وعلى الثلاثة } وتاب على الثلاثة كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع { الذين خلفوا } تخلفوا عن الغزو أو خلف أمرهم فإنهم المرجئون { حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت } أي برحبها لإعراض الناس عنهم بالكلية وهو مثل لشدة الحيرة { وضاقت عليهم أنفسهم } قلوبهم من فرط الوحشة والغم بحيث لا يسعها أنس ولا سرور { وظنوا } وعلموا { أن لا ملجأ من الله } من سخطه { إلا إليه } إلا إلى استغفاره { ثم تاب عليهم } بالتوفيق للتوبة { ليتوبوا } أو أنزل قبول توبتهم ليعدوا من جملة التائبين أو رجع عليهم بالقبول والرحمة مرة بعد أخرى ليستقيموا على توبتهم { إن الله هو التواب } لمن تاب ولو عاد في اليوم مائة مرة { الرحيم } المتفضل عليهم بالنعم

119 - { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله } فيما لا يرضاه { وكونوا مع الصادقين } في إيمانهم وعهودهم أو في دين الله نية وقولا وعملا وقرئ ( من الصادقين ) أي في توبتهم وإنابتهم فيكون المراد به هؤلاء الثلاثة وأضرابهم

120 - { ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله } نهي عبر به بصيغة النفي للمبالغة { ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه } ولا يصونوا أنفسهم عما لم يصن نفسه عنه ويكابدوا معه ما يكابده من الأهوال [ روي أن أبا خيثمة بلغ بستانه وكانت له زوجة حسناء فرشت في الظل وبسطت له الحصير وقربت إليه الرطب والماء البارد فنظر فقال : ظل ظليل ورطب يانع وماء بارد وامرأة حسناء ورسول الله صلى الله عليه و سلم في الضح والريح ما هذا بخير فقام فرحل ناقته وأخذ سيفه ورمحه ومر كالريح فمد رسول الله صلى الله عليه و سلم طرفه إلى الطريق فإذا براكب يزهاه السراب فقال : كن أبا خيثمة فكانه ففرح به رسول الله صلى الله عليه و سلم واستغفر له ] وفي { لا يرغبوا } يجوز النصب والجزم { ذلك } إشارة إلى ما دل عليه قوله ما كان من النهي عن التخلف أو وجوب المشايعة { بأنهم } بسبب أنهم { لا يصيبهم ظمأ } شيء من العطش { ولا نصب } تعب { ولا مخمصة } مجاعة { في سبيل الله ولا يطؤون } ولا يدوسون { موطئا } مكانا { يغيظ الكفار } يغضبهم وطؤه { ولا ينالون من عدو نيلا } كالقتل والأسر والنهب { إلا كتب لهم به عمل صالح } إلا استوجبوا به الثواب وذلك مما يوجب المشايعة { إن الله لا يضيع أجر المحسنين } على إحسانهم وهو تعليل ل { كتب } تنبيه على أن الجهاد إحسان أما في حق الكفار فلأنه سعى في تكميلهم بأقصى ما يمكن كضرب المداوي للمجنون أما في حق المؤمنين فلأنه صيانة لهم عن سطوة الكفار واستيلائهم

121 - { ولا ينفقون نفقة صغيرة } ولو علاقة { ولا كبيرة } مثل ما أنفق عثمان رضي الله تعالى عنه في جيش العسرة { ولا يقطعون واديا } في مسيرهم وهو كل منعرج ينفذ فيه السيل اسم فاعل من ودي إذا سال فشاع بمعنى الأرض { إلا كتب لهم } اثبت لهم ذلك { ليجزيهم الله } بذلك { أحسن ما كانوا يعملون } جزاء أحسن أعمالهم أو أحسن جزاء أعمالهم

122 - { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } وما استقام لهم أن ينفروا جميعا لنحو غزو أو طلب علم كما لا يستقيم لهم أن يتثبطوا جميعا فإنه يخل بأمر المعاش { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة } فهلا نفر من كل جماعة كثيرة كقبيلة وأهل بلدة جماعة قليلة { ليتفقهوا في الدين } ليتكلفوا الفقاهة فيه ويتجشموا مشاق تحصيلها { ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم } وليجعلوا غاية سعيهم ومعظم غرضهم من الفقاهة إرشاد القوم وإنذارهم وتخصيصه بالذكر لأنه أهم وفيه دليل على أن التفقه والتذكير من فروض الكفاية وأنه ينبغي أن يكون غذ المتعلم فيه أن يستقيم ويقيم لا الترفع على الناس والتبسط في البلاد { لعلهم يحذرون } إرادة أن يحذروا عما ينذرون منه واستدل به على أن أخبار الآحاد حجة لأن عموم كل فرقة يقتضي أن ينفر من كل ثلاثة تفردوا بقرية طائفة إلى التفقه لتنذر فرقتها كي يتذكر ويحذروا فلو لم يعتبر الأخبار ما لم يتواتر لم يفد ذلك وقد أشبعت القول فيه تقريرا واعتراضا في كتابي المرصاد وقد قيل لآية معنى آخر وهو أنه لما نزل في المتخلفين ما نزل سبق المؤمنون إلى النفير وانقطعوا عن التفقه الذي هو الجهاد الأكبر لأن الجدال بالحجة هو الأصل ولمقصود من البعثة فيكون الضمير في ليتفقهوا ولينذروا لبواقي الفرق بعد الطوائف النافرة للغزو وفي رجعوا للطوائف أي ولينذروا لبواقي قومهم النافرين إذا ردعوا إليهم بما حصلوا أيام غيبتهم من العلوم

123 - { يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار } أمروا بقتال الأقرب منهم فالأقرب كما أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أولا بإنذار عشيرته الأقربين فإن الأقرب أحق بالشفقة والاستصلاح وقيل هم يهود حوالي المدينة كقريظة والنضير وخيبر وقيل الروم فإنهم كانوا يسكنون الشأم وهو قريب من المدينة { وليجدوا فيكم غلظة } شدة وصبرا على القتال وقرئ بفتح الغين وضمها وهما لغتان فيها { واعلموا أن الله مع المتقين } بالحراسة و الإعانة

124 - { وإذا ما أنزلت سورة فمنهم } فمن المنافقين { من يقول } إنكار واستهزاء { أيكم زادته هذه } السورة { إيمانا } وقرئ { أيكم } بالنصب على إضمار فعل يفسره { زادته } { فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا } بزيادة العلم الحاصل من تدبر السورة وانضمام الإيمان بها وبما فيها إلى إيمانهم { وهم يستبشرون } بنزولها لأنه سبب لزيادة كمالهم وارتفاع درجاتهم

125 - { وأما الذين في قلوبهم مرض } كفر { فزادتهم رجسا إلى رجسهم } كفرا بها مضموما إلى الكفر بغيرها { وماتوا وهم كافرون } واستحكم ذلك فيهم حتى ماتوا عليه

126 - { أو لا يرون } يعني المنافقين وقرئ بالتاء { أنهم يفتنون } يبتلون بأصناف البليات أو بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فيعاينون ما يظهر عليه من الآيات { في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون } لا ينتهون ولا يتوبون من نفاقهم { ولا هم يذكرون } ولا يعتبرون

127 - { وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض } تغمزوا بالعيون إنكارا لها وسخرية أو غيظا لما فيه من عيوبهم { هل يراكم من أحد } أي يقولون هل يراكم أحد إن قمتم من حضرة الرسول صلى الله عليه و سلم فإن لم يرهم أحد قاموا وإن يرهم أحد أقاموا { ثم انصرفوا } عن حضرته مخافة الفضيحة { صرف الله قلوبهم } عن الإيمان وهو يحتمل الإخبار والدعاء { بأنهم } بسبب أنهم { قوم لا يفقهون } لسوء فهمهم أو لعدم تدبرهم

128 - { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } من جنسكم عربي مثلكم وقرئ من ( أنفسكم ( أي من أشرفكم { عزيز عليه } شديد شاق { ما عنتم } عنتكم ولقاءكم المكروه { حريص عليكم } أي على إيمانكم وصلاح شأنكم { بالمؤمنين } منكم ومن غيركم { رؤوف رحيم } قدم الأبلغ منهما وهو الرؤوف لأن الرأفة شدة الرحمة محافظة على الفواصل

129 - { فإن تولوا } عن الإيمان بك { فقل حسبي الله } فإنه يكفيك معرتهم ويعينك عليهم { لا إله إلا هو } كالدليل عليه { عليه توكلت } فلا أرجو ولا أخاف إلا منه { وهو رب العرش العظيم } الملك العظيم أو الجسم العظيم المحيط الذي تنزل منه الأحكام المقادير وقرئ { العظيم } بالرفع وعن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه : أن آخر ما نزل هاتان الآيتان [ وعن النبي صلى الله عليه و سلم ما نزل القرآن علي إلا آية آية وحرفا حرفا ما خلا سورة براءة وقل هو الله أحد فإنهما أنزلتا علي ومعهما سبعون ألف صف من الملائكة ] والله أعلم

سورة يونس
عليه السلام مكية وهي مائة وتسع آيات
بسم الله الرحمن الرحيم
1 - { الر } فخمها ابن كثير و نافع برواية قالون و حفص وقرأ ورش بين اللفظين وأمالها الباقون إجراء لألف الراء مجرى المنقلبة من الياء { تلك آيات الكتاب الحكيم } إشارة إلى ما تضمنته السورة أو القرآن من الآي والمراد من الكتاب أحدهما ووصفه بالحكيم لاشتماله على الحكم أو لأنه كلام حكيم أو محكم آياته لم ينسخ شيء منها

2 - { أكان للناس عجبا } استفهام إنكار للتعجب و { عجبا } خبر كان واسمه : { أن أوحينا } وقرء بالرفع على أن الأمر بالعكس أو على ( أن كان ) تامة { أن أوحينا } بدل من عجب وللام للدلالة على أنهم جعلوه أعجوبة لهم يوجهون نحوه إنكارهم واستهزائهم { إلى رجل منهم } من أفناء رجالهم دون عظيم من عظمائهم قيل كانوا يقولون العجب أن الله تعالى لم يجد رسولا يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب وهو من فرط حماقتهم وقصور نظرهم على الأمور العادلة وجهلهم بحقيقة الوحي والنبوة هذا وأنه عليه الصلاة و السلام لم يكن يقصر عن عظمائهم فيما يعتبرونه إلا في المال وخفة الحال أعون شيء في هذا الباب ولذلك كان أكثر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبله كذلك وقيل تعجبوا من أنه بعث بشرا كما سبق ذكره في سورة ( الأنعام ) { أن أنذر الناس } أن هي المفسرة أو المخففة من الثقيلة فتكون في موقع مفعول أوحينا { وبشر الذين آمنوا } عمم الإنذار إذ قلما من أحد ليس فيه ما ينبغي أن ينذر منه وخصص البشارة بالمؤمنين إذ ليس للكفار ما يصح أن يبشروا به حقيقة { أن لهم } بأن لهم { قدم صدق عند ربهم } سابقة منزلة رفيعة سميت قدما لأن السبق بها كما سميت النعمة يدا لأنها تعطى باليد وإضافتها إلى الصدق لتحققها والتنبيه على أنهم إنما ينالونها بصدق القول والنية { قال الكافرون إن هذا } يعنون الكتاب وما جاء به الرسول عليه الصلاة و السلام { لسحر مبين } وقرأ ابن كثير والكوفيون ( لساحر ) على أن الإشارة إلى الرسول صلى الله عليه و سلم وفيه اعتراف بأنهم صادفوا من الرسول صلى الله عليه و سلم أمورا خارقة للعادة معجزة إياهم عن المعارضة وقرئ ( ما هذا إلا سحر مبين )

3 - { إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض } التي هي أصول الممكنات { في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر } يقدر أمر الكائنات على ما اقتضته حكمته وسبقت به كلمته ويهيء بتحريكه أسبابها وينزلها منه والتدبير النظر في أدبار الأمور لتجيء محمودة العاقبة { ما من شفيع إلا من بعد إذنه } تقرير لعظمته وعز جلاله ورد على من زعم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله وفيه إثبات الشفاعة لمن أذن له { ذلكم الله } أي الموصوف بتلك الصفات المقتضية للألوهية والربوبية { ربكم } لا غير إذ لا يشاركه أحد في شيء من ذلك { فاعبدوه } وحدوه بالعبادة { أفلا تذكرون } تتفكرون أدنى تفكر فينبهكم على أن المستحق للربوبية والعبادة لا ما تعبدونه

4 - { إليه مرجعكم جميعا } بالموت أو النشور لا إلى غيره فاستعدوا للقائه { وعد الله } مصدر مؤكد لنفسه لأن قوله { إليه مرجعكم } وعج من الله { حقا } مصدر آخر مؤكد لغيره وهو ما دل عليه { وعد الله } { إنه يبدأ الخلق ثم يعيده } بعد بدئه وإهلاكه { ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط } أي بعدله أو بعدالتهم وقيامهم على العدل في أمورهم أو بإيمانهم لأنه العدل القويم كما أن الشرك ظلم عظيم وهو الأوجه لمقابلة قوله : { والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون } فإن معناه ليجزي الذين كفروا بشراب من حميم وعذاب أليم بسبب كفرهم لكنه غير النظم للمبالغة في استحقاقهم للعقاب والتنبيه على أن المقصود بالذات من الإبداء والإعادة هو الإثابة والعقاب واقع بالعرض وأنه تعالى يتولى إثابة المؤمنين بما يليق بلطفه وكرمه ولذلك لم يعينه وأما عقاب الكفرة فكأنه داء ساقه إليهم سوء اعتقادهم وشؤم أفعالهم ولآية كالتعليل لقوله تعالى { إليه مرجعكم جميعا } فإنه لما كان المقصود من الإبداء والإعادة مجازاة الله المكلفين على أعمالهم كان مرجع الجميع إليه لا محالة ويؤيده قراءة من قرأ ( أنه يبدأ ) بالفتح أي لأنه ويجوز أن يكون منصوبا أو مرفوعا بما نصب { وعد الله } أو بما نصب { حقا }

5 - { هو الذي جعل الشمس ضياء } أي ذات ضياء وهو مصدر كقيام أو جمع ضوء كسياط وسوط والياء فيه منقلبة عن الواو وقرأ ابن كثير برواية قنبل هنا وفي ( الأنبياء ) وفي ( القصص ) ضئاء ) بهمزتين على القلب بتقديم اللام على العين ؟ ؟ { والقمر نورا } أي ذا نور أو سمي نورا للمبالغة وهو أعم من الضوء كما عرفت وقيل ما بالذات ضوء وما العرض نور وقد نبه سبحانه وتعالى بذلك على أنه خلق الشمس نيرة في ذاتها والقمر نيرا بعرض مقابلة الشمس والاكتساب منها { وقدره منازل } الضمير لكل واحد أي قدر مسير كل واحد منهما منازل أو قدره ذا منازل أو للقمر وتخصيصه بالذكر لسرعة سيره ومعانية منازله وإناطة أحكام الشرع به ولذلك علله بقوله { لتعلموا عدد السنين والحساب } حساب الأوقات من الأشهر والأيام في معاملاتكم وتصرفاتكم { ما خلق الله ذلك إلا بالحق } إلا ملتبسا بالحق مراعيا فيه مقتضى الحكمة البالغة { يفصل الآيات لقوم يعلمون } فإنهم المنتفعون بالتأمل فيها وقرأ ابن كثير والبصريان و حفص ( يفصل ) بالياء

6 - { إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض } من أنواع الكائنات { لآيات } على وجود الصانع ووحدته وكمال علنه وقدرته { لقوم يتقون } العواقب فإنه يحملهم على التفكر والتدبر

7 - { إن الذين لا يرجون لقاءنا } لا يتوقعونه لإنكارهم البعث وذهولهم بالمحسوسات عما وراءها { ورضوا بالحياة الدنيا } من الآخرة لغفلتهم عنها { واطمأنوا بها } وسكنوا إليها مقصرين همهم على لذ ائذها وزخارفها او سكنوا فيها سكون من لا يزعج عنها { والذين هم عن آياتنا غافلون } لا يتفكرون فيها لانهماكهم فيما يضادها والعطف إما لتغاير الوصفين والتنبيه على أن الوعيد على الجمع بين الذهول عن الآيات رأسا والانهماك في الشهوات بحيث لا تخطر ببالهم أصلا وإما لتغاير الفريقين والمراد بالأولين من أنكر البعث ولم ير إلا الحياة الدنيا وبالآخرين من ألهاه حب العاجل عن التأمل في الآجل والإعداد له

8 - { أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون } بما واظبوا عليه وتمرنوا به من المعاصي

9 - { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم } بسبب إيمانهم إلى سلوك سبيل يؤدي إلى الجنة أو لإدراك الحقائق كما قال عليه الصلاة و السلام [ من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم ] أو لما يريدونه في الجنة ومفهوم الترتيب وإن دل على أن سبب الهدية هو الإيمان العمل الصالح كالتتمة والريف { تجري من تحتهم الأنهار } استئناف أو خبر ثان أوحال من الضير المنصوب على المعنى الأخير وقوله : { في جنات النعيم } خبر أو حال أخرى منه أو من { الأنهار } أو متعلق ب { تجري } أو بيهدي

10 - { دعواهم فيها } أي دعاؤهم { سبحانك اللهم } اللهم إنا نسبحك تسبيحا { وتحيتهم } ما يحيي به بعضهم بعضا أو تحية الملائكة إياهم { فيها سلام وآخر دعواهم } وآخر دعائهم { أن الحمد لله رب العالمين } أي أن يقولوا ذلك ولعل المعنى أنهم إذا دخلوا الجنة وعاينوا عظمة الله وكبرياءه مجدوه ونعتوه بنعوت الجلال ثم حياهم الملائكة بالسلامة عن الآفات والفوز بأصناف الكرامات أو الله تعالى فحمدوه وأثنوا عليه بصفات الإكرام و { أن } هي المخففة من الثقلية وقد قرئ بها وبنصب { الحمد }

11 - { ولو يعجل الله للناس الشر } ولو يسرعه إليهم { استعجالهم بالخير } وضع موضع تعجيله لهم بالخير إشعارا بسرعة إجابته لهم في الخير حتى كأن استعجالهم به تعجيل لهم أو بأن المراد شر استعجلوه كقولهم { فأمطر علينا حجارة من السماء } وتقدير الكلام ولو يعجل الله للناس الشر تعجليه للخير حين استعجلوه استعجالا كاستعجالهم بالخير فحذف منه ما حذق لدلالة الباقي عليه { لقضي إليهم أجلهم } لأميتوا وأهلكوا وقرأ ابن عامر و يعقوب ( لقضى ) على البناء للفاعل وهو الله تعالى وقرئ ( لقضينا ) { فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون } عطف على فعل محذوف دلت عليه الشرطية كأن قيل ولكن لا نعجل ولا نقضي فنذرهم إمهالا لهم واستدراجا

12 - { وإذا مس الإنسان الضر دعانا } لإزالته مخلصا فيه { لجنبه } ملقى لجنبه أي مضطجعا { أو قاعدا أو قائما } وفائدة الترديد تعميم الدعاء لجميع الأحوال أو لأصناف المضار { فلما كشفنا عنه ضره مر } يعني مضى على طريقته واستمر على كفره أو مر عن موفق الدعاء لا يرجع إليه { كأن لم يدعنا } كأنه لم يدعنا فخفف وحذف ضمير الشأن كما قال :
( ونحر مشرق اللون ... كأن ثدياه حقان )
{ إلى ضر مسه } إلى كشف ضر { كذلك } مثل ذلك التزيين { زين للمسرفين ما كانوا يعملون } من الانهماك في الشهوات والإعراض عن العبادات

13 - { ولقد أهلكنا القرون من قبلكم } يا أهل مكة { لما ظلموا } حين ظلموا بالتكذيب استعمال القوى والجوارح لا على ما ينبغي { وجاءتهم رسلهم بالبينات } بالحجج الدالة على صدقهم وهو حال من الواو بإضمار قد أو عطف على ظلموا { وما كانوا ليؤمنوا } وما استقام لهم أن يؤمنوا الفساد استعدادهم وخذلان الله لهم وعلمه بأنهم يموتون على كفرهم وللام لتأكيد النفي { كذلك } مثل ذلك الجزاء وهو إهلاكهم بسب تكذيبهم للرسل وإصرارهم عليه بحيث تحقق أنه لا فائدة في إمهالهم { نجزي القوم المجرمين } جزي كل مجرم أو نجزيكم فوضع المظهر موضع الضمير للدلالة على كمال جرمهم وأنهم أعلام فيه

14 - { ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم } استخلفناكم فيها بعد القرون التي أهلكناها استخلاف من يختبر { لننظر كيف تعملون } أتعملون خيرا أو شرا فنعاملكم على مقتضى أعمالكم وكيف معمول تعملون فإن معنى الاستفهام بحجب أن يعمل فيه ما قبله وفائدته الدلالة على أن المعتبر في الجزاء جهات الأفعال وكيفياتها لا هي من حيث ذاتها ولذلك يحسن الفعل تارة ويقبح أخرى

15 - { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا } يعني المشركين { ائت بقرآن غير هذا } بكتاب آخر نقرؤه ليس فيه ما نستبعده من البعث والثواب والعقاب بعد الموت أو ما نكرهه من معايب آلهتنا { أو بدله } بأن تجعل مكان الآية المشتملة على ذلك آية أخرى ولعلهم سألوا ذلك كي يسعفهم إليه فيلزموه { قال سبحانك ما يكون لي } ما يصح لي { أن أبدله من تلقاء نفسي } من قبل نفسي وهو مصدر استعمل ظرفا و إنما اكتفى بالجواب عن التبديل لاستلزام امتناعه الإتيان بقرآن آخر { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } تعليل لما يكون فإن المتبع لغيره في أمر لا يستبد بالتصرف فيه بوجه وجواب للنقص بنسخ بعض الآيات ببعض ورد لما عرضوا له بهذا السؤال من أن القرآن كلامه واختراعه ولذلك قيد التبديل في الجواب وسماه عصيانا فقال : { إني أخاف إن عصيت ربي } أي بالتبديل { عذاب يوم عظيم } وفيه إيماء بأنهم واستوجبوا العذاب بهذا الاقتراح

16 - { قل لو شاء الله } غير ذلك { ما تلوته عليكم ولا أدراكم به } ولا أعلمكم به على لساني وعن ابن كثير ( ولأدراكم ) بلام التأكيد أي لو شاء الله ما تلوته عليكم ولأعلمكم به على لساني غيري والمعنى أنه الحق الذي لا محيص عنه لو لم أرسل به لأرسل به غيري وقرئ ( ولا أدرأكم ) ( ولا أدرأتكم ) بالهمز فيهما على لغة من يقلب الألف المبدلة من الياء همزة أو على أنه من الدرء بمعنى الدفع أي ولا جعلتكم بتلاوته خصماء تدرؤنني بالجدال والمعنى أن الأمر بمشيئة الله تعالى لا بمشيئتي حتى اجعله على نحو ما تشتهونه ثم قرر ذلك بقوله : { فقد لبثت فيكم عمرا } مقدارا عمر أربعين سنة { من قبله } من قبل القرآن لا أتلوه ولا أعلمه فإنه إشارة إلى أن القرآن معجز خارق للعادة فإن من عاش بين أظهرهم أربعين سنة لم يمارس فيها علما ولم يشاهد عالما ولم ينشئ قريضا ولا خطبة ثم قرأ عليهم كتابا بزت فصاحته فصاحة كل منطبق وعلا من كل منثور ومنظوم واحتوى على قواعد علمي الأصول والفروع وأعرب عن أقاصيص الأولين وأحاديث الآخرين على ما هين عليه علم أنه معلوم به من الله تعالى ز { أفلا تعقلون } أين أفلا تستعملون عقولكم بالتدبر والتفكر فيه لتعلموا أنه ليس إلا من الله

17 - { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } تقاد مما أضافوه إليه كناية أو تظليم للمشركين بافترائهم على الله تعالى في قولهم إنه لذو شريك وذو ولد { أو كذب بآياته } فكفر بها { إنه لا يفلح المجرمون }

18 - { ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم } فإنه جماد لا يقدر على نفع ولا ضر والمعبود ينبغي أن يكون مثيبا ومعاقبا حتى تعود عبادته بجلب نفع أو دفع ضر { ويقولون هؤلاء } الأوثان { شفعاؤنا عند الله } تشفع لنا فيما يهمنا من أمور الدنيا أو في الآخرة إن يكن بعث وكأنهم كانوا شاكين فيه وهذا من فرط جهالتهم حيث تركوا عبادة الموجد الضار النافع إلى عبادة ما يعلم قطعا أنه لا يضر ولا ينفع على توهم أنه بما يشفع لهم عنده { قل أتنبئون الله } أتخبرونه { بما لا يعلم } وهو أن له شريكا أو هؤلاء شفعاء عنده وما لا يعلمه العالم بجميع المعلومات لا يكون له تحقق ما وفيه تقريع وتهكم بهم { في السموات ولا في الأرض } حال من العائد المحذوف مؤكدة للنفي منبهة على أن ما يعبدون من دون الله إما سماوي وإما أرضي ولا شيء من الموجودات فيهما إلا وهو حادث مقهور مثلهم لا يليق أن يشرك به { سبحانه وتعالى عما يشركون } عن إشراكهم أو عن الشركاء الذين يشركونهم به وقرأ حمزة و الكسائي هنا وفي الموضعين نفي أول ( النحل ) و ( الروم ) بالتاء

19 - { وما كان الناس إلا أمة واحدة } موحدين على الفطرة أو متفقين على الحق ولذلك في عهد آدم عليه السلام إلى أن قتل قابيل هابيل أو بعد الطوفان أو على الضلال في فترة من الرسل { فاختلفوا } باتباع الهوى والأباطيل أو ببعثه الرسل عليهم الصلاة والسلام فتبعتهم طائفة وأصرت أخرى { ولولا كلمة سبقت من ربك } بتأخير الحكم بينهم أو العذاب الفاصل بينهم إلى يوم القيامة فإنه يوم الفصل والجزاء { لقضي بينهم } عاجلا { فيما فيه يختلفون } بإهلاك المبطل وإبقاء المحق

20 - { ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه } أي من الآيات التي اقترحوها { فقل إنما الغيب لله } هو المختص بعمله فلعله يعلم في إنزال الآيات المقترحة من مفاسد بصرف عن إنزالها { فانتظروا } لنزول ما اقترحتموه { إني معكم من المنتظرين } لما يفعل الله بكم بجحودكم ما نزل علي من الآيات العظام واقتراحكم غيره

21 - { وإذا أذقنا الناس رحمة } صحة وسعة { من بعد ضراء مستهم } كقحط ومرض { إذا لهم مكر في آياتنا } بالطعن فيها والاحتيال في دفعها قيل قحط أهل مكة سبع سنين حتى كادوا يهلكون ثم رحمهم الله بالحيا فطفقوا يقدحون في آيات الله ويكيدون رسوله { قل الله أسرع مكرا } منكم قد دبر عقابكم قبل أن تدبروا كيدهم وإنما دل على سرعتهم المفضل عليها كلمة المفاجأة الواقعة جوابا لإذا الشرطية والمكر إخفاء الكيد وهو من الله تعالى أما الاستدراج أو الجزاء على المكر { إن رسلنا يكتبون ما تمكرون } تحقيق للانتقام وتنبيه على أن ما دبروا في إخفائه لم يخف على الحفظة فضلا أن يخفى على الله تعالى و عن يعقوب يمكرون بالياء ليوافق ما قبله

22 - { هو الذي يسيركم } بحملكم على السير ويمكنكم منه وقرأ ابن عامر ( ينشركم ) بالنون والشين من النشر { في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك } في السفن { وجرين بهم } بمن فيها عدل عن الخطاب إلى الغيبة للمبالغة كأنه تذكرة لغيرهم ليتعجب من حالهم وينكر عليهم { بريح طيبة } لينة الهبوب { وفرحوا بها } بتلك الريح { جاءتها } جواب إذا والضمير للفلك أو للريح الطيبة بمعنى تلقتها { ريح عاصف } ذات عصف شديدة الهبوب { وجاءهم الموج من كل مكان } يجيء الموج منه { وظنوا أنهم أحيط بهم } أهلكوا وسدت عليهم مسالك الخلاص كمن أحاط به العدو { دعوا الله مخلصين له الدين } من غير إشراك لتراجع الفطرة وزوال المعارض من شدة الخوف وهو بدل من { ظنوا } بدل اشتمال لن دعاءهم من لوازم ظنهم { لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين } على إرادة القول أو مفعول { دعوا } لأنه من جملة القول

23 - { فلما أنجاهم } إجابة لدعائهم { إذا هم يبغون في الأرض } فاجئوا الفساد فيها وسارعوا إلى ما كانوا عليه { بغير الحق } مبطلين فيه وهو احتراز عن تخريب المسلمين ديار الكفرة وإحراق زروعهم وقلع أشجارهم فإنها إفساد بحق { يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم } فإن وباله عليكم أو أنه على أمثالكم وأبناء جنسكم { متاع الحياة الدنيا } منفعة الحياة الدنيا لا تبقى ويبقى عقابها ورفعه على أنه خبر { بغيكم } و { على أنفسكم } صلته أو خبر مبتدأ محذوف تقديره ذلك متاع الحياة الدنيا و { على أنفسكم } خبر { بغيكم } ونصبه حفص على أنه مصدر مؤكد أي تتمتعون متاع الحياة الدنيا أو مفعول البغي لأنه بمعنى الطلب فيكون الجار من صلته والخبر محذوف تقدير بغيكم متاع الحياة الدنيا محذور أو ضلال وأو مفعول فعل دل عليه البغي وعلى أنفسكم خبره { ثم إلينا مرجعكم } في القيامة { فننبئكم بما كنتم تعملون } بالجزاء عليه

24 - { إنما مثل الحياة الدنيا } حالها العجيبة في سرعة تقضيها وذهاب نعيمها بعد إقبالها واغترار الناس بها { كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض } فاشتبك بسببه حتى خالط بعضه بعضا { مما يأكل الناس والأنعام } من الزروع والبقول والحشيش { حتى إذا أخذت الأرض زخرفها } حسنها وبهجتها { وازينت } تزينت بأصناف النبات وأشكالها وألوانها المختلفة كعروس أخذت من ألوان الثياب والزين فتزينت بها { وازينت } أصله تزينت فأدغم وقد قرأ على الأصل { وازينت } على أفعلت من غير إعلال كاغيلت والمعنى صارت ذات زينة ( وازيانت ) كابياضت { وظن أهلها أنهم قادرون عليها } متمكنون من حصدها ورفع غلتها { أتاها أمرنا } ضرب زرعها ما يحتاجه { ليلا أو نهارا فجعلناها } فجعلنا زرعها { حصيدا } شبيها بما حصد من أصله { كأن لم تغن } كأن لم يغن زرعها أي لم يلبث والمضاف محذوف في الموضعين للمبالغة وقرء بالياء على الأصل { بالأمس } فيما قبيله وهو مثل في الوقت القريب والممثل به مضمون الحكاية وهو زوال خضرة النبات فجأة وذهابه حطاما بعدما كان غضا والتف وزين الأرض حتى طمع فيه أهله وظنوا أنه قد سلم من الجوائح لا الماء وإن وليه حرف التشبيه لأنه من التشبيه المركب { كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون } فإنهم المنتفعون به

25 - { والله يدعو إلى دار السلام } دار السلام من التقضي والآفة أو دار الله وتخصيص هذا الاسم أيضا للتنبيه على ذلك أو دار يسلم الله والملائكة فيها على من يدخلها والمراد الجنة { ويهدي من يشاء } بالتوفيق { إلى صراط مستقيم } هو طريقها وذلك الإسلام و التدرع بلباس التقوى وفي تعميم الدعوة وتخصيص الهداية بالمشيئة دليل على أن الأمر غير الإرادة وأن المصر على الضلالة لم يرد الله رشده

26 - { للذين أحسنوا الحسنى } المثوبة الحسنى { وزيادة } وما يزيد على المثوبة تفضلا لقوله : { ويزيدهم من فضله } وقيل الحسنى مثل حسناتهم والزيادة عشر أمثالها إلى سبعمائة تضعف وأكثر وقيل الزيادة مغفرة من الله ورضوان وقيل الحسنى الجنة والزيادة هي اللقاء { ولا يرهق وجوههم } لا يغشاها { قتر } غبرة فيها سواد { ولا ذلة } هوان والمعنى لا يرهقهم ما يرهق أهل النار أو لا يرهقهم ما يوجب ذلك من حزن وسوء حال { أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } دائمون لا زوال فيها ولا انقرض لنعيمها بخلاف الدنيا وزخارفها

27 - { والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها } عطف على قوله { للذين أحسنوا الحسنى } على مذهب من يجوز : في الدار زيد والحجرة عمرو أو { للذين } مبتدأ والخير { جزاء سيئة بمثلها } على تقدير : وجزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها أي أن تجازى سيئة بسيئة مثلها لا يزاد عليها وفيه تنبيه على أن الزيادة هي الفضل أو التضعيف أو { كأنما أغشيت وجوههم } أو أولئك أصحاب النار وما بينهما اعتراض ف { جزاء سيئة } مبتدأ وخبره محذوف أي فجزاء سيئة بمثلها واقع أو بمثلها على زيادة الباء أو تقدير مقدر بمثلها { وترهقهم ذلة } وقرء بالياء { ما لهم من الله من عاصم } ما من أحد يعصمهم من سخط الله أومن جهة الله ومن عنده كما يكون للمؤمنين { كأنما أغشيت } غطيت { وجوههم قطعا من الليل مظلما } لفرط سوادها وظلمتها ومظلما حال من الليل والعامل فيه { أغشيت } لأنه العامل في { قطعا } وهو موصوف بالجار والمجرور والعامل في الموصوف عامل في الصفة أو معنى الفعل في { من الليل } وقرأ ابن كثير و الكسائي و يعقوب ( قطعا ) بالسكون فعلى هذا يصح أن يكون { مظلما } صفة له أوحالا منه { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } مما يحتج به الوعيدية والجواب أن الآية في الكفار لاشتمال السيئات على الكفر والشرك ولأن الذين أحسنوا يتناول أصحاب الكبيرة من أهل القبلة فلا يتناولهم قسيمه

28 - { ويوم نحشرهم جميعا } يعني الفريقين جميعا { ثم نقول للذين أشركوا مكانكم } الزموا مكانكم حتى تنظروا ما بفعل بكم { أنتم } تأكيد للضمير المنتقل إليه من عامله { وشركاؤكم } عطف عليه وقرئ بالنصب على المفعول معه { فزيلنا بينهم } ففرقنا بينهم وقطعنا الوصل التي كانت بينهم { وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون } مجاز عن براءة ما عبدوه من عبادتهم فإنهم إنما بدوا في الحقيقة أهواءهم لأنها الآمرة بالإشراك لا ما أشركوا به وقيل ينطق الله الأصنام فتشافههم بذلك مكان الشفاعة التي يتوقعون منها وقيل المراد بالشركاء الملائكة والمسيح وقيل الشياطين

29 - { فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم } فإنه العالم بكنه الحال { إن كنا عن عبادتكم لغافلين } { إن } هي المخففة من الثقيلة وللام هي الفارقة

30 - { هنالك } في ذلك المقام { تبلو كل نفس ما أسلفت } تختبر ما قدمت من عمل فتعاين نفعه وضره وقرأ حمزة و الكسائي تتلو من التلاوة أي تقرأ ذكر ما قدمت أو من التلو أيتتبع عملها فيقودها إلى الجنة أو إلى النار وقرئ ( نبلو ) بالنون ونصب { كل } وإبدال { ما } منه والمعنى نختبرها أي نفعل بها فعل المختبر لحالها المتعرف لسعادتها وشقاوتها بتعرف ما أسلفت من أعمالها ويجوز أن يراد به نصيب بالبلاء أي بالعذاب كل نفس عاصية بسبب ما أسلفت من الشر فتكون { ما } منصوبة بنزع الخافض { وردوا إلى الله } إلى جزائه إياهم بما أسلفوا { مولاهم الحق } ربهم ومتولي أمرهم على الحقيقة لا ما اتخذوه مولى وقرئ { الحق } بالنصب على المدح أو المصدر المؤكد { وضل عنهم } وضاع عنهم { ما كانوا يفترون } من أن آلهتهم تشفع لهم أو ما كانوا يدعون أنها آلهة

31 - { قل من يرزقكم من السماء والأرض } أي منهما جميعا فإن الأرزاق تحصل بأسباب سماوية ومواد أرضية أو { من } كل واحد منهما توسعة عليكم وقيل من لبيان من على حذف المضاف أي من أهل السماء والأرض { أمن يملك السمع والأبصار } أم من يستطيع خلقهما وتسويتهما أومن يحفظهما من الآفات مع كثرتها وسرعة انفعالهما من أدنى شيء { ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي } ومن يحيي ويميت أو من ينشئ الحيوان من النطفة منه { ومن يدبر الأمر } ومن يلي تدبير أمر العالم وهو تعميم بعد تخصيص { فسيقولون الله } إذ لا يقدرون على المكابرة والعناد في ذلك لفرط وضوحه { فقل أفلا تتقون } أنفسكم عقابه بإشراككم إياه ما لا يشاركه في شيء من ذلك

32 - { فذلكم الله ربكم الحق } أي المتولي لهذه الأمور المستحق للعبادة هو ربكم الثابت ربوبيته لأنه الذي أنشأكم وأحياكم ورزقكم ودبر أموركم { فماذا بعد الحق إلا الضلال } استفهام إنكار أي ليس بعد الحق إلا الضلال فمن تخطى الحق الذي هو عبادة الله تعالى وقع في الضلال { فأنى تصرفون } عن الحق إلى الضلال

33 - { كذلك حقت كلمة ربك } أي كما حقت الربوبية لله أو أن الحق بعده الضلال أو أنهم مصروفون عن الحق كذلك حقت كلمة الله وحكمه وقرأ نافع و ابن عامر كلمات هنا وفي آخر السورة وفي غافر { على الذين فسقوا } تمردوا في كفرهم وخرجوا عن حد الاستصلاح { أنهم لا يؤمنون } بدل من الكلمة أو تعليل لحقيتها والمراد بها العدة بالعذاب

34 - { قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده } جعل الإعادة كالإبداء في الإلزام بها لظهور برهانها وإن لم يساعدوا عليها ولذلك أمر الرسول صلى الله عليه و سلم أن ينوب عنهم في الجواب فقال { قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده } لأن لجاجهم لا يدعهم أن يعترفوا بها { فأنى تؤفكون } تصرفون عن قصد السبيل

35 - { قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق } بنصب الحجج وإرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام والتوفيق للنظر والتدبر وهدى كما يعدى بإلى لتضمنه معنى الانتهاء يعدى باللام للدلالة على أن المنتهى غاية الهداية وأنها لم تتوجه نحوه على سبيل الاتفاق ولذلك عدي بها ما أسند إلى الله تعالى { قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى } أم الذي لا يهتدي إلا أن يهدى من قولهم : هدي بنفسه إذا اهتدى أو لا يهدي غيره إلا أن يهديه الله وهذا حال أشراف شركائهم كالملائكة والمسيح وعز ير وقرا ابن كثير و ورش عن نافع و ابن عامر ( يهدي ) بفتح الهاء تشديد الدال ويعقوب و حفص بالكسر والتشديد والأصل يهتدي فأدغم وفتحت الهاء بحركة التاء أو كسرت لالتقاء الساكنين وروى أبو بكر ( يهدي ) باتباع الياء الهاء وقرأ أبو عمرو بالإدغام المجرد ولم يبال بالتقاء الساكنين لأن المدغم في حكم المتحرك وعن نافع برواية قالون مثله وقرئ { إلا أن يهدى } للمبالغة { فما لكم كيف تحكمون } بما يقتضي صريح العقل بطلانه

36 - { وما يتبع أكثرهم } فيما يعتقدونه { إلا ظنا } مستندا إلى خيالات فارغة وأقيسة فاسدة كقياس الغائب على الشاهد والخالق على المخلوق بأدنى مشاركة موهومة والمراد بالأكثر الجميع أو من ينتمي منهم إلى تمييز ونظر ولا يرضى بالتقليد الصرف { إن الظن لا يغني من الحق } من العلم والاعتقاد الحق { شيئا } من الإغناء ويجوز أن يكون مفعولا به و { من الحق } حالا منه وفيه دليل على أن تحصيل العلم في الأصول واجب والاكتفاء بالتقليد والظن غير جائز { إن الله عليم بما يفعلون } وعيد على اتباعهم للظن وإعراضهم عن البرهان

37 - { وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله } افتراء من الخلق { ولكن تصديق الذي بين يديه } مطابقا لما تقدمه من الكتب الإلهية المشهود على صدقها ولا يكون كذبا كيف وهو لكونه معجزا دونها عيار عليها شاهد على صحتها ونصبه بأنه خبر لكان مقدرا أو علة لفعل محذوف تقديره : ولكن أنزله الله تصديق الذي وقرئ بالرفع على تقدير ولكن هو تصديق { وتفصيل الكتاب } وتفصيل ما حقق وأثبت من العقائد والشرائع { لا ريب فيه } منتفيا عنه الريب وهو خبر ثالث داخل في حكم الاستدراك ويجوز أن يكون حالا من الكتاب فإنه مفعول في المعنى وأن يكون استئنافا { من رب العالمين } خبر آخر تقديره كائنا من رب العالمين أو متعلق بتصديق أو تفصيل و { لا ريب فيه } اعتراض أو بالفعل المعلل وبهما ويجوز أن يكون حالا من الكتاب أومن الضمير في { فيه } ومساق الآية بعد المنع عن اتباع الظن لبيان ما يجب اتباعه والبرهان عليه

38 - { أم يقولون } بل أيقولون { افتراه } محمد صلى الله عليه و سلم ومعنى الهمزة فيه للإنكار { قل فاتوا بسورة مثله } في البلاغة وحسن النظم وقوة المعنى على وجه الافتراء فإنكم مثلي في العربية والفصاحة وأشد تمرنا في النظم والعبارة { وادعوا من استطعتم } ومع ذلك فاستعينوا بمن أمكنكم أن تستعينوا به { من دون الله } سوى الله تعالى فإنه وحده قادر على ذلك { إن كنتم صادقين } أنه اختلقه

39 - { بل كذبوا } بل سارعوا إلى التكذيب { بما لم يحيطوا بعلمه } بالقرآن أول ما سمعوه قبل أن يتدبروا آياته ويحيطوا بالعلم بشأنه أو بما جهلوه ولم يحيطوا به علما من ذكر البعث والجزاء وسائر ما يخلف دينهم { ولما يأتهم تأويله } ولم يقفوا بعد على تأويله ولم تبلغ أذهانهم معانيه أو ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب حتى يتبين لهم أنه صدق أم كذب والمعنى أن القرآن معجز من جهة اللفظ والمعنى ثم إنهم فاجئوا تكذيبه قبل أن يتدبروا نظمه ويتفحصوا معناه ومعنى التوقع في لما أنه قد ظهر لهم بالآخرة إعجازه لما كرر عليهم التحدي فزادوا قواهم في معارضته فتضاءلت دونها أو لما شاهدوا وقوع ما أخبر به طبقا لإخباره مرارا فلم يقلعوا عن التكذيب تمردا وعنادا { كذلك كذب الذين من قبلهم } أنبياءهم { فانظر كيف كان عاقبة الظالمين } فيه وعيد لهم بمثل ما عوقب به من قبلهم

40 - { ومنهم } ومن المكذبين { من يؤمن به } من يصدق به في نفسه ويعلم أنه حق ولكن يعاند أو من سيؤمن به ويتوب عن الكفر { ومنهم من لا يؤمن به } في نفسه لفرط غباوته وقلة تدبره أو فيما يستقبل بل يموت على الكفر { وربك أعلم بالمفسدين } بالمعاندين أو المصرين

41 - { وإن كذبوك } وإن أصروا على تكذيبك بعد إلزام الحجة { فقل لي عملي ولكم عملكم } فتبرأ منهم فقد أعذرت والمعنى لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم حقا كان أو باطلا { أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون } لا تؤاخذون بعملي ولا أؤاخذ بعملكم ولما فيه من إيهام الإعراض عنهم وتخلية سبيلهم قيل إنه منسوخ بآية السيف

42 - { ومنهم من يستمعون إليك } إذا قرأت القرآن وعلمت الشرائع ولكن لا يقبلون كالأصم الذي لا يسمع أصلا { أفأنت تسمع الصم } تقدر على إسماعهم { ولو كانوا لا يعقلون } ولو انضم إلى صممهم عدم تعقلهم وفيه تنبيه على أن حقيقة استماع الكلام فهم المعنى المقصود منه ولذلك لا توصف به البهائم وهو لا يتأتى إلا باستعمال العقل السليم في تدبره وعقولهم لما كانت مؤفة بمعارضة الوهم ومشايعة الإلف ولتقليد تعذر إفهامهم الحكم والمعاني الدقيقة فلم ينتفعوا بسرد الألفاظ عليهم غير ما ينتفع به البهائم من كلام الناعق

43 - { ومنهم من ينظر إليك } يعاينون دلائل نبوتك ولكن لا يصدقونك { أفأنت تهدي العمي } تقدر على هدايتهم { ولو كانوا لا يبصرون } وإن انضم إلى عدم البصر عدم البصيرة فإن المقصود من الأبصار هو الاعتبار والاستبصار والعمدة في ذلك البصيرة ولذلك يحدس الأعمى المستبصر ويتفطن لما لا يدركه البصير الأحمق والآية كالتعليل للآمر بالتبري والإعراض عنهم

44 - { إن الله لا يظلم الناس شيئا } بسلب حواسهم وعقولهم { ولكن الناس أنفسهم يظلمون } بإفسادها وتفويت منافعها عليهم وفيه دليل على أن للعبد كسبا وأنه ليس بمسلوب الاختيار بالكلية كما زعمت المجبرة ويجوز أن يكون وعيدا لهم بمعنى ا ما يحيق بهم يوم القيامة من العذاب عدل من الله لا يظلمهم به ولكنهم ظلموا أنفسهم باقتراف أسبابه وقرأ أبو عمرو و الكسائي بالتخفيف ورفع { الناس }

45 - { ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار } يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا أو في القبور لهول ما يرون والجملة التشبيهية في موضع الحال أي يحشرهم مشبهين بمن لم يلبث إلا ساعة أو صفة ليوم والعائد محذوف تقديره : كأن لم يلبثوا قبله أو المصدر محذوف أي : حشرا كأن لم يلبثوا قبل { يتعارفون بينهم } يعرف بعضهم بعضا كأنهم لم يتفارقوا إلا قليلا وهذا أول ما نشروا ثم ينقطع التعارف لشدة الأمر عليهم وهي حال أخرى مقدرة أو بيان لقوله : { كأن لم يلبثوا } أو متعلق الظرف والتقدير يتعارفون يوم يحشرهم { قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله } استئناف للشهادة على خسرانهم والتعجب منه ويجوز أن يكون حالا من الضمير في يتعارفون على إرادة القول { وما كانوا مهتدين } لطرق استعمال ما منحوا من المعاون في تحصيل المعارف فاستكسبوا بها جهالات أدت بهم إلى الردى والعذاب الدائم

46 - { وإما نرينك } نبصرنك { بعض الذي نعدهم } من العذاب في حياتك كما أراه يوم بدر { أو نتوفينك } قبل أن نريك { فإلينا مرجعهم } فنريكه في الآخرة وهو جواب { نتوفينك } وجواب { نرينك } محذوف مثل فذاك { ثم الله شهيد على ما يفعلون } مجاز عليه ذكر الشهادة وأراد نتيجتها ومقتضاها ولذلك رتبها على الرجوع ب { ثم } أو مؤد شهادته على أفعالهم يوم القيامة

47 - { ولكل أمة } من الأمم الماضية { رسول } يبعث إليهم ليدعوهم على الحق { فإذا جاء رسولهم } بالبينات فكذبوه { قضي بينهم } بين الرسول ومكذبيه { بالقسط } بالعدل فأنحى الرسول وأهلك المكذبون { وهم لا يظلمون } وقيل معناه لكل أمة يوم القيامة رسول تنسب إليه فإذا جاء رسولهم الموقف ليشهد عليهم بالكفر والإيمان قضى بينهم بإنجاء المؤمنين وعقاب الكفار لقوله : { وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم }

48 - { ويقولون متى هذا الوعد } استبعادا له واستهزاء به { إن كنتم صادقين } خطاب منهم للنبي صلى الله عليه و سلم والمؤمنين

49 - { قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا } فكيف أملك لكم فأستعجل في جلب العذاب إليكم { إلا ما شاء الله } أن أملكه أو ولكن ما شاء الله من ذلك كائن { لكل أمة أجل } مضروب لهلاكهم { إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } لا يتأخرون ولا يتقدمون فلا تستعجلون فسيحين وقتكم وينجز وعدكم

50 - { قل أرأيتم إن أتاكم عذابه } الذي تستعجلون به { بياتا } وقت بيات واشتغال بالنوم { أو نهارا } حين كنتم مشتغلين بطلب معاشكم { ماذا يستعجل منه المجرمون } أي شيء من العذاب يستعجلونه وكله مكروه لا يلائم الاستعجال وهو متعلق ب { أرأيتم } لأنه بمعنى أخبروني والمجرمون وضع موضع الضمير للدلالة على أنهم لحرمهم ينبغي أن يفزعوا من مجيء العذاب لا أن يستعجلوه وجواب الشرط محذوف وهو تندموا على الاستعجال أو تعرفوا خطأه ويجوز أن يكون الجواب ماذا كقولك إن أتيتك ماذا تعطيني وتكون الجملة متعلقة ب { أرأيتم } أو بقوله :

51 - { أثم إذا ما وقع آمنتم به } بمعنى إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان وماذا يستعجل اعتراض ودخول حرف الاستفهام على ( ثم ) لإنكار التأخير { الآن } على إرادة القوم أي قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب آلآن آمنتم به وعن نافع { آلآن } بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام { وقد كنتم به تستعجلون } تكذيبا واستهزاء

52 - { ثم قيل للذين ظلموا } عطف على قيل المقدر { ذوقوا عذاب الخلد } المؤلم على الدوام { هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون } من الكفر والمعاصي

53 - { ويستنبئونك } و يستخبرونك { أحق هو } أحق ما تقول من الوعد أو ادعاء النبوة تقوله بجد أم باطل تهزل به قاله حيي بن أخطب لما قدم مكة والأظهر أن الاستفهام فيه على أصله لقوله : { ويستنبئونك } وقيل إنه للإنكار ويؤيده أن قرئ ( آلحق هو ) فإن فيه تعريضا بأنه باطل وأحق مبتدأ والضمير مرتفع به ساد مسد الخبر أو خبر معدم والجملة في موضع النصب { يستنبئونك } { قل إي وربي إنه لحق } إن العذاب لكائن أو ما ادعيته لثابت وقيل كلا الضميرين للقرآن و إي بمعنى نعم وهو من لوازم القسم ولذلك يوصل بواوه في التصديق فيقال إي والله يقال إي وحده { وما أنتم بمعجزين } بفائتين العذاب

54 - { ولو أن لكل نفس ظلمت } بالشرك أو التعدي على الغير { ما في الأرض } من خزائنها وأمولها { لافتدت به } لجعلته فدية لها من العذاب من قولهم افتداه بمعنى فداه { وأسروا الندامة لما رأوا العذاب } لأنهم بهتوا بما عاينوا مما لم يحتسبوه من فظاعة الأمر وهوله فلم يقدروا أن ينطقوا وقيل { أسروا الندامة } أخلصوها لأن إخفاءها إخلاصها أو لأنه يقال سر الشيء لخاصته من حيث إنها تخفى ويضن بها وقيل أظهروها من قولهم أسرر الشيء وأسره إذا أظهره { وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } ليس تكريرا لأن الأول قضاء بين الأنبياء ومكذبيهم والثاني مجازاة المشركين على الشرك أو الحكومة بين الظالمين والمظلومين والضمير إنما يتناولهم لدلالة الظلم عليهم

55 - { ألا إن لله ما في السموات والأرض } تقرير لقدرته تعالى على الإثابة والعقاب { ألا إن وعد الله حق } ما وعده من الثواب والعقاب كائن لا خلف فيه { ولكن أكثرهم لا يعلمون } لأنهم لا يعلمون لقصور عقولهم إلا ظاهرا من الحياة الدنيا

56 - { هو يحيي ويميت } في الدنيا فهو يقدر عليهما في العقبى لأن القادر لذاته لا تزول قدرته والمادة القابلة بالذات للحياة والموت لهما أبدأ { وإليه ترجعون } بالموت أو النشور

57 - { يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين } أي قد جاءكم كتاب جامع للحكمة العملية الكاشفة عن محاسن الأعمال و مقابحها المرغبة في المحاسن والزاجرة عن المقابح والحكمة النظرية التي هي شفاء لما في الصدور من الشكوك وسوء الاعتقاد وهدى إلى الحق واليقين ورحمة للمؤمنين حيث أنزلت عليهم فنجوا بها من ظلمات الضلال إلى نور الإيمان وتبدلت مقاعدهم من طبقات النيران بمصاعد من درجات الجنان والتنكير فيها للتعظيم

58 - { قل بفضل الله وبرحمته } بإنزال القرآن والباء متعلقة بفعل يفسره قوله : { فبذلك فليفرحوا } فإن اسم الإشارة بمنزلة الضمير تقديره بفضل الله وبرحمته فليعتنوا أو فليفرحوا فبذلك فليفرحوا وفائدة ذلك التكرير التأكيد والبيان بعد الإجمال وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح أو بفعل دل عليه { قد جاءتكم } وذلك إشارة إلى مصدره أي فبمجيئها فليفرحوا والفاء بمعنى الشرط كأنه قيل : إن فرحوا بشيء فيهما فليفرحوا أو للربط بما قبلها والدلالة على أن مجيء الكتاب الجامع بين هذه الصفات موجب للفرح وتكريرها للتأكيد كقوله :
( وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي )
وعن يعقوب ( فلتفرحوا ) بالتاء على الأصل المرفوض وقد روي مرفوعا ويؤيده أنه قرء ( فافرحوا ) { هو خير مما يجمعون } من حطام الدنيا فإنها إلى الزوال قريب وهو ضمير ذلك وقرأ ابن عامر تجمعون بالتاء على معنى فيذلك فليفرح المؤمنون فهو خير مما تجمعونه أيها المخاطبون

59 - { قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق } جعل الرزق منزلا لأنه مقدر في السماء محصل بأسباب منها وما في موضع النصب ب { أنزل } أو ب { أرأيتم } فإنه بمعنى أخبروني ولكم دل على أن المراد منه ما حل ولذلك وبخ على التبعيض فقال : { فجعلتم منه حراما وحلالا } مثل : { هذه أنعام وحرث حجر } [ وعند قوله تعالى ] { ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا } { قل آلله أذن لكم } في التحريم والتحليل فتقولون ذلك بحكمه { أم على الله تفترون } في بنسبة ذلك إليه ويجوز أن تكون المفصلة متصلة ب { أرأيتم } وقل مكرر للتأكيد وأن يكون الاستفهام للإنكار و { أم } منقطعة ومعنى الهمزة فيها تقرير لافترائهم على الله

60 - { وما ظن الذين يفترون على الله الكذب } أي شيء ظنهم { يوم القيامة } أيحسبون أن لا يجازوا عليه وهو منصوب بالظن ويدل عليه أنه قرئ بلفظ الماضي لأنه كائن وفي إبهام الوعيد تهديد عظيم { إن الله لذو فضل على الناس } حيث أنعم عليهم بالعقل وهداهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب { ولكن أكثرهم لا يشكرون } هذه النعمة

61 - { وما تكون في شأن } ولا تكون في أمر وأصله الهمز من شأنت شأنه إذ قصدت قصده والضمير في { وما تتلوا منه } له لأن تلاوة القرآن معظم شأن الرسول أو لأن القراءة تكون لشأن فيكون التقدير من أجله ومفعول تتلو { من قرآن } على أن { من } تبعيضية أو مزيدة لتأكيد النفي أو لل { قرآن } وإضماره قبل الذكر ثم بيانه تفخيم له أو لله { ولا تعملون من عمل } تعميم للخطاب بعد تخصيصه بمن هو رأسهم ولذلك ذكر حيث خص ما فيه فخامة وذكر حيث عم ما يتناول الجليل والحقير { إلا كنا عليكم شهودا } رقباء مطلعين عليه { إذ تفيضون فيه } تخوضون فيه وتندفعون { وما يعزب عن ربك } ولا يبعد عنه ولا يغيب عن علمه وقرأ الكسائي بكسر الزاي هنا وفي ( سبأ ) { من مثقال ذرة } موازن نملة صغيرة أو هباء { في الأرض ولا في السماء } أي في الوجود ولا إمكان فإن العامة لا تعرف ممكنا غيرهما ليس فيهما ولا متعلقا بهما وتقديم الأرض لأن الكلام في حال أهلها والمقصود منه البرهان على إحاطة علمه بها { ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين } كلام برأسه مقرر لما قبله { لا } نافية و { أصغر } اسمها { في كتاب } خبرها وقرأ حمزة و يعقوب الرفع على الابتداء والخبر ومن عطف على لفظ { مثقال ذرة } وجعل الفتح بدل الكسر لامتناع الصرف أو على محله مع الجار جعل الاستثناء منقطعا والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ

62 - { ألا إن أولياء الله } الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة { لا خوف عليهم } من لحوق مكروه { ولا هم يحزنون } لفوات مأمول والآية كمجمل فسره قوله :

63 - { الذين آمنوا وكانوا يتقون } وقيل الذين آمنوا وكانوا يتقون بيان لتوليهم إياه

64 - { لهم البشرى في الحياة الدنيا } وهو ما بشر به المتقين في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه و سلم وما يرهم من الرؤيا الصالحة وما يسنح لهم من المكاشفات وبشرى الملائكة عند النزع { وفي الآخرة } بتلقي الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرمة بيان لتوليه لهم ومحل { الذين آمنوا } النصب أو الرفع على المدح أو على وصف الأولياء أو على الابتداء وخبره { لهم البشرى } { لا تبديل لكلمات الله } أي لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده { ذلك } إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين { هو الفوز العظيم } هذه الجملة والتي قبلها اعتراض لتحقيق المبشر به وتعظيم شأنه وليس من شرطه أن يقع بعده كلام يتصل بما قبله

65 - { ولا يحزنك قولهم } إشراكهم وتكذيبهم وتهديدهم وقرأ نافع { يحزنك } من أحزنه وكلاهما بمعنى { إن العزة لله جميعا } استئناف بمعنى التعليل ويدل عليه القراءة بالفتح كأنه قيل لا تحزن بقولهم ولا تبال بهم لأن الغلبة لله جميعا لا يملك غيره شيئا منها فهو يقهرهم وينصرك عليهم { هو السميع } لأقوالهم { العليم } بعزماتهم فيكافئهم عليها

66 - { ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض } من الملائكة ولثقلين وإذا كان هؤلاء الذين هم أشرف الممكنات عبيدا لا يصلح أحد منهم للربوبية فما لا يعقل منها أحق أن لا يكون له ندا أو شريكا فهو كالدليل على قوله : { وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء } أي شركاء على الحقيقة وإن كان يسمونها شركاء ويجوز أن يكون { شركاء } مفعول { يدعون } و مفعول { يتبع } محذوف دل عليه { إن يتبعون إلا الظن } أي ما يتبعون يقينا وإنما يتبعون ظنهم أنها شركاء ويجوز أن تكون { ما } استفهامية منصوبة ب { يتبع } أو موصولة معطوفة على من وقرئ ( تدعون ) بالتاء الخطابية والمعنى : أي شيء يتبع الذين تدعونهم شركاء من الملائكة والنبيين أي أنهم لا يتبعون إلا الله ولا يعبدون غيره فما لكم لا تتبعونهم فيه كقوله : { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة } فيكون إلزاما بعد برهان وما بعده مصروف عن خطابهم لبيان سندهم ومنشأ رأيهم { وإن هم إلا يخرصون } يكذبون فيما ينسبوه إلى الله أو يحزرون ويقدرون أنها شركاء تقديرا باطلا

67 - { هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا } تبينه على كمال قدرته وعظم نعمته المتوحد هو بهما ليدلهم على تفرده باستحقاق العبادة وإنما قال { مبصرا } ولم يقل لتبصروا فيه تفرقة بين الظرف المجرد والظرف الذي هو سبب { إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون } سماع تدبر واعتبار

68 - { قالوا اتخذ الله ولدا } أي تبناه { سبحانه } تنزيه له عن التبني فإنه لا يصح إلا ممن يتصور له الولد وتعجب من كلمتهم الحمقاء { هو الغني } علة لتنزيهه فإن اتخاذ الولد مسبب عن الحاجة { له ما في السموات وما في الأرض } تقرير لغناه { إن عندكم من سلطان بهذا } نفي لمعارض ما أقامه من البرهان مبالغة في تجهيلهم وتحقيقا لبطلان قولهم و { بهذا } متعلق ب { سلطان } أو نعت له أو ب { عندكم } كأنه قيل : إن عندكم في هذا من سلطان { أتقولون على الله ما لا تعلمون } توبيخ وتقريع على اختلافهم وجهلهم وفيه دليل على أن كل قوله لا دليل عليه فهو جهالة وأن العقائد لا بد لها من قاطع وأن التقليد فيها غير سائغ

69 - { قل إن الذين يفترون على الله الكذب } باتخاذ الولد وإضافة الشريك إليه { لا يفلحون } لا ينجون من النار ولا يفوزون بالجنة

70 - { متاع في الدنيا } خبر مبتدأ محذوف أي افتراؤهم متاع في الدنيا يقيمون به رئاستهم في الكفر أو حياتهم أو تقلبهم { متاع } مبتدأ خبره محذوف أي لهم تمتع في الدنيا { ثم إلينا مرجعهم } بالموت فيلقون الشقاء المؤبد { ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون } بسبب كفرهم

71 - { واتل عليهم نبأ نوح } خبره مع قومه { إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم } عظم عليكم وشق { مقامي } نفسي كقولك فعلت كذا لمكان فلان أو كوني وإقامتي بينكم مدة مديدة أو قيامي على الدعوة { وتذكيري } إياكم { بآيات الله فعلى الله توكلت } وثقت به { فأجمعوا أمركم } فاعزموا عليه { وشركاءكم } أي مع شركائكم ويؤيده القراءة بالرفع عطفا على الضمير المتصل وجاز من غير أن يؤكد للفصل وقيل إنه معطوف على { أمركم } بحذف المضاف أي وأمر شركائكم وقيل إنه منصوب بفعل محذوف تقديره وادعوا شركاءكم وقد قرئ به وعن نافع { فأجمعوا } من الجمع والمعنى أمرهم بالعزم أو الاجتماع على قصده والسعي في إهلاكه على أي وجه يمكنهم ثقة بالله وقلة مبالاة بهم { ثم لا يكن أمركم } في قصدي { عليكم غمة } مستورا و اجعلوه ظاهرا مكشوفا من غمه إذا ستره أو ثم لا يكن حالكم عليكم غما إذا أهلكتموني وتخلصتم من ثقل مقامي وتذكيري { ثم اقضوا } أدوا { إلي } ذلك الأمر الذي تريدون بي وقرئ ( ثم أفضوا إلى ) بالفاء أي انتهوا إلى بشركم أو ابرزوا إلى من أفضى إذا خرج إلى القضاء { ولا تنظرون } ولا تمهلوني

72 - { فإن توليتم } أعرضتم عن تذكيري { فما سألتكم من أجر } يوجب توليكم لثقله عليكم واتهامكم إياي لجله أو يفوتني لتوليكم { إن أجري } ما ثوابي على الدعوة والتذكير { إلا على الله } لا تعلق له بكم يثيبني به آمنتم أو توليتم { وأمرت أن أكون من المسلمين } المنقادين لحكمه لا أخالف أمره ولا أرجو غيره

73 - { فكذبوه } فأصروا على تكذيبه بعدما ألزمهم الحجة وبين أن توليهم ليس إلا لعنادهم وتمردهم لا جرم حقت عليهم كلمة العذاب { فنجيناه } من الغرق { ومن معه في الفلك } وكانوا ثمانين { جعلناكم خلائف } من الهالكين به { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا } بالطوفان { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } تعظيم لما جرى عليهم وتحذير لمن كذب الرسول صلى الله عليه و سلم وتسلية له

74 - { ثم بعثنا } أرسلنا { من بعده } من بعد نوح { رسلا إلى قومهم } كل رسول إلى قومه { فجاؤوهم بالبينات } بالمعجزات الواضحة المثبتة لدعواهم { فما كانوا ليؤمنوا } فما استقام لهم أن يؤمنوا لشدة شكيمتهم في الكفر وخذلان الله إياهم { بما كذبوا به من قبل } أي بسبب تعودهم تكذيب الحق وتمرنهم عليه قبل بعثه الرسل عليهم الصلاة والسلام { كذلك نطبع على قلوب المعتدين } بخذلانهم لانهماكهم في الضلال واتباع المألوف وفي أمثال ذلك دليل على أن الأفعال واقعة بقدرة الله تعالى وكسب العبد وقد مر تحقيق ذلك

75 - { ثم بعثنا من بعدهم } من بعد هؤلاء الرسل { موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا } بالآيات التسع { فاستكبروا } عن اتباعهما { وكانوا قوما مجرمين } معتادين الأجرام فلذلك تهاونوا برسالة ربهم واجترؤوا على ردها

76 - { فلما جاءهم الحق من عندنا } وعرفوه بتظاهر المعجزات الباهرة المزيلة للشك { قالوا } من فرط تمردهم { إن هذا لسحر مبين } ظاهر أنه سحر أو فائق في فنه واضح فيما بين إخوته

77 - { قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم } إنه لسحر فحذف المحكي المقول لدلالة ما قبله عليه ولا يجوز أن يكون { أسحر هذا } لأنهم بتوا القول بل هو استئناف بإنكار ما قالوه اللهم إلا أن يكون الاستفهام فيه للتقرير والمحكي مفهوم قولهم ويجوز أن يكون معنى { أتقولون للحق } أتعيبونه من قولهم فلان يخاف القالة كقوله تعالى : { سمعنا فتى يذكرهم } فيستغني عن المفعول
{ ولا يفلح الساحرون } من تمام كلام موسى للدلالة على أنه ليس بسحر فإنه لو كان سحرا لاضمحل ولم يبطل سحر السحرة ولأن العالم بأنه لا يفلح الساحر لا يسحر أو من تمام قولهم إن جعل أسحر هذا محكيا كأنهم قالوا أجئتنا بالسحر تطلب به الفلاح ولا يفلح الساحرون

78 - { قالوا أجئتنا لتلفتنا } لتصرفنا واللفت والفتل أخوان { عما وجدنا عليه آباءنا } من عبادة الأصنام { وتكون لكما الكبرياء في الأرض } الملك فيها سمي بها لاتصاف الملوك بالكبر أو التكبر على الناس باستتباعهم { وما نحن لكما بمؤمنين } بمصدقين فيما جئتما به

79 - { وقال فرعون ائتوني بكل ساحر } وقرأ حمزة و الكسائي ( بكل سحار ) { عليم } حاذق فيه

80 - { فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون }

81 - { فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر } أي الذي جئتم به هو السحر لا ما سماه فرعون وقومه سحرا وقرأ أبو عمرو { السحر } على أن { ما } استفهامية مرفوعة بالابتداء وجئتم به خبرها و { السحر } بدل منه أو خبر مبتدأ محذوف تقديره أهو السحر أو مبتدأ خبره محذوف أني السحر هو ويجوز أن ينتصب ما يفعل يفسره ما بعده وتقديره أي شيء أتيتم { إن الله سيبطله } سيمحقه أو سيظهر بطلانه { إن الله لا يصلح عمل المفسدين } لا يثبته ولا يقويه وفيه دليل على أن السحر إفساد وتمويه لا حقيقة له

82 - { ويحق الله الحق } ويثبته { بكلماته } بأوامره وقضاياه وقرئ ( بكلمته ) { ولو كره المجرمون } ذلك

83 - { فما آمن لموسى } أي في مبدأ أمره { إلا ذرية من قومه } إلا أولاد من أولاد قومه بني إسرائيل دعاهم فلم يجيبوه خوفا من فرعون إلا طائفة من شبانهم وقيل الضمير ل { فرعون } والذرية طائفة من شبانهم آمنوا به أو مؤمن آل فرعون وامرأته آسية وخازنة وزوجته و ماشطته { على خوف من فرعون وملئهم } أي مع خوف منهم والضمير ل { فرعون } وجمعه على ما هو المعتاد في ضمير العظماء أو على أن المراد ب { فرعون } آله كما يقال : ربيعة ومضر أو للذرية أو للقوم { أن يفتنهم } أن يعذبهم فرعون وهو بدل منه أو مفعول خوف وإفراده بالضمير للدلالة على أن الخوف من الملأ كان بسببه { وإن فرعون لعال في الأرض } لغالب فيها { وإنه لمن المسرفين } في الكبر والعتو حتى ادعى الربوبية واسترق أسباط الأنبياء

84 - { وقال موسى } لما رأى تخوف المؤمنين به { يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا } فثقوا به واعتمدوا عليه { إن كنتم مسلمين } مستسلمين لقضاء الله مخلصين له وليس هذا من تعليق الحكم بشرطين فإن المعلق بالإيمان وجوب التوكل فإنه المقتضي له والمشروط بالإسلام حصوله فإنه لا يوجد مع التخليط ونظيره إن دعاك زيد فأجبه إن قدرت

85 - { فقالوا على الله توكلنا } لأنهم كانوا مؤمنين مخلصين ولذلك أجيبت دعوتهم { ربنا لا تجعلنا فتنة } موضع فتنة { للقوم الظالمين } أي لا تسلطهم عليها فيفتنونا

86 - { ونجنا برحمتك من القوم الكافرين } من كيدهم ومن شؤم مشاهدتهم وفي تقديم التوكل على الدعاء تنبيه على أن الداعي ينبغي له أن يتوكل أولا لتجاب دعوته

87 - { وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا } أي اتخذا مباءة { لقومكما بمصر بيوتا } تسكنون فيها أو ترجعون إليها للعبادة { واجعلوا } أنتما وقومكما { بيوتكم } تلك البيوت ز { قبلة } مصلى وقيل مساجد متوجهة نحو القبلة يعني الكعبة وكان موسى صلى الله عليه و سلم يصلي إليها { وأقيموا الصلاة } فيها أمروا بذلك أول أمرهم لئلا يظهر عليهم الكفرة فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم { وبشر المؤمنين } بالنصرة في الدنيا والجنة في العقبى وإنما ثنى الضمير أولا لأن التبوأ للقوم واتخاذ المعابد مما يتعاطاه رؤوس القوم بتشاور ثم جمع لأن جعل البيوت مساجد والصلاة فيها مما ينبغي أن يفعله كل أحد ثم وحد لأن البشرة في الأصل وظيفة صاحب الشريعة

88 - { وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة } ما يتزين به من الملابس والمراكب ونحوهما { وأموالا في الحياة الدنيا } وأنواعا من المال { ربنا ليضلوا عن سبيلك } دعاء عليهم بلفظ الأمر بما علم من ممارسة أحوالهم أنه لا يكون فيره كقولك : لعن الله إبليس وقيل اللام للعاقبة وهي متعلقة ب { آتيت } ويحتمل أن تكون للعلة لأن إيتاء النعم على الكفر استدراج وتثبيت على الضلال ولأنهم لما جعلوها سببا للضلال فكأنهم أوتوها ليضلوا فيكون { ربنا } تكريرا للأول تأكيدا وتنبيها على أن المقصود عرض ضلالهم وكفرانهم تقدمة لقوله : { ربنا اطمس على أموالهم } أي أهلكها والطمس المحق وقرئ ( اطمس ) بالضم { واشدد على قلوبهم } أي وأقسها عليها حتى لا تنشرح لإيمان { فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم } جواب للدعاء أو دعاء بلفظ النهي أو عطف على { ليضلوا } وما بينهم دعاء معترض

89 - { قال قد أجيبت دعوتكما } يعني موسى وهارون لأنه كان يؤمن { فاستقيما } فاثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة وإلزام الحجة ولا تستعجلا فإن ما طلبتما كائن ولكن في وقته روي : أنه مكث فيهم بعد الدعاء أربعين سنة { ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون } طريق الجهلة في الاستعجال أو عدم الوثوق والاطمئنان بوعد الله تعالى وعن ابن عامر براوية ابن ذكوان ولا تتبعان بالنون الخفيفة كسرها لالتقاء الساكنين { ولا تتبعان } من تبع { ولا تتبعان } أيضا

90 - { وجاوزنا ببني إسرائيل البحر } أي جوزناهم في البحر حتى بلغوا الشط حافظين لهم وقرئ جوزنا وهو من فعل المرادف لفاعل كضعف وضاعف { فأتبعهم } فأدركهم يقال تبعته حتى اتبعته { فرعون وجنوده بغيا وعدوا } باغين وعادين او للبغي والعدو وقرئ وعدوا { حتى إذا أدركه الغرق } لحقه { قال آمنت أنه } أي بأنه { لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين } وقرأ حمزة و الكسائي إنه بالكسر على إضمار القول أو الاستئناف بدلا وتفسيرا ل { آمنت } فنكب عن الإيمان أوان القبول وبالغ فيه حين لا يقبل

91 - { الآن } أتؤمن الآن وقد أيست من نفسك ولم يبق لك اختيار { وقد عصيت قبل } قبل ذلك مدة عمرك { وكنت من المفسدين } الضالين ولمضلين عن الإيمان

92 - { فاليوم ننجيك } ننقذك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ونجعلك طافيا أو نلقيك على نجوة من الأرض ليراك بنو إسرائيل وقرأ يعقوب { ننجيك } من أنجى وقرأ ( ننحيك ) بالحاء أي نلقيك بناحية من الساحل { ببدنك } في موضع الحال أي ببدنك عاريا عن الروح أو كاملا سويا أو عريانا من غير لباس أو بدرعك وكانت له درع من ذهب يعرف بها وقرئ ( بأبدانك ) أي بأجزاء البدن كلها كقولهم هوى بإجرامه أو بدروعك كأن كان مظاهرا بينها { لتكون لمن خلفك آية } لمن وراءك علامة وهم بنوا إسرائيل إذ كان في نفوسهم من عظمته ما خيل إليهم أنه لا يهلك حتى كذبوا موسى عليه السلام حين أخبرهم بغرقه إلى أن عاينوه مطرحا ممرهم من الساحل أو لمن يأتي بعدك من القرون إذا سمعوا مآل أمرك ممن شاهدك عبرة ونكالا عن الطغيان أو حجة تدلهم على أن الإنسان على ما كان عليه من عظم الشأن وكبرياء الملك مملوك مقهور بعيد عن مظان الربوبية وقرئ لمن ( خلقك ) أي لخالقك آية أي كسائر الآيات فإن إفراده إياك بالإلقاء إلى الساحل دليل على أنه تعمد منه لكشف تزويرك وإماطة الشبهة في أمرك وذلك دليل على كمال قدرته وعلمه وإرادته وهذا الوجه أيضا محتمل على المشهور { وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون } لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها

93 - { ولقد بوأنا } أنزلنا { بني إسرائيل مبوأ صدق } منزلا صالحا مرضيا وهو الشأم مصر { ورزقناهم من الطيبات } من اللذائذ { فما اختلفوا حتى جاءهم العلم } فما اختلفوا في أمر دينهم إلا من بعد ما قرأوا التوراة وعلموا أحكامها أو في أمر محمد صلى الله عليه و سلم إلا من بعد ما عملوا صدقه بنعوته وتظاهر معجزاته { إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } فيميز المحق من المبطل بالإنجاء والإهلاك

94 - { فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك } من القصص على سبيل الفرض والتقدير { فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك } فإنه محقق عندهم ثابت في كتبهم على نحو ما ألقينا إليك والمراد تحقيق ذلك والاستشهاد بما في الكتب المتقدمة وأن القرآن مصدق لما فيها أو وصف أهل الكتاب بالرسوخ في العلم بصحة ما أنزل إليه أو تهييج الرسول صلى الله عليه و سلم وزيادة تثبيته لا إمكان وقوع الشك له ولذلك قال عليه الصلاة و السلام : [ لا أشك ولا أسأل ] وقيل الخطاب للنبي صلى لله عليه وسلم والمراد أمته أو لكل من يسمع أي إن كنت أيها السامع في شك مما نزلنا على لسان نبينا إليك وفيه تنبيه على أن كل من خالجته شبهة في الدين ينبغي أن يسارع إلى حلها بالرجوع إلى أهل العلم { لقد جاءك الحق من ربك } واضحا أنه لا مدخل للمرية فيه بالآيات القاطعة { فلا تكونن من الممترين } بالتزلزل عما أنت عليه من الحزم واليقين

95 - { ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين } أيضا من باب التهييج والتثبيت وقطع الأطماع عنه كقوله { فلا تكونن ظهيرا للكافرين }

96 - { إن الذين حقت عليهم } ثبتت عليهم { كلمة ربك } بأنهم يموتون على الكفر ويخلدون في العذاب { لا يؤمنون } إذ لا يكذب كلامه ولا ينتقض فضاؤه

97 - { ولو جاءتهم كل آية } فإن السبب الأصلي لإيمانهم وهو تعلق إرادة الله تعالى به مفقود { حتى يروا العذاب الأليم } وحينئذ لا ينفعهم كما لا ينفع فرعون

98 - { فلولا كانت قرية آمنت } فهلا كانت قرية من القرى التي أهلكناها آمنت قبل معاينة العذاب ولم تؤخر إليها كما أخر فرعون { فنفعها إيمانها } بان يقبله الله منها ويكشف العذاب عنها { إلا قوم يونس } لكن قوم يونس عليه السلام { لما آمنوا } أول ما رأوا أمارة العذاب ولم يؤخروه إلى حلوله { كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا } ويجوز أن تكون الجملة في معنى النفي لتضمن حرف التحضيض معناه فيكون الاستثناء متصلا لأن المراد من القرى أهاليها كأنه قال : ما آمن أهل قرية من القرى العاصية فنفعهم إيمانهم إلا قوم يونس ويؤيده قراءة الرفع على البدل { ومتعناهم إلى حين } إلى آجالهم روي : أن يونس عليه السلام بعث إلى أهل نينوى من الموصل فكذبوه وأصروا عليه فوعدهم بالعذاب إلى ثلاث وقيل إلى ثلاثين وقيل إلى أربعين فلما دنا الموعد أغامت السماء غيما أسود ذا دخان شديد فهبط حتى غشي مدينتهم فهابوا فطلبوا يونس فلم يجدوه فأيقنوا صدقه فلبسوا المسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم وفرقوا بين كل والدة وولدها فحن بعضها إلى بعض وعلت الأصوات والعجيج وأخلصوا التوبة وأظهروا الإيمان وتضرعوا إلى الله تعالى فرحمهم وكشف عنهم وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة

99 - { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم } بحيث لا يشذ منهم أحد { جميعا } مجتمعين على الإيمان لا يختلفون فيه وهو دليل على القدرية في أنه تعالى لم يشأ إيمانهم أجمعين وأن من شاء إيمانه يؤمن لا محالة والتقييد بمشيئة الإلجاء خلاف الظاهر { أفأنت تكره الناس } بما لم يشأ منهم { حتى يكونوا مؤمنين } وترتيب الإكراه على المشيئة بالفاء وإيلاؤها حرف الاستفهام للإنكار وتقديم الضمير على الفعل للدلالة على أن خلاف المشيئة مستحيل فلا يمكن تحصيله بالإكراه عليه فضلا عن الحث والتحريض عليه إذ روي أنه كان حريصا على إيمان قومه شديد الاهتمام به فنزلت ولذلك قرره بقوله :

100 - { وما كان لنفس أن تؤمن } بالله { إلا بإذن الله } إلا بإرادته وألطافه وتوفيقه فلا تجهد نفسك في هداها فإنه إلى الله { ويجعل الرجس } العذاب أو الخذلان فإن سببه وقرئ بالزاي وقرأ أبو بكر ( ونجعل ) بالنون { على الذين لا يعقلون } لا يستعملون عقولهم بالنظر في الحجج والآيات أو لا يعقلون دلائله وأحكامه لما على قلوبهم من الطبع ويؤيد الأول قوله :

101 - { قل انظروا } أي تفكروا { ماذا في السموات والأرض } من عجائب صنعه لتدلكم على وحدته وكمال لقدرته و { ماذا } إن جعلت استفهامية علقت { انظروا } عن العمل { وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون } في علم الله وحكمته { وما } نافية أو استفهامية في موضع النصب

102 - { فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم } مثل وقائعهم ونزول بأس الله بهم إذ لا يستحقون غيره من قولهم أيام العرب لوقائعها { قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين } لذلك أو فانتظروا هلاكي إني معكم من المنتظرين هلاككم

103 - { ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا } عطف على محذوف دل عليه { إلا مثل أيام الذين خلوا } كأنه قيل نهلك الأمم ثم ننجي رسلنا ومن آمن بهم على حكاية الحال الماضية { كذلك حقا علينا ننج المؤمنين } كذلك الإنجاء أو إنحاء كذلك نندي محمدا وصحبه حين نهلك المشركين و { حقا علينا } اعتراض ونصبه بفعله المقدر وقيل بدل من كذلك وقرأ حفص و الكسائي { ننجي } مخففا

104 - { قل يا أيها الناس } خطاب لأهل مكة { إن كنتم في شك من ديني } وصحته { فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم } فهذا خلاصة ديني اعتقادا وعملا فاعرضوها على العقل الصرف وانظروا فيها بعين الإنصاف لتعلموا صحتها وهو أني لا أعبد ما تخلقونه تعبدونه ولكن أعبد خالقكم الذي هو يوجدكم و يتوفاكم وإنما خص التوفي بالذكر للتهديد { وأمرت أن أكون من المؤمنين } بما دل عليه العقل ونطق به الوحي وحذف الجار من أن يجوز أن يكون من المطرد مع أن وأن يكون من غيره كقوله :
( أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نسب )

105 - { وأن أقم وجهك للدين } عطف على { أن أكون } غير { أن } صلة { أن } محكية بصيغة الأمر ولا فرق بينهم في الغرض لن المقصود وصلها بما يتضمن معنى المصدر لتدل معه عليه وصيغ الأفعال كلها كذلك سواء الخبر منها والطلب والمعنى وأمرت بالاستقامة في الدين والاستبداد فيه بأداء الفرائض والانتهاء عن القبائح أو في الصلاة باستقبال القبلة { حنيفا } حال من الدين أو الوجه { ولا تكونن من المشركين }

106 - { ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك } بنفسه إن دعوته أو خذلته { فإن فعلت } فإن دعوته { فإنك إذا من الظالمين } جزاء للشرط وجواب لسؤال مقدر عن تبعة الدعاء

سورة هود
107 - فلا دافع { لفضله } الذي أرادك به ولعله ذكر الإرادة مع الخير والمس مع الضر مع تلازم الأمرين للتنبيه على أن الخير مراد بالذات وأن الضر إنما مسهم لا بالقصد الأول ووضع الفضل موضع الضمير للدلالة على أنه متفضل بما يريد من الخير لا استحقاق لهم عليه ولم يستثن لأن مراد الله لا يمكن رده { يصيب به } بالخير { من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم } فتعرضوا لرحمته بالطاعة ولا تيأسوا من غفرانه بالمعصية

108 - { قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم } رسوله أو القرآن لم يبق لكم عذر { فمن اهتدى } بالإيمان والمتابعة { فإنما يهتدي لنفسه } لأن نفعه لها { ومن ضل } بالكفر بهما { فإنما يضل عليها } لأن وبال الضلال عليها { وما أنا عليكم بوكيل } بحفيظ موكول إلى أمركم وإنما أنا بشير ونذير

109 - { واتبع ما يوحى إليك } بالامتثال والتبليغ { واصبر } على دعوتهم وتحمل أذيتهم { حتى يحكم الله } بالنصرة أو الأمر بالقتال { وهو خير الحاكمين } إذ لا يمكن الخطأ في حكمه لاطلاعه على السرائر اطلاعه على الظواهر
عن النبي صلى الله عليه و سلم [ من قرأ سورة يونس أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بيونس وكذب به وبعدد من غرق مع فرعون ]

مكية وهي مائة وثلاث وعشرون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
1 - { الر كتاب } مبتدأ وخير أو { كتاب } خبر مبتدأ محذوف { أحكمت آياته } نظمت نظما محكما لا يعتريه إخلال من جهة الفظ والمعنى أو منعت من الفساد والنسخ فإن المراد آيات السورة وليس فيها منسوخ أو أحكمت بالحجج والدلائل أو جعلت حكمية منقول من حكم بالضم إذا خار حكيما لأنها مشتملة على أمهات الحكم النظرية والعملية { ثم فصلت } بالفوائد من العقائد والأحكام والمواعظ والأخبار أو بجعلها سورا أو بالإنزال نجما نجما أو فصل فيها ولخص ما يحتاج إليه وقرئ { ثم فصلت } أي فرقت بين الحق والباطل وأحكمت آياته { ثم فصلت } على البناء للمتكلم و { ثم } للتفاوت في الحكم أو للتراخي في الأخبار { من لدن حكيم خبير } صفة أخرى ل { كتاب } أو خبر بعد خبر أو صلة ل { أحكمت } أو { فصلت } وهو تقرير لأحكامها وتفصيلها على أكمل ما ينبغي باعتبار ما ظهر أمره وما خفي

2 - { أن لا تعبدوا إلا الله } لأن لا تعبدوا وقيل أن مفسرة لن في تفصيل الآيات معنى القول ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ للإغراء على التوحيد أو الأمر بالتبري من عبادة الغير كأنه قيل : ترك عبادة غير الله بمعنى ألزموه أو اتركوها تركا { إنني لكم منه } من الله { نذير وبشير } بالعقاب على الشرك والثواب على التوحيد

3 - { وأن استغفروا ربكم } عطف على ألا تعبدوا { ثم توبوا إليه } ثم توسلوا إلى مطلوبكم بالتوبة فإن المعرض عن طريق الحق لا بد له من الرجوع وقيل استغفروا من الشرك ثم توبوا إلى الله بالطاعة ويجوز أ يكون ثم لتفاوت ما بين الأمرين { يمتعكم متاعا حسنا } يعيشكم في أمن ودعة { إلى أجل مسمى } هو آخر أعماركم المقدرة أو لا يهلككم بعذاب الاستئصال والأرزاق والآجال وإن كانت متعلقة بالأعمار لكنها مسماة بالإضافة إلى كل أحد فر تتغير { ويؤت كل ذي فضل فضله } ويعط كل ذي فضل في دينه جزاء فضله في الدنيا والآخرة وهو وعد للموحد التائب بخير الدارين { وإن تولوا } وإن تتولوا { فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير } يوم القيامة وقيل يوم الشدائد وقد ابتلوا بالقحط حتى أكلوا الجيف وقرئ { وإن تولوا } من ولي

4 - { إلى الله مرجعكم } رجوعكم في ذلك اليوم وهو شاذ عن القياس { وهو على كل شيء قدير } فيقدر على تعذيبكم أشد عذاب وكأنه تقدير لكبر اليوم

5 - { ألا إنهم يثنون صدورهم } يثنونها عن الحق وينحرفون عنه أو يعطفونها على الكفر وعداوة النبي صلى لله عليه وسلم أو يولون ظهورهم وقرئ يثنوني بالياء والتاء من اثنوني وهو بناء مبالغة وتثنون وأصله تثنونن من الثن وهو الكلأ الضعيف أراد به ضعف قلوبهم أو مطاوعة صدورهم للثني و تثنئن من اثنأن كابياض بالهمزة و تثنوي { ليستخفوا منه } من الله بسرهم فلا يطلع رسوله والمؤمنين عليه قيل إنها نزلت في طائفة من المشركين قالوا : إذا أرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وطوينا صدورنا على عداوة محمد كيف يعلم وقيل نزلت في المنافقين وفيه نظر إذ الآية مكية والنفاق حدث بالمدينة { ألا حين يستغشون ثيابهم } ألا حين يأوون إلى فراشهم ويتغطون بثيابهم { يعلم ما يسرون } في قلوبهم { وما يعلنون } بأفواههم يستوي في علمه سرهم وعلنهم فكيف يخفى عليه ما عسى يظهرونه { إنه عليم بذات الصدور } بالأسرار ذاب الصدور أو بالقلوب وأحوالها

6 - { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } غذاءها ومعاشها لتكفله إياه تفضلا ورحمة وإنما أتى بلفظ الوجوب تحقيقا لوصوله وحملا على التوكل فيه { ويعلم مستقرها ومستودعها } أماكنها في الحياة والممات أو الأصلاب والأرحام أو مساكنها من الأرض حين وجدت بالفعل ومودعها من المواد والمقار حين كانت بعد بالقوة { كل } كل واحد من الدواب وأحولها { في كتاب مبين } مذكور في اللوح المحفوظ وكأنه أريد بالآية بيان كونه عالما بالمعلومات كلها وبما بعدها بيان كونه قادرا على الممكنات بأسرها تقريرا للتوحيد ولما سبق من الوعد والوعيد

7 - { وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام } أي خلقهما وما فيهما كما مر بيانه في الأعراف أو ما في جهتي العلو والسفل وجمع السموات دون الأرض لاختلاف العلويات بالأصل والذات دون السفليات { وكان عرشه على الماء } قبل خلقهما لم يكن حائل بينهما لأنه كان موضوعا على متن الماء واستدل به على إمكان الخلاء وأن الماء أول حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم وقيل كان الماء على متن الريح والله أعلم بذلك { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } متعلق ب { خلق } أي خلق ذلك كخلق من خلق ليعاملكم معاملة المبتلي لأحوالكم كيف تعملون فإن جملة ذلك أسباب وموارد لوجودكم ومعاشكم وما تحتاج إليه أعمالكم ودلائل وأمارات تستدلون بها وتستنبطون منها وإنما جاز تعليق فعل البلوى لما فيه من معنى العلم من حيث إنه طريق إليه كالنظر والاستماع وإنما ذكر صيغة التفضيل والاختيار شامل لفرق المكلفين باعتبار الحسن والقبح للتحريض على أحاسن المحاسن والتحضيض على الترقي دائما في مراتب العلم والعمل فإن المراد بالعمل ما يعم عمل القلب والجوارح ولذلك قال النبي صلى الله عليه و سلم [ أيكم أحسن عقلا و أورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله ] والمعنى أيكم أكمل علما وعملا { ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين } أي ما البعث أو القول به أو القرآن المتضمن لذكره إلا كالسحر في الخديعة أو البطلان وقرأ حمزة و الكسائي إلا ساحر على أن الإشارة إلى القائل وقرئ أنكم بالفتح على تضمن قلت معنى ذكرت أو أن يكون أن بمعنى على أي ولئن قلت علكم مبعوثون بمعنى توقعوا بعثكم ولا تبتوا بإنكاره لعدوه من قبيل مالا حقيقة له مبالغة في إنكاره

8 - { ولئن أخرنا عنهم العذاب } الموعود { إلى أمة معدودة } إلى جماعة من الأوقات قليلة { ليقولن } استهزاء { ما يحبسه } ما يمنعه من الوقوع { ألا يوم يأتيهم } كيوم بدر { ليس مصروفا عنهم } ليس العذاب مدفوعا عنهم و { يوم } منصوب بخبر { ليس } معدم عليه وهو دليل على جزاء تقديم خبرها عليها { وحاق بهم } وأحاط بهم وضع الماضي موضع المستقبل تحقيقا ومبالغة في التهديد { ما كانوا به يستهزئون } أي العذاب الذي كانوا به يستعجلون فوضع { يستهزئون } موضع يستعجلون لن استعجالهم كان استهزاء

9 - { ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة } ولئن أعطيناه نعمة بحيث يجد لذتها { ثم نزعناها منه } ثم سلبنا تلك النعمة منه { إنه ليؤوس } قطوع رجاءه من فضل الله تعالى لقلة صبره وعدم ثقته به { كفور } مبالغ في كفران ما سلف له من النعمة

10 - { ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته } كصحة بعد سقم وغنى بعد عدم وفي اختلاف الفعلين نكتة لا تخفى { ليقولن ذهب السيئات عني } أي المصائب التي ساءتني { إنه لفرح } بطر بالنعم مغتر بها { فخور } على الناس مشغول عن الشكر والقيام بحقها وفي لفظ الإذاقة والمس تنبيه على أن ما يجده الإنسان في الدنيا من النعم والمحن كالأنموذج لما يجده في الآخرة وأنه يقع في الكفران والبكر بأدنى شيء لأن الذوق إدراك الطعم والمس مبتدأ الوصول

11 - { إلا الذين صبروا } على الضراء إيمانا بلله تعالى واستسلاما لقضائه { وعملوا الصالحات } شكرا لآلاته سابقها ولاحقها { أولئك لهم مغفرة } لذنوبهم { وأجر كبير } أقله الجنة والاستثناء من الإنسان لن المراد به الجنس فإذا كان محلي باللام أفاد الاستغراق ومن حمله على الكافر لسبق ذكرهم جعل الاستثناء منقطعا

12 - { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } تترك تبليغ بعض ما يوحى إليك وهو ما يخالف رأي المشركين مخافة ردهم واستهزائهم به ولا يلزم من توقع الشيء لوجود ما يدعو إليه وقوعه لجواز أن يكون ما يصرف عنه وهو عصمة الرسل عن الخيانة في الوحي والثقة في التبليغ ها هنا { وضائق به صدرك } وعارض لك أحيانا ضيق صدرك بأن تتلوه عليهم مخافة { أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز } ينفقه في الاستتباع كالملوك { أو جاء معه ملك } يصدقه وقيل الضمير في { به } مبهم يفسره { أن يقولوا } { إنما أنت نذير } ليس عليك إلا الإنذار بما أوحي إليك ولا عليك ردوا أو اقترحوا فما بالك يضيق به صدرك { والله على كل شيء وكيل } فتوكل عليه فإنه عالم بحالهم وفاعل بهم جزاء أقوالهم وأفعالهم

13 - { أم يقولون افتراه } { أم } منقطعة والهاء { لما يوحى } { قل فاتوا بعشر سور مثله } في البيان وحسن النظم تحداهم أولا بعشر سور ثم لما عجزوا عنها سهل الأمر عليهم وتحداهم بسورة وتوحيد المثل باعتبار كل واحدة { مفتريات } مختلفات من عند أنفسكم إن صح أني اختلقته من عند نفسي فإنكم عرب فصحاء مثلي تقدرون على مثل ما أقدر عليه بل أنتم لتعلمكم القصص والأشعار وتعودكم القريض والنظم { وادعوا من استطعتم من دون الله } إلى المعاونة على المعارضة { إن كنتم صادقين } أنه مفترى

14 - { فإلم يستجيبوا لكم } بإتيان ما دعوتم إليه وجمع الضمير إما لتعظيم الرسول صلى الله عليه و سلم أو لأن المؤمنين كانوا أيضا يتحدونهم وكان أمر الرسول صلى الله عليه و سلم متناولا لهم من حيث إنه يجب أتباعه عليهم في كل أمر إلا ما خصه الدليل وللتنبيه على أن التحدي مما يوجب رسوخ إيمانهم وقرة يقينهم فلا يغفلون عنه ولذلك رتب عليه قوله : { فاعلموا أنما أنزل بعلم الله } ملتبسا بما لا يعلمه إلا الله ولا يقدر عليه سواه { وأن لا إله إلا هو } واعلموا أن لا إله إلا الله لأنه العالم القادر بما لا يعلم ولا يقدر عليه غيره ولظهور عجز آلهتهم ولتنصيص هذا الكلام الثابت صدقة بإعجازه عليه وفيه تهديد وإقناط من أن يجيرهم من بأس الله آلهتهم { فهل أنتم مسلمون } ثابتون على الإسلام راسخون فيه مخلصوه إذا تحقق عندكم إعجازه مطلقا ويجوز أن يكون الكل خطابا للمشركين والضمير في { لم يستجيبوا } لمن استطعتم أي فإن لم يستجيبوا لكم إلى المظاهرة لعجزهم وقد عرفتم من أنفسكم القصور عن المعاوضة فاعلموا أنه نظم لا يعلمه إلا الله وأنه منزل من عنده وأن ما دعاكم إليه من التوحيد حق فهل أنتم داخلون في الإسلام بعد قيام الحجة القاطعة وفي مثل هذا الاستفهام إيجاب بليغ لما فيهمن معنى الطلب والتنبيه على قيام الموجب وزوال العذر

15 - { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها } بإحسانه وبره { نوف إليهم أعمالهم فيها } نوصل إليهم جزاء أعمالهم في الدنيا من الصحة والرئاسة وسعة الرزق وكثرة الأولاد وقرئ يوف بالياء أي يوف الله ونوف على البناء للمفعول ونوف بالتخفيف والرفع لن الشرط ماض كقوله :
( وإن أتاه كريم يوم مسغبة ... يقول لا غائب مالي ولا حرم )
{ وهم فيها لا يبخسون } لا ينقصون شيئا من أجورهم والآية في أهل الرياء وقيل في المنافقين وقيل في الكفرة وغرضهم وبرهم

16 - { أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار } مطلقا في مقابلة ما عملوا لأنهم استوفوا ما تقتضيه صور أعمالهم الحسنة وبقيت لهم أوزار العزائم السيئة { وحبط ما صنعوا فيها } لأنه لم يبق لهم ثواب في الآخرة أو لم يكن لأنهم لم يريدوا به وجه الله والعمدة في اقتضاء ثوابها هو الإخلاص ويجوز تعليق الظرف ب { صنعوا } على أن الضمير ل { الدنيا } { وباطل } في نفسه { ما كانوا يعملون } لأنه لم يعمل على ما ينبغي وكأن كل واحدة من الجملتين علة لما قبلها وقرئ باطلا على أنه مفعول يعملون و { ما } إبهامية أو في معنى المصدر كقوله :
( ولا خارجا من في زور كلام )

17 - وبطل على الفعل { أفمن كان على بينة من ربه } برهان من الله يدله على الحق والصواب فيما يأتيه ويذره والهمزة لإنكار أن يعقب من هذا شأنه هؤلاء المقصرين هممهم وأفكارهم على الدنيا وأن يقارب بينهم في المنزلة وهو الذي أغنى عن ذكر الخير وتقديره أفمن كان على بينة كمن كان يريد الحياة الدنيا وهو حكم يعم كل مؤمن مخلص وقيل المراد به النبي صلى الله عليه و سلم وقيل مؤمنو أهل الكتاب { ويتلوه } ويتبع ذلك البرهان الذي هو دليل العقل { شاهد منه } شاهد من الله يشهد بصحته وهو القرآن { ومن قبله } ومن قبل القرآن { كتاب موسى } يعني التوراة فإنها أيضا تتلوه في التصديق او البينة هو القرآن { ويتلوه } من التلاوة والشاهد جبريل أو لسان الرسول صلى الله عليه و سلم على أن الضمير له أو من التلو والشاهد ملك يحفظه والضمير في { يتلوه } إما لمن أو للبينة باعتبار المعنى { ومن قبله كتاب موسى } جملة مبتدأة وقرئ { كتاب } بالنصب عطفا على الضمير في { يتلوه } أي يتلو القرآن شاهد ممن كان بينة دالة على أنه حق كقوله : { وشهد شاهد من بني إسرائيل } ويقرأ من قبل القرآن التوراة { إماما } كتابا مؤتما به في الدين { ورحمة } على المنزل عليهم لأنه الوصلة إلى الفوز بخير الدارين { أولئك } إشارة إلى من كان على بينة { يؤمنون به } بالقرآن { ومن يكفر به من الأحزاب } من أهل مكة ومن تحزب معهم على رسول الله صلى الله عليه و سلم { فالنار موعده } يردها لا محالة { فلا تك في مرية منه } من الموعد أو القرآن وقرئ مرية بالضم وهما الشك { إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } لقلة نظرهم واختلال فكرهم

18 - { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } كان أسند إليه ما لم نزله أو نفى عنه ما أنزله { أولئك } أي الكاذبون { يعرضون على ربهم } في الموقف بأن يحبسوا وتعرض أعمالهم { ويقول الأشهاد } من الملائكة والنبيين أو من جوارحهم وهو جمع شاهد كأصحاب أو شهيد كأشراف جمع شريف { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين } تهويل عظيم مما يحيق بهم حينئذ لظلمهم بالكذب على الله

19 - { الذين يصدون عن سبيل الله } عن دينه { ويبغونها عوجا } يصفونها بالانحراف عن الحق والصواب أو يبغون أهلها أن يعوجوا بالردة { وهم بالآخرة هم كافرون } والحال أنهم كافرون بالآخرة وتكريرهم لتأكيد كفرهم واختصاصهم به

20 - { أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض } أي ما كانوا معجزين الله في الدنيا أن يعاقبهم { وما كان لهم من دون الله من أولياء } يمنعونهم من العقاب ولكنه أخر عقابهم إلى هذا اليوم ليكون أشد وأدوم { يضاعف لهم العذاب } استئناف وقرأ ابن كثير و ان عامر و يعقوب يضعف بالتشديد { ما كانوا يستطيعون السمع } لتصامهم عن الحق وبغضهم له { وما كانوا يبصرون } لتعاميهم عن آيات الله وكأنه العلة لمضاعفة العذاب وقيل هو بيان ما نفاه من ولاية الآلهة بقوله : { وما كان لهم من دون الله من أولياء } فإن مالا يسمع ولا يبصر لا يصلح للولاية وقوله : { يضاعف لهم العذاب } اعتراض

21 - { أولئك الذين خسروا أنفسهم } باشتراء عبادة الآلهة بعبادة الله تعالى { وضل عنهم ما كانوا يفترون } من الآلهة وشفاعتها أو خسروا بما بدلوا وضاع عنهم ما حصلوا فلم يبق معهم سوى الحسرة والندامة

22 - { لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون } لا أحد أبين واكثر خسرانا منهم

23 - { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم } اطمأنوا إليه وخشعوا له من الخبت وهو الأرض المطمئنة { أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } دائمون

24 - { مثل الفريقين } الكافر والمؤمن { كالأعمى والأصم والبصير والسميع } يجوز أن يراد به تشبيه الكافر بالأعمى لتعاميه عن آيات الله وبالأصم لتصامه عن إسماع كلام الله تعالى وتأبيه عن تدبر معانيه وتشبيه المؤمن بالسميع والبصير لأن أمره بالضد فيكون كل واحد منهم مشبها باثنين باعتبار وصفين أو تشبيه الكافر بالجامع بين العمى والصمم والمؤمن بالجامع بين ضديهما والعاطف لعطف الصفة على الصفة كقوله :
( الصابح فالغانم فالآيب )
وهذا من باب اللف والطباق { هل يستويان } هل يستوي الفريقان { مثلا } أي تمثيلا أو صفة أوحالا { أفلا تذكرون } بضرب الأمثال والتأمل فيها

25 - { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم } بأني لكم قرأ نافع و عاصم و ابن عامر و حمزة بالكسر على إرادة القول { نذير مبين } أبين لكم موجبات العذاب ووجه الخلاص

26 - { أن لا تعبدوا إلا الله } بدل من { إني لكم } أو مفعول مبين ويجوز أن تكون أن مفسرة متعلقة ب { أرسلنا } أو ب { نذير } { إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم } مؤلم وهو في الحقيقة صفة المعذب لكن يوصف به العذاب وزمانه على طريقة جد جده ونهاره صائم للمبالغة

27 - { فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا } لا مزية لك علينا تخصك بالنبوة ووجوب الطاعة { و ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا } أخساؤنا جمع أرذل فإنه بالغلبة صار مثل الاسم كالأكبر أو أرذل جمع رذل { بادي الرأي } ظاهر الرأي من غير تعمق من البدو أو أول الرأي من البدء والياء مبدلة من الهمزة لانكسار ما قبلها وقرأ أبو عمرو بالهمزة وانتصابه بالظرف على حذف المضاف أي : وقت حدوث بادي الرأي والعامل فيه { اتبعك } وإنما استرذلوهم لذلك أو لفقرهم فإنهم لما لم يعلموا إلا ظاهرا من الحياة الدنيا كان الأحظ بها أشرف عندهم والمحروم منها أرذل { وما نرى لكم } لك ولمتبعيك { علينا من فضل } يؤهلكم للنبوة واستحقاق المتابعة { بل نظنكم كاذبين } إياي في دعوى النبوة وإياهم في دعوى العلم بصدقك فغلب المخاطب على الغائبين

28 - { قال يا قوم أرأيتم } أخبروني { إن كنت على بينة من ربي } حجة شاهدة بصحة دعواي { وآتاني رحمة من عنده } بإيتاء البينة أو النبوة { فعميت عليكم } فخفيت عليكم فلم تهدكم وتوحيد الضمير لن البينة في نفسها هي الرحمة أو لأن خفائها يوجب خفاء النبوة أو على تقدير فعميت بعد البينة وحذفها للاختصار أو لأنه لكل واحدة منهما وقرأ حمزة و الكسائي و حفص { فعميت } أي أخفيت وقرئ فعماها على أن الفعل لله { أنلزمكموها } أنكرهكم على الاهتداء بها { وأنتم لها كارهون } لا تختارونها ولا تتأملون فيها وحيث اجتمع ضميران وليس أحدهما مرفوعا وقدم الأعرف منهما جاز في الثاني الفصل والوصل

29 - { و يا قوم لا أسألكم عليه } على التبليغ وهو وإن لم يذكر فمعلوم مما ذكر { مالا } جعلا { إن أجري إلا على الله } فإنه المأمول منه { وما أنا بطارد الذين آمنوا } جواب لهم حين سألوا طردهم { إنهم ملاقوا ربهم } فيخاصمون طاردهم عنده أو أنهم يلاقونه ويفوزون بقربه فكيف أطردهم { ولكني أراكم قوما تجهلون } بلقاء ربكم أو بأقدراهم أو في التماس طردهم أو تتسفهون عليهم بأن تدعوهم أراذل

30 - { ويا قوم من ينصرني من الله } بدفع انتقامه { إن طردتهم } وهم بتلك الصفة والمثابة { أفلا تذكرون } لتعرفوا أن التماس طردهم وتوقيف الإيمان عليه ليس بصواب

31 - { ولا أقول لكم عندي خزائن الله } رزقه وأمواله حتى جحدتم فضلي { ولا أعلم الغيب } عطف على { عندي خزائن الله } أي : ولا أقول لكم أنا أعلم الغيب حتى تكذبوني استبعادا أو حتى أعلم أن هؤلاء اتبعوني بادي الرأي من غير بصيرة وعقد قلب وعلى الثاني يجوز عطفه على أقول { ولا أقول إني ملك } حتى تقولوا ما أنت إلا بشر مثلنا { ولا أقول للذين تزدري أعينكم } ولا أقول في شأن من استرذلتموهم لفقرهم { لن يؤتيهم الله خيرا } فإن ما أعده الله لهم في الآخرة خير مما آتاكم في الدنيا { الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين } إن قلت شيئا من ذلك والازدراء به افتعال من زرى عليه إذا عابه قلبت تاؤه دالا لتجانس الراء في الجهر وإسناده إلى الأعين للمبالغة والتنبيه على أنهم استرذلوهم بادي الرؤية من غير روية بما عاينوا من رثاثة حالهم وقلة منالهم دون تأمل في معانيهم وكمالاتهم

32 - { قالوا يا نوح قد جادلتنا } خاصمتنا { فأكثرت جدالنا } فأطلته أوأتيت بأنواعه { فأتنا بما تعدنا } من العذاب { إن كنت من الصادقين } في الدعوى والوعيد فإن مناظرتك لا تؤثر فينا

33 - { قال إنما يأتيكم به الله إن شاء } عاجلا أو آجلا { وما أنتم بمعجزين } بدفع العذاب أو الهرب منه

34 - { ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم } شرط ودليل وجواب والجملة دليل جواب قوله : { إن كان الله يريد أن يغويكم } وتقدير الكلام إن كان الله يريد أن يغويكم فإن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي ولذلك تقول لو قال الرجل أنت طالق إن دخلت الدار إن كلمت زيدا فدخلت ثم كلمت لم تطلق وهو جواب لما أوهموا من أن جداله كلام بلا طائل وهو دليل على أن إرادة الله تعالى يصح تعلقها بالإغواء وأن خلاف مراده محال وقيل { أن يغويكم } أن يهلككم من غوى الفصيل غوى إذا بشم فهلك { هو ربكم } هو خالقكم والمتصرف فيكم وفق إرادته { وإليه ترجعون } فيجازيكم على أعمالكم

35 - { أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي } وباله وقرئ إجرامي على الجمع { وأنا بريء مما تجرمون } من إجرامكم في إسناد الافتراء إلي

36 - { وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس } فلا تحزن ولا تتأسف { بما كانوا يفعلون } أقنطه الله تعالى من إيمانهم ونهاه أن يغتم بما فعلوه من التكذيب ولإيذاء

37 - { واصنع الفلك بأعيننا } ملتبسا بأعيننا عبر بكثرة آلة الحس الذي يحفظ به الشيء ويراعي عن الاختلال و الزيغ عن المبالغة في الحفظ والرعاية على طريق التمثيل { ووحينا } إليك كيف تصنعها { ولا تخاطبني في الذين ظلموا } ولا تراجعني فيهم ولا تدعني باستدفاع العذاب عنهم { إنهم مغرقون } محكوم عليهم بالإغراق فلا سبيل إلى كفه

38 - { ويصنع الفلك } حكاية حال ماضية { وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه } استهزؤوا به لعمله السفينة فإنه كان يعملها في برية بعيدة من الماء أوان عزته وكانوا يضحكون منه ويقولون له : صرت نجارا بعدما كنت نبيا { قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون } إذا أخذكم الغرق في الدنيا والحرق قي الآخرة وقيل المراد بالسخرية الاستجهال

39 - { فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه } يعني به إياهم وبالعذب الغرق { ويحل عليه } وينزل عليه أو يحل عليه حلول الدين الذي لا انفكاك عنه { عذاب مقيم } دائم وهو عذاب النار

40 - { حتى إذا جاء أمرنا } غاية لقوله { ويصنع الفلك } وما بينهما حال من الضمير فيه أو حتى هي التي يبتدأ بعدها الكلام { وفار التنور } بنبع الماء منه وارتفع كالقدر تفور و { التنور } تنور الخبز ابتدأ منه النبوع على خرق العادة وكان في الكوفة في موضع مسجدها أو في الهند أو بعين وردة من أرض الجزيرة وقيل التنور وجه الأرض أو أشرف موضع فيها { قلنا احمل فيها } في السفينة { من كل } من كل نوع من الحيوانات المنتفع بها { زوجين اثنين } ذكرا وأنثى هذا على قراءة حفص والباقون أضافوا على معنى احمل اثنين من كل صنف ذكر وصنف ذكر وصنف أنثى { وأهلك } عطف على { زوجين } أو { اثنين } والمراد امرأته وبنوه ونساؤهم { إلا من سبق عليه القول } بأنه من المغرقين يريد ابنه كنعان وأمه واعلة فإنهما كانا كافرين { ومن آمن } والمؤمنين من غيرهم { وما آمن معه إلا قليل } قيل كانوا تسعة وسبعين زوجته المسلمة وبنوه الثلاثة سام وحام ويافث ونساؤهم واثنان وسبعون رجلا وامرأة من غيرهم روي أنه عليه الصلاة و السلام اتخذ السفينة في سنتين من الساج وكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسين وسمكها ثلاثين وجعل لها ثلاثة بطون فحمل في أسفلها الدواب والوحش وفي أوسطها الإنس وفي أعلاها الطير

41 - { وقال اركبوا فيها } أي صيروا فيها وجعل ذلك ركوبا لأنها في الماء كالمركوب في الأرض { بسم الله مجريها ومرساها } متصل ب { اركبوا } حال من الواو أي اركبوا فيها مسمين الله أو قائلين باسم الله وقت إجرائها وإرسائها أو مكانهما على أن المجرى والمرسى للوقت أو المكان أو المصدر والمضاف محذوف كقولهم : آتيك خفوق النجم وانتصابهما بما قدرناه حالا ويجوز رفعهما ب { بسم الله } على أن المراد بهما المصدر أو جملة من مبتدأ وخبر أي إجراءها { بسم الله } على أن { بسم الله } خبر أو صلة والخبر محذوف وهي إما جملة مقتضية لا تعلق لها بما قبلها أو حال مقدرة من الواو أو الهاء وروي أنه كان إذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت وإذا أراد أن ترسو قال بسم الله فرست ويجوز أن يكون الاسم مقحما كقوله :
( ثم اسم السلام عليكما )
وقرأ حمزة و الكسائي و عاصم برواية حفص { مجريها } بالفتح من جرى وقرئ { مرساها } أيضا من رسا وكلاهما يحتمل الثلاثة ومجريها ومرسيها بلفظ الفاعل صفتين لله { إن ربي لغفور رحيم } أي لولا مغفرته لفرطاتكم ورحمته إياكم لما نجاكم

42 - { وهي تجري بهم } متصل بمحذوف دل عليه { اركبوا } فركبوا مسمين وهي تجري وهم فيها { في موج كالجبال } في موج من الطوفان وهو ما يرتفع من الماء عند اضطرابه كل موجة منها كجبل في تراكمها وارتفاعها وما قيل من أن الماء طبق ما بين السماء والأرض وكانت السفينة تجري في جوفه ليس بثابت والمشهور أنه علا شوامخ الجبال خمسة عشر ذراعا وإن صح فلعل ذلك قبل التطبيق { ونادى نوح ابنه } كنعان وقرئ ابنها و { ابنه } بحذف الألف على أن الضمير لامرأته وكان ربيبه وقيل كان لغير رشده لقوله تعالى : { فخانتاهما } وهو خطأ إذ الأنبياء عصمن من ذلك والمراد بالخيانة الخيانة في الدين وقرئ ابناه على الندبة ولكونها حكاية سوغ حذف الحرف { وكان في معزل } عزل فيه نفسه عن أبيه أو عن دينه مفعل للمكان من غزله عنه إذا أبعده { يا بني اركب معنا } في السفينة والجمهور كسروا الياء ليدل على ياء المضافة المحذوفة في جميع القرآن غير ابن كثير فإنه وقف عليها في لقمان في الموضع الأول باتفاق الرواة وفي الثالث في رواية قنبل و عاصم فإنه فتح ها هنا اقتصارا على الفتح من الألف المبدلة من ياء الإضافة واختلفت الرواية عنه في سائر المواضع وقد أدغم الباء في الميم أبو عمرو و
الكسائي و حفص لتقاربهما { ولا تكن مع الكافرين } في الدين والانعزال

43 - { قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء } أن يغرقني { قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم } إلا الراحم وهو الله تعالى أو الإمكان من رحمهم الله وهم المؤمنون رد بذلك أن يكون اليوم معتصم من جبل ونحوه يعصم اللائذ به إلا معتصم المؤمنين وهو السفينة وقيل لا عاصم بمعنى لا ذا عصمة كقوله : { في عيشة راضية } وقيل الاستثناء منقطع أي لكن من رحمه الله يعصمه { وحال بينهما الموج } بين نوح وابنه أو بين ابنه والجبل { فكان من المغرقين } فصار من المهلكين بالماء

44 - { وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي } نوديا بما ينادى به أولو العلم وأمرا بما يؤمرون به تمثيلا لكما قدرته وانقيادهما لما يشاء تكونيه فيهما بالأمر المطاع الذي يأمر المنقاد لحكمه المبادر إلى امتثال أمره مهابة من عظمته وخشية من أليم عقابه والبلع النشف والإقلاع والإمساك { وغيض الماء } نقص { وقضي الأمر } وأنجز ما وعد من إهلاك الكافرين وإنجاء المؤمنين { واستوت } واستقرت السفينة { على الجودي } جبل بالموصل وقيل بالشام وقيل بآمل روي أنه ركب السفينة عاشر رجب ونزل عنها عاشر المحرم فصام ذلك اليوم فصار ذلك سنة { وقيل بعدا للقوم الظالمين } هلاكا لهم يقال بعد بعدا وبعدا إذا أبعد بعدا بعيدا بحيث لا يرجى عوده ثم استعير للهلاك وخص بدعاء السوء والآية في غاية الفصاحة لفخامة الفظها وحسن نظمها والدلالة على كنه الحال مع الإيجاز الخالي عن الإخلال وفي إيراد الإخبار على البناء للمفعول دلالة على تعظيم الفاعل وأنه متعين في نفسه مستغن عن ذكره إذ لا يذهب الوهم إلى غيره للعلم بأن مثل هذه الأفعال لا يقدر عليه سوى الواحد القهار

45 - { ونادى نوح ربه } وأراد نداءه بدليل عطف قوله : { فقال رب إن ابني من أهلي } فإنه النداء { وإن وعدك الحق } وإن كل وعد تعده حق لا يتطرق إليه الخلف وقد وعدت أن تنجي أهلي فما حاله أو فما له لم ينج ويجوز أن يكون هذا النداء قبل غرقه { وأنت أحكم الحاكمين } لأنك أعلمهم و أعدلهم أو لأنك أكثر حكمة من ذوي الحكم على أن الحاكم من الحكمة كالدارع من الدرع

46 - { قال يا نوح إنه ليس من أهلك } لقطع الولاية بين المؤمن والكافر وأشار إليه بقوله : { إنه عمل غير صالح } فإنه تعليل لنفي كونه من أهله وأصله إنه ذو عمل فاسد فجعل ذاته ذات العمل للمبالغة كقول الخنساء تصف ناقة :
( ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار )
ثم بدل الفاسد بغير الصالح تصريحا بالمناقضة بين وصفيهما وانتفاء ما أوجب النجاة لمن نجا من أهله عنه وقرأ الكسائي و يعقوب { إنه عمل غير صالح } أي عمل عملا غير صالح { فلا تسألن ما ليس لك به علم } ما لا تعلم أصواب هو أم ليس كذلك وإنما سمي نداءه سؤالا لتضمن ذكر الوعد بنجاة أهله استنجازه في شأن ولده أو استفسار المانع للإنجاز في حقه وإن ما سماه جهلا وزجر عنه بقوله : { إني أعظك أن تكون من الجاهلين } لأن استثناء من سبق عليه القول من أهله قد دله على الحال وأغناه عن السؤال لكن أشغله حب الولد عنه حتى اشتبه عليه الأمر وقرأ ابن كثير بفتح اللام والنون الشديدة وكذلك نافع و ابن عامر غير أنهما كسرا النون على أن أصله تسألنني فحذفت نون الوقاية لاجتماع النونات وكسرت الشديدة للياء ثم حذفت اكتفاء بالكسرة وعن نافع برواية رويس إثباتها في الوصل

47 - { قال رب إني أعوذ بك أن أسألك } فيما يستقبل { ما ليس لي به علم } ما لا علم لي بصحته { وإلا تغفر لي } وإن لم تغفر لي ما فرط مني في السؤال { وترحمني } بالتوبة والتفضل علي { أكن من الخاسرين } أعمالا

48 - { قيل يا نوح اهبط بسلام منا } أنزل من السفينة مسلما من المكاره من جهتنا أو مسلما عليك { وبركات عليك } ومباركا عليك أو زيادات في نسلك حتى تصير آدما ثانيا وقرء { اهبط } بالضم وبركة على التوحيد وهو الخير النامي { وعلى أمم ممن معك } وعلى أمم هم الذين معك سموا أمما لتحزبهم أو لتشعب الأمم منهم او وعلى أمم ناشئة ممن معك والمراد بهم المؤمنون لقوله : { وأمم سنمتعهم } أي وممن معك أمم سنمتعهم في الدنيا { ثم يمسهم منا عذاب أليم } في الآخرة والمراد بهم الكفار من ذرية من معه وقيل هم قوم هود وصالح ولوط وشعيب والعذاب ما نزل بهم

49 - { تلك } إشارة إلى قصة نوح ومحلها الرفع بالابتداء وخبرها : { من أنباء الغيب } أي بعضها { نوحيها إليك } خبر ثان والضمير لها أي موحاة إليك أو حال من ال { أنباء } أو هو الخبر و { من أنباء } متعلق به أوحال من الهاء في { نوحيها } { ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا } خبر آخر أي مجهولة عندك وعند قومك من قبل إيحائنا إليك أو حال من الهاء في نوحيها أو الكاف في { إليك } أي : جاهلا أنت وقومك بها وفي ذكرهم تنبيه على أنه لم يتعلمها إذ لم يخالط غيرهم وأنهم مع كثرتهم لما لم يسمعوها فكيف بواحد منهم { فاصبر } على مشاق الرسالة وأذية القوم كما صبر نوح { إن العاقبة } في الدنيا بالظفر وفي الآخرة بالفوز { للمتقين } عن الشرك والمعاصي

50 - { وإلى عاد أخاهم هودا } عطف على قوله { نوحا إلى قومه } و { هودا } عطف بيان { قال يا قوم اعبدوا الله } وحده { ما لكم من إله غيره } وقرء بالجر حملا على المجرور وحده { إن أنتم إلا مفترون } على الله باتخاذ الأوثان شركاء وجعلها شفعاء

51 - { يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني } خاطب كل رسول به قومه إزاحة للتهمة و تمحيضا للنصيحة فإنها لا تنجع مادامت مشوبة بالمطامع { أفلا تعقلون } أفلا تستعملون عقولكم فتعرفوا المحق من المبطل والصواب من الخطأ

52 - { ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه } اطلبوا مغفرة الله بالإيمان ثم توسلوا إليها بالتوبة وأيضا التبري من الغير إنما يكون بعد الإيمان بالله والرغبة فيما عنده { يرسل السماء عليكم مدرارا } كثير الدر { ويزدكم قوة إلى قوتكم } ويضاعف قوتكم وإنما رغبهم بكثرة المطر وزيادة القوة لأنهم كانوا أصحاب زروع وعمارات وقيل حبس الله عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم ثلاثين سنة فوعدهم هود عليه السلام على للإيمان والتوبة بكثرة الأمطار و تضاعف القوة بالتناسل { ولا تتولوا } ولا تعرضوا عما أدعوكم إليه { مجرمين } مصرين على إجرامكم

53 - { قالوا يا هود ما جئتنا ببينة } بحجة تدل على صحة دعواك وهو لفرط عنادهم وعدم اعتدادهم بما جاءهم من المعجزات { وما نحن بتاركي آلهتنا } بتاركي عبادتهم { عن قولك } صادرين عن قولك حال من الضمير في تاركي { وما نحن لك بمؤمنين } إقناط له من الإجابة والتصديق

54 - { إن نقول إلا اعتراك } ما نقول إلا قولنا { اعتراك } أي أصابك من عراه يعروه إذا أصابه { بعض آلهتنا بسوء } بجنون لسبك إياها وصدك عنها ومن ذلك تهذي وتتكلم بالخرافات والجملة مقول القول وإلا لغو لأن الاستثناء مفرغ { قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون }

55 - { من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون } أجاب به عن مقالتهم الحمقاء بأن أشهد الله تعالى على براءته من آلهتهم وفراغه عن إضرارهم تأكيدا لذلك وتثبيتا له وأمرهم بأن يشهدوا عليه استهانة بهم وأن يجتمعوا على الكيد في إهلاكه من غير إنظار حتى إذا اجتهدوا فيه ورأوا أنهم عجزوا عن آخرهم وهم الأقوياء الأشداء أن يضروه لم يبق لهم شبهة أن آلهتهم التي هي جماد لا يضر ولا ينفع لا تتمكن من إضراره انتقاما منه وهذا من جملة معجزاته فإن مواجهة الواحد الجم الغفير من الجبابرة الفتاك العطاش إلى إراقة دمه بهذا الكلام ليس إلا لثقته بالله و تثبطهم عن إضراره ليس إلا بعصمته إياه ولذلك عقبه بقوله :

56 - { إني توكلت على الله ربي وربكم } تقريرا له والمعنى أنكم وإن بذلتم غاية وسعكم لن تضروني فإني متوكل على الله واثق بكلاءته وهو مالكي ومالككم لا يحيق بي ما لم يرده ولا يقدرون على ما لم يقدره ثم برهن عليه بقوله : { ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها } أي إلا وهو مالك لها قادر عليها يصرفها على ما يريد بها والأخذ بالنواصي تمثيل لذلك { إن ربي على صراط مستقيم } أي أنه على الحق والعدل لا يضيع عنده معتصم ولا يفوته ظالم

57 - { فإن تولوا } فإن تتولوا { فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم } فقد أديت ما علي من الإبلاغ وإلزام الحجة فلا تفريط مني ولا عذر لكم فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم { ويستخلف ربي قوما غيركم } استئناف بالوعيد لهم بأن الله يهلكهم وستخلف قوما آخرين في ديارهم وأموالهم أو يعطف على الجواب الفاء ويؤيده القراءة بالجزم على الموضع كأنه قيل : وإن تتولوا يعذرني ربي ويستخلف { ولا تضرونه } لتوليكم { شيئا } من الضرر ومن جزم يستخلف أسقط النون منه { إن ربي على كل شيء حفيظ } رقيب فلا تخفى عليه أعمالكم ولا يغفل عن مجازاتكم أو حافظ مستول عليه فلا يمكن أن يضره شيء

58 - { ولما جاء أمرنا } عذابنا أو امرنا العذاب { نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا } وكانوا أربعة آلاف { ونجيناهم من عذاب غليظ } تكرير لبيان ما نجاهم منه وهو السموم كانت تدخل أنوف الكفرة وتخرج من أدبارهم فتقطع أعضائهم أو المراد به تنجيتهم من عذاب الآخرة أيضا والتعريض بأن المهلكين كما عذبوا في الدنيا بالسموم فهم معذبون في الآخرة بالعذاب الغليظ

59 - { وتلك عاد } أنث اسم الإشارة باعتبار القبيلة أو لأن الإشارة إلى قبورهم وآثارهم { جحدوا بآيات ربهم } كفروا بها { وعصوا رسله } لأنهم عصوا رسولهم ومن عصي رسولا فكأنما عصى الكل لأنهم أمروا بطاعة كل رسول { واتبعوا أمر كل جبار عنيد } يعنى كبراءهم الطاغين و { عنيد } من عند عندا وعندا و عنودا إذا طغى والمعنى عصوا من دعاهم إلى للإيمان وما ينجيهم وأطاعوا من دعاهم إلى الكفر وما يرديهم

60 - { وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة } أي جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين تكبهم في العذاب { ألا إن عادا كفروا ربهم } جحدوه أو كفروا نعمه أو كفروا به فحذف الجار { ألا بعدا لعاد } عداء عليهم بالهلاك والمراد به الدلالة على أنهم كانوا مستوجبين لما نزل عليهم بسبب ما حكي عنهم وإنما كرر ألا وأعاد ذكرهم تفظيعا لأمرهم وحثا على الاعتبار بحالهم { قوم هود } عطف بيان العاد وفائدته تمييزهم عن عاد الثانية عاد إرم ولإيماء إلى أن استحقاقهم للبعد بما جرى بينهم وبين هود

61 - { وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض } هو كونكم منها لا غيره فإنه خلق آدم ومواد النطف التي خلق نسله منها من التراب { واستعمركم فيها } عمركم فيها واستبقاكم من العمر أو أقدركم على عمارتها وأمركم بها وقيل هو من العمرى بمعنى أعمركم فيها دياركم ويرثها منكم بعد انصرام أعماركم أو جعلكم معمرين دياركم تسكنونها مدة عمركم ثم تتركونها لغيركم { فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب } قريب الرحمة { مجيب } لداعيه

62 - { قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا } لما نرى فيك من مخايل الشد والسداد أن تكون لنا سيدا ومستشارا في الأمور أو أن توافقنا في الدين فلما سمعنا هذا القول منك انقطع رجاؤنا عنك { أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا } على حكاية الحال الماضية { وإننا لفي شك مما تدعونا إليه } من التوحيد والتبري عن الأوثان { مريب } موقع في الريبة من أرابه أو ذي ريبة على الإسناد المجازي من أراب في الأمر

63 - { قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي } بيان وبصيرة وحرف الشك باعتبار المخاطبين { وآتاني منه رحمة } نبوة { فمن ينصرني من الله } فمن يمنعنني من عذابه { إن عصيته } في تبليغ رسالته والمنع عن الإشراك به { فما تزيدونني } إذن باستتباعكم إياي { غير تخسير } غير أن تخسروني بإبطال ما منحني الله به والتعرض لعذابه أو فما تزيدونني بما تقولون لي غير أن أنسبكم إلى الخسران

64 - { ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية } انتصب آية على الحال وعاملها معنى الإشارة ولكم حال منها تقدمت عليها لتنكيرها { فذروها تأكل في أرض الله } ترع نباتها وتشرب ماءها { ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب } عاجل لا يتراخى عن مسكم لها بالسوء إلا يسيرا وهو ثلاثة أيام

65 - { فعقروها فقال تمتعوا في داركم } عيشوا في منازلكم أو في داركم الدنيا { ثلاثة أيام } الأربعاء والخميس والجمعة ثم تهلكون { ذلك وعد غير مكذوب } أي غير مكذوب فيه فاتسع فيه بإجرائه مجرى المفعول به كقوله :
( ويوم شهدناه سليما وعامرا )
أو غير مكذوب على المجاز وكأن الواعد قال له أفي بك فإن وفى به صدقه وإلا كذبه أو وعد غير كذب على أنه مصدر كالمجلود والمعقول

66 - { فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ } أي ونجيناهم من خزي يومئذ وهو هلاكهم بالصيحة أو ذلهم وفضيحتهم يوم القيامة وعن نافع { يومئذ } بالفتح على اكتساب المضاف البناء من المضاف إليه هنا وفي المعارج في قوله : { من عذاب يومئذ } { إن ربك هو القوي العزيز } القادر على كل شيء والغالب عليه

67 - { وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين } قد سبق تفسير ذلك في سورة الأعراف

68 - { كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم } نونه أبو بكر ها هنا وفي النجم والكسائي في جميع القرآن و ابن كثير و نافع و ابن عامر و أبو عمرو في قوله : { ألا بعدا لثمود } ذهابا إلى الحي أو الأب الأكبر

69 - { ولقد جاءت رسلنا إبراهيم } يعني الملائكة قيل : كانوا تسعة وقيل ثلاثة جبريل و ميكائيل و إسرافيل { بالبشرى } ببشارة الولد وقيل بهلاك قوم لوط { قالوا سلاما } سلمنا عليك سلاما ويجوز نصبه ب { قالوا } على معنى ذكروا سلاما { قال سلام } أي أمركم أو جوابي سلام أو وعليكم سلام رفعه إدابة بأحسن من تحيتهم وقرأ حمزة و الكسائي سلم وكذلك في الذاريات وهما لغتان كحرم وحرام وقيل المراد به الصلح { فما لبث أن جاء بعجل حنيذ } فما أبطأ مجيئه به أو فما أبطأ في المجيء به أو فما تأخر عنه والجار في { أن } مقدر أو محذوف والحنيذ المشوي بالرضف وقيل الذي يقطر ودكه من حنذت الفرس إذا عرقته بالجلال لقوله : { بعجل سمين }

70 - { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه } لا يمدون إليه أيديهم { نكرهم وأوجس منهم خيفة } أنكر ذلك منهم وخاف أن يريدوا به مكروها ونكر وأنكر واستنكر بمعنى والإيجاس الإدراك وقيل الإضمار { قالوا } له لما أحسوا منه اثر الخوف { لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط } إنا ملائكة مرسلة إليهم بالعذاب وإنما لم نمد إليه أيدينا لأنا لا نأكل

71 - { وامرأته قائمة } وراء الستر تسمع محاورتهم أو على رؤوسهم للخدمة { فضحكت } سرورا بزوال الخيفة أو بهلاك أهل الفساد أو بإصابة رأيها فإنها كانت تقول لإبراهيم : اضمم إليك لوطا فإن أعلم أن العذاب ينزل بهؤلاء القوم وقيل فضحكت فحاضت قال الشاعر :
( وعهدي بسلمى ضاحكا في لبابة ... ولم يعد حقا ثديها أن تحلما )
ومنه ضحكت السمرة إذا سال صمغها وقرئ بفتح الحاء { فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب } نصبه ابن عامر و حمزة و حفص بفعل يفسره ما دل عليه الكلام وتقديره : ووهبناها من وراء إسحاق يعقوب وقيل إنه معطوف على موضع { بإسحاق } أو على لفظ { إسحاق } وفتحته للجر فإنه غير مصروف ورد للفصل بينه وبين ما عطف عليه بالظرف وقرأ الباقون بالرفع على أنه مبتدأ وخبره الظرف أي و { يعقوب } مولود من بعده وقيل الوراء ولد الولد ولعله سمي به لأنه بعد الولد وعلى هذا تكون إضافته إلى { إسحاق } ليس من حيث أن يعقوب عليه الصلاة و السلام وراءه بل من حيث إنه وراء إبراهيم من جهته وفيه نظر والاسمان يحتمل وقوعهما في البشارة كحيي ويحتمل وقوعهما في الحكاية بعد أن ولدا فسميا به وتوجيه البشارة إليها للدلالة على أن الولد المبشر به يكون منها لا من هاجر ولأنها كانت عقيمة حريصة على الولد

72 - { قالت يا ويلتى } يا عجبا وأصله في الشر فأطلق على كل أمر فظيع وقرئ بالياء على الأصل { أألد وأنا عجوز } ابنة تسعين أو تسع تسعين { وهذا بعلي } زوجي وأصله القائم بالأمر { شيخا } ابن مائة أو مائة وعشرين ونصبه على الحال والعامل فيها معنى اسم الإشارة وقرئ بالرفع على أنه خبر محذوف أي هو شيخ أو خبر بعد خبر أو هو الخبر و { بعلي } بدل { إن هذا لشيء عجيب } يعني الولد من هرمين وهو استعجاب من حيث العادة دون القدرة ولذلك :

73 - { قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت } منكرين عليها فإن خوارق العادات باعتبار أهل بيت النبوة ومهبط المعجزات وتخصيصهم بمزيد النعم والكرامات ليس ببدع ولا حقيق بأن يستغربه عاقل فضلا عمن نشأت وشابت في ملاحظة الآيات وأهل البيت نصب على المدح أو النداء لقصد التخصيص قولهم : اللهم اغفر لنا أيتها العصابة { إنه حميد } فاعل ما يستوجب به الحمد { مجيد } كثير الخير والإحسان

74 - { فلما ذهب عن إبراهيم الروع } أي ما أوجس من الخيفة واطمأن قلبه بعرفانهم { وجاءته البشرى } بدل الورع { يجادلنا في قوم لوط } يجادل رسلنا في شأنهم ومجادلته إياهم قوله : { إن فيها لوطا } وهو إما جواب لما جيء مضارعا على حكاية الحال أولنه في سياق الجواب بمعنى الماضي كجواب لو أو دليل جوابه المحذوف مثل اجترأ على خطابنا أو شرع في جدالنا أو متعلق به أقيم مقامه مثل أخذ أو أقبل يجادلنا

75 - { إن إبراهيم لحليم } غير عجول على الانتقام من المسيء إليه { أواه } كثير التأوه من الذنوب والتأسف على الناس { منيب } راجع إلى الله والمقصود من ذلك بيان الحامل له على المجادلة وهو رقة قلبه وفرط ترحمه

76 - { يا إبراهيم } على إرادة القول أي قالت الملائكة { يا إبراهيم } { أعرض عن هذا } الجدال { إنه قد جاء أمر ربك } قدره بمقتضى قضائه الأزلي بعذابهم وهو أعلم بحالهم { وإنهم آتيهم عذاب غير مردود } مصروف بجدال ولا دعاء ولا غير ذلك

77 - { ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم } ساءه مجيئهم لأنهم جاؤوه في صورة فلمان فظن أنهم أناس فخاف عليهم أن يقصدهم قومه فيعجز عن مدافعتهم { وضاق بهم ذرعا } وضاق بمكانهم صدره وهو كناية عن شدة الانقباض للعجز عن مدافعة المكروه والاحتيال فيه { وقال هذا يوم عصيب } شديد من عصبه إذا شده

78 - { وجاءه قومه يهرعون إليه } يسرعون إليه كأنهم يدفعون دفعا لطلب الفاحشة من أضيافه { ومن قبل } أي ومن قبل ذلك الوقت { كانوا يعملون السيئات } الفواحش فتمرنوا بها ولم يستحيوا منها حتى جاؤوا يهرعون لها مجاهرين { قال يا قوم هؤلاء بناتي } فدى بهن أضيافه كرما وحمية والمعنى هؤلاء بناتي فتزوجوهن وكانوا يطلبونهن قبل فلا يجيبهم لخبثهم وعدم كفاءتهم لا لحرمة المسلمات على الكفار فإنه شرع طارئ أو مبالغة في تناهي خبث ما يرومونه حتى إن ذلك أهون منه أو إظهارا لشدة امتعاضه من ذلك كي يرقوا له وقيل المراد بالبنات نساؤهم فإن كل نبي أبو أمته من حيث الشفقة والتربية وفي حرف ابن مسعود { وأزواجه أمهاتهم } وهو أب لهم { هن أطهر لكم } أنظف فعلا وأقل فحشا كقولك : الميتة أطيب من المعصوب وأحل منه وقرئ { أطهر } بالنصب على الحال على أنهن خبر بناتي كقولك : هذا أخي هو الأفضل فإنه لا يقع بين الحال وصاحبها { فاتقوا الله } بترك الفواحش أو بإيثارهن عليهم { ولا تخزون } ولا تفضحوني من الخزي أو ولا تخجلوني من الخزاية بمعنى الحياء { في ضيفي } في شأنهم فإن إخزاء ضيف الرجل إخزاؤه { أليس منكم رجل رشيد } يهتدي إلى الحق ويرعوي عن القبيح

79 - { قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق } من حاجة { وإنك لتعلم ما نريد } وهو إتيان الذكران

80 - { قال لو أن لي بكم قوة } لو قويت بنفسي على دفعكم { أو آوي إلى ركن شديد } إلى قوي أبلغ به عنكم شبهه بركن الجبل في شدته وعن النبي صلى الله عليه و سلم [ رحم الله أخي لوطا كان يأوي إلى ركن شديد ] وقرئ { أو آوي } بالنصب بإضمار أن كأنه قال : لو أن لي بكم قوة أو أويا وجواب لو محذوف تقديره لدفعتكم روي أنه أغلق بابه دون أضيافه وأخذ يجادلهم من وراء الباب فتسوروا الجدار فلما رأت الملائكة ما على لوط من الكرب

81 - { قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك } لن يصلوا إلى إضرارك بإضرارنا فهون عليك ودعنا وإياهم فخلا هم أن يدخلوا فضرب جبريل عليه السلام بجناحه وجوههم فطمس أعينهم وأعماهم فخرجوا يقولون النجاء النجاء فإن في بيت لوط سحرة { فأسر بأهلك } بالقطع من الإسراء وقرأ ابن كثير و نافع بالوصل حيث وقع في القرآن من السري { بقطع من الليل } بطائفة منه { ولا يلتفت منكم أحد } ولا يتخلف أو لا ينظر إلى ورائه والنهي في اللفظ لأحد وفي المعنى للوط { إلا امرأتك } استثناء من قوله : { فأسر بأهلك } ويدل عليه أنه قرئ بأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك وهذا إنما يصح على تأويل الالتفات بالتخلف فإنه إن فسر بالنظر إلى الوراء في الذهاب ناقض ذلك قراءة ابن كثير و أبي عمرو بالرفع على البدل من أحد ولا يجوز حمل القراءتين على الروايتين في أنه خلفها مع قومها أو أخرجها فلما سمعت صوت العذاب التفتت و قالت يا قوماه فأدركها حجر فقتلها لأن الواقع لا يصح حملها على المعاني المتناقضة والأولى جعل الاستثناء في القراءتين من قوله : { ولا يلتفت } مثله في قوله تتعالى : { ما فعلوه إلا قليل } ولا يبعد أن يكون أكثر القراء على غير الأفصح ولا يلزم من ذلك أمرها بالالتفات بل عدم نهيها عنه استصلاحا ولذلك علل طريقة الاستئناف بقوله : { إنه مصيبها ما أصابهم } ولا يحسن جعل الاستثناء منقطعا على قراءة الرفع { إن موعدهم الصبح } كأنه علة الأمر بالإسراء { أليس الصبح بقريب } جواب لاستعجال لوط واستبطائه العذاب

82 - { فلما جاء أمرنا } عذابنا أو أمرانا به ويؤيده الأصل وجعل التعذيب مسببا عنه بقوله : { جعلنا عاليها سافلها } فإنه جواب لما وكان حقه : جعلوا عاليها سافلها أي الملائكة المأمورون به فأسند إلى نفسه من حيث إنه المسبب تعظيما للأمر فإنه روي : أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت مدائنهم ورفعها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب وصياح الديكة ثم قلبها عليهم { وأمطرنا عليها } على المدن أو على شذاذها { حجارة من سجيل } من طين متحجر لقوله : { حجارة من طين } وأصله سنك كل فعرب وقيل إنه من أسجله إذا أرسله أو أدر عطيته والمعنى من مثل الشيء المرسل أومن مثل العطية في الإدرار أو من السجل أي مما كتب الله أن يعذبهم به وقيل أصله من سجين أي من جهنم فأبدلت نونه لاما { منضود } نضد معدا لعذابهم أو نضد في الإرسال بتتابع بعضه بعضا كقطار الأمطار أو نضد بعضه على بعض وألصق به

83 - { مسومة } معلمة للعذاب وقيل معلمة ببياض وحمرة أو بسيما تتميز به عن حجارة الأرض أو باسم من يرمى بها { عند ربك } في خزائنه { وما هي من الظالمين ببعيد } فإنهم بظلمهم حقيق بأن تمطر عليهم وفيه وعيد لكل ظالم أمتك ما من ظالم منهم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلا ساعة وقيل الضمير للقرى أي هي قريبة من ظالمي مكة يمرون بها في أسفارهم إلى الشام وتذكير البعيد على تأويل الحجر أو المكان

84 - { وإلى مدين أخاهم شعيبا } أراد أولاد مدين بن إبراهيم عليه الصلاة و السلام أو أهل مدين وهو بلد بناه فسمي باسمه { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان } أمرهم بالتوحيد أولا فإنه ملاك الأمر ثم نهاهم عما اعتادوه من البخس المنافي للعدل المخل بحكمة التعاوض { إني أراكم بخير } بسعة تغنيكم عن البخس أو بنعمة حقها أن تتفضلوا على الناس شكرا عليها لا أن تنقصوا حقوقهم أو بسعة فلا تزيلوها مما أنتم عليه وهو في الجملة علة للنهي { وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط } لا يشذ منه أحد منكم وقيل عذاب منهلك من قوله : { وأحيط بثمره } والمراد عذاب يوم القيامة أو عذاب الاستئصال ووصف اليوم بالإحاطة وهي صفة العذاب لاشتماله عليه

85 - { ويا قوم أوفوا المكيال والميزان } صرح بالأمر بالإيفاء بعد النهي عن ضده مبالغة وتنبيها على أنه لا يكفيهم الكف عن تعمدهم التطفيف بل يلزمهم السعي في الإيفاء ولو بزيادة لا يتأتى بدونها { بالقسط } بالعدل والسوية من غير زيادة ولا نقصان فإن الازدياد إيفاء وهو مندوب غير مأمور به وقد يكون محظورا { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } تعميم بعد تخصيص فإنه أعم من أن يكون في المقدار أو في غيره وكذا قوله : { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } فإن العثو يعم تنقيص الحقوق وغيره من أنواع الفساد وقيل المراد بالبخس المكس كأخذ العشور في المعاملات والعثو السرعة وقطع الطريق والغارة وفائدة الحال إخراج ما يقصد به الإصلاح كما فعله الخضر عليه الصلاة و السلام وقيل معناه ولا تعثوا في الأرض مفسدين في أمر دينكم ومصالح آخرتكم

86 - { بقية الله } ما أبقاه لكم من الحلال بعد التنزه عما حرم عليكم { خير لكم } مما تجمعون بالتطفيف { إن كنتم مؤمنين } بشرط أن تؤمنوا فإن خيريتها باستتباع الثواب مع النجاة وذلك مشروط بالإيمان أو إن كنتم مصدقين لي في قولي لكم وقيل البقية الطاعة كقوله : { والباقيات الصالحات } وقرئ تقية الله بالتاء وهي تقواه التي تكف عن المعاصي
{ وما أنا عليكم بحفيظ } أحفظكم عن القبائح أو أحفظ عليكم أعمالكم فأجازيكم عليها وإنما أنا ناصح مبلغ وقد أعذرت حين أنذرت او لست بحافظ عليكم نعم الله لو لم تتركوا سوء صنيعكم

87 - { قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا } من الأصنام أجابوا به آمرهم بالتوحيد على الاستهزاء به والتهكم بصلواته والإشعار بأن مثله لا يدعو إليه داع عقلي وإنما دعاك إليه خطرات ووساس من جنس ما تواظب عليه وكان شعيب كثير الصلاة فلذلك جمعوا وخصوا الصلاة بالذكر وقرأ حمزة و الكسائي و حفص على الإفراد والمعنى أصلواتك تأمرك بتكليف أن نترك فحذف المضاف لأن الرحل لا يؤمر بفعل غيره { أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء } عطف على ما أي وأن نترك فعلنا ما نشاء في أموالنا وقرئ بالتاء فيهما على أن العطف على { أن نترك } وهو جواب النهي عن التطفيف والأمر بالإيفاء وقيل كان ينهاهم عن تقطيع الدراهم والدنانير فأرادوا بذلك { إنك لأنت الحليم الرشيد } تهكموا به وقصدوا وصفه بضد ذلك أو عللوا إنكار ما سمعوا منه واستبعاده بأنه موسوم بالحلم والرشد المانعين عن المبادرة إلى أمثال ذلك

88 - { قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي } إشارة إلى ما آتاه الله من العلم والنبوة { ورزقني منه رزقا حسنا } إشارة إلى ما آتاه الله من المال الحلال وجواب الشرط محذوف تقديره فهل يسع مع هذا الإنعام الجامع للسعادات الروحانية والجسمانية أن أخون في وحيه وأخلفه فيأمره ونهيه وهو اعتذار عما أنكروا عليه من تغيير المألوف والنهي عن دين الآباء والضمير في { منه } لله أي من عنده وبإعانته بلا كد مني في تحصليه { وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } أي وما أريد أن آتي ما أنهاكم عند لأستبد به دونكم فلو كان صوابا لآثرته ولم أعرض عنه فضلا عن أن أنهى عنه يقال خالفت زيدا إلى كذا إذا قصدته وهو مول عنه وخالفته عنه إذا كان الأمر بالعكس { إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت } ما أريد إلا أن أصلحكم بأمري بالمعروف ونهيي عن المنكر مادمت أستطيع الإصلاح فلو وجدت الصلاح فيما أنتم عليه لما نهيتكم عنه ولهذه الأجوبة الثلاثة على ÷ذا النسق شأن : وهو التنبيه على أن العاقل يجب أن يراعي في كل ما يأتيه ويذره أحد حقوق ثلاثة أهمها وأعلاها حق الله تعالى وثانيها حق النفس وثالثها حق الناس وكل ذلك يقتضي أن آمركم بما أمرتكم به وأنهكم عما نهيتكم عنه و { ما } مصدرية واقعة موقع الظرف وقيل خبرية بدل من { الإصلاح } أي ما المقدار الذي استطعته أو إصلاح ما استطعته فحذف المضاف { وما توفيقي إلا بالله } وما توفيقي لإصابة الحق والصواب إلا بهدايته ومعونته { عليه توكلت } فإنه القادر المتمكن من كل شيء وما عداه عاجز في حد ذاته بل معدوم ساقط عن درجة الاعتبار وفيه إشارة إلى محض التوحيد الذي هو أقصى مراتب العلم بالمبدأ { وإليه أنيب } إشارة إلى معرفة المعاد وهو أيضا يفيد الحصر بتقديم الصلة على الفعل وفي هذه الكلمات طلب التوفيق لإصابة الحق فيما يأته ويذره من الله تعالى والاستعانة به في مجامع أمره والإقبال عليه بشراشره وحسم أطماع الكفار وإظهار الفراغ عنهم وعدم المبالاة بمعاداتهم وتهديدهم بالرجوع إلى الله للجزاء

89 - { ويا قوم لا يجرمنكم } لا يكسبنكم { شقاقي } معاداتي { أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح } من الغرق { أو قوم هود } من الريح { أو قوم صالح } من الرجفة و { أن } بصلتها ثاني مفعولي جزم فإنه يعدى إلى واحد وإلى اثنين ككسب وعن ابن كثير يجرمنكم بالضم وهو منقول من المتعدي إلى مفعول واحد والأول أفصح فإن أجرم أقل دورانا على ألسنة الفصحاء وقرئ { مثل } بالفتح لإضافته إلى المبني كقوله :
( لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت ... حمامة في غصون ذات أرقال )
{ وما قوم لوط منكم ببعيد } زمانا أو مكانا فإن لم تعتبروا بمن قبلها فاعتبروا بهم أو ليسوا ببعيد منكم في الكفر والمساوي فلا يبعد عنكم ما أصابهم وإفراد البعيد لأن المراد وما إهلاكهم أو وما هم بشيء بعيد ولا يبعد أن يسوى في أمثاله بين المذكر والمؤنث لأنها على زنة المصادر كالصهيل والشهيق

90 - { واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه } عما أنتم عليه { إن ربي رحيم } عظيم الرحمة للتائبين { ودود } فاعل بهم من اللطف والإحسان ما يفعل البليغ المودة بمن يوده وهو وعد على التوبة بعد الوعيد على الإصرار

91 - { قالوا يا شعيب ما نفقه } ما نفهم { كثيرا مما تقول } كوجوب التوحيد وحرمة البخس وما ذكرت دليلا عليهما وذلك لقصور عقولهم وعدم تفكرهم وقيل قالوا ذلك استهانة بكلامه أو لأنهم لم يلقوا إليه أذهانهم لشدة نفرتهم عنه { وإنا لنراك فينا ضعيفا } لا قوة لك فتمتنع منا إن أردنا بك سوءا أو مهينا لا عز لك وقيل أعمى بلغة حمير وهو مع عدم مناسبته برده التقييد بالظرف ومنع بعض المعتزلة استنباء الأعمى قياسا على القضاء والشهادة والفرق بين { ولولا رهطك } قومك وعزتهم عندنا لكونهم على ملتنا لا لخوف من شوكتهم فإن الرهط من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى التسعة { لرجمناك } لقتلناك برمي الأحجار أو بأصعب وجه { وما أنت علينا بعزيز } فتمنعنا عزتك عن الرجم وهذا ديدن السفيه المحجوج يقابل الحجج والآيات بالسب والتهديد وفي إيلاء ضميره حرف النفي تنبيه على أن الكلام فيه لا في ثبوت العزة وأن المانع لهم عن إيذائه عزة قومه ولذلك

92 - { قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا } وجعلتموه كالمنسي المنبوذ وراء الظهر بإشراككم به والإهانة برسوله فلا تبقون علي لله وتبقون علي لرهطي وهو يحتمل الإنكار والتوبيخ والرد والتكذيب و { ظهريا } منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب { إن ربي بما تعملون محيط } فلا يخفى عليه شيء منها فيجازي عليها

93 - { ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه } سبق مثله في سورة الأنعام والفاء في ف { سوف تعلمون } ثمة للتصريح بأن الإصرار والتمكن فيما هم عليه سبب لذلك وحذفها ها هنا لأنه جواب سائل قال : فماذا يكون بعد ذلك ؟ فهو أبلغ في التهويل { ومن هو كاذب } عطف على من يأتيه لا لأنه قسيم له كقولك : ستعلم الكاذب والصادق بل لأنهم لما أوعدوه وكذبوه قال : سوف تعلمون من المعذب والكاذب مني ومنكم وقيل كان قياسه ومن هو صادق لينصرف الأول إليهم والثاني إليه لكنهم لما كانوا يدعونه كاذبا قال : ومن هو كاذب على زعمهم { وارتقبوا } وانتظروا ما أقول لكم { إني معكم رقيب } منتظر فعيل بمعنى الراقب كالصريم أو المراقب كالعشير أو المرتقب كالرفيع

94 - { ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا } إنما ذكره بالواو كما في قصة عاد إذ لم يسبقه ذكر وعد يجري مجرى السبب له بخلاف قصتي صالح ولوط فإنه ذكر بعد الوعد وذلك قوله : { وعد غير مكذوب } وقوله : { إن موعدهم الصبح } فلذلك جاء بفاء السببية { وأخذت الذين ظلموا الصيحة } قيل صاح بهم جبريل عليه السلام فهلكوا { فأصبحوا في ديارهم جاثمين } ميتين وأصل الجثوم اللزوم في المكان

95 - { كأن لم يغنوا فيها } كأن لم يقيموا فيها { ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود } شبههم بهم لأن عذابهم كان أيضا بالصيحة غير أن صيحتهم كانت من تحتهم وصيحة مدين كانت من فوقهم وقرئ { بعدت } الضم على الأصل فإن الكسر تغيير لتخصيص معنى البعد بما يكون بسبب الهلاك والبعد مصدر لهما والبعد مصدر المكسور

96 - { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا } بالتوراة أو المعجزات { وسلطان مبين } وهو المعجزات القاهرة أو العصا وإفرادها بالذكر لأنها أبهرها ويجوز أن يراد بهما واحد أي : ولقد أرسلناه بالجامع بين كونه آياتنا وسلطانا له على نبوته واضحا في نفسه أو موضحا إياها فإن أبان جاء لازما ومتعديا والفرق بينهما أن الآية تعم الأمارة والدليل القاطع والسلطان يخص بالقاطع والمبين يخص يما فيه جلاء

97 - { إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون } فاتبعوا أمره بالكفر بموسى أو فما تبعوا موسى الهادي إلى الحق المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة واتبعوا طريقة فرعون المنهمك في الضلال والطغيان الداعي إلى مالا يخفى فساده على من له أدنى مسكة من العقل لفرط جهالتهم وعدم استبصارهم { وما أمر فرعون برشيد } مرشد أو ذي رشد وإنما هو غي محض وضلال صريح

98 - { يقدم قومه يوم القيامة } إلى النار كما كان يقدمهم في الدنيا إلى الضلال يقال قدم بمعنى تقدم { فأوردهم النار } ذكره بلفظ الماضي مبالغة في تحقيقه ومنزل النار لهم منزلة الماء فسمى إتيانها موردا ثم قال : { وبئس الورد المورود } أي بئس المورد الذي وردوه فإنه يراد لتبريد الأكباد وتسكني العطش والنار بالضد والآية كالدليل على قوله : { وما أمر فرعون برشيد } فإن من كان هذه عاقبته لم يكن في أمره رشد أو تفسير له على أن المراد بالرشيد ما يكون مأمون العاقبة حميدها

99 - { وأتبعوا في هذه } الدنيا { لعنة ويوم القيامة } أي يلعنون في الدنيا والآخرة { بئس الرفد المرفود } بئس العون المعان أو العطاء المعطى وأصل الرفد ما يضاف إلى غيره ليعمده والمخصوص بالذم محذوف أي رفدهم وهو اللعنة في الدارين

100 - { ذلك } أي ذلك النبأ { من أنباء القرى } المهلكة { نقصه عليك } مقصوص عليك { منها قائم } من تلك القرى باق كالزرع القائم { وحصيد } ومنها عافي الأثر كالزرع المحصود والجملة مستأنفة وقيل حال من الهاء في نقصه وليس بصحيح إذ لا واو ولا ضمير

101 - { وما ظلمناهم } بإهلاكنا إياهم { ولكن ظلموا أنفسهم } بأن عرضوها له بارتكاب ما يوجبه { فما أغنت عنهم } فما نفعتهم ولا قدرت أن تدفع عنهم بل ضرتهم { آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك } حين جاءهم عذابه ونقمته { وما زادوهم غير تتبيب } هلاك أو تخسير

102 - { وكذلك } ومثل ذلك الأخذ { أخذ ربك } وقرئ { أخذ ربك } بالفعل وعلى هذا يكون محل الكاف النصب على المصدر { إذا أخذ القرى } أي أهلها وقرئ إذ لأن المعنى على المضي { وهي ظالمة } حال من { القرى } وهي في الحقيقة لأهلها لكنها لما أقيمت مقامه أجريت عليها وفائدتها الإشعار بأنهم أخذوا بظلمهم وإنذار كل ظالم ظلم نفسه أو غيره من وخامة العقبة { إن أخذه أليم شديد } وجيع غير مرجو الخلاص منه وهو مبالغة في التهديد والتحذير

103 - { إن في ذلك } أي فيما نزل بالأمم الهالكة أو فيما قصه الله تعالى من قصصهم { لآية } لعبرة { لمن خاف عذاب الآخرة } يعتبر به عظمته لعلمه بأن ما حاق بهم أنموذج مما أعد الله للمجرمين في الآخرة أو ينزجر به عن موجباته لعلمه بأنها من إله مختار بعذب من يشاء ويرحم من يشاء فإن من أنكر الآخرة وأحال فناء هذا العالم لم يقل بالفاعل المختار وجعل تلك الوقائع للأسباب فلكية اتفقت في تلك الأيام لا لذنوب المهلكين بها { ذلك } إشارة إلى يوم القيامة وعذاب الآخرة دل عليه { يوم مجموع له الناس } أي يجمع له الناس والتغيير للدلالة على ثبات معنى الجمع لليوم وأنه من شأنه لا محالة وأن الناس لا يفكون عنه فهو أبلغ من قوله : { يوم يجمعكم ليوم الجمع } ومعنى الجمع له الجمع لما فيه من المحاسبة والمجازاة { وذلك يوم مشهود } أي مشهود فيه أهل السموات والأرضين فاتسع فيه بإجراء الظرف مجرى المفعول به كقوله :
( في محفل من نواصي الناس مشهود )
أي كثر شاهدوه ولو جعل اليوم مشهودا في نفسه لبطل الغرض من تعظيم اليوم وتمييزه فإن سائر الأيام كذلك

104 - { وما نؤخره } أي اليوم { إلا لأجل معدود } إلا لانتهاء مدة معدودة متناهية على حذف المضاف وإرادة مدة التأجيل كلها بالأجل لا منتهاها فإنه غير معدود

105 - { يوم يأتي } أي الجزاء او لا اليوم كقوله : { أو تأتيهم الساعة } على أن { يوم } بمعنى حين أو الله عز و جل كقوله تعالى : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل } ونحوه وقرأ أبن عامر و عاصم و حمزة { يأت } بحذف الياء اجتزاء عنها بالكسرة { لا تكلم نفس } لا تتكلم بما ينفع وينجي من جواب أو شفاعة وهو الناصب للظرف ويحتمل نصبه بإضمار اذكر أو بالانتهاء المحذوف { إلا بإذنه } إلا بإذن الله كقوله : { لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن } وهذا في موقف وقوله : { هذا يوم لا ينطقون * ولا يؤذن لهم فيعتذرون } في موقف آخر أو المأذون فيه هي الجوابات الحقة والممنوع عنه هي الأعذار الباطلة { فمنهم شقي } وجبت له النار بمقتضى الوعيد { وسعيد } وجبت له الجنة بموجب الوعد والضمير لأهل الموقف وإن لم يذكر لأنه معلوم مدلول عليه بقوله : { لا تكلم نفس } أو للناس

106 - { فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق } الزفير إخراج النفس والشهيق رده واستعمالها في أول النهيق وآخره والمراد بهما الدلالة على شدة كربهم وغمهم وتشبيه حالهم بمن استولت الحرارة على قلبه وانحصر فيه روحه أو تشبيه صراخهم بأصوات الحمير وقرئ { شقوا } بالضم

107 - { خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض } ليس لارتباط دوامهم في النار بدوامهما فإن النصوص دالة على تأبيد دوامهم وانقطاع دوامهما بل التعبير عن التأييد والمبالغة بما كانت العرب يعبرون به عنه على سبيل التمثيل ولو كان الارتباط لم يلزم أيضا من زوال السموات والأرض زوال عذابهم ولا من دوامه دوامهما إلا من قبيل المفهوم لأن دوامهما كالملزوم لدوامه وقد عرفت أن المفهوم لا يقاوم المنطوق وقيل المراد سموات الآخرة وأرضها ويدل عليه قوله تعالى : { يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات } وإن أهل الآخرة لابد لهم من مظل ومقل وفيه نظر لأنه تشبيه بما لا يعرف أكثر الخلق وجوده ودوامه ومن عرفه فإنما يعرفه بما يدل على دوام الثواب والعقاب فلا يجدي له التشبيه { إلا ما شاء ربك } استثناء من الخلود في النار لأن بعضهم وهم فساق الموحدين يخرجون منها وذلك كاف في صحة الاستثناء لأن زوال الحكم عن الكل يكفيه زواله عن البعض وهم المراد بالاستثناء الثاني فإنهم مفارقون عن الجنة أيام عذابهم فإن التأييد من مبدأ معين ينتقض باعتبار الابتداء كما ينتقض باعتبار الانتهاء وهؤلاء شقوا بعصيانهم فقد سعدوا بإيمانهم ولا يقال فعلى هذا لم يكن قوله : { فمنهم شقي وسعيد } تقسيما صحيحا لأن من شرطه أن تكون صفة كل قسم منتفية عن قسمنه لأن ذلك الشرط حيث التقسيم لانفصال حقيقي أو مانع من الجمع و ها هنا المراد أن أهل الموقف لا يخرجون عن القسمين وأن حالهم لا يخلو عن السعادة والشقاوة وذلك لا يمنع اجتماع الأمرين في شخص باعتبارين أو لأن أهل النار ينقلون منها إلى الزمهرير وغيره من العذاب أحيانا وكذلك أهل الجنة ينعمون بما هو أعلى من الجنة كالاتصال بجناب القدس والفوز برضوان الله ولقائه او من أصل الحكم والمستثنى زمان توقفهم في الموقف للحساب لأن ظاهره يقتضي أن يكونوا في النار حين يأتي اليوم أو مدة لبثهم في الدنيا والبرزخ إن كان الحكم مطلقا غير مقيد باليوم وعلى هذا التأويل يحتمل أن يكون الاستثناء من الخلود على ما عرفت وقيل هو من قوله : { لهم فيها زفير وشهيق } وقيل إلا هاهنا بمعنى سوى كقولك على ألف إلا الألفان القديمان والمعنى سوى ما شاء ربك من الزيادة التي لا آخر لها على مدة بقاء السموات والأرض { إن ربك فعال لما يريد } من غير اعتراض

108 - { وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ } غير مقطوع وهو تصريح بأن الثواب لا ينقطع وتنبيه على أن المراد من الاستثناء في الثواب ليس الانقطاع ولأجله فرق بين الثواب والعقاب بالتأييد وقرأ حمزة و الكسائي و حفص { سعدوا } على البناء للمفعول من سعده الله بمعنى أسعده و { عطاء } نصب على المصدر المؤكد أي أعطوا عطاء او الحال من الجنة

109 - { فلا تك في مرية } شك بعد ما أنزل عليك من آمال أمر الناس { مما يعبد هؤلاء } من عبادة هؤلاء المشركين في أنها ضلال مؤد إلى مثل ما حل بمن قبلهم ممن قصصت عليك سوء عاقبة عبادتهم أو من حال ما يعبدونه في أنه يضر ولا ينفع { ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل } استئناف معناه تعليل النهي عن المرية أي هم وآباؤهم سواء في الشرك أي ما يعبدون عبادة إلا كعبادة آبائهم أو ما يعبدون شيئا إلا مثل ما عبدوه من الأوثان وقد بلغك ما لحق آباءهم من ذلك فسيلحقهم مثله لأن التماثيل في الأسباب يقتضي التماثل في المسببات ومعنى { كما يعبد } كما كان يعبد فحذف للدلالة من قبل عليه { وإنا لموفوهم نصيبهم } حظهم من العذاب كآبائهم أو من الرزق فيكون عذرا لتأخير العذاب عنهم مع قيام ما يوجبه { غير منقوص } حل من النصيب لتقييد التوفية فإنك تقول : وفيته حقه وتريد به وفاء بعضه ولو مجازا

110 - { ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه } فآمن به قوم وكفر به قوم كما اختلف هؤلاء في القرآن { ولولا كلمة سبقت من ربك } يعني كلمة الإنظار إلى يوم القيامة { لقضي بينهم } بإنزال ما يستحقه المبطل ليتميز به عن المحق { وإنهم } وإن كفار قومك { لفي شك منه } من القرآن { مريب } موقع في الريبة

111 - { وإن كلا } وإن كل المختلفين المؤمنين منهم والكافرين والتنوين بدل من المضاف إليه وقرأ ابن كثير و نافع و أبو بكر بالتخفيف مع الإعمال اعتبار ا للأصل { لما ليوفينهم ربك أعمالهم } اللام الأولى موطئة للقسم والثانية للتأكيد أو بالعكس وما مزيدة بينهما للفصل وقرأ ابن عامر و عاصم و حمزة { لما } بالتشديد على أن أصله لمن ما فقلبت النون ميما للإدغام فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت أولاهن والمعنى لمن الذين يوفينهم ربك جزاء أعملها وقرئ لما بالتنوين أي جميعا كقوله : { أكلا لما } { وإن كل لما } على أن { إن } نافية و { لما } بمعنى إلا وقد قرئ به { إنه بما يعملون خبير } فلا يفوته شيء منه وإن خفي

112 - { فاستقم كما أمرت } لما بين أمر المختلفين في التوحيد والنبوة وأطنب في شرح الوعد والوعيد أمر رسوله صلى الله عليه و سلم بالاستقامة مثل ما أمر بها وهي شاملة للاستقامة في العقائد كالتوسط بين التشبيه والتعطيل بحيث يبقى العقل مصونا من الطرفين والأعمال من تبليغ الوحي وبيان الشرائع ما أنزل والقيام بوظائف العبادات من غير تفريط وإفراط مفوت للحقوق ونحوها وهي في غاية العسر ولذلك قال عليه الصلاة و السلام [ شيبتني هود ] { ومن تاب معك } أي تاب من الشرك والكفر وآمن معك وهو عطف على المستكن في استقم وإن لم يؤكد بمنفصل لقيام الفاصل مقامه { ولا تطغوا } ولا تخرجوا عما حد لكم { إنه بما تعملون بصير } فهو مجازيكم عليه وهو في معنى التعليل الأمر والنهي وفي الآبه دليل على وجوب اتباع النصوص من غير تصرف وانحراف بنحو قياس واستحسان

113 - { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا } ولا تميلوا إليهم أدنى ميل فإن الركون هو الميل اليسير كالتزيي بزيهم وتعظيم ذكرهم واستدامته { فتمسكم النار } بركونكم إليهم وإذا كان الركون إلى من وجد منه ما يسمى ظلما كذلك فما ظنك بالركون إلى الظالمين أي الموسومين بالظلم ثم بالميل إليهم كل الميل ثم لا بالظلم نفسه والانهماك فيه ولعل الآية أبلغ ما يتصور في النهي عن الظلم والتهديد عليه وخطاب الرسول صلى الله عليه و سلم ومن معه من المؤمنين بها للتثبيت على الاستقامة التي هي العدل فإن الزوال عنها بالميل إلى أحد طرفي إفراط وتفريط فإنه ظلم على نفسه أو غيره بل ظلم في نفسه وقرئ { تركنوا } فتمسكم بكسر التاء على لغة تميم و { تركنوا } على البناء للمفعول من أركنه { وما لكم من دون الله من أولياء } من أنصار يمنعون العذاب عنكم والواو للحال { ثم لا تنصرون } أي ثم لا ينصركم الله إذ سبق في حكمه أن يعذبكم ولا يبقي عليكم وثم لاستبعاد نصره إياهم وقد أوعدهم بالعذاب عليه وأوجبه لهم ويجوز أن يكون منزلا منزلة الفاء لمعنى الاستبعاد فإنه لما بين الله معذبهم وأن غيره لا يقدر على نصرهم انتج ذلك أنهم لا ينصرون أصلا

114 - { وأقم الصلاة طرفي النهار } غدوة وعشية وانتصابه على الظرف لأنه مضاف إليه { وزلفا من الليل } وساعات منه قريبة من النهار فإنه من أزلفه إذا قربه وهو جمع زلفة وصلاة الغداة صلاة الصبح لأنها أقرب الصلاة من أول النهار وصلاة العشية صلاة العصر وقيل الظهر والعصر لأن ما بعد الزوال عشي وصلاة الزلف المغرب والعشاء وقرئ زلفا بضمتين وضمة وسكون كبسر وبسر في بسرة و { زلفى } بمعنى زلفة كقربى وقربة { إن الحسنات يذهبن السيئات } يكفرنها وفي الحديث [ إن الصلاة إلى الصلاة كفارة ما بينهما ما اجتنبت الكبائر ] وفي سبب النزول [ أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال إني قد أصبت من امرأة غير أني لم آتها فنزلت ] { ذلك } إشارة إلى قوله { فاستقم } وما بعده وقيل إلى القرآن { ذكرى للذاكرين } عظة للمتعظين

115 - { واصبر } على الطاعات وعن المعاصي { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } عدول عن الضمير ليكون كالبرهان على المقصود ودليلا على أن الصلاة والصبر إحسان وإيماء بأنه لا يعتد بهما دون الإخلاص

116 - { فلولا كان } فهلا كان { من القرون من قبلكم أولو بقية } من الرأي والعقل أو أولو فضل وإنما سمي { بقية } لأن الرجل يستبقي أفضل ما يخرجه ومنه يقال فلان من بقية القوم أي من خيارهم ويجوز أن يكون مصدرا كالتقية أي ذوو إبقاء على أنفسهم وصيانة لها من العذاب ويؤيده أنه قرئ { بقية } وهي المرة من مصدر بقاه يبقيه إذا راقبه { ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم } لكن قليلا منهم أنجيناهم لأنهم كانوا كذلك ولا يصح اتصاله إلا إذا جعل استثناء من النفي اللازم للتحضيض { واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه } ما أنعموا فيه من الشهوات واهتموا بتحصيل أسبابها وأعرضوا عما وراء ذلك { وكانوا مجرمين } كافرين كأنه أراد أن يبين ما كان السبب لاستئصال الأمم السالفة وهو فشو الظلم فيهم واتباعهم للهوى وترك النهي عن المنكرات مع الكفر وقوله واتبع معطوف مضمر دل عليه الكلام إذ المعنى : فلم ينهوا عن الفساد واتبع الذين ظلموا وكانوا مجرمين عطف على { اتبع } أو اعترض وقرئ وأتبع أي وأتبعوا جزاء ما أترفوا فتكون الواو للحال ويجوز أن تفسر به المشهورة ويعضده تقدم الإنجاء

117 - { وما كان ربك ليهلك القرى بظلم } بشرك { وأهلها مصلحون } فيما بينهم لا يضمون إلى شركهم فسادا وتباغيا وذلك لفرط رحمته و مسامحته في حقوقه ومن ذلك قدم الفقهاء عند تزاحم الحقوق حقوق العباد وقيل الملك يبقى مع الشرك ولا يبقى مع الظلم

118 - { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة } مسلمين كلهم وهو دليل ظاهر على أن الأمر الإرادة وأنه تعالى لم يرد الإيمان من كل أحد وأن ما أراده يجب وقوعه { ولا يزالون مختلفين } بعضهم على الحق وبعضهم على الباطل لا تكاد تجد اثنين يتفقان مطلقا

119 - { إلا من رحم ربك } إلا ناسا هداهم الله من فضله فاتفقوا على ما هو أصول دين الحق والعمدة فيه { ولذلك خلقهم } إن كان الضمير ل { الناس } فالإشارة إلى الاختلاف واللام للعاقبة أو إليه وإلى الرحمة وإن كان لمن فإلى الرحمة { وتمت كلمة ربك } وعيد أو قوله للملائكة { لأملأن جهنم من الجنة والناس } أي من عصاتهما { أجمعين } أو منهما أجمعين لا من أحدهما

120 - { وكلا } وكل نبأ { نقص عليك من أنباء الرسل } نخبرك به { ما نثبت به فؤادك } بيان لكلا أو بدل منه وفائدته التنبيه على المقصود من الاقتصاص وهو زيادة يقينه وطمأنينة قلبه وثبات نفسه على أداء الرسالة واحتمال أذى الكفار او مفعول { وكلا } منصوب على المصدر بمعنى كل نوع من أنواع الاقتصاص نقص عليك ما نثبت به فؤادك من أنباء الرسل { وجاءك في هذه } السورة أو الأنباء المقتصة عليك { الحق } ما هو حق { وموعظة وذكرى للمؤمنين } إشارة إلى سائر فوائده العامة

سورة يوسف
121

122 - { وانتظروا } بنا الدوائر { إنا منتظرون } أن ينزل بكم نحو ما نزل على أمثالكم

123 - { ولله غيب السموات والأرض } خاصة لا يخفى عليه خافية مما فيهما { وإليه يرجع الأمر كله } فيرجع لا محالة أمرهم وأمرك إليه وقرأ نافع و حفص ويرجع على البناء للمفعول { فاعبده وتوكل عليه } فإنه كافيك وقي تقديم الأمر بالعبادة على التوكل تنبيه على أنه إنما ينفع العابد { وما ربك بغافل عما تعملون } أنت وهم فيجازي كلا ما يستحقه وقرأ نافع و ابن عامر و حفص بالياء هنا وفي آخر النمل [ عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من قرأ سورة هود أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بنوح ومن كذب به وهود وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وموسى وكان يوم القيامة من السعداء إن شاء الله تعالى ]

مكية وآيها مائة وإحدى عشرة آية
بسم الله الرحمن الرحيم
1 - { الر تلك آيات الكتاب المبين } { تلك } إشارة إلى آيات السورة وهي المراد ب { الكتاب } أي تلك الآيات آيات السورة الظاهرة أمرها في الإعجاز أو الواضحة معانيها أو المبينة لمن تدبرها أنها من عند الله أو لليهود ما سألوا إذ روي أن علماءهم قالوا لكبراء المشركين سلوا محمدا لم أنتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر وعن قصة يوسف عليه السلام فنزلت

2 - { إنا أنزلناه } أي الكتاب { قرآنا عربيا } سمى البعض { قرآنا } لأنه في الأصل اسم حمس يقع على الكل والبعض وصار علما للكل بالغلبة ونصبه على الحال وهو في نفسه إما توطئة للحال التي هي { عربيا } أو حال لأنه مصدر بمعنى مفعول و { عربيا } صفة له او حال من الضمير فيه أو حال بعد حال وفي كال ذلك خلاف { لعلكم تعقلون } علة لإنزاله بهذه الصفة أي أنزلناه مجموعا أو مقروءا بلغتكم كي تفهموه وتحيطوا بمعانيه أو تستعملوا في عقولكم فتعلموا أن اقتصاصه كذلك ممن لم يتعلم القصص معجز لا يتصور إلا بالإيحاء

3 - { نحن نقص عليك أحسن القصص } أحسن الاقتصاص لأن اقتص على أبدع الأساليب أو أحسن ما يقص لاشتماله على العجائب والحكم والآيات والعبر فعل بمعنى مفعول كالنقص والسلب واشتقاقه منقص أثره إذا تبعه { بما أوحينا إليك } أي بإيحائنا { هذا القرآن } يعني السورة ويجوز أن يجعل هذا مفعول نقص على أن أحسن نصب على المصدر { وإن كنت من قبله لمن الغافلين } عن هذه القصة لم تخطر ببالك ولم تقرع سمعك قط وهو تعليل لكونه موحى وإن هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة

4 - { إذ قال يوسف } بدل من { أحسن القصص } إن جعل مفعولا بدل الاشتمال أو منصوب بإضمار اذكر و { يوسف } عبري ولو كان عربيا لصرف وقرئ بفتح السين وكسرها على التلعب به لا على أنه مضارع بني للمفعول أو الفاعل من آسف لأن المشهورة شهدت بعجمته { لأبيه } يعقوب ين إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام [ وعنه عليه الصلاة و السلام الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ] { يا أبت } أصله يا أبي فعوض عن الياء تاء التأنيث لتناسبهما في الزيادة ولذلك قلبها هاء في الوقف ابن كثير و أبو عمرو و يعقوب وكسرها لأنها عوض حرف يناسبها وفتحها ابن عامر في كل القرآن لأنها حركة أصلها أو لأنه كان يا أبتا فحذف الألف وبقي الفتحة وإنما جاز يا أبتا ولم يجز يا أبتي لأنه جمع بين العوض والمعوض وقرئ بالضم إجراء لها مجرى الأسماء المؤنثة بالتاء من غير اعتبار التعويض وإنما لم تسكن كأصلها لأنها حرف صحيح منزل منزلة الاسم فيجب تحريكها ككاف الخطاب { إني رأيت } من الرؤيا لا من الرؤية لقوله : { لا تقصص رؤياك } ولقوله : { هذا تأويل رؤياي من قبل } { أحد عشر كوكبا والشمس والقمر } روي عن جابر رضي الله تعالى عنه [ أن يهوديا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال أخبرني يا محمد عن النجوم التي رآهن يوسف فسكت فنزل جبريل عليه السلام فأخبره بذلك فقال إذا أخبرتك هل تسلم قال نعم قال جريان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له فقال اليهودي إي والله إنها لأسماؤها ] { رأيتهم لي ساجدين } استئناف لبيان حالهم التي رآهم عليها فلا تكرير وإنما أجريت مجرى العقلاء لوصفها بصفاتهم

5 - { قال يا بني } تصغير ابن صغره للشفقة أو لصغر السن لأنه كان ابن اثنتي عشرة سنة وقرأ حفص هنا وفي الصافات بفتح الياء { لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا } فيحتالوا لإهلاكك حيلة فهم يعقوب عليه السلام من رؤياه أن الله يصطفيه لرسالته ويفوقه على إخوته فخاف عليه حسدهم وبغيهم والرؤيا كالرؤية غير أنها مختصة بما يكون في النوم فرق بينهما بحرفي التأنيث كالقربة والقربى وهي انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة إلى الحس المشترك والصادقة منها إنما تكون باتصال النفس بالملكوت لما بينهما من التناسب عند فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ فتتصور بما فيها مما يليق بها من المعاني الحاصلة هناك ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبه فترسلها إلى الحس المشترك فتصير مشاهدة ثم إن كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوت إلا بالكلية والجزئية استغنت الرؤيا عن التعبير وإلا احتاجت إليه وإنما عدي كاد باللام وهو متعد بنفسه لتضمنه معنى فعل يعدى به تأكيدا ولذلك أكد بالمصدر وعلله بقوله : { إن الشيطان للإنسان عدو مبين } ظاهر العداوة لما فعل بآدم عليه السلام وحواء فلا يألو جهدا في تسويلهم وإثارة الحسد فيهم حتى يحملهم على الكيد

6 - { وكذلك } أي وكما اجتباك لمثل هذه الرؤيا الدالة على شرف وعز وكمال نفس { يجتبيك ربك } للنبوة والملك أو لأمور عظام والاجتباء من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك { ويعلمك } كلام مبتدأ خارج عن التشبيه كأنه قيل وهو يعلمك { من تأويل الأحاديث } من تعبير الرؤيا لأنها أحاديث الملك إن كانت صادقة وأحاديث النفس أن الشيطان إن كانت كاذبة أو من تأويل غوامض كتب الله تعالى وسنن الأنبياء وكلمات الحكماء وهو اسم جمع الحديث كأباطيل اسم جمع للباطل { ويتم نعمته عليك } بالنبوة أو بأن يصل نعمة الدنيا بنعمة الآخرة { وعلى آل يعقوب } يريد به سائر بنيه ولعله استدل على نبوتهم بضوء الكواكب أو نسله { كما أتمها على أبويك } بالرسالة وقيل على إبراهيم بالخلة و الإنجاء من النار وعلى إسحاق بإنقاذه من الذبح وفدائه بذبح عظيم { من قبل } أي من قبلك أو من قبل هذا الوقت { إبراهيم وإسحاق } عطف بيان لأبويك { إن ربك عليم } بمن يستحق الاجتباء { حكيم } يفعل الأشياء على ما ينبغي

7 - { لقد كان في يوسف و إخوته } أي في قصتهم { آيات } دلائل قدرة الله تعالى وحكمته أو علامات نبوتك وقرأ ابن كثير آية { للسائلين } لمن سأل عن قصتهم والمراد بإخوته بنو علاته العشرة وهم : يهوذا و روبيل وشمعون و لاوي وزبالون و يشخر ودينة من بنت خالته ليا تزوجها يعقوب أولا فلما توفيت تزوج أختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف وقيل جمع بينهما ولم يكن الجمع محرما حينئذ وأربعة آخرون : دان ونفتالي وجاد وآشر من سريتين زلفة وبلهة

8 - { إذ قالوا ليوسف وأخوه } بنيامين وتخصيصه بالإضافة لاختصاصه بالاخوة من الطرفين { أحب إلى أبينا منا } وحده لن أفعل من لا يفرق فيه بين الواحد وما فوقه ولمذكر وما يقابله بخلاف أخويه فإن الفرق واجب في المحلى جائز في المضاف { ونحن عصبة } والحال أنا جماعة أقوياء أحق بالمحبة من صغيرين لا كفاية فيهما والعصبة والعصابة العشرة فصاعدا سموا بذلك لأن الأمور تعصب بهم { إن أبانا لفي ضلال مبين } لتفضيله المفضول أو لترك التعديل في المحبة روي أنه كان أحب إليه لما يصبر عنه فتبالغ حسدهم حتى حملهم على التعرض له

9 - { اقتلوا يوسف } من جملة المحكي بعد قوله إذ قالوا كأنهم اتفقوا على ذلك الأمر إلا من قال لا تقتلوا يوسف وقيل إنما قاله شمعون أو دان ورضي به الآخرون { أو اطرحوه أرضا } منكورة بعيدة من العمران وهو معنى تنكيرها وإبهامها ولذلك نصبت كالظرف المبهمة { يخل لكم وجه أبيكم } جواب الأمر والمعنى يصف لكم وجه أبيكم فيقبل بكليته عليكم ولا يلتفت عنكم إلى غيركم ولا ينازعكم في محبته أحد { وتكونوا } جزم بالعطف على { يخل } أو نصب بإضمار أن { من بعده } من بعد يوسف أو الفراغ من أمره أو قتله أو طرحه { قوما صالحين } تائبين إلى الله تعالى عما جنيتم أو صالحين مع أبيكم بصلح ما بينكم وبينه بعذر تمهدونه أو صالحين في أمر دنياكم فإنه ينتظم لكم بعده بخلو وجه أبيكم

10 - { قال قائل منهم } يعني يهوذا وكان أحسنهم فيه رأيا وقيل روبيل { لا تقتلوا يوسف } فإن القتل عظيم { وألقوه في غيابة الجب } فيقعره سمي بها لغيبويته عن أعين الناظرين وقرأ نافع في غيابات في الموضعين على الجمع كأن لتلك الجب غيابات وقرئ غيبة وغيابات بالتشديد { يلتقطه } يأخذه { بعض السيارة } بعض الذين يسيرون في الأرض { إن كنتم فاعلين } بمشورتي أو إن كنتم على أن تفعلوا ما يفرق بينه وبين أبيه

11 - { قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف } لم تخافنا عليه { وإنا له لناصحون } ونحن نشفق عليه ونريد له الخير أرادوا به استنزاله عن رأيه في حفظه منهم لما تنسم من حسدهم والمشهور { تأمنا } بالإدغام بإشمام وعن نافع بترك الإشمام ومن الشواذ ترك الإدغام لأنهما من كلمتين وتيمنا بكسر التاء

12 - { أرسله معنا غدا } إلى الصحراء { يرتع } نتسع في أكل الفواكه ونحوها من الرتعة وهي الخصب { ويلعب } بالاستباق والانتضال وقرأ ابن كثير نرتع بكسر العين على أنه من ارتعى يرتعي و نافع بالكسر والياء فيه وفي { يلعب } وقرأالكوفيون و يعقوب بالياء والسكون على إسناد الفعل إلى يوسف وقرئ { يرتع } من أرتع ماشيته و { يرتع } بكسر العين و { يلعب } بالرفع على الابتداء { وإنا له لحافظون } من أن يناله مكروه

13 - { قال إني ليحزنني أن تذهبوا به } لشدة مفارقته علي وقلة صبري عنه { وأخاف أن يأكله الذئب } لأن الأرض كانت مذأبة وقيل رأى في المنام أن الذئب قد شد على يوسف وكان يحذره عليه وقد همزها على الأصل ابن كثير و نافع في رواية قالون وفي رواية اليزيدي و أبو عمرو وقفا و عاصم و ابن عامر و حمزة درجا واشتقاقه من تذاءبت الريح إذا هبت من كل جهة { وأنتم عنه غافلون } لاشتغالكم بالرتع واللعب أو لقلة اهتمامكم بحفظه

14 - { قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة } اللام موطئة للقسم وجوابه : { إنا إذا لخاسرون } ضعفاء مغبونون أو مستحقون لأن يدعى عليهم بالخسار والواو في { ونحن عصبة } للحال

15 - { فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب } وعزموا على إلقاءه فيها والبئر بئر بيت المقدس أو بئر بأرض الأردن أو بين مصر ومدين أو على ثلاثة فراسخ من مقام يعقوب وجواب لما محذوف مثل فعلوا به ما فعلوا من الأذى فقد روي أنهم لما بروزا به إلى الصحراء أخذوا يؤذونه ويضربونه حتى كادوا يقتلونه فجعل يصيح ويستغيث فقال يهوذا : أما عاهدتموني أن لا تقتلونه فأتوا به إلى البئر فدلوه فيها فتعلق بشفيرها فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخوه بالدم ويحتالوا به على أبيهم فقال : يا إخوتاه ردوا علي قميصي أتوارى به فقالوا : ادع الأحد عشر كوكبا والشمس والقمر يلبسوك ويؤنسوك فلما بلغ نصفها ألقوه وكان فيها ماء فسقط فيه ثم آوى إلى صخرة كانت فيها فقام عليها يبكي فجاءه جبريل بالوحي كما قال : { وأوحينا إليه } وكان ابن سبع عشرة سنة وقيل كان مراهقا أوحي إليه في صغره كما أوحي إلى يحيى وعيسى عليهم الصلاة والسلام وفي القصص : أن إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه جبريل عليه السلام بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه فدفعه إبراهيم إلى إسحاق وإسحاق إلى يعقوب فجعله في تميمة علقها بيوسف فأخرجه جبريل عليه السلام وألبسه إياه { لتنبئنهم بأمرهم هذا } لتحدثنهم بما فعلوا بك { وهم لا يشعرون } إنك يوسف لعلو شأنك وبعده عن أوهامهم وطول العهد المغير للحلى والهيئات وذلك إشارة إلى ما قال لهم بمصر حين دخلوا عليه ممتاريين { فعرفهم وهم له منكرون } بشره بما يؤول إليه أمره إيناسا له وتطييبا لقلبه وقيل { وهم لا يشعرون } متصل ب { أوحينا } أي آنسناه بالوحي وهم لا يشعرون ذلك

16 - { و جاؤوا أباهم عشاء } أي آخر النهار وقرئ عشيا وهو تصغير عشي وعششي بالضم والقصر جمع أعشى أي عشوا من البكاء { يبكون } متباكين روي أنه لمل سمع بكاءهم فزع وقال مالكم يا بني وأين بيوسف

17 - { قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق } نتسابق في العدو أو في الرمي وقد يشترك الافتعال والتفاعل كالانتضال و الناضل { وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا } بمصدق لنا { ولو كنا صادقين } لسوء ظنك بنا وفرط محبتك ليوسف

18 - { و جاؤوا على قميصه بدم كذب } أي ذي كذب بمعنى مكذوب فيه ويجوز أن يكون وصفا بالمصدر للمبالغة وقرئ بالنصب على الحال من الواو أي جاؤوا كاذبين و { كدأب } بالدال غير المعجمة أي كدر أو طري وقيل : أصله البياض الخارج على أظفار الأحداث فشبه به الدم اللاصق على القميص وعلى قميصه في موضع النصب على الظرف أي فوق قميصه أو على الحال من الدم إن جوز تقديمها على المجرور روي : أنه لما سمع بخبر يوسف صاح وسأل عن قميصه فأخذه وألقاه على وجه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال : ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه ولذلك { قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا } أي سهلت لكم أنفسكم وهونت في أعينكم أمرا عظيما من السول وهو الاسترخاء { فصبر جميل } أي فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أجمل وفي الحديث [ الصبر الجميل الذي لا شكوى فيه إلى الخلق ] { والله المستعان على ما تصفون } على احتمال ما تصفونه من إهلاك يوسف وهذه الجريمة كانت قبل استنبائهم إن صح

19 - { وجاءت سيارة } رفقة يسيرون من مدين إلى مصر فنزلوا قريبا منت الجب وكان ذلك بعد ثلاث من إلقاءه فيه { فأرسلوا واردهم } الذي يرد الماء ويستقي لهم وكان مالك بن ذعر الخزاعي { فأدلى دلوه } فأرسلها في الجب ليملأها فتدلى بها يوسف فلما رآه { قال يا بشرى هذا غلام } نادى البشرى بشارة لنفسه أو لقومه كأنه قال تعال فهذا أوانك وقيل هو اسم لصاحب له ناداه ليعينه على إخراجه وقرأ غير الكوفيين يا بشراي بالإضافة وأمال فتحة الراء حمزة و الكسائي وقرأ ورش بين اللفظين وقرئ { يا بشرى } بالإدغام وهو لغة بشراي بالسكون على قصد الوقف { وأسروه } أي الوارد وأصحابه من سائر الرفقة وقيل أخفوا أمره وقالوا لهم دفعه إلينا أهل الماء لنبيعه لهم بمصر وقيل الضمير لإخوة يوسف وذلك أن يهوذا كان يأتيه كل يوم بالطعام فأتاه يومئذ فلم يجده فيها فأخبر اخوته فأتوا الرفقة وقالوا : هذا غلامنا أبق منا فاشتروه فسكت يوسف مخافة أن يقتلوه { بضاعة } نصب على الحال أي أخفوه متاعا للتجارة واشتقاقه من البضع فإنه ما بضع من المال للتجارة { والله عليم بما يعملون } لم يخف عليه أسرارهم أو صنيع إخوة يوسف بأبيهم وأخيهم

20 - { و شروه } وباعوه وفي مرجع الضمير الوجهان أو اشتروه من اخوته { بثمن بخس } مبخوس لزيفه أو نقصانه { دراهم } بدل من الثمن
{ معدودة } قليلة فإنهم يزنون بلغ الأوقية ويعدون ما دونها قيل كان عشرين درهما وقيل كان اثنين وعشريين درهما { وكانوا فيه } في يوسف { من الزاهدين } الراغبين عنه والضمير في { وكانوا } إن كان للإخوة فظاهر وإن كان للرفقة وكانوا بائعين فزهدهم فيه لأنهم التقطوه والملتقط للشيء متهاون به خائف من انتزاعه مستعجل في بيعه وإن كانوا مبتاعين فلأنهم اعتقدوا أنه آبق وفيه متعلق بالزاهدين إن جعل اللام للتعريف وإن جعل بمعنى الذي فهو متعلق بمحذوف بينه الزاهدين لأن متعلق الصلة لا يتقدم على الموصول

21 - { وقال الذي اشتراه من مصر } وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر واسمه قطفير أو إطفير وكان الملك يومئذ ريان بن الوليد العمليقيي وقد آمن بيوسف عليه السلام ومات في حياته وقيل كان فرعون موسى عاش أربعمائة سنة بدليل قوله تعالى : { ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات } والمشهور أنه اشتراه العزيز وهو ابن سبع عشرة سنة ولبث في منزله ثلاث عشرة سنة واستوزره الريان وهو ابن ثلاث وثلاثيين سنة وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة واختلف فيما اشتراه به من جعل شراءه به غير الأول فقيل عشرون دينارا وزوجا نعل وثوبان أبيضان وقيل ملؤه فضة وقيل ذهبا { لامرأته } راعيل أو زليخا { أكرمي مثواه } اجعلي مقامه عندنا كريما أي حسنا والمعنى أحسني تعهده { عسى أن ينفعنا } في ضياعنا وأموالنا ونستظهر به في مصالحنا { أو نتخذه ولدا } نتبناه وكان عقيما لما تفرس فيه من الرشد ولذلك قيل : أفرس الناس ثلاثة عزيز مصر وابنة شعيب التي قالت { يا أبت استأجره } وأبو بكر حين استخلف عمر رضي الله تعالى عنهما { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض } وكما مكنا محبته في قلب العزيز أو كما مكناه في منزله أو كما أنجيناه وعطفنا عليه العزيز مكنا له فيها { ولنعلمه من تأويل الأحاديث } عطف على مضمر تقديره ليتصرف فيها بالعدل ولنعلمه أي كان القصد في إنجائه وتمكينه إلى أن يقيم العدل ويدبر أمور الناس ويعلم معاني كتب الله تعالى وأحكام فينفذها أو تعبير المنامات المنبهة على الحوادث الكائنة ليستعد لها ويشتغل بتدبيرها قبل أن تحل كما فعل لسنيه { والله غالب على أمره } لا يرده شيء ولا ينازعه فما يشاء أو على أمر يوسف إن أراد به إخوته شيئا وأراد الله غيره فلم يمكن إلا ما أراده { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أن الأمر كله بيده أو لطائف صنعه وخفايا لطفه

22 - { ولما بلغ أشده } منتهى اشتداد جسمه وقوته وهو سن الوقوف ما بين الثلاثين والأربعين وقيل سن الشباب ومبدؤه بلوغ الحلم { آتيناه حكما } حكمة وهو العلم المؤيد بالعمل أو حكما بين الناس { وعلما } يعني علم تأويل الأحاديث { وكذلك نجزي المحسنين } تنبيه على أنه تعالى إنما آتاه ذلك جزاء على إحسانه في عمله وإتقانه في عنفوان أمره

23 - { وراودته التي هو في بيتها عن نفسه } طلبت منه وتمحلت أن يواقعها من راد يرود إذا جاء وذهب لطلب شيء ومنه الرائد { وغلقت الأبواب } قيل كانت سبعة التشديد للتكثير أو للمبالغة في الإيثاق { وقالت هيت لك } أي أقبل وبادر أو تهيأت والكلمة على الوجهين اسم فعل بني على الفتح كأين وللام للتبيين كالتي فيسقيا لك وقرأ ابن كثير بالضم وفتح الهاء تشبيها له بحيث ونافع و ابن عامر بالفتح وكسر الهاء كعيط وقرأ هشام كذلك إلا أنه تهمز وقد روي عنه ضم التاء وهو لغة فيه وقرئ { هيت } كجير وهئت كجئت من هاء يهيئ إذا تهيأ وقرئ هيئت وعلى هذا فاللام من صلته { قال معاذ الله } أعوذ بالله معاذا { إنه } إن الشأن { ربي أحسن مثواي } سيدي قطفير أحسن تعهدي إذ قال لك في { أكرمي مثواه } فما جزاؤه أن أخونه في أهله وقيل الضمير لله تعالى أي إنه خالقي أحسن منزلتي بأن عطف على قلبه فلا أعصيه { إنه لا يفلح الظالمون } المجازون الحسن بالسيء وقيل الزناة فإن الزنا ظلم على الزاني والمزني بأهله

24 - { ولقد همت به وهم بها } وقصدت مخالطته وقصد مخالطتها والهم بالشيء قصده والعزم عليه ومنه الهمام وهو الذي إذا هم بالشيء أمضاه والمراد بهمه عليه الصلاة و السلام ميل الطبع ومنازعة الشهوة لا القصد الاختياري وذلك مما لا يدخل تحت التكليف بل الحقيق بالمدح والأجر الجزيل من الله من يكف نفسه عن الفعل عند قيام هذا الهم أو مشارفة الهم كقولك قتلته لو لم أخف الله { لولا أن رأى برهان ربه } في قبح الزنا وسوء مغبته لخالطها لشبق الغلمة وكثرة المغالبة ولا يجوز أن يجعل { وهم بها } جواب { لولا } فإنها في حكم أدوات الشرط فلا يتقدم عليها جوابها بل الجواب محذوف بدل عليه وقيل رأى جبريل عليه الصلاة و السلام وقيل تمثل له يعقوب عاضا على أنامله وقيل قطفير وقيل نودي يا يوسف أنت مكتوب في الأنبياء وتعلم عمل السفهاء { كذلك } أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه أو الأمر مثل ذلك { لنصرف عنه السوء } خيانة السيد { والفحشاء } الزنا { إنه من عبادنا المخلصين } الذي أخلصهم الله لطاعته وقرأ ابن كثير و أبو عمرو و ابن عامر و يعقوب بالكسر في كل القرآن إذ كان في أوله الألف وللام أي الذين أخلصوا دينهم لله

25 - { واستبقا الباب } أي تسابقا إلى الباب فحذف الجار أو ضمن الفعل معنى الابتدار وذلك أن يوسف فر منها ليخرج وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج { وقدت قميصه من دبر } اجتذبته من ورائه فانقد قميصه والقد الشق طولا والقط الشق عرضا { وألفيا سيدها } وصادفا زوجها { لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم } إيهاما بأنها فرت منه تبرئة لساحتها عند زوجها وتغييره على يوسف وإغراءه به انتقاما منه و { ما } نافية أو استفهامية بمعنى أي شيء جزاءه إلا السجن

26 - { قال هي راودتني عن نفسي } طالبتني بالمؤاتاة وإنما قال ذلك دفعا لما عرضته له من السجن أو العذاب الأليم ولو لم تكذب عليه لما قاله { وشهد شاهد من أهلها } قيل ابن عم لها وقيل ابن خال لها صبيا في المهد وعن النبي صلى الله عليه و سلم [ تكلم أربعة صغارا ابن ماشطة فرعون وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسى ابن مريم عليه الصلاة و السلام ] إنما ألقى الله الشهادة على لسان أهلها لتكون ألزم عليها { إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين } لأنه يدل على أنها قدت قميصه من قدامه بالدفع عن نفسها أو أنه أسرع خلفها فتعثر بذيله فانقد جيبه

27 - { وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين } لأنه يدل على أنها تبعته فاجتذبت ثوبه فقدته والشرطية محكية على إرادة القول أو على أن فعل الشهادة من القول وتسميتها شهادة لأنها أدت مؤداها والجمع بين إن وكان على تأويل أن يعلم أنه كان ونحوه ونظيره قولك : إن حسنت إلى اليوم فقد أحسنت إليك من قبل فإن معناه أن تمنن علي بإحسانك أمنن عليك بإحساني لك السابق وقرئ { من قبل } { من دبر } بالضم لأنهما قطعا عن الإضافة كقبل وبعد والفتح كأنهما جعلا علمين للجهتين فمنعا الصرف وبسكون العين

28 - { فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه } إن قولك { ما جزاء من أراد بأهلك سوءا } أو إن السوء أو إن هذا الأمر { من كيدكن } من حيلتكن والخطاب لها ولأمثالها أو لسائر النساء { إن كيدكن عظيم } فإن كيد النساء ألطف وأعلق بالقلب وأشد تأثيرا في النفس ولأنهن يواجهن به الرجال والشيطان يوسوس به مسارقة

29 - { يوسف } حذف منه حرف النداء لقربه وتفطنه للحديث { أعرض عن هذا } أكتمه ولا تذكره { واستغفري لذنبك } يا راعيل { إنك كنت من الخاطئين } من القوم المذنبين من خطئ إذا أذنب متعمدا والتذكير للتغليب

30 - { وقال نسوة } هي اسم لجمع امرأة وتأنيثه بهذا الاعتبار غير حقيقي ولذلك جرد فعله وضم النون لغة فيها { في المدينة } ظرف لقال أي أشعن الحكاية في مصر أو صفة نسوة وكن خمسا زوجة الحاجب والساقي والخباز والسجان وصاحب الدواب { امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه } تطلب مواقعة غلامها إياها و { العزيز } بلسان العرب الملك وأصل فتى فتي لقولهم فتيان والفتوة شاذة { قد شغفها حبا } شق شغاف قلبها وهو حجابه حتى وصل إلى فؤادها حبا ونصبه على التمييز لصرف الفعل عنه وقرئ شعفها من شعف البعير إذا هنأه بالقطران فأحرقه { إنا لنراها في ضلال مبين } في ضلال عن الرشد وبعد عن الصواب

31 - { فلما سمعت بمكرهن } باغتيابهن وإنما سماه مكرا لأنهن أخفينه كما يخفي الماكر مكره أو قلن ذلك لتريهن يوسف أو لأنها استكتمتن سرها فأفشينه عليها { أرسلت إليهن } تدعوهن قيل دعت أربعين امرأة فيهن الخمس المذكورات { وأعتدت لهن متكئا } ما يتكئن عليه من الوسائد { وآتت كل واحدة منهن سكينا } حتى يتكئن والسكاكين بأيديهن فإذا خرج عليهم يبهتن ويشغلن عن نفوسهن فتقع أيديهن على أيديهن فيقطعنها فيبكتن بالحجة أو يهاب يوسف مكرها إذا خرج وحده على أربعين امرأة في أيديهن الخناجر وقيل متكأ طعاما أو مجلس طعام فإنهم كانوا يتكئون للطعام والشراب ترفا ولذلك نهى عنه قال جميل :
( فظللنا بنعمة واتكأنا ... وشربنا الحلال من قلله )
وقيل المتكأ طعام يحز حزا كأن القاطع يتكئ عليه بالسكين وقرئ متكا بحذف الهمزة ومتكاء بإشباع الفتحة كمنتزاح ومتكا وهو الأترج أو ما يقطع من متك الشيء إذا بتكه و { متكئا } من تكئ يتكأ إذا اتكأ { وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه } عظمنه وهبن حسنه الفائق وعن النبي صلى الله عليه و سلم [ رأيت يوسف ليلة المعراج كالقمر ليلة البدر ] وقيل كان يرى تلألؤ وجهه على الجدران وقيل أكبرن بمعنى حضن من أكبرت المرأة إذا حاضت لأنها تدخل الكبر بالحيض ولهاء ضمير للمصدر أو ليوسف عليه الصلاة و السلام على حذف اللام أي حضن له من شدة الشبق كما قال المتنبي :
( خف الله واستر ذا الجمال ببرقع ... فإن لحت حاضت في الخدور العواتق )
{ وقطعن أيديهن } جرحنها بالسكاكين من فرط الدهشة { وقلن حاش لله } تنزيها له من صفات العجز وتعجبا من قدرته على خلق مثله وأصله حاشا كما قرأ أبو عمرو في الدرج فحذفت ألفه الأخيرة تخفيفا وهو حرف يفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء فوضع الاستثناء فوضع موضع التنزيه واللام للبيان كما في قولك سقيا لك وقرئ حاش الله بغير لام بمعنى براءة لله وحاشا لله بالتنوين على تنزيله منزلة المصدر وقيل حاشا فاعل من الحشا الذي هو الناحية وفاعله ضمير يوسف أي صار في ناحية لله مما يتوهم فيه { ما هذا بشرا } لأن هذا الجمال غير معهود لبشر وهو على لغة الحجاز في إعمال ما عمل ليس لمشاركتها في نفي الحال وقرئ بشر بالرفع على لغة تميم وبشرى أي بعبد مشترى لئيم { إن هذا إلا ملك كريم } فإن الجمع بين الجمال الرائق والكمال الفائق والعصمة البالغة من خواص الملائكة أو لن جماله فوق جمال البشر ولا يفوقه فيه إلا الملك

32 - { قالت فذلكن الذي لمتنني فيه } أي فهو ذلك العبد الكنعاني الذي لمتنني في الافتنان به قبل أن تتصورنه حق تصوره ولو تصورتنه بما عاينتن لعذرتنني أو فهذا هو الذي لمتنني فيه فوضع ذلك موقع هذا رفعا لمنزلة المشار إليه { ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } فامتنع طلبا للعصمة أقرت لهن حين عرفت أنهن يعذرنها كي يعاونها على إلانة عريكته { ولئن لم يفعل ما آمره } أي ما آمره به فحذف الجار أو أمري إياه بمعنى موجب أمري فيكون الضمير ليوسف { ليسجنن وليكونا من الصاغرين } من الأذلاء وهو من صغر بالكسر يصغر صغرا وصغارا والصغير من صغر الضم صغرا وقرئ ليكونن وهو يخالف خط المصحف لأن النون كتبت فيه بالألف ك { نسفعا } على حكم الوقف وذلك في الخفيفة لشبهها بالتنوين

33 - { قال رب السجن } وقرأ يعقوب بالفتح على المصدر { أحب إلي مما يدعونني إليه } أي آثر عندي من مؤاتاتها زنا نظرا إلى العاقبة وإن كان هذا مما تشتهيه النفس وذلك مما تكرهه وإسناد الدعوة إليهن جميعا لأنهن خوفنه من مخالفتها وزين له مطاوعتها أو دعونه إلى أنفسهن وقيل إنما ابتلي بالسجن لقوله هذا وإنما كان الأولى به أن يسأل الله العافية ولذلك رد رسول الله صلى الله عليه و سلم على من كان يسأل الصبر { وإلا تصرف عني } وإن لم تصرف عني { كيدهن } في تحبيب ذلك إلى وتحسيه عندي بالتثبيت على العصمة { أصب إليهن } أمل إلى جانبهن أو إلى أنفسهن بطبعي ومقتضى شهوتي ولصبوة الميل إلى الهوى ومنه الصبا لن النفوس تستطبيها وتميل إليها وقرئ { أصب } من الصبابة وهي الشوق { وأكن من الجاهلين } من السفهاء بارتكاب ما يدعونني إليه فإن الحكيم لا يفعل القبيح أو من الذين لا يعملون بما يعلمون فإنهم و الجهال سواء

34 - { فاستجاب له ربه } فأجاب الله دعاءه الذي تضمنه قوله : { وإلا تصرف } { فصرف عنه كيدهن } فثبته بالعصمة حتى وطن نفسه على مشقة السجن وآثرها على اللذة المتضمنة للعصيان { إنه هو السميع } لدعاء الملتجئين إله { العليم } بأحوالهم وما يصلحهم

35 - { ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات } ثم ظهر للعزيز وأهله من بعد ما رأوا الشواهد الدالة على براءة يوسف كشهادة الصبي وقد القميص وقطع النساء أيديهن واستعصامه عنهن وفاعل { بدا } مضمر يفسره { ليسجننه حتى حين } وذلك لأنها خدعت زوجها وحملته على سجنه زمانا حتى تبصر ما يكون منه أو يحسب الناس أنه المجرم فلبث في السجن سبع سنين وقرئ بالتاء على أن بعضهم خاطب به العزيز على التعظيم أو العزيز ومن يليه وعتى بلغة هذيل

36 - { دخل معه السجن فتيان } أي أدخل يوسف السجن واتفق أ ه أدخل حينئذ آخران من عبيد الملك شرابيه وخبازه للاتهام بأنهما يريدان أن يسماه { قال أحدهما } يعني الشرابي { إني أراني } أي في المنام وهي حكاية حال ماضية { أعصر خمرا } أي عنبا وسماه خمرا باعتبار ما يؤول إليه { وقال الآخر } أي الخباز { إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه } تنهش منه { نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين } من الذين يحسنون تأويل الرؤيا أو من العالمين وإنما قال ذلك لأنهما رأياه في السجن يذكر الناس ويعبر رؤياهم أو من المحسنين إلى أهل السجن فأحسن إلينا بتأويل ما رأينا إن كنت تعرفه

37 - { قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله } أي بتأويل ما قصصتما علي أو بتأويل الطعام يعني بيان ماهيته وكيفيته فإنه يشبه تفسير المشكل كأنه أراد أن يدعوهما إلى التوحيد ويرشدهما إلى الطريق القويم قبل أن يسعف إلى ما سألاه منه كما هو طريق الأنبياء والنازلين منازلهم من العلماء في الهداية والإرشاد فقدم ما يكون معجزة له من الإخبار بالغيب ليدلههما على صدقه في الدعوة والتعبير { قبل أن يأتيكما ذلكما } أي ذلك التأويل { مما علمني ربي } بالإلهام والوحي وليس من قبيل التكهن أو التنجيم { إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون } تعليل لما قبله أي علمني ذلك لأني تركت ملة أولئك

38 - { واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب } أو كلام مبتدأ لتمهيد الدعوة وإظهار أنه من بيت النبوة لتقوى رغبتهما في الاستماع إليه والوثوق عليه ولذلك جوز للخامل أن يصف نفس حتى يعرف فيقتبس منه وتكرير الضمير للدلالة على اختصاصهم وتأكيد كفرهم بالآخرة { ما كان لنا } ما صح لنا معشر الأنبياء { أن نشرك بالله من شيء } أي شيء كان { ذلك } أي التوحيد { من فضل الله علينا } بالوحي { وعلى الناس } وعلى سائر الناس يبعثنا لإرشادهم وتثبيتهم عليه { ولكن أكثر الناس } المبعوث إليهم { لا يشكرون } هذا الفضل فيعرضون عنه ولا يتنبهون أو من فضل الله علينا وعليهم بنصب الدلائل وإنزال الآيات ولكن أكثرهم لا ينظرون إليها ولا يستدلون بها فيلغونها كمن كفر النعمة ولا يشكرها

39 - { يا صاحبي السجن } أي يا ساكنيه أو يا صاحبي فيه فأضافهما إليه على الاتساع كقوله : ( يا سارق الليلة أهل الدار ) { أأرباب متفرقون } شتى متعددة متساوية الأقدام { خير أم الله الواحد } المتوحد بالألوهية { القهار } الغالب الذي لا يعادله ولا يقاومه غيره

40 - { ما تعبدون من دونه } خطاب لهما ولمن على دينهما من أهل مصر { إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان } أي إلا أشياء باعتبار أسام أطلقتم عليها من غير حجة تدل على تحقق مسمياتها فيها فكأنكم لا تعبدون إلا الأسماء المجردة والمعنى أنكم سميتم ما لم يدل على استحقاقه الألوهية عقل ولا نقل آلهة ثم أخذتم تعبدونها باعتبار ما تطلقون عليها { إن الحكم } ما الحكم في أمر العبادة { إلا لله } لأنه المستحق لها بالذات من حيث إنه الواجب لذاته الموجد للكل والمالك لأمره { أمر } على لسان أنبيائه { أن لا تعبدوا إلا إياه } الذي دلت عليه الحجج { ذلك الدين القيم } الحق وأنتم لا تميزون المعوج عن القويم وهذا من التدرج في الدعوة وإلزام الحجة تبين لهم أولا رجحان التوحيد على اتخاذ الآلهة على طريق الخطابة ثم برهن على أن ما يسمونها آلهة و يعبدونها لا تستحق الالهية فإن استحقاق العبادة إما بالذات وإما بالغير وكلا القسمين منتف عنه ثم نص على ما هو الحق القويم والدين المستقيم الذي لا يقتضي العقل غيره ولا يرتضي العلم دونه { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } فيخبطون في جهالاتهم

41 - { يا صاحبي السجن أما أحدكما } يعني الشرابي { فيسقي ربه خمرا } كما كان يسقيه قبل ويعود إلى ما كان عليه { وأما الآخر } يريد به الخباز { فيصلب فتأكل الطير من رأسه } فقالا كذبنا فقال { قضي الأمر الذي فيه تستفتيان } أي قطع الأمر الذي تستفتيان فيه وهو ما يؤول إليه أمركما ولذلك وحده فإنهما وإن استفتيا في أمرين لكنهما أرادا استبانه عاقبة ما نزل بهما

42 - { وقال للذي ظن أنه ناج منهما } الظان يوسف إن ذكر ذلك عن اجتهاد وإن ذكره عن وحي فهو الناجي إلا أن يؤول الظن باليقين { اذكرني عند ربك } اذكر حالي عند الملك كي يخلصني { فأنساه الشيطان ذكر ربه } فأنسى الشرابي أن يذكره لربه فأضاف إليه المصدر لملابسته له أو على تقدير ذكر أخبار ربه أو أنسي يوسف ذكر الله حتى استعان بغيره ويؤيده قوله عليه الصلاة و السلام [ رحم الله أخي يوسف لو لم يقل { اذكرني عند ربك } لما لبث في السجن سبعا بعد الخمس ] والاستعانة بالعباد في كشف الشدائد وإن كانت محمودة في الجملة لكنها لا تليق بمنصب الأنبياء { فلبث في السجن بضع سنين } البضع ما بين الثلاث إلى التسع من البضع وهو القطع

43 - { وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف } لما دنا فرجه رأى الملك سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع بقرات مهازيل فابتلعت المهازيل السمان { وسبع سنبلات خضر } قد انعقد حبها { وأخر يابسات } وسبعا أخر يابسات قد أدركت فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبت عليها وإنما استغنى عن بيان حالها بما قص من حال البقرات وأجرى السمان على المميز دون المميز لأن التمييز بها ووصف السبع الثاني بالعجاف لتعذر التمييز بها مجردا عن الموصوف فإنه لبيان الجنس وقياسه عجف لأنه جمع عجفاء لكنه حمل على { سمان } لأنه نقيضه { يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي } عبروها { إن كنتم للرؤيا تعبرون } إن كنتم عالمين بعبارة الرؤيا وهي الانتقال من الصور الخيالية إلى المعاني النفسانية التي هي مثالها من العبور وهي المجاوزة وعبرت الرؤيا عبارة أثبت من عبرتها تعبيرا واللام للبيان أو لتقوية العامل فإن الفعل لما أخر عن مفعوله ضعف فقوي باللام كاسم الفاعل أو لتضمن { تعبرون } معنى فعل يعدى باللام كأنه قيل : إن كنتم تنتدبون لعبارة الرؤيا

44 - { قالوا أضغاث أحلام } أي هذه أضغاث أحلام وهي تخاليطها جمع ضغث وأصله ما جمع من أخلاط النبات وحزم فاستعير للرؤيا الكاذبة وإنما جمعوا للمبالغة في وصف الحلم بالبطلان كقولهم : فلان يركب الخيل أو لتضمنه أشياء مختلفة { وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين } يريدون بالأحلام المنامات الباطلة خاصة أي ليس لها تأويل عندنا وإنما التأويل للمنامات الصادقة فهو كأنه مقدمة ثانية للعذر فيجهلهم بتأويله

45 - { وقال الذي نجا منهما } من صاحبي السجن وهو الشرابي { وادكر بعد أمة } وتذكر يوسف بعد جماعة من الزمان مجتمعة أي مدة طويلة وقرئ إمة بكسر الهمزة وهي النعمة أي بعدما أنعم عليه بالنجاة وأمه أي نسيان يقال أمه يأمه أمها إذا نسي والجملة اعتراض ومقول القول : { أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون } أي إلى من عنده علمه أو إلى السجن

46 - { يوسف أيها الصديق } أي فأرسل إلى يوسف فجاءه فقال يا يوسف وإنما
وصفه بالصديق وهو المبالغ في الصدق لأنه جرب أحواله وعرف صدقه في تأويل
رؤياه ورؤيا صاحبه { أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات } أي في رؤيا ذلك { لعلي أرجع إلى الناس } أعود
إلى الملك ومن عنده أو إلى أهل البلد إذ قيل إن السجن لم يكن فيه { لعلهم يعلمون } تأويلها أو فضلك ومكانك وإنما لم يبت الكلام فيهما لأنه لم يكن جازما
بالرجوع فربما اخترم دونه ولا يعلمهم

47 - { قال تزرعون سبع سنين دأبا } أي على عادتكم المستمرة وانتصابه على الحال بمعنى دائبين أو المصدر بإضمار فعله أي تدأبون دأبا وتكون الجملة حالا وقرأ حفص { دأبا } بفتح الهمزة وكلاهما مصدر دأب في العمل وقيل { تزرعون } أمر أخرجه في صورة الخبر مبالغة لقوله : { فما حصدتم فذروه في سنبله } لئلا يأكله السوس وهو على الأول نصيحة خارجة عن العبارة { إلا قليلا مما تأكلون } في تلك السنين

48 - { ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن } أي يأكل أهلهن ما ادخرتم لأجلهن فأسند إليهن على المجاز تطبيقا بين المعبر والمعبر به { إلا قليلا مما تحصنون } تحرزون لبذور الزراعة

49 - { ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس } يمطرون من الغيث أو يغاثون من القحط من الغوث { وفيه يعصرون } ما يعصر كالعنب والزيتون لكثرة الثمار وقيل يحلبون الضروع وقرأ حمزة و الكسائي بالتاء على تغليب المستفتي وقرئ على بناء المفعول من عصره 1ذا أنجاه ويحتمل أن يكون المبني للفاعل منه أي يغيثهم الله ويغيث بعضهم بعضا أو من أعصرت السحابة عليهم فعدي بنزع الخافض أو بتضمينه معنى المطر وهذه بشارة بشرهم بها بعد أن أول البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبة والعجاف السنين المجدبة ولعله علم ذلك بالوحي أو بأن انتهاء الجدب والخصب أو بأن السنة الإلهية على أن يوسع على عباده بعدما ضيق عليهم :

50 - : { وقال الملك ائتوني به } بعد ما جاءه الرسول بالتعبير { فلما جاءه الرسول } ليخرجه { قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن } إنما تأنى في الخروج وقدم سؤال النسوة وفحص حالهن لتظهر براءة ساحته ويعلم أنه سجن ظلما فلا يقدر الحاسد أن يتوسل به إلى تقبيح أمرره وفيه دليل على أنه ينبغي أن يجتهد في نفي التهم ويتقي مواقعها وعن النبي صلى الله عليه و سلم [ لو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة ] وإنما قال فاسأله ما بال النسوة ولم يقل فاسأله أن يفتش عن حالهن تهييجا له على البحث وتحقيق الحال وإنما لم يتعرض لسيدته مع ما صنعت به كرما ومراعاة للأدب وقرئ { النسوة } بضم النون { إن ربي بكيدهن عليم } حين قلن لي أطع مولاتك وفيه تعظيم كيدهن والاستشهاد بعلم الله عليه وعلى أنه بريء مما قذف به والوعيد لهن على كيدهن

51 - { قال ما خطبكن } قال الملك لهن ما شأنكن والخطب أر يحق أن يخاطب فيه صاحبه { إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله } تنزيه له وتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله { ما علمنا عليه من سوء } من ذنب { قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق } ثبت واستقر من حصحص البعير إذا ألقى مباركه ليناخ قال : ( فحصحص في صم الصفا ثفناته ... وناء بسلمى نوأة ثم صمما ) أو ظهر من حص شعره إذا استأصله بحيث ظهرت بشرة رأسه وقرئ على البناء للمفعول { أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين } في قوله : { هي راودتني عن نفسي }

52 - { ذلك ليعلم } قاله يوسف لما عاد إليه الرسول وأخبره بكلامهن أي ذلك
التثبت ليعلم العزيز { أني لم أخنه بالغيب } بظهر الغيب وهو حال من الفاعل أو
المفعول أي لم أخنه وأنا غائب عنه أو وهو غائب عني أو ظرف أي بمكان
الغيب وراء الأستار والأبواب المغلقة { وأن الله لا يهدي كيد الخائنين } لا ينفذه ولا
يسدده أو لا يهدي الخائنين بكيدهم فأوقع الفعل على الكيد مبالغة
وفيه تعريض براعيل في خيانتها زوجها وتوكيد لأمانته ولذلك عقبه بقوله :

53 - { وما أبرئ نفسي } أي لا أنزهها تنبيها على أنه لم يرد بذلك تزكية نفسه والعجب بحاله بل إظهار ما أنعم الله عليه من العصمة والتوفيق وعن ابن عباس أنه لما قال : { ليعلم أني لم أخنه بالغيب } قال له جبريل ولا حين هممت فقال : ذلك { إن النفس لأمارة بالسوء } من حيث إنها بالطبع مائلة إلى الشهوات فتهم بها وتستعمل القوى والجوارح في أثرها كل الأوقات { إلا ما رحم ربي } إلا وقت رحمة ربي أو إلا ما رحمه الله من النفوس فعصمه من ذلك وقيل الآية حكاية قول راعيل والمستثنى نفس يوسف وأضرابه وعن ابن كثير و نافع بالسو على قلب الهمزة واوا ثم الإدغام { إن ربي غفور رحيم } يغفر هم النفس ويرحم من يشاء بالعصمة أو يغفر للمستغفر لذنبه المعترف على نفسه ويرحمه ما استغفره و استرحمه مما ارتكبه

54 - { وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي } أجعله خالصا لنفسي { فلما كلمه } أي فلما أتوا به فكلمه وشاهد منه الرشد والدهاء { قال إنك اليوم لدينا مكين } ذو مكانة ومنزلة { أمين } مؤتمن على كل شيء روي أنه لما خرج من السجن اغتسل وتنظف ولبس ثيابا جددا فلما دخل على الملك قال : اللهم إني أسألك من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شرره ثم سلم عليه ودعا له بالعبرية فقال الملك : ما هذا اللسان قال : لسان آبائي وكان الملك يعرف سبعين لسانا فكلمه بها فأجابه بجميعها فتعجب منه فقال : أحب أن أسمع رؤياي منك فحكاها ونعت له البقرات والسنابل وأماكنها على ما رآها فأجلسه على السرير وفوض إليه أمره وقيل توفي قطفير في تلك الليالي فنصبه منصبه وزوج منه راعيل فوجدها عذراء وولد له منها أفرائيم وميشا

55 - { قال اجعلني على خزائن الأرض } ولني أمرها والأرض أرض مصر { إني حفيظ } لها ممن لا يستحقها { عليم } بوجوه التصرف فيه ولعله عليه السلام لما رأى أنه يستعمله في أمره لا محالة آثر ما تعم فوائده تجل عوائده وفيه دليل على جواز طلب التولية وإظهار أنه مستعد لهها والتولي من يد الكافر إذا علم أنهه لا سبيل إلى إقامة الحق وسياسة الخلق إلا بالاستظهار به وعن مجاهد أن الملك أسلم على يده

56 - { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض } في أرض مصر { يتبوأ منها حيث يشاء } ينزل من بلادها حيث يهوى وقرأ ابن كثير نشاء بالنون { نصيب برحمتنا من نشاء } في الدنيا والآخرة ز { ولا نضيع أجر المحسنين } بل نوفي أجورهم عاجلا وآجلا

57 - { ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون } الشرك والفواحش لعظمه ودوامه

58 - { وجاء إخوة يوسف } روي : أنه لما استوزره الملك أقام العدل واجتهد في
تكثير الزراعات وضبط الغلات حتى دخلت السنون المجدبة وعم القحط مصر
والشام ونواحيهما وتوجه إليه الناس فباعها أولا بالدراهم والدنانير حتى لم
يبق معهم شيء منها ثم بالحلي والجواهر ثم الدواب هم بالضياع والعقار
ثم برقابهم حتى استرقهم جميعا ثم عرض الأمر على الملك فقال : الرأي أيك فأعتقهم
ورد عليهم أموالهم وكان فقد أصاب كنعان ما أصاب سائر البلاد فأرسل يعقوب بنيه
غير بنيامين إليه للميرة { فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون } أي عرفهم يوسف
ولم يعرفوه لطول العهد ومفارقتهم إياه في سن الحداثة ونسيانهم إياه وتوهمهم أنه
هلك وبعد حاله التي رأوه عليها من حاله حين فارقوه وقلة تأملهم في حلاه من
التهيب والاستعظام

59 - { ولما جهزهم بجهازهم } أصلحهم بعدتهم وأوقر ركائبهم بما جاؤوا لأجله والجهاز ما يعد من الأمتعة للنقلة كعدد السفر وما يحمل من بلدة إلى أخرى وما تزف به المرأة إلى زوجها وقرئ بجهازهم بالكسر { قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم } روي : أنهم لما دخلوا عليه فقال : من أنتم وما أمركم لعلكم عيون ؟ قالوا : معاذ الله إنما نحن بنو أب واحد وهو شيخ كبير صديق نبي من الأنبياء أسمه يعقوب قال كم أنتم ؟ فقالوا كنا اثني عشر فذهب أحدنا إلى البرية فهلك فقال : فمن يشهد لكم قالوا : لا يعرفنا أحد ها هنا فيشهد لنا فقال : فدعوا بعضكم عندي رهينة وائتوني بأخيكم من أبيكم حتى أصدقكم فاقترعوا فأصابت شمعون وقيل كان يوسف يعطي لكل نفر حملا فسألوه حملا زائدا لأخ لهم من أبيهم فأعطاهم وشرط عليهم أن يأتوه ليعلم صدقهم { ألا ترون أني أوفي الكيل } أتمه { وأنا خير المنزلين } للضيف والمضيفين لهم وكان أحسن إنزالهم وضيافتهم

60 - { فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون } أي ولا تقربوني ولا تدخلوا دياري وهو إما نهي أن نفي معطوف على الجزاء

61 - { قالوا سنراود عنه أباه } سنجتهد في طلبه من أبيه { وإنا لفاعلون } ذلك لا نتوانى فيه

62 - { وقال لفتيانه } لغلمانه الكيالين جمع فتى وقرأ حمزة و الكسائي و حفص لفتيانه على أنه جمع الكثرة ليوافق قوله : { اجعلوا بضاعتهم في رحالهم } فإنه وكل بكل رحل واحدا يعني فيه بضاعتهم التي شروا بها الطعام وكانت نعالا و أدما وإنما فعل ذلك توسيعا وتفضلا عليهم وترفعا من أن يأخذ ثمن الطعام منهم وخوفا من أن لا يكون عند أبيه ما يرجعون به { لعلهم يعرفونها } لعلهم يعرفون حق ردها أو لكي يعرفونها { إذا انقلبوا } انصرفوا ورجعوا { إلى أهلهم } وفتحوا أوعيتهم { لعلهم يرجعون } لعل معرفتهم ذلك تدعوهم إلى الرجوع

63 - { فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل } حكم بمنعه بعد هذا إن لم نذهب ببنيامين { فأرسل معنا أخانا نكتل } نرفع المانع من الكيل ونكتل ما نحتاج إليه وقرأ حمزة و الكسائي بالياء على إسناده إلى الأخ أي يكتل لنفسه فينضم اكتياله إلى اكتيالنا { وإنا له لحافظون } من أن يناله مكروه

64 - { قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل } وقد قلتم في يوسف : { وإنا له لحافظون } { فالله خير حافظا } فأتوكل عليه وأفوض أمري إليه وانتصاب حفظا على التمييز و { حافظا } على قراءة حمزة و الكسائي و حفص يحتمله والحال كقوله : لله دره فارسا { خير حافظ } وخير الحافظين { وهو أرحم الراحمين } فأرجو أن يرحمني بحفظه ولا يجمع على مصيبتين

65 - { ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم } وقرئ { ردت } بنقل كسرة الدال المدغمة إلى الراء نقلها في بيع وقيل { قالوا يا أبانا ما نبغي } ماذا نطلب هل من مزيد على ذلك أكرمنا وأحسن مثوانا وباع منا ورد علينا متاعنا أو لا نطلب ذلك إحسانا أو لا نبغي في القول ولا نزيد فيما حكينا لك من إحسانه وقرئ ما تبغي على الخطاب أي : أي شيء تطلب وراء هذا من الإحسان أو من الدليل على صدقنا ؟ { هذه بضاعتنا ردت إلينا } استئناف موضح لقوله { ما نبغي } { ونمير أهلنا } معطوف على محذوف أي ردت إلينا فنستظهر بها ونمير أهلنا بالرجوع إلى الملك { ونحفظ أخانا } عن المخاوف في ذهابنا وإيابنا { ونزداد كيل بعير } وسق بعير باستصحاب أخينا هذا إذا كانت { ما } استفهامية فأما إذا كانت نافية احتمل ذلك واحتمل أن تكون الجمل معطوفة على { ما نبغي } أي لا نبغي فيما نقول { ونمير أهلنا ونحفظ أخانا } { ذلك كيل يسير } أي مكيل قليل لا يكفينا استقلوا ماكيل لهم فأرادوا أن يضاعفوه بالرجوع إلى الملك ويزدادوا إليه ما يكال لأخيهم ويجوز أن تكون الإشارة إلى كيل بعير أي ذلك شيء قليل لا يضايقنا فيه الملك ولا يتعاظمه وقيل إنه من كلام يعقوب ومعناه إن حمل بعير شيء يسير لا يخاطر لمثله بالولد

66 - { قال لن أرسله معكم } إذ رأيت منكم ما رأيت { حتى تؤتون موثقا من الله } حتى تعطوني ما أتوثق به من عند الله أي عهدا مؤكدا بذكر الله { لتأتنني به } جواب القسم إذ المعنى حتى تحلفوا بالله لتأتنني به { إلا أن يحاط بكم } إلا أن تغلبوا فلا تطيقوا ذلك أو إلا أن تهلكوا جميعا وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال والتقدير : لتأتنني به على كل حال إلا حال الإحاطة بكم أو من أعم العلل على أن قوله لتأتنني به في تأويل النفي أي لا تمتنعون من للإتيان به إلا للإحاطة بكم كقولهم : أقسمت بالله إلا فعلت أي ما أطلب إلا فعلك { فلما آتوه موثقهم } عهدهم { قال الله على ما نقول } من طلب الموثق وإتيانه { وكيل } رقيب مطلع

67 - { وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة } لأنههم كانوا ذوي جمال وأبهة مشتهرين في مصر بالقربة والكرامة عند الملك فخاف عليهم أن يدخلوا كوكبة واحدة فيعانوا ولعله لم يوصهم ذلك في الكرة الأولى لأنهم كانوا مجهولين حينئذ أو كان الدعي إليها خوفه على بنيامين وللنفس آثار منها العين والذي بدل عليه قوله عليه الصلاة و السلام في عوذته [ اللهم إني أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ] { وما أغني عنكم من الله من شيء } مما قضي عليكم بما أشرت به إليكم فإن الحذر لا يمنع القدر { إن الحكم إلا لله } يصيبكم لا محالة إن قضي عليكم سوء ولا ينفعكم ذلك { عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون } جمع بين الحرفين في عطف الجملة على الجملة لتقدم الصلة الاختصاص كأن الواو للعطف والفاء لإفادة التسبب فإن فعل الأنبياء سبب لأن يقتدى بهم

68 - { ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم } أي من أبواب متفرقة في البلد { ما كان يغني عنهم } رأي يعقوب واتباعهم له { من الله من شيء } مما قضاه عليهم كما قال يعقوب عليه السلام فسرقوا وأخذ بنيامين بوجدان الصواع في رحله وتضاعفت المصيبة على يعقوب { إلا حاجة في نفس يعقوب } استثناء منقطع أي ولكن حاجة في نفسه يعني شفقته عليهم وحرازته من أن يعانوا { قضاها } أظهرها ووصى بها { وإنه لذو علم لما علمناه } بالوحي ونصب الحجج ولذلك قال { وما أغني عنكم من الله من شيء } ولم يغتر بتدبيره { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } سر القدر وأنه لا يغني عنه الحذر

69 - { ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه } ضم إليه بنيامين على الطعام أو في المنزل روي : أنه أضافهم فأجلسهم مثنى مثنى فبقي بنيامين وحيدا فبكى وقال : لو كان يوسف حيا لجلس معي فأجلسه معه على مائدته ثم قال : لينزل كل اثنين منكم بيتا وهذا لا ثاني له فيكون معي فبات عنده وقال له : أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك قال : من يجد أخا مثلك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل فبكى يوسف وقام إليه وعانقه و { قال إني أنا أخوك فلا تبتئس } فلا تحزن افتعال من البؤس { بما كانوا يعملون } في حقنا فيما مضى

70 - { فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية } المشربة { في رحل أخيه } قيل كانت مشربة جعلت صاعا يكال به وقيل : كانت تسقى الدواب بها ويكال بها وكانت من فضة وقيل من ذهب وقرئ وجعل على حذف جواب فلما تقديره أمهلهم حتى انطلقوا { ثم أذن مؤذن } نادى مناد { أيتها العير إنكم لسارقون } لعله لم يقله بأمر يوسف عليه الصلاة و السلام أو كان تعبية السقاية والنداء عليها برضا بنيامين وقيل معناه إنكم لسارقون يوسف من أبيه أو أإنكم لسارقون والعير القافلة وهو اسم الإبل التي عليها الأحمال لأنها تعير أي تردد قيل لأصحابها كقوله عليه الصلاة و السلام [ يا خيل الله اركبي ] وقيل جمع عير وأصله فعل كسقف فعل به ما فعل ببيض تجوز به لقافلة الحمير ثم استعير لكل قافلة

71 - { قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون } أي شيء ضاع منكم والفقد غيبة الشيء عن الحس بحيث لا يعرف مكانه وقرئ { تفقدون } من أفقدته إذا وجدته فقيدا

72 - { قالوا نفقد صواع الملك } وقرئ صاع وصوع بالفتح والضم والعين والغين وصواغ من الصياغة { ولمن جاء به حمل بعير } من الطعام جعلا له { وأنا به زعيم } كفيل أؤديه إلى من رده وفيه دليل على جواز الجعلة ضمان الجعل قبل تمام العمل

73 - { قالوا تالله } قسم فيه معنى التعجب التاء بدل من الباء مختصة باسم الله تعالى : { لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين } استشهدوا بعلمهم على براءة أنفسهم لما عرفوا منهم في كرتي مجيئهم ومداخلتهم للملك مما يدل على فرط أمانتهم كرد البضاعة التي دخلت في رحالهم وكعم الدواب لئلا تتناول زرعا أو طعاما لأحد

74 - { قالوا فما جزاؤه } فما جزاء السارق أو السرق أو ال { صواع } على حذف المضاف { إن كنتم كاذبين } في ادعاء البراءة

75 - { قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه } أي جزاء سرقته أخذ من وجد في رحله واسترقاقه هكذا كان شرع يعقوب عليه الصلاة و السلام وقوله { فهو جزاؤه } تقرير للحكم وإلزام له أو خبر { من } والفاء لتضمنها معنى الشرط أو جواب لها على أنها شرطي والجملة كما هي خبر { جزاؤه } على إقامة الظاهر فيها مقام الضمير كأنه قيل : جزاؤه من وجد فيرحله فهو هو { كذلك نجزي الظالمين } بالسرقة

76 - { فبدأ بأوعيتهم } فبدأ المؤذن وقيل يوسف لأنهم ردوا إلى مصر { قبل وعاء أخيه } بنيامين نفيا للتهمة { ثم استخرجها } أي السقاية أو الصواع لأنه يذكر ويؤنث { من وعاء أخيه } وقرئ بضم الواو وبقلبها همزة { كذلك } مثل ذلك الكيد { كدنا ليوسف } بأن علمناه إياه وأوحينا به إليه { ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك } ملك مصر لأن دينه الضرب وتغريم ضعف ما أخذ دون الاسترقاق وهو بيان للكيد { إلا أن يشاء الله } أن جعل ذلك الحكم حكم الملك فالاستثناء من أعم الأحوال ويجوز أن يكون منقطعا أي لكن أخذه بمشيئة الله تعالى وإذنه { نرفع درجات من نشاء } بالعلم كما رفعنا درجته { وفوق كل ذي علم عليم } أرفع درجة منه واحتج به من زعم أنه تعالى عالم بذاته إذ لو كان ذا علم لكان فوقه من هو أعلم منه والجواب أن المراد كل ذي علم من الخلق لأن الكلام فيهم ولأن العليم هو الله سبحانه وتعالى ومعناه الذي له العلم البالغ لغة ولأنه لا فرق بينه وبين قولنا فوق كل العلماء عليم وهو مخصوص

77 - { قالوا إن يسرق } بنيامين { فقد سرق أخ له من قبل } يعنون يوسف قيل ورثت عمته من أبيها منطقة إبراهيم عليه السلام وكانت تحضن يوسف وتحبه فلما شب أراد يعقوب انتزاعه منها فشدت المنطقة على وسطه ثم أظهرت ضياعها فتفحص عنها فوجدت محزومة عليه فصارت أحق به في حكمهم وقيل كان لأبي أمه صنم فسرقه وكسره وألقاه في الجيف وقيل كان في البيت عناق أو دجاجة فأعطاها السائل وقيل دخل كنيسة وأخذ تمثالا صغيرا من الذهب { فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم } أكنها ولم يظهرها لهم والضمير للإجابة أو المقالة أو نسبة السرقة إليه وقيل إنها كناية بشريطة التفسير يفسرها قوله : { قال أنتم شر مكانا } فإنه بدل من أسرها والمعنى قال في نفسه أنتم شر باعتبار الكلمة أو الجملة وفيه نظر إذ المفسر بالجملة لا يكون إلا ضمير الشأن { والله أعلم بما تصفون } وهو يعلم أن الأمر ليس كما تصفون

78 - { قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا } أي في السن أو القدر ذكروا له حاله استعطافا له عليه { فخذ أحدنا مكانه } بدله فإن أباه ثكلان على أخيه الهالك مستأنس به { إنا نراك من المحسنين } إلينا فأتمم إحسانك أومن المتعودين بالإحسان فلا تغير عاداتك

79 - { قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده } فإن أخذ غيره ظلم على فتواكم فلوا أخذنا أحدكم مكانه { إنا إذا لظالمون } في مذهبكم هذا وإن مراده إن الله أذن في أخذ من وجدنا الصاع في رحله لمصلحته ورضاه عليه فلو أخذت غيره كنت ظالما

80 - { فلما استيأسوا منه } يئسوا من يوسف وإجابته إياهم وزيادة السن والتاء للمبالغة { خلصوا } انفردوا واعتزلوا { نجيا } متناجين وإنما وحده لأنه مصدر أو بزنته كما قيل هم صديق وجمعه أنجية كندي وأندية { قال كبيرهم } في السن وهو روبيل أو في الرأي وهو شمعون وقيل يهوذا { ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله } عهدا وثيقا و أنما جعل حلفهم بالله موثقا منه لأنه بإذن منه وتأكيد من جهته { ومن قبل } ومن قبل هذا { ما فرطتم في يوسف } قصرتم في شأنه و { ما } مزيدة ويجوز أن تكون مصدرية في موضع النصب بالعطف على مفعول تعلموا ولا بأس بالفصل بين العاطف والمعطوف بالظرف أو على اسم { أن } وخبره في { يوسف } أو { من قبل } أو الرفع بالابتداء والخبر { من قبل } وفيه نظر لأن { قبل } إذا كان خبرا أو صلة لا يقطع عن الإضافة حتى لا ينقص وأن تكون موصولة أي : ما فرطتموه بمعنى ما قدمتموه في حقه من الجناية ومحله ما تقدم { فلن أبرح الأرض } فلن أفارق أرض مصر { حتى يأذن لي أبي } في الرجوع { أو يحكم الله لي } أو يقضي لي بالخروج منها أو بخلاص أخي منهم أو بالمقاتلة معهم لتخليصه روي : أنهم كلموا العزيز في إطلاقه فقال روبيل : أيها الملك والله لتتركنا أو لأصيحن صيحة تضع منها الحوامل ووقفت شعور جسده فخرجت من ثيابه فقال يوسف عليه السلام لابنه : قم إلى جنبه فمسه وكان بنو يعقوب عليه السلام إذا غضب أحدهم فمسه الآخر ذهب غضبه فقال روبيل من هذا إن في هذا البلد لبزرا من بزر يعقوب { وهو خير الحاكمين } لأن حكمه لا يكون إلا بالحق

81 - { ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق } على ما شاهدناه من ظاهر الأمر وقرئ { سرق } أي نشب إلى السرقة { وما شهدنا } عليه { إلا بما علمنا } بأن رأينا أن الصواع استخرج من وعائه { وما كنا للغيب } لباطن الحال { حافظين } فلا ندري أنه سرق الصواع في رحله أو وما كنا للعواقب عالمين فلم ندر حين أعطيناك الموثق أنه سيسرق أو أنكك تصاب به كما أصبت بيوسف

82 - { واسأل القرية التي كنا فيها } يعنونمصر أو قرية بقربها لحقهم المنادي فيها والمعنىأرسل إلى أهلها واسألهم عن القصة { والعير التي أقبلنا فيها } وأصحاب العير التي تودخنا فيهم وكنا معهم { وإنا لصادقون } بأكيد في محل الققسم

83 - { قال بل سولت } أي فلما رجعوا إلى أبيهم وقالوا له ما قال لهم أخوهم قال : { بل سولت } أي زينت وسهلت { لكم أنفسكم أمرا } أردتموه فقدرتموه وإلا فما أدرى الملك أن السارق يؤخذ بسرقته { فصبر جميل } أي فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أجمل { عسى الله أن يأتيني بهم جميعا } بيوسف وبنيامين وأخيهما الذي توقف بمصر { إنه هو العليم } بحالي وحالهم { الحكيم } في تدبيرهما

84 - { وتولى عنهم } وأعرض عنهم كراهة لما صادف منهم { وقال يا أسفى على يوسف } أي يا أسفا تعال فهذا أوانك والأسف أشد الحزن والحسرة والألف بدل من ياء المتكلم وإنما تأسف على يوسف دون أخويه والحادث رزؤهما لأن رزأه كان قاعدة المصبيات وكان غضا آخذا بمجامع قلبه ولأنه كان واثقا بحياتهما دون حياته وفي الحديث : [ لم تعط أمة من الأمم { إنا لله وإنا إليه راجعون } عند المصيبة إلا أمة محمد صلى الله عليه و سلم ] ألا ترى إلى يعقوب عليه الصلاة و السلام حين أصابه ما أصابه لم يسترجع وقال { يا أسفى } { وابيضت عيناه من الحزن } لكثرة بكائه من الحزن كأن العبرة محقت سوادهما وقيل ضعف بصره وقيل عمي وقرئ { من الحزن } وفيه دليل على جواز التأسف والبكاء عند التفجع و لعل أمثال ذلك لا تدخل تحت التكليف فإنه قل من يملك نفسه عند الشدائد ولقد [ بكى رسول الله صلى الله عليه و سلم على ولده إبراهيم وقال : القلب يجزع والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون ] { فهو كظيم } مملوء من الغيظ على أولاده ممسك له في قلبه لا يظهره فعيل بمعنى مفعول كقوله تعالى : { وهو مكظوم } من كظم السقاء إذا شده على ملئه أو بمعنى فاعل كقوله : { والكاظمين الغيظ } من كظم الغيظ إذا اجترعه وأصله كظم البعير حرته إذا رجها في جوفه

85 - { قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف } أي لا تفتأ ولا تزال تذكره تفجعا عليه فحذف لا كما في قوله :
( فقلت يمين الله أبرح قاعدا )
لأنه لا يلتبس بالإثبات فإن القسم إذا لم يكن معه علامات الإثبات كان على النفي { حتى تكون حرضا } مريضا مشفيا على الهلاك وقيل الحرض الذي أذابه هم أو مرض وهو في الأصل مصدر ولذلك لا يؤنث ولا يجمع والنعت بالكسر كدنف ودنف وقد قرئ به وبضمتين كجنب { أو تكون من الهالكين } من الميتين

86 - { قال إنما أشكو بثي وحزني } همي الذي لا أقدر الصبر عليه من لبث بمعنى النشر { إلى الله } لا إلى أحد منكم ومن غيركم فخلوني و شكايتي { وأعلم من الله } من صنعه ورحمته فإنه لا يخيب داعيه ولا يدع الملتجئ إليه أن من الله بنوع من الإلهام { ما لا تعلمون } من حياة يوسف قيل رأى ملك الموت في المنام فسأله عنه فقال هو حي وقيل علم من رؤيا يوسف أنه لا يموت حتى يخر له إخوته سجدا

87 - { يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه } فتعرفوا منهما وتفحصوا عن حالهما والتحسس تطلب الإحساس { ولا تيأسوا من روح الله } ولا تقنطوا من فرجه وتنفيسه وقرئ { من روح الله } أي من رحمته التي يحيا بها العباد { إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون } بالله وصفاته فإن العارف المؤمن لا يقنط من رحمته في شيء من الأحوال

88 - { فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز } بعدما رجعوا إلى مصر رجعة ثانية { مسنا وأهلنا الضر } شدةالجوع { وجئنا ببضاعة مزجاة } رديئة أو قليلة ترد وتدفع رغبة عنها من أزجيته إذا دفعته ومنه تزجية الزمان قيل كانت جراهم زيوفا وقيل صوفا وسمنا وقيل الصنوبروالحبةالخضراء وقيل الأقط وسويق المقل { فأوف لنا الكيل } فأتمم لنا الكيل { وتصدق علينا } برد أخينا أو بالمسامحة وقبول المزجاة أو بالزيادة على ما يساويها واختلف في أن حرمة الصدقة تعم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو تختص بنبينا صلى الله عليه و سلم { إن الله يجزي المتصدقين } أحسن الجزاء والتصدق التفضل مطلقا ومنه قوله عليه الصلاة و السلام في القصر [ هذه صدقة الله تصدق بها عليكم فاقبلوا صدقته ] لكنه اختص عرفا بما يبتغي به ثواب من الله تعالى

89 - { قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه } أي هل علمتم قبحه فتبتم عنه وفعلهم بأخيه إفراده عن يوسف وإذلاله حتى لا يستطيع أن يكلمهم إلا بعجز و ذلة { إذ أنتم جاهلون } قبحه فلذلك أقدمتم عليه أو عاقبته وإنما قال ذلك تنصيحا لهم وتحريضا على التوبة وشفقة عليهم لما رأى من عجزهم وتمسكنهم لا معاتبة وتثريبا وقيل أعطوه كتاب يعقوب في تخليص بنيامين وذكروا له ما هو فيه من الحزن على فقد يوسف وأخيه فقال لهم ذلك وإنما جهلهم لأن فعلهم كان فعل الجهال أو لأنهم كانوا حينئذ صبيانا شياطين

90 - { قالوا أإنك لأنت يوسف } استفهام تقرير ولذلك حقق بأن ودخول اللام عليه وقرأ ابن كثير على الإيجاب قيل عرفوه بروائه وشمائله حين كلمهم به وقيل تبسم فعرفوه بثناياه وقيل رفع التاج عن رأسه فرأوا علامة بقرنه تشبه الشامة البيضاء وكانت لسارة ويعقوب مثلها { قال أنا يوسف وهذا أخي } من أبي وأمي ذكره تعريفا لنفسه به وتفخيما لشأنه وإدخالا له في قوله : { قد من الله علينا } أي بالسلامة والكرامة { إنه من يتق } أي يتق الله { ويصبر } على البليات أو على الطاعات وعن المعاصي { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } وضع المحسنين موضع الضمير للتنبيه على أن المحسن من جمع بين التقوى والصبر

91 - { قالوا تالله لقد آثرك الله علينا } اختارك علينا بحسن الصورة وكمال السيرة { وإن كنا لخاطئين } والحال أن شأننا أنا كنا مذنبين بما فعلنا معك

92 - { قال لا تثريب عليكم } لا تأنيب علكم تفعيل من الثرب وهو الشحم الذي يغشى الكرش للإزالة كالتجليد فاستعير للتقريع الذي يمزق العرض ويذهب ماء الوجه { اليوم } متعلق بال { تثريب } أو بالمقدر للجار الواقع خبرا لل { لا تثريب } والمعنى لا أثر بكم اليوم الذي هو مظنته فما ظنكم بسائر الأيام أو بقوله : { يغفر الله لكم } لأنه صفح عن جريمتهم حينئذ واعترفوا بها { وهو أرحم الراحمين } فإنه يغفر الصغائر والكبائر ويتفضل على التائب ومن كرم يوسف عليه الصلاة و السلام أنهم لما عرفوه أرسلوا إليه وقالوا : إنك تدعونا بالبكرة و العشي إلى الطعام ونحن نستحي منك لما فرط منا فيك فقال إن أهل مصر كانوا ينظرون إلى بالعين الأولى ويقولون : سبحان من بلغ عبدا بيع بعشرين درهما ما بلغ ولقد شرفت بكم وعزمت في عيونهم حيث علموا أنكم اخوتي إني من حفدة إبراهيم عليه الصلاة و السلام

93 - { اذهبوا بقميصي هذا } القميص الذي كان عليه وقيل القميص المتوارث الذي كان في التعويذ { فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا } أي يرجع بصيرا أي ذا بصر { وأتوني } أنتم وأبي { بأهلكم أجمعين } بنسائكم و ذراريكم ومواليكم

94 - { ولما فصلت العير } من مصر وخرجت من عمرانها { قال أبوهم } لمن حضره { إني لأجد ريح يوسف } أوجده الله ريح ما عبق بقميصه من ريحه حين أقبل به إليه يهوذا من ثمانين فرسخا { لولا أن تفندون } تنسبوني إلى الفند وهو نقصان عقل يحدث من هرم ولذلك لا يقال عجوز مفندة لأن نقصان عقلها ذاتي وجواب { لولا } محذوف تقديره لصدقتموني أو لقلت إنه قريب

95 - { قالوا } أي الحاضرون { تالله إنك لفي ضلالك القديم } لفي ذهابك نعن الصواب قدما بالإفراط في محبة يوسف وإكثار ذكره والتوقع للقائه

96 - { فلما أن جاء البشير } يهوذا روي : أنه قال كما أحزنته بحمل قميصه الملطخ بالدم إليه فأفرحه بحمل هذا إليه { ألقاه على وجهه } طرح البشير القميص على وجه يعقوب عليه السلام أو يعقوب نفسه { فارتد بصيرا } عاد بصيرا لما انتعش فيه من القوة { قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون } من حياة يوسف عليه الصلاة و السلام وإنزال الفرح وقيل إني أعلم كلام مبتدأ والمقول { لا تيأسوا من روح الله } أو { إني لأجد ريح يوسف }

97 - { قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين } ومن حق المعترف بذنبه أن يصفح عنه ويسأله المغفرة

98 - { قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم } أخره إلى السحر أو إلى صلاة الليل أو إلى ليلة الجمعة تحريا لوقت الإجابة أو إلى أن يستحل لهم من يوسف أو يعلم أنه عفا عنهم فإن عفو المظلوم شرط المغفرة ويؤيده ما روي أنه استقبل القبلة قائما يدعو وقام يوسف خلفه يؤمن وقاموا خلفهما أذلة خاشعين حتى نزل جبريل وقال إن الله قد أجاب دعوتك في ولدك وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة وهو إن صح فدليل على نبوتهم وأن ما صدر عنهم كان قبل استنبائهم

99 - { فلما دخلوا على يوسف } روي أنه وجه إليه رواحل وأموالا ليتجهز إليه بمن معه واستقبله يوسف والملك بأهل مصر وكان أولاده الذين دخلوا معه مصر اثنين وسبعين رجلا وامرأة وكانوا حين خرجوا مع موسى عليه الصلاة و السلام ستمائة ألف وخمسمائة وبضعة وسبعين رجلا سوى الذرية والهرمى { آوى إليه أبويه } ضم إليه أباه وخالته واعتنقهما نزلها منزلة الأم تنزيل العم منزلة الأب في قوله تعالى : { وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } أو لأن يعقوب عليه الصلاة و السلام تزوجها بعد أمه والرابة تدعى أما { وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين } من القحط وأصناف المكاره و المشئية متعلقة بالدخول المكيف بالأمن والدخول الأول كان في موضع خارج البلد حين استقبلهم

100 - { ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا } تحية تكرمة له فإن السجود كان عندهم يجري مجراها وقيل معناه خروا لأجله سجدا لله شكرا وقيل الضمير لله تعالى و الواو لأبويه وإخوته والرفع مؤخر عن الخرور وإن قدم لفظا للاهتمام بتعظيمه لهما { وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل } التي رأيتها أيام الصبا { قد جعلها ربي حقا } صدقا { وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن } ولم يذكر الجب لئلا يكون تثريبا عليهم { وجاء بكم من البدو } من البادي لأنهم كانوا أصحاب المواشي وأهل البدو { من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي } أفسد بيننا وحرش من نزغ الرائض الدابة إذا نخسها وحملها على الجري { إن ربي لطيف لما يشاء } لطيف التدبير له إذا ما من صعب إلا وتنفذ فيه مشيئته و يتسهل دونها { إنه هو العليم } بوجود المصالح والتدابير { الحكيم } الذي يفعل كل شيء في وقته وعلى وجه يقتضي الحكمة روي : أن يوسف طاف بأبيه عليهما الصلاة والسلام خزائنه فلما ادخله خزانة القراطيس قال : يا بني ما أعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت إلي على ثمان مراحل قال : أمرني جبريل عليه السلام قال : أو ما تسأله قال : أنت أبسط مني إليه فاسأله فقال : جبريل : الله أمرني بذلك لقولك : { وأخاف أن يأكله الذئب } قال فهلا خفتني

101 - { رب قد آتيتني من الملك } بعض الملك وهو ملك مصر { وعلمتني من تأويل الأحاديث } الكتب أو الرؤيا ومن أيضا للتبعيض لأنه لم يؤت كل التأويل { فاطر السموات والأرض } مبدعهما وانتصابه على أنه صفة المنادى أو منادى برأسه { أنت وليي } ناصري ومتولي أمري { في الدنيا والآخرة } أو الذي يتولاني بالنعمة فيهما { توفني مسلما } اقبضي { وألحقني بالصالحين } من آبائي أو بعامة الصالحين في الرتبة والكرامة روي أن يعقوب عليه السلام أقام معه أربعا وعشرين سنة ثم توفي وأوصى أن يدفن بالشام إلى جنب أبيه فذهب به ودفنه ثم عاد وعاش بعده ثلاثا وعشرين سنة ثم تاقت نفسه إلى الملك المخلد فتمنى الموت فتوفاه الله طيبا طاهرا فتخاصم أهل مصر في مدفنه حتى هموا بالقتال فرأوا أن يجعلوه في صندوق من مرمر ويدفنوه في النيل بحيث يمر عليه الماء ثم يصل إلى مصر ليكونوا شرعا فيه ثم نقله موسى عليه الصلاة و السلام إلى مدفن آبائه وكان عمره مائة وعشرين سنة وقد ولد له من راعيل افرثيم وميشا وهو جد يوشع بن نون ورحمة أيوب عليه الصلاة و السلام

102 - { ذلك } إشارة إلى ما ذكر من نبأ يوسف عليه الصلاة و السلام والخطاب فيه للرسول صلى الله عليه و سلم وهو مبتدأ { من أنباء الغيب نوحيه إليك } خبران له { وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون } كالدليل عليهما والمعنى : أن هذا النبأ غيب لم تعرفه إلا بالوحي لأنك لم تحضر إخوة يوسف حين عزموا على ما هموا به من أن يجعلوه في غيابة الجب وهم يمكرون به وبأبيه ليرسله معهم ومن المعلوم الذي لا يخفى على مكذبيك أنك ما لقيت أحدا سمع ذلك فتعلمته منه وإنما حذف هذا الشق استغناء بذكره في غير هذه القصة كقوله : { ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا }

103 - { وما أكثر الناس ولو حرصت } على إيمانهم وبالغت في إظهار الآيات عليهم { بمؤمنين } لعنادهم وتصميمهم على الكفر

104 - { وما تسألهم عليه } على الإنباء أو القرآن { من أجر } من جعل كما يفعله حملة الأخبار { إن هو إلا ذكر } عظة من الله تعالى { للعالمين } عامة

105 - { و كأين من آية } وكم من آية والمعنى وكأي عدد شئت من الدلائل الدالة على وجود الصانع وحكمته وكما لقدرته وتوحيده { في السموات والأرض يمرون عليها } على الآيات ويشاهدونها { وهم عنها معرضون } لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها وقرئ { والأرض } بالرفع على أنه مبتدأ خبره { يمرون } فيكون لها الضمير في { عليها } وبالنصب على و يطؤون الأرض وقرئ والأرض يمشون عليها أي يترددون فيها فيرون آثار الأمم الهالكة

106 - { وما يؤمن أكثرهم بالله } في إقرارهم بوجوده و خالقيته { إلا وهم مشركون } بعبادة غيره أو باتخاذ الأحبار أربابا ونسبة التبني إليه تعالى أو القول بالنور والظلمة أو النظر إلى الأسباب ونحو ذلك وقيل الآية في مشركي مكة وقيل في المنافقين وقيل في أهل الكتاب

107 - { أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله } عقوبة تغشاهم وتشملهم { أو تأتيهم الساعة بغتة } فجأة من غير سابقة علامة { وهم لا يشعرون } بإتيانها غير مستعدين لها

108 - { قل هذه سبيلي } يعني الدعوة إلى التوحيد والإعداد للمعاد ولذلك فسر السبيل بقوله : { أدعو إلى الله } وقيل هو حال من الياء { على بصيرة } بيان وحجة واضحة غير عمياء { أنا } تأكيد للمستتر في { ادعو } أو { على بصيرة } لأنه حال منه أو مبتدأ خبره { على بصيرة } { ومن اتبعني } عطف عليه { وسبحان الله وما أنا من المشركين } وأنزهه تنزيها من الشركاء

سورة الرعد
109 - نوحي إليهم } كما يوحي إليك ويميزون بذلك عن غيرهم وقرأ حفص نوحي في كل القرآن ووافقه حمزة و الكسائي في سورة الأنبياء { من أهل القرى } لأن أهلها أعلم وأحلم من أهل البدو { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } من المكذبين بالرسل والآيات فيحذروا تكذيبك أو من المشغوفين بالدنيا المتهالكين عليها فيقلعوا عن حبها { ولدار الآخرة } ولدار الحال أو الساعة أو الحياة الآخرة { خير للذين اتقوا } الشرك والمعاصي { أفلا تعقلون } يستعملون عقولهم ليعرفوا أنها خير وقرأ نافع و ابن عامر و عاصم و يعقوب بالتاء حملا على قوله : { قل هذه سبيلي } أي قل لهم أفلا تعقلون

110 - { حتى إذا استيأس الرسل } غاية محذوف دل عليه الكلام أي لا يغررهم تمادي أيامهم فإن من قبلهم أمهلوا حتى أيس الرسل عن النصر عليهم في الدنيا أو عن إيمانهم لانهماكهم في الكفر مترفهين متمادين فيه من غير وازع { وظنوا أنهم قد كذبوا } أي كذبتم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم ينصرون أو كذبهم القوم بوعد الإيمان وقيل الضمير للمرسل إليهم أي وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم بالدعوة والوعيد وقيل الأول للمرسل إليهم والثاني للرسل أو وظنوا أن الرسل قد كذبوا وأخلفوا فيما وعد لهم من النصر وخلط الأمر عليهم وما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أن الرسل ظنوا أنهم أخلفوا ما وعدهم الله من النصر إن صح فقد أراد بالظن ما يهجس في القلب على طريق الوسوسة هذا وأن المراد به المبالغة في التراخي والإمهال على سبيل التمثيل وقرأ غير الكوفيين بالتشديد أي وظن الرسل أن القوم قد كذبوهم فيما أوعدوهم وقرئ { كذبوا } بالتخفيف وبناء الفاعل أي وظنوا أنهم قد كذبوا فيما حدثوا به عند قومهم لما تراخى عنهم ولم يروا له أثرا { جاءهم نصرنا فنجي من نشاء } النبي والمؤمنون إنما لم يعينهم للدلالة على أنهم الذين يستأهلون أن يشاء نجاتهم لا يشاركهم فيه غيرهم وقرأ
ابن عامر و عاصم و يعقوب على لفظ الماضي المبني للمفعول وقرئ فنجا { ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين } إذا نزل بهم وفيه بيان للمشيئين

111 - { لقد كان في قصصهم } في قصص الأنبياء وأممهم أو في قصة يوسف وإخوته { عبرة لأولي الألباب } لذوي العقول - المبرأة من شوائب الإلف والركون إلى الحس { ما كان حديثا يفترى } ما كان القرآن حديثا يفترى { ولكن تصديق الذي بين يديه } من الكتب الإلهية { وتفصيل كل شيء } يحتاج إليه في الدين إذ ما من أمر ديني إلا وله سند من القرآن بوسط أو بغير وسط { وهدى } من الضلال { ورحمة } ينال بها خير الدارين { لقوم يؤمنون } يصدقونه [ وعن النبي صلى الله عليه و سلم علموا أرقاءكم سورة يوسف فإنه أيما مسلم تلاها وعلمها أهله وما ملكت يمينه هون الله عليه سكرات الموت وأعطاه القوة أن لا يحسد مسلما ]

وقيل مكية إلا قوله : { ويقول الذين كفروا } الآيةوهي ثلاث وأربعون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
1 - { المر } قيل معناه أنا الله أعلم وأرى { تلك آيات الكتاب } يعني بالكتاب السورة و { تلك } إشارة إلى آياتها أي : تلك الآيات آيات السورة الكاملة أو القرآن { والذي أنزل إليك من ربك } هو القرآن كله ومحله الجر بالعطف على { الكتاب } عطف العام على الخاص أو إحدى الصفتين على الأخرى أو الرفع بالإبتداء أو خبره { بالحق } والجملة كالحجة على الجملة الأولى وتعريف الخبر وإن دل على اختصاص المنزل بكونه حقا فهو أعم من المنزل صريحا أو ضمنا كالمثبت بالقياس وغيره مما نطق المنزل بحسن اتباعه { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } لإخلالهم بالنظر والتأمل فيه

2 - { الله الذي رفع السموات } مبتدأ وخبر ويجوز أن يكون الموصول صفة والخبر { يدبر الأمر } { بغير عمد } أساطين جمع عماد كإهاب وأهب أو عمود كأديم وأدم وقرئ { عمد } كرسل { ترونها } صفة ل { عمد } أو استئناف للاستشهاد برؤيتهم السموات كذلك وهو دليل على وجود الصانع الحكيم فإن ارتفاعها على سائر الأجسام السماوية لها في حقيقة الجرمية واختصاصها بما يقتضي ذلك لا بد وأن يكون بمخصص ليس بجسم ولا جسماني يرجح بعض الممكنات على بعض بإرادته وعلى هذا المنهاج سائر ما ذكر من الآيات { ثم استوى على العرش } بالحفظ والتدبير { وسخر الشمس والقمر } ذللهما لما أراد منهما كالحركة المستمرة على حد من السرعة ينفع في حدوث الكائنات وبقائها { كل يجري لأجل مسمى } لمدة معنية يتم فيها أدواره أو الغاية مضروبة ينقطع دونها سيرة وهي { إذا الشمس كورت * وإذا النجوم انكدرت } { يدبر الأمر } أمر ملكوته من الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة وغير ذلك { يفصل الآيات } ينزلها ويبينها مفصلة أو يحدث الدلائل واحدا بعد واحد { لعلكم بلقاء ربكم توقنون } لكي تتفكروا فيها وتتحققوا كمال قدرته فتعلموا أن من قدر على خلق هذه الأشياء وتدبيرها قدر على الإعادة والجزاء

3 - { وهو الذي مد الأرض } بسطها طولا وعرضا لتثبت عليها أقدام وينقلب عليها الحيوان { وجعل فيها رواسي } جبالا ثوابت من رسا الشيء إذا ثبت جمع راسية والتاء للتأنيث على أنها صفة أجبل أو للمبالغة { وأنهارا } ضمها إلى الجبال وعلق بهما فعلا واحدا من حيث إن الجبال أسباب لتولدها { ومن كل الثمرات } متعلق بقوله : { جعل فيها زوجين اثنين } أي وجعل فيها من جميع أنواع الثمرات صنفين أثنين كالحلو والحامض والأسود والأبيض والصغير والكبير { يغشي الليل النهار } يلبسه مكانه فيصير الجو مظلما بعدما كان مضيئا وقرأ حمزة و الكسائي و أبو بكر يغشي بالتشديد { إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } فيها فإن تكونها وتخصصها بوجه دون وجه دليل على وجود صانع حكيم دبر أمرها وهيأ أسبابها

4 - { وفي الأرض قطع متجاورات } بعضها طيبة وبعضها سبخة وبعضها رخوة وبعضها صلبة وبعضها يصلح للزرع دون الشجر وبعضها بالعكس ولولا تخصيص قادر موقع لأفعاله على وجهه دون وجه لم تكن كذلك لاشتراك تلك القطع في الطبيعة الأرضية وما يلزمها وعرض لهها بتوسط ما يعرض من الأسباب السماوية من حيث أنها متضامة متشاركة في النسب والأوضاع { وجنات من أعناب وزرع ونخيل } وبساتين فيها أنواع الأشجار الزروع وتوحيد الزرع لأنه مصدر في أصله وقرأ ابن كثير و أبو عمرو و يعقوب و حفص { وزرع ونخيل } بالرفع عطفا على { وجنات } { صنوان } نخلات أصلها واحد { وغير صنوان } متفرقات مختلفات الأصول وقرأ حفص بالضم وهو لغة بني تميم كـ { قنوان } في جمع قنو { يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل } في التمر شكلا وقدرا ورائحة وطعما وذلك أيضا مما يدل على الصانع الحكيم فإن اختلافها مع اتحاد الأصول والأسباب لا يكنون إلا بتخصيص قادر مختار وقرأ ابن عامر و عاصم و يعقوب يسقى بالتذكير على تأويل ما ذكر و حمزة و الكسائي بفضل الياء ليطابق قوله { يدبر الأمر } { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } يستعملون عقولهم بالتفكر

5 - { وإن تعجب } يا محمد من إنكارهم البعث { فعجب قولهم } حقيق بأن يتعجب منه فإن من قدر على إنشاء ما قص عليك كانت الإعادة أيسر شيء عليه والآيات المعدودة كما هي دالة على وجود المبدأ فهي دالة على إمكان الإعادة من حيث إنها تدل على كمال علمه وقدرته وقبول المواد لأنواع تصرفاته { أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد } بدل من قولهم أو مفعول له والعامل في إذا محذوف دل عليه : { أإنا لفي خلق جديد } { أولئك الذين كفروا بربهم } لأنهم كفروا بقدرته على البعث { وأولئك الأغلال في أعناقهم } مقيدون بالضلال لا يرجى خلاصهم أو يغلون يوم القيامة { وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } لا ينفكون عنها وتوسيط الفصل لتخصيص الخلود بالكفار

6 - { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة } بالعقوبة قبل العافية وذلك لأنهم استعجلوا ما هددوا به من عذاب الدنيا استهزاء { وقد خلت من قبلهم المثلات } عقوبات أمثالهم من المكذبين فمالهم لم يعتبروا بها ولم يجوزوا حلول مثلها عليهم والمثلة بفتح الثاء وضمها كالصدقة والصدقة والعقوبة لأنها مثل المعاقب عليه ومنه المثال للقصاص وأمثلت الرجل من صاحبه إذا اقتصصته منه وقرئ { المثلات } بالتخفيف و { المثلات } باتباع الفاء العين و { المثلات } بالتخفيف بعد الاتباع و { المثلات } بفتح الثاء على أنها جمع مثلة كركبة وركبات { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم } مع ظلمهم أنفسهم ومحله النصب على الحال والعامل فيه المغفرة والتقييد به دليل على جواز العفو قبل التوبة فإن التائب ليس على ظلمه ومن منع ذلك خص الظلم بالصغائر المكفرة لمجتنب الكبائر أو أول المغفرة بالستر والإمهال { وإن ربك لشديد العقاب } للكفار أو لمن شاء وعن النبي صلى الله عليه و سلم [ لولا عفو الله وتجاوزه لما هنأ أحد العيش ولولا وعيده وعقابه لا تكل كل أحد ]

7 - { ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه } لعدم اعتدادهم بالآيات المنزلة عليه واقتراحا لنحو ما أوتي موسى وعيسى عليهما السلام { إنما أنت منذر } مرسل للإنذار كغيرك من الرسل وما عليك إلا الإتيان بما تصح به نبوتك من جنس المعجزات لا بما يقترح عليك { ولكل قوم هاد } نبي مخصوص بمعجزات من جنس ما هو الغالب عليهم يهديهم إلى الحق ويدعوهم إلى الصواب أو قادر على هدايتهم وهو الله تعالى لكن لا يهدي إلا من يشاء هدايته بما ينزل عليك من الآيات ثم أردف ذلك بما يدل على كمال علمه وقدرته وشمول قضائه وقدره تنبيها على أنه تعالى قادر على إنزال ما اقترحوه وإنما لم ينزل لعلمه بأن اقتراحهم للعناد دون الاسترشاد وأنه قادر على هدايتهم وإنما لم يهدهم لسبق قضائه بالكفر فقال :

8 - { الله يعلم ما تحمل كل أنثى } أي حملها أو ما تحمله على أي حال هو من الأحوال الحاضرة والمترقبة { وما تغيض الأرحام وما تزداد } وما تنقصه وما تزد اده في الجنة والمدة والعدد وأقصى مدة الحمل أربع سنين عندنا وخمس عند مالك وسنتان عند أبي حنيفة روي الضحاك ولد لسنتين هرم بن حيان لأربع سنين وأعلى عدده لا حد له وقيل نهاية ما عرف به أربعة وإليه ذهب أبو حنيفة رضي الله عنه وقال الشافعي رحمه الله أخبرني شيخ باليمن أن امرأته ولدت بطونا في كل بطن خمسة وقيل المراد نقصان دم الحيض وازدياده وغاض جاء متعديا ولازما وكذا ازداد قال تعالى : { وازدادوا تسعا } فإن جعلتهما لازمين تعين إما أن تكون مصدرية وإسنادهما إلى الأرحام على المجاز فإنهما لله تعالى أولما فيها { وكل شيء عنده بمقدار } بقدر لا يجاوزه ولا ينقص عنه كقوله تعالى : { إنا كل شيء خلقناه بقدر } فإنه تعالى خص كل حادث بوقت وحال معينين وهيأ له أسبابا مسوفة إليه تقتضي ذلك وقرأ ابن كثير { هاد } و { وال } و { واق } { وما عند الله باق } بالتنوين في الوصل فإذا وقف وقف بالياء في هذه الأحرف الأربعة حيث وقعت لا غير والباقون يصلون ويقفون بغير ياء

9 - { عالم الغيب } الغائب عن الحس { والشهادة } الحاضر له { الكبير } العظيم الشأن الذي لا يخرج عن عمله شيء { المتعال } المستعلي على كل شيء بقدرته او الذي كبر عن نعت المخلوقين وتعالى عنه

10 - { سواء منكم من أسر القول } في نفسه { ومن جهر به } لغيره { ومن هو مستخف بالليل } طالب للخفاء في مختبأ بالليل { وسارب } بارز { بالنهار } يراه كل أحد من سرب سروبا إذا برز وهو عطف على من أو مستخف على أن من في معنى الاثنين كقوله :
( نكن مثل من يا ذئب يصطحبان )
قال سواء منكم اثنان مستخف بالليل و سارب بالنهار والأية متصلة بما قبلها مقررة لكمال علمه وشموله

11 - { له } لمن أسر أو جهر أو استخفى أو سرب { معقبات } ملائكة تعتقب في حفظه جمع معقبة من عقبه مبالغة عقبه إذا جاء على عقبه كأن بعضهم يعقب بعضا أو لأنههم يعقبون أقواله وأفعاله فيكتبونها أو اعتقب فأدغمت التاء في القاف والتاء للمبالغة أو لأن المراد بالمعقبات جماعات وقرئ معاقيب جمع معقب أو معقبة على تعويض الياء من حذف إحدى القافين { من بين يديه ومن خلفه } من جوانبه أو من الأعمال ما قدم وأخر { يحفظونه من أمر الله } من بأسه متى أذنب بالاستمهال أو الاستغفار له أو يحفظونه من المضار أو يراقبون أحوال من أجل أمر الله تعالى وقد قرئ به وقيل من بمعنى الباء وقيل من أمر الله صفة ثانية ل { معقبات } وقيل المعقبات الحرس والجلاوزة حول السلطان يحفظونه في توهمه من قضاء الله تعالى { إن الله لا يغير ما بقوم } من العافية والنعمة { حتى يغيروا ما بأنفسهم } من الأحوال الجملية بالأحوال القبيحة { وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له } فلا راد له فالعامل في { إذا } ما دل عليه الجواب { وما لهم من دونه من وال } ممن يلي آمرهم فيدفع عنهم السوء وفيه دليل على أن خلاف مراد الله تعالى محال

12 - { هو الذي يريكم البرق خوفا } من أذاه { وطمعا } في الغيث وانتصابهما على العلة بتقدير المضاف أي إرادة خوف وطمع أو التأويل بالإخافة والإطماع أو الحال من { البرق } أو المخاطبين على إضمار ذو أو إطلاق المصدر بمعنى المفعول أو الفاعل للمبالغة وقيل يخاف المطر من يضره ويطمع فيه من ينفعه { وينشئ السحاب } الغيم المنسحب في الهواء { الثقال } وهو جمع ثقيلة وإنما وصف به السحاب لأنه اسم جنس في معنى الجمع

13 - { ويسبح الرعد } ويسبح سامعوه { بحمده } ملتبسين به فيضجون بسبحان الله و الحمد لله او يدل الرعد بنفسه على وحدانية الله وكمال قدرته ملتبسا به بالدلالة على فضله ونزول رحمته وعن ابن عباس رضي الله عنهما [ سئل النبي صلى الله عليه و سلم عن الرعد فقال : ملك موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب ] { والملائكة من خيفته } من خوف الله تعالى وإجلاله وقيل الضمير ل { الرعد } { ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء } فيهلكه { وهم يجادلون في الله } حيث يكذبون رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما يصفه به من كمال العم والقدرة والتفرد بالألوهية وإعادة الناس ومجازاتهم والجدال التشدد في الخصومة من الجدل وهو الفتل والواو إما لعطف الجملة على الجملة أو للحال فإنه [ روي أن عامر بن الطفيل واربد بن ربيعة أخا لبيد وفدا على رسول الله صلى الله عليه و سلم قاصدين لقتله فأخذه عامر بالمجادلة ودار أربد من خلفه ليضربه بالسيف فتنبه له رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال : اللهم اكفنيهما بما شئت فأرسل الله على أربد صاعقة فقتلته ورمى عامرا بغدة فمات في بيت سلولية وكان يقول غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية فنزلت ] { وهو شديد المحال } المماحلة المكايدة لأعدائه من محل فلان بفلان إذا كايده وعرضه للهلاك ومنه تمحل إذا تكلف استعمال الحيلة ولعل أصله المحل بمعنى القحط وقيل فعال من المحل بمعنى القوة وقيل مفعل من الحول أو الحيلة أعل على غير قياس ويعضده أنه قرئ بفتح الميم على أنه مفعل من حال يحول إذا احتال ويجوز أن يكون بمعنى الفقار فيكون مثلا في القوة والقدرة كقولهم : فساعد الله أشد وموساه أحد

14 - { له دعوة الحق } الدعاء الحق فإنه الذي يحق أن يعبد ويدعى إلى عبادته دون غيره أو له الدعوة المجابة فإن من دعاه أجابه ويؤيده ما بعده و { الحق } على الوجهين ما يناقض الباطل وإضافة ال { دعوة } إليه لما بينهما من الملابسة أو على تأويل دعوة المدعو الحق وقيل { الحق } هو الله تعالى وكل دعاء إليه دعوة الحق والمراد بالجملتين إن كانت الآية في أربد وعامر أن إهلاكهما من حيث لم يشعرا به محال من الله إجابة لدعوة رسوله صلى الله عليه و سلم أو دلالة على أنه على الحق وإن كانت عامة فالمراد وعيد الكفرة على مجادلة رسول الله صلى الله عليه و سلم بحلول محاله بهم وتهديدهم بإجابة دعاء الرسول صلى الله عليه و سلم عليهم أو بيان ضلالهم فساد رأيهم { والذين يدعون } أي الأصنام الذين يدعوهم المشركون فحذف الراجع أو والمشركون الذين يدعون الأصنام فحذف المفعول لدلالة { من دونه } عليه { لا يستجيبون لهم بشيء } من الطلبات { إلا كباسط كفيه } إلا استجابة كاستجابة من بسط كفيه { إلى الماء ليبلغ فاه } يطلب منه أن يبلغه { وما هو ببالغه } لأنه جماد لا يشعر بدعائه ولا يقدر على إجابته والإتيان بغير ما جبل عليه وكذلك آلهتهم وقيل شبهوا في قلة جدوى دعائهم لها بمن أراد أن يغترف الماء ليشربه فبسط كفيه ليشربه وقرئ تدعون بالتاء وباسط بالتنوين { وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } في ضياع وخسارة وباطل

15 - { ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها } يحتمل أن يكون السجود على حقيقته فإنه يسجد له الملائكة والمؤمنون من الثقلين طوعا حالتي الشدة والرخاء والكفرة كرها حال الشدة والضرورة { وظلالهم } بالعرض وأن يردا به انقيادهم لإحداث ما أراده منهم شاؤوا أو كرهوا وانقياد ظلالهم لتصريفه إياها بالمد والتقليص وانتصاب { طوعا وكرها } بالحال أو العلة وقوله : { بالغدو والآصال } ظرف ل { يسجد } والمراد بهما الدوام أو حال من الظلال تخصيص الوقتين لأن الظلال إنما تعظم وتكثر فيهما والغدو جمع غداة كقنى جمع قناة و { الآصال } جمع أصيل وهو ما بين العصر والمغرب وقيل العدو مصدر ويؤيده أنه قد قرئ والإيصال وهو الدخول في الأصيل

16 - { قل من رب السموات والأرض } خالقهما ومتولي أمررهما { قل الله } أجب عنهم بذلك إذا لا جواب لهم سواه ولأنه البين الذي لا يمكن المراء فيه أو لقنهم الجواب به { قل أفاتخذتم من دونه } ثم ألزمهم بذلك لأن اتخاذهم منكر بعيد عن مقتضى العقل { أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا } لا يقدرون على أن يجلبوا إليها نفعا أو يدفعوا عنها ضررا فكيف يستطيعون إنفاع الغير ودفع الضر عنه وهو دليل ثان على ضلالهم وفساد رأيهم في اتخاذهم أولياء رجاء أن يشفعوا لهم { قل هل يستوي الأعمى والبصير } المشرك الجاهل بحقيقة العبادة والموجب لها والموحد العالم بذلك وقيل المعبود الغافل عنكم والمعبود المطلع على أحوالكم { أم هل تستوي الظلمات والنور } الشرك والتوحيد وقرأ حمزة و الكسائي و أبو بكر بالياء { أم جعلوا لله شركاء } بل أجعلوا والهمزة للإنكار وقوله : { خلقوا كخلقه } صفة لشركاء داخلة في حكم الإنكار { فتشابه الخلق عليهم } خلق الله وخلقهم والمعنى أنهم ما اتخذوا لله شركاء خالقين مثله حتى يتشابه عليهم الخلق فيقولوا هؤلاء خلقوا كما خلق الله فاستحقوا العبادة كما استحقها ولكنهم اتخذوا شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق فضلا عما يقدر عليه الخالق { قل الله خالق كل شيء } أي لا خالق غيره فيشركه في العبادة جعل الخلق موج العبادة ولازم استحقاقها ثم نفاه عمن سواه ليدل على قوله : { وهو الواحد } المتوحد بالألوهية { القهار } الغالب على كل شيء

17 - { أنزل من السماء ماء } من السحاب أو من جانب السماء أو من السماء نفسها فإن المبادئ منها { فسالت أودية } أنهار جمع واد وهو الموضع الذي يسيل الماء فيه بكثرة فاتسع فيه واستعمل للماء الجاري فيه و تنكيرها لأن المطر يأتي على تناوب بين البقاع { بقدرها } بمقدارها الذي علم الله تعالى أنه نافع غير ضار أو بمقدارها في الصغر والكبر { فاحتمل السيل زبدا } رفعه والزبد وضر الغليان { رابيا } عاليا { ومما يوقدون عليه في النار } يعم الفلزات كالذهب والفضة والحديد والنحاس على وجه التهاون بها إظهارا لكبريائه { ابتغاء حلية } أي طلب حلى { أو متاع } كالأواني وآلات الحرب والحرث والمقصود من ذلك بيان منافعها { زبد مثله } أي ومما يوقدون عليه زبد مثل زبد الماء وهو خبثه و { من } للابتداء أو للتبعيض وقرأ حمزة و الكسائي و حفص بالياء على أن الضمير للناس وإضماره للعمل به { كذلك يضرب الله الحق والباطل } مثل الحق والباطل فإنه مثل الحق في إفادته وثباته بالماء الذي ينزل من السماء فتسيل به الأودية على قدر الحاجة والمصلحة فينتفع به أنواع المنافع ويمكث في الأرض بأن يثبت بعضه في منافعه ويسلك بعضه في عروق الأرض إلى العيون والقنى ولآبار وبالفلز الذي ينتفع به في صوغ الحلى واتخاذ الأمتعة المختلفة ويدوم ذلك مدة متطاولة والباطل في قلة نفعه وسرعة زواله بزبدهما وبين ذلك بقوله : { فأما الزبد فيذهب جفاء } يجفأ به أي يرمي به السيل والفلز المذاب وانتصابه على الحال وقرئ جفالا والمعنى واحد { وأما ما ينفع الناس } كالماء وخلاصة الفلز { فيمكث في الأرض } ينتفع به أهالها { كذلك يضرب الله الأمثال } لإيضاح المشتبهات

18 - { للذين استجابوا } للمؤمنين الذين استجابوا { لربهم الحسنى } الاستجابة الحسنى { والذين لم يستجيبوا له } وهم الكفرة واللام متعلقة بضرب على أنه جعل ضرب المثل لشأن الفريقين ضرب المثل لهما وقيل للذين استجابوا خبر الحسنى وهي المثوبة أو الجنة والذين لم يستجيبوا مبتدأ حبره { لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به } وهو على الأول كلام مبتدأ لبيان مآل غير المستجيبين { أولئك لهم سوء الحساب } وهو المناقشة فيه بأن يحاسب الرجل بذنبه لا يغفر منه شيء { ومأواهم } مرجعهم { جهنم وبئس المهاد } المستقر والمخصوص بالذم محذوف

19 - { أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق } فيستجيب { كمن هو أعمى } عمى القلب لا يستبصر فيستجيب والهمزة لإنكار أن تقع شبهة في تشابهها بعدما ضرب من المثل { إنما يتذكر أولو الألباب } ذوو العقول المبرأة عن مشايعة الألف ومعارضة الوهم

20 - { الذين يوفون بعهد الله } ما عقدوه على أنفسهم من الاعتراف بربوبيته حين قالوا بلى أو ما عهد الله تعالى عليهم في كتبه { ولا ينقضون الميثاق } ما وثقوه من المواثيق بينهم وبين الله تعالى وبين العباد وهو تعميم بعد تخصيص

21 - { والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل } من الرحم وموالاة المؤمنين والإيمان بجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ويندرج في ذلك مراعاة جميع حقوق الناس { ويخشون ربهم } وعيده عموما { ويخافون سوء الحساب } خصوصا فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا

22 - { والذين صبروا } على ما تكرهه النفس ويحالفه الهوى { ابتغاء وجه ربهم } طلبا لرضاه لا لجزاء وسمعة ونحوهما { وأقاموا الصلاة } المفروضة { وأنفقوا مما رزقناهم } بعضه الذي وجب عليهم إنفاقه { سرا } لمن لم يعرف بالمال { وعلانية } لمن عرف به { ويدرؤون بالحسنة السيئة } ويدفعوها بها فيجازون الإساءة بالإحسان أو يكون مآل أهلها وهي الجنة والجملة خبر الموصولات إن رفعت بالابتداء وإن جعلت صفات لأولي الألباب فاستئناف بذكر ما استوجبوا بتلك الصفات

23 - { جنات عدن } بدل من { عقبى الدار } أو مبتدأ خبر { يدخلونها } والعدن الإقامة أي جنات يقيمون فيها وقيل هو بطنان الجنة { ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم } عطف على المرفوع في يدخلون وإنما ساغ للفصل بالضمير الآخر أو مفعول معه والمعنى أنه يلحق بهم من صلح من أهلهم وإن لم يبلغ مبلغ فضلهم تبعا لهم وتعظيما لشأنهم وهو دليل على أن الدرجة تعلو بالشفاعة أو أن الموصوفين بتلك الصفات يقرن بعضهم ببعض لما بينهم من القرابة والوصلة في دخول الجنة زيادة في أنسهم وفي التقييد
بالصلاح دلالة على أن مجرد الأنساب لا تنفع { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب } من أبواب المنازل أو من أبواب الفتوح والتحف قائلين :

24 - { سلام عليكم } بشرة بدوام السلامة { بما صبرتم } متعلق ب { عليكم } أو بمحذوف أي هذا بما صبرتم لا ب { سلام } فإن الخبر فاصل والباء للسببية أو للبدلية { فنعم عقبى الدار } وقرئ { فنعم } بفتح النون والأصل نعم فسكن العين بنقل كسرتها إلى الفاء وبغيره

25 - { والذين ينقضون عهد الله } يعني مقابلي الأولين { من بعد ميثاقه } من بعد ما أوثقوه به من الإقرار والقبول { ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض } بالظلم وتهييج الفتن { أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار } عذاب جهنم أو سوء عاقبة الدنيا لأنه في مقابلة { عقبى الدار }

26 - { الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } يوسعه ويضيقه { وفرحوا } أي أهل مكة { بالحياة الدنيا } بما بسط لهم في الدنيا { وما الحياة الدنيا في الآخرة } أي فيجنب الآخرة { إلا متاع } إلا متعة لا تدوم كعجالة الركب وزاد الراعي والمعنى أنهم أشروا بما نالوا من الدنيا ولم يصرفوه فيما يستوجبون به نعيم الآخرة واغتروا بما هو في جنبه نزر قليل النفع سريع الزوال

27 - { ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء } باقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات { ويهدي إليه من أناب } أقبل إلى الحق ورجع عن العناد وهو جواب يجري مجرى التعجب من قولهم كأنه قال قل لهم ما أعظم عنادكم إن الله يضل من يشاء ممن كان على صفتكم فلا سبيل إلى اهتدائهم وإن أنزلت كل آية ويهدي إليه من أناب بما جئت به بل بأدنى منه من الآيات

28 - { الذين آمنوا } بدل { من } أو خبر مبتدأ محذوف { وتطمئن قلوبهم بذكر الله } أنسا به واعتمادا عليه ورجاء منه أو بذكر رحمته بعد القلق من خشيته أو بذكر دلائله الدالة على وجوده ووحدانيته أو بكلامه يعني القرآن الذي هو أقوى المعجزات { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } تسكن إليه

29 - { الذين آمنوا وعملوا الصالحات } مبتدأ خبره { طوبى لهم } وهو فعلى من الطيب قلبت ياؤه واوا لضمة ما قبلها مصدر لطاب كبشرى وزلفى ويجوز فيه الرفع والنصب ولذلك قرئ { وحسن مآب } بالنصب

30 - { كذلك } مثل ذلك يعني إرسال قبلك { أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها } تقدمتها { أمم } أرسلوا إليهم فليس ببدع إرسالك إليهم { لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك } لتقرأ عليهم الكتاب الذي أوحيناه إليك { وهم يكفرون بالرحمن } وحالهم أنههم يكفرون بالبليغ الرحمة الذي أحاطت بهم نعمته ووسعت كل شيء رحمته فلم يشكروا نعمه وخصوصا ما أنعم عليهم بإرسالك إليهم وإنزال القرآن الذي هو مناط المنافع الدينية والدنيوية عليهم وقيل نزلت في مشركي أهل مكة حين قيل هلم { اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن } { قل هو ربي } أي الرحمن خالقي ومتولي أمري { لا إله إلا هو } لا مستحق للعبادة سواه { عليه توكلت } في نصرتي عليكم { وإليه متاب } مرجعي ومرجعكم

31 - { ولو أن قرآنا سيرت به الجبال } شرط حذف جوابه والمراد منه تعظيم شأن القرآن أو المبالغة في عناد الكفرة وتصميمهم أي : ولو أن كتابا زعزعت به الجبال عن مقارها { أو قطعت به الأرض } تصدعت من خشية الله عند قراءته أو شققت فجعلت أنهارا وعيونا { أو كلم به الموتى } فتسمع فتقرؤه أو فتسمع وتجيب عند قراءته لكان هذا القرآن لأنه الغاية في الإعجاز والنهاية في التذكير والإنذار أو لما آمنوا به كقوله : { ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة } الآية وقيل إن قريشا قالوا يا محمد إن سرك أن نتبعك فسير بقرآنك الجبال عن مكة حتى تتسع لنا فنتخذ فيها بساتين وقطائع أو سخر لنابه الريح لنركبها ونتجر إلى الشام أو ابعث لنا به قصي بن كلاب وغيره من آبائنا ليكلمونا فيك فنزلت وعلى هذا فتقطيع الأرض قطعها بالسير وقيل الجواب مقدم وهو قوله : { وهم يكفرون بالرحمن } وما بينهما اعتراض تذكير { كلم } خاصة لاشتمال الموتى على المذكر الحقيقي { بل لله الأمر جميعا } بل لله القدرة على كل شيء وهو إضراب عما تضمنته { لو } من معنى النفي أي : بل الله قادر على الإتيان بما اقترحوه من الآيات إلا أن إرادته لم تتعلق بدلك لعلمه بأنه لا تلين له شكيمتهم ويؤيد ذلك قوله : { أفلم ييأس الذين آمنوا } عن إيمانهم مع ما رأوا من أحوالهم وذهب أكثرهم إلى أن معناه أفلم يعلم لما روي أن عليا وابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين قرؤوا أفلم يتبين وهو تفسيره وإنما استعمل اليأس بمعنى العلم لأنه مسبب عن العلم فإن الميئوس عنه لا يكون إلا معلوما ولذلك علقه بقوله : { أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا } فإن معناه نفى هدى بعض الناس لعدم تعلق المشيئة باهتدائهم وهو على الأول متعلق بمحذوف تقديره أفلم ييأس الذين أمنوا عن إيمانهم علما منهم أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا أو { آمنوا } { ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا } من الكفر وسوء الأعمال { قارعة } داهية تقرعهم وتقلقهم { أو تحل قريبا من دارهم } فيفزعون منها ويتطاير إليهم شررها وقيل الآية في كفار مكة فإنهم لا يزالون مصابين بما صنعوا برسول الله صلى الله عليه و سلم إنه عليه الصلاة و السلام كان لا يزال يبعث السرايا عليهم فتغير حواليهم وتختطف مواشيهم وعلى هذا يجوز أن يكون تحل خطابا للرسول عليه الصلاة و السلام فإنه حل بجيشه قريبا من دراهم عام الحديبية { حتى يأتي وعد الله } الموت أو القيامة أو فتح مكة { إن الله لا يخلف الميعاد } لامتناع الكذب في كلامه

32 - { ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا } تسلية لرسول الله صلى الله عليه و سلم ووعيد للمستهزئين به والمقترحين عليه والإملاء أن يترك ملاوة من الزمان فيدعو وأمن { ثم أخذتهم فكيف كان عقاب } أي عقابي إياهم

33 - { أفمن هو قائم على كل نفس } رقيب عليها { بما كسبت } من خير أو شر لا يخفى عليه شيء من أعمالهم ولا يفوت عنده شيء من جزائهم والخبر محذوف تقديره كمن ليس كذلك { وجعلوا لله شركاء } استئناف أو عطف على { كسبت } إن جعلت ما مصدرية أو لم يوحدوه وجعلوا عطف عليه ويكون الظاهر فيه موضع الضمير للتنبيه على أنه المستحق للعبادة وقوله : { قل سموهم } تنبيه على أن هؤلاء الشركاء لا يستحقونها والمعنى صفوهم فانظروا هل لهم ما يستحقون به العبادة ويستأهلون الشركة { أم تنبئونه } بل أتنبئونه وقرئ تنبئونه بالتخفيف { بما لا يعلم في الأرض } بشركاء يستحقون العبادة لا يعلمهم أو بصفات لهم يستحقونها لأجلها لا يعلمها وهو العالم بكل شيء { أم بظاهر من القول } أم تسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير حقيقة واعتبار معنى كتسمية الزنجي كافورا وهذا احتجاج بليغ على أسلوب عجيب ينادي على نفسه بالإعجاز { بل زين للذين كفروا مكرهم } تمويههم فتخيلوا أباطيل ثم خالوها حقا أو كيدهم لإسلام بشركهم { وصدوا عن السبيل } سبيل الحق وقرأ ابن كثير و نافع و أبو عمرو و ابن عامر { وصدوا } بالفتح أي وصدوا الناس عن الإيمان وقرئ بالكسر وصد بالتنوين { ومن يضلل الله } يخذله { فما له من هاد } يوفقه للهدى

34 - { لهم عذاب في الحياة الدنيا } بالقتل والأسر وسائر ما يصيبهم من المصائب { ولعذاب الآخرة أشق } لشدته ودوامه { وما لهم من الله } من عذابه أو من رحمته { من واق } حافظ

35 - { مثل الجنة التي وعد المتقون } صفتها التي هي مثل في الغرابة وهو مبتدأ خبر محذوف عند سيبويه أي فيما قصصنا عليكم مثل الجنة وقيل خبره { تجري من تحتها الأنهار } على طريقة قولك صفة زيد أسمر أو على حذف موصوف أي مثل الجنة جنة تجري من تحتها الأنهار أو على زيادة المثل وهو على قول سيبويه حال من العائد أو المحذوف أو من الصلة { أكلها دائم } لا ينقطع ثمرها { وظلها } أي وظلها وكذلك لا ينسخ في الدنيا بالشمس { تلك } أي الجنة الموصوفة { عقبى الذين اتقوا } مآلهم ومنتهى أمرهم { وعقبى الكافرين النار } لا غير وفي ترتيب النظمين إطماع للمتقين وإقناط للكافرين

36 - { والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك } يعني المسلمين من أهل الكتاب كابن سلام وأصحابه ومن آمن من النصارى وهم ثمانون رجلا أربعون بنجران وثمانية باليمن واثنان وثلاثون بالحبشة أو عامتهم فإنهم كانوا يفرحون بما يوافق كتبهم { ومن الأحزاب } يعني كفرتهم الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه و سلم بالعداوة ككعب بم الأشرف وأصحابه والسيد والعاقب وأشياعهما { من ينكر بعضه } وهو ما يخالف شرائعهم أو ما يوافق ما حرفوه منها { قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به } جواب المنكرين أي قل لهم إن أمرت فيما أنزل إلى بأن أعبد الله وأوحده وهو العمدة في الدين ولا سبيل لكم إلى إنكاره وأما ما تنكرونه لما يخالف شرائعكم فليس ببدع مخالفة الشرائع والكتب الإلهية في جزئيات الأحكام وقرئ { ولا أشرك } بالرفع على الاستئناف { إليه أدعو } لا إلى غيره { وإليه مآب } وإليه مرجعي للجزاء لا إلى غيره و هذا هو القدر المتفق عليه بين الأنبياء وأما ماعدا ذلك من التفاريع فمما يختلف بالأعصار والأمم فلا معنى لإنكاركم المخالفة فيه

37 - { وكذلك } ومثل ذلك الإنزال المشتمل على أصول الديانات المجمع عليها { أنزلناه حكما } يحكم في القضايا والوقائع بما تقتضيه الحكمة { عربيا } مترجما بلسان العرب ليسهل لهم فهمه وحفظه وانتصابه على الحال { ولئن اتبعت أهواءهم } التي يدعونك إليها كتقرب دينهم والصلاة إلى قبلتهم بعدما حولت عنها { بعد ما جاءك من العلم } بنسخ ذلك { ما لك من الله من ولي ولا واق } ينصرك ويمنع العقاب عنك وهو حسم لأطماعهم وتهييج للمؤمنين على الثبات في دينهم

38 - { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك } بشرا مثلك { وجعلنا لهم أزواجا وذرية } نساء وأولادا كما هي لك { وما كان لرسول } وما يصح له ولم يكن في وسعه { أن يأتي بآية } تقترح عليه وحكم يلتمس منه { إلا بإذن الله } فإنه المليء بذلك { لكل أجل كتاب } لكل وقت وأمد حكم يكتب على العباد على لا ما يقتضيه استصلاحهم

39 - { يمحو الله ما يشاء } ينسخ ما يستصوب نسخه { ويثبت } ما تقتضيه حكمته وقيل يمحو سيئات التائب ويثبت الحسنات مكانها وقيل يمحو من كتاب الحفظة ما لا يتعلق به جزاء ويترك غيره مثبتا ما رآه وحده في صميم قلبه وقيل يمحو قرنا ويثبت آخرين وقيل يمحو الفاسدات ويثبت الكائنات وقرأ نافع و ابن عامر و حمزة و الكسائي ويثبت بالتشديد { وعنده أم الكتاب } أصل الكتاب وهو اللوح المحفوظ إذ ما من كائن إلا وهو مكتوب فيه

40 - { وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك } وكيفما دارت الحال أريناك بعض ما أوعدناهم أو توفيناك قبله { فإنما عليك البلاغ } لا غير { وعلينا الحساب } للمجازاة لا عليك فلا تحتفل بإعراضهم ولا تستعجل بعذابهم فإنا فاعلون له وهذا طلائعه

سورة إبراهيم
41 - ة { ننقصها من أطرافها } بما نفتحه على المسلمين منها { والله يحكم لا معقب لحكمه } لا راد له وحقيقته الذي يعقب الشيء بالإبطال ومنه قيل لصاحب الحق معقب لأنهه يقفو غريمه بالاقتضاء والمعنى أنه حكم للإسلام بالإقبال وعلى الكفر بالإدبار وذلك كائن لا يمكن تغييره ومحل { لا } مع المنفي النصب على الحال أي يحكم نافذا حكمه { وهو سريع الحساب } فيحاسبهم عما قليل في الآخرة بعدما عذبهم بالقتل والإجلاء في الدنيا

42 - { وقد مكر الذين من قبلهم } بأنبيائهم والمؤمنين به منهم { فلله المكر جميعا } إذ لا يؤبه بمكر دون مكره فإنه القادر على ما هو المقصود منه دون غيره { يعلم ما تكسب كل نفس } فيعد جزاءها { وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار } من الحزبين حيثما يأتيهم العذاب المعد لهم وهم في غفلة منه وهذا كالتفسير لمكر الله تعالى بهم واللام تدل على أن المراد بالعقبى العاقبة المحمودة مع ما في الإضافة إلى الدار كما عرفت وقرأ ابن كثير و نافع و أبو عمرو والكافر على إرادة الجنس وقرئ الكافرون والذين كفروا والكفر أي أهله وسيعلم من أعلمه إذا أخبره

43 - { ويقول الذين كفروا لست مرسلا } قيل المراد بهم رؤساء اليهود { قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم } فإنه أظهر من الأدلة على رسالتي ما يغني عن شاهد يشهد عليها { ومن عنده علم الكتاب } علم القرآن وما ألف عليه من النظم المعجز أو علم التوراة وهو ابن سلام وأضرابه أو علم اللوح المحفوظ وهو الله تعالى أي كفى بالذي يستحق العبادة والذي لا يعلم ما في اللوح المحفوظ إلا هو شهيدا بيننا فيخزي الكاذب منا ويؤيده قراءة من قرأ { ومن عنده } بالكسر و { علم الكتاب } وعلى الأول مرتفع بالظرف فإنه معتمد على الموصول ويجوز أن يكون مبتدأ والظرف خبره وهو متعين على الثاني وقرئ { ومن عنده علم الكتاب } على الحرف والبناء للمفعول [ عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من قرأ سورة الرعد أعطي من الأحر عشر حسنات بوزن كل سحاب مضى وكل سحاب يكون إلى يوم القيامة وبعث يوم القيامة من الموفين بعهد الله ]

وهي آياتها اثنتان وخمسون أية
بسم الله الرحمن الرحيم
1 - { الر كتاب } أي هو كتاب { أنزلناه إليك لتخرج الناس } بدعائك إياهم إلى ما تضمنه { من الظلمات } من أنواع الضلال { إلى النور } إلى الهدى { بإذن ربهم } بتوفيقه وتسهيله مستعار من الاذن الذي هو تسهيل الحجاب وهو صلى { لتخرج } أوحال من فاعله أو مفعوله { إلى صراط العزيز الحميد } بدل من قوله : { إلى النور } بتكرير العامل أو استئناف على أنه جواب لمن يسأل عنه وإضافة الصراط إلى الله تعالى إما لأنه مقصده أو المظهر له وتخصيص الوصفين للتنبيه على أنه لا يذل سالكه ولا يخيب سابله

2 - { الله الذي له ما في السموات وما في الأرض } على قراءة نافع و ابن عامر مبتدأ وخبر أو { الله } خبر مبتدأ محذوف والذي صفته وعلى قراءة الباقين عطف بيان ل { العزيز } لأنه كالعلم لاختصاصه بالمعبود على الحق { وويل للكافرين من عذاب شديد } وعيد لمن كفر بالكتاب ولم يخرج به من الظلمات إلى النور والويل نقيض الوأل وهو النجاة وأصله النصب لأنه مصدر إلا أنه لم يشتق منه فعل لكنه رفع لإفادة الثبات

3 - { الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة } يختارونها عليها فإن المختار للشيء يطلب من نفسه أن يكون أحب إليها من غيره { ويصدون عن سبيل الله } بتعويق الناس عن الإيمان وقرئ { ويصدون } من أصده وهو منقول من صد صدودا إذا تنكب وليس فصيحا لأن في صده مندوحة عن تكلف التعدية بالهمزة { ويبغونها عوجا } ويبغون لها زيغا ونكوبا عن الحق ليقدحوا فيه فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير والموصول بصلته يحتمل الجر صفة الكافرين والنصب على الذم والرفع عليه أو على أنه مبتدأ خبره { أولئك في ضلال بعيد } أي ضلوا عن الحق ووقعوا عنه بمراحل والبعد في الحقيقة للضال فوصف به فعله للمبالغة أو لأمر الذي به الضلال فوصف به لملابسته

4 - { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } إلا بلغة قومه الذي هو منهم وبعث فيهم { ليبين لهم } ما أمروا به فيفقهوه عنه بيسر وسرعة ثم ينقلوه ويترجموه إلى غيرهم فإنهم أولى الناس إليه بأن يدعوهم وأحق بأن ينذرهم ولذلك أمر النبي صلى الله عليه و سلم بإنذار عشيرته أولاولو نزل على من بعث إلى أمم مختلفة كتب على ألسنتهم استقل ذلك بنوع من الإعجاز لكن أدى إلى اختلاف الكلمة وإضاعة فضل الاجتهاد في تعلم الألفاظ ومعانيها والعلوم المتشبعة منها وما في أتعاب القرائح وكد النفوس من القرب المقتضية لجزيل الثواب وقرئ بلسن وهو لغة فيه كريش ورياش ولسن بضمتين وضمة وسكون على الجمع كعمد وعمد وقيل الضمير في قومه لمحمد صلى الله عليه و سلم وأن الله تعالى أنزل الكتب كلها بالعربية ثم ترجمها جبريل عليه السلام أو كل نبي بلغة المنزل عليهم وذلك ليس بصحيح يرده قوله { ليبين لهم } فإنه ضمير القوم والتوراة والإنجيل ونحوهما لم تنزل لتبين للعرب { فيضل الله من يشاء } فيخذله عن الإيمان { ويهدي من يشاء } بالتوفيق له { وهو العزيز } فلا يغلب على مشيئته { الحكيم } الذي لا يضل ولا يهدي إلا لحكمه

5 - { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا } يعني اليد والعصا وسائر معجزاته { أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور } بمعنى أن أخرج لأن في الإرسال معنى القول أو بأن أخرج فإن صيغ الأفعال سواء في الدلالة على المصدر فيصح أن توصل بها أن الناصبة { وذكرهم بأيام الله } بوقائعه التي وقعت على الأمم الدارجة وأنام العرب حروبها وقيل بنعمائه وبلائه { إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } يصبر على بلائه ويشكر على نعمائه فإنه إذا سمع بما أنزل على من قبل من البلاء وأفيض عليهم من النعماء اعتبر و تنبه لما يجب عليه من الصبر والشكر وقيل المراد لكل مؤمن وإنما عبر عنه بذلك تنبيها على أن الصبر والشكر عنوان المؤمن

6 - { وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون } أي اذكروا نعمته عليكم وقت إنجائه إياكم ويجوز أن ينتصب ب { عليكم } إن جعلت مستقرة غير صلة للنعمة وذلك إذا أريد به العطية دون الأنعام ويجوز أن يكون بدلا من { نعمة الله } بدل الاشتمال { يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم } أحوال من آل فرعون أومن ضمير المخاطبين والمراد بالعذاب ها هنا غير المراد به في سورة البقرة والأعراف لأنه مفسر بالتذبيح والقتل ثمة ومعطوف عليه التذبيح ها هنا وهو إما جنس العذاب أو استعبادهم أو استعمالهم بالأعمال الشاقة { وفي ذلكم } من حيث إنه بإقدار الله إياهم وإمهالهم فيه { بلاء من ربكم عظيم } ابتلاء منه ويجوز أن تكون الإشارة إلى الإنجاء والمراد بالبلاء النعمة

7 - { وإذ تأذن ربكم } أيضا من كلام موسى صلى الله عليه و سلم و { تأذن } بمعنى آذن كتوعد وأوعد غير أنها أبلغ لما في التفعل من معنى التكلف والمبالغة { لئن شكرتم } يا بني إسرائيل ما أنعمت عليكم من الإنجاء وغيره بالإيمان والعمل الصالح { لأزيدنكم } نعمة إلى نعمة { ولئن كفرتم } ما أنعمت عليكم { إن عذابي لشديد } فلعلي أعذبكم على الكفران عذابا شديدا ومن عادة أكرم الأكرمين أن يصرح بالوعد ويعرض بالوعيد الجملة مقول قول مقدر أو مفعول { تأذن } على أنه جار مجرى قال لأنه ضرب منه

8 - { وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا } من الثقلين { فإن الله لغني } عن شكركم { حميد } مستحق للحمد في ذاته محمود تحمده الملائكة وتنطق بنعمته ذرات المخلوقات فما ضررتم بالكفر إلا أنفسكم حيث حرمتموها مزيد الأنعام وعرضتموها للعذاب الشديد

9 - { ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود } من كلام موسى
عليه الصلاة و السلام أو كلام مبتدأ من الله { والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله } جملة وقعت اعتراضا او الذين من بعدهم عطف على ما قبله
ولا يعلمهم اعتراض والمعنى أنهم لكثرتهم لا يعلم عددهم إلا الله
ولذلك قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه كذب النسابون { جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم } فعضوها غيظا مما جاءت
به الرسل عليهم الصلاة والسلام كقوله تعالى : { عضوا عليكم الأنامل من الغيظ } أو وضعوها عليها تعجبا منه أو استهزاء عليه كمن غلبه
الضحك أو إسكاتا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام أمرا لهم بطباق
الأفواه أو أشاروا بها إلى ألسنتهم وما نطقت به من قولهم : { إنا كفرنا } تنبيها على أن لا جواب لهم سواه أو ردوها في أفواه الأنبياء يمنعونهم
من التكلم وعلى هذا يحتمل أن يكون تمثيلا وقيل الأيدي بمعنى
الأيادي أي ردوا أيادي الأنبياء التي هي مواعظهم وما أوحي إليهم
من الحكم والشرائع في أفواههم لأنهم إذا كذبوها ولم يقبلوها فكأنما
ردوها إلى حيث جاءت منع { وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به } على زعمكم { وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه } من الإيمان وقرئ تدعونا بالإدغام { مريب } موقع في الريبة أو ذي ريبة وهي قلق النفس وان لا تطمئن إلى الشي

10 - { قالت رسلهم أفي الله شك } أدخلت همزة الإنكار على الظرف لأن
الكلام في لمشكوك فيه لا في الشك أي إنما ندعوكم إلى الله وهو لا
يحتمل الشك لكثرة الأدلة وظهور دلالتها عليه وأشاروا إلى ذلك
بقولهم { فاطر السموات والأرض } وهو صفة أو بدل و { شك } مرتفع
لظرف { يدعوكم } إلى الإيمان ببعثه إيانا { ليغفر لكم } أو يدعوكم إلى المغفرة
كقولك : دعوته لينصرني على إقامة المفعول له مقام المفعول به { من ذنوبكم } بعض ذنوبكم وهو ما بينكم وبينه تعالى فإن الإسلام يجبه دون
المظالم وقيل جيء بمن في خطاب الكفرة دون المؤمنين في جميع القرآن
تفرقة بين الخطابين ولعل المعنى فيه أن المغفرة حيث جاءت في خطاب
الكفار مرتبة على الإيمان وحيث جاءت في خطاب المؤمنين مشفوعة
بالطاعة والتجنب عن المعاصي ونحو ذلك فتتناول الخروج عن المظالم { ويؤخركم إلى أجل مسمى } إلى وقت سماه الله تعالى وجعله آخر أعماركم
{ قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا } لا فضل لكم علينا فلم تخصون بالنبوة
دوننا ولو شاء الله أن يبعث إلى البشر رسلا لبعث من جنس أفضل
{ تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا } بهذه الدعوى { فأتونا بسلطان مبين } يدل على فضلكم واستحقاقكم لهذه المزية أو على صحة
ادعائكم النبوة كأنهم لم يعتبروا ما جاءوا به من البينات والحجج واقترحوا
عليهم آية أخرى تعنتا ولجاجا

11 - { قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده } سلموا مشاركتهم في الجنس وجعلوا الموجب لاختصاصهم بالنبوة فضل الله ومنه عليهم وفيه دليل على أن النبوة عطائية وان ترجيح بعض الجائزات على بعض بمشيئة الله تعالى { وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله } أي ليس إلينا الإتيان بالآيات ولا تستبدل به استطاعتنا حتى نأتي بما اقترحتموه وإنما هو أمر يتعلق بمشيئة الله تعالى فيخص كل نبي بنوع من الآيات { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } فلنتوكل عليه في الصبر على معاندتكم ومعاداتكم عمموا الأمر للأشعار بما يوجب التوكل وقصدوا به أنفسهم قصدا أوليا ألا ترى قوله تعالى :

12 - { وما لنا أن لا نتوكل على الله } أي : أي عذر لنا في أن لا نتوكل عليه { وقد هدانا سبلنا } التي بها نعرفه ونعلم أن الأمور كلها بيده وقرأ أبو عمرو بالتخفيف هاهنا وفي العنكبوت { ولنصبرن على ما آذيتمونا } جواب قسم محذوف أردوا به توكلهم وعدم مبالاتهم بما يجري من الكفار عليهم { وعلى الله فليتوكل المتوكلون } فليثبت المتوكلون على ما استحدثوه من توكلهم المسبب عن إيمانهم

13 - { وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا } حلفوا على أن يكون أحد الأمرين إما إخراجهم للرسل أو عودهم إلى ملتهم وهو بمعنى الصيرورة لأنهم لم يكونوا على ملتهم قط ويجوز أن يكون الخطاب لكل رسول ومن آمن معه فغلبوا الجماعة على الواحد { فأوحى إليهم ربهم } أي إلى رسلهم { لنهلكن الظالمين } على إضمار القول أو إجراء الإيحاء مجراه لأنه نوع منه

14 - { ولنسكننكم الأرض من بعدهم } أي أرضهم و ديارهم كقوله تعلى : { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها } وقرئ ليهلكن وليسكننكم بالياء اعتبارا لأوحى كقولك : أقسم زيد ليخرجن { ذلك } إشارة إلى الموحى به وهو إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين { لمن خاف مقامي } موقفي وهو الموقف الذي يقيم فيه العباد للحكومة يوم القيامة أو قيامي عليه وحفظي لا عمله وقيل المقام مقحم { وخاف وعيد } أي وعيدي بالعذاب أو عذابي الموعود للكفار

15 - { واستفتحوا } سألوا من الله الفتح على أعدائهم أو القضاء بينهم وبين أعدائهم من الفتاحة كقوله : { ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق } وهو معطوف على { فأوحى } والضمير للأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقيل للكفرة وقيل للفريقين فإن كلهم سألوه أن ينصر المحق ويهلك المبطل وقرئ بالفظ الأمر عطفا على ليهلكن { وخاب كل جبار عنيد } أي ففتح لهم فأفلح المؤمنون وخاب كل جبار عات متكبر على الله معاند للحق فلم يفلح ومعنى الخيبة إذا كان الاستفتاح من الكفرة أو من القبيلين كان أوقع

16 - { من ورائه جهنم } أي من بين يديه فإنه مرصد بها واقف على شفيرها في الدنيا مبعوث إليها في الآخرة وقيل من وراء حياته وحقيقته ما توارى عنك { ويسقى من ماء } عطف على محذوف تقديره من ورائه جهنم يلقى فيها ما يلقى { ويسقى من ماء } { صديد } عطف بيان ل { ماء } وهو ما يسيل من جلود أهل النار

17 - { يتجرعه } يتكلف جرعه وهو صفة لماء أو حال من الضمير في { يسقى } { ولا يكاد يسيغه } ولا يقارب أن يسيغه فكيف يسيغه بل يغص به فيطول عذابه والسوغ جواز الشراب على الحلق بسهولة وقبول نفس { ويأتيه الموت من كل مكان } أي أسبابه من الشدائد فتحيط به من جميع الجهات وقيل من كل مكان من جسده حتى من أصول شعره وإبهام رجله { وما هو بميت } فيستريح { ومن ورائه } ومن بين يديه { عذاب غليظ } أي يستقبل في كل وقت عذابا أشد مما هو عليه وقيل هو الخلود في النار وقيل حبس الأنفاس وقيل الآية منقطعة عن قصة الرسل نازلة في أهل مكة طلبوا الفتح الذي هو المطر في سنيهم التي أرسل الله تعالى عليهم بدعوة رسوله فخيب رجاءهم فلم يسقهم ووعد لهم أن يسقيهم في جهنم بدل سقياهم صديد أهل النار

18 - { مثل الذين كفروا بربهم } مبتدأ خبره محذوف أي فيما يتلى عليكم صفتهم التي هي مثل في الغرابة أو قوله { أعمالهم كرماد } وهو على الأول جملة مستأنفة لبيان مثلهم وقيل { أعمالهم } بدل من ال { مثل } الخبر { كرماد } { اشتدت به الريح } حملته وأسرعت الذهاب به وقرأ نافع الرياح { في يوم عاصف } العصف اشتداد الريح وصف به زمانه للمبالغة كقولهم : نهاره صائم وليله قائم شبه صنائعهم من الصدقة وصلة الرحم وإغاثة الملهوف وعتق الرقاب ونحو ذلك من مكارمهم في حبوطها وذهابها هباء منثورا لبنائها على غير اساس من معرفة الله تعالى والتوجه بها إليه أو أعمالهم للأصنام برماد طيرته الريح العاصف { لا يقدرون } يوم القيامة { مما كسبوا } من أعمالهم { على شيء } لحبوطه فلا يرون له أثرا من الثواب وهو فذلكة التمثيل { ذلك } إشارة إلى ضلالهم مع حسبانهم أنهم محسنون { هو الضلال البعيد } فإنه الغاية في البعد عن طريق الحق

19 - { ألم تر } خطاب للنبي صلى الله عليه و سلم والمراد به أمته وقيل لكل واحد من الكفرة على التلوين { أن الله خلق السموات والأرض بالحق } والحكمة والوجه الذي يحق أن تخلق عليه وقرأ حمزة و الكسائي خالق السموات { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد } يعدمكم ويخلق خلقا آخر مكانكم رتب ذلك على كونه خالقا للسموات والأرض استدلالا به عليه فإن من خلق أصولهم وما يتوقف عليه تخليقهم ثم كونهم تبديل الصور وتغيير الطبائع قدر أن يبدلهم بخلق آخر ولم يمتنع عليه ذلك كما قال :

20 - { وما ذلك على الله بعزيز } بمتعذر أو متعسر فإنه قادر لذاته لا اختصاص له بمقدور دون مقدور ومن كان هذا شأنه كان حقيقا بأن يؤمن به ويعبد رجاء لثوابه وخوفا من عقابه يوم الجزاء

21 - { وبرزوا لله جميعا } أي يبرزون من قبورهم يوم القيامة لأمر الله تعالى ومحاسبته أو { لله } على ظنهم فإنهم كانوا يخفون ارتكاب الفواحش وظنون أنها تخفى على الله تعالى فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله تعالى عند أنفسهم وإنما ذكر بلفظ الماضي لتحقق وقوعه { فقال الضعفاء } الأتباع جمع ضعيف يريد به ضعاف الرأي وإنما كتبت بالواو على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة في ميلها إلى الواو { للذين استكبروا } لرؤوسائهم الذين استتبعوهم واستغووهم { إنا كنا لكم تبعا } في تكذيب الرسل والإعراض عن نصائحهم وهو جمع تابع كغائب وغيب أو مصدر نعت به للمبالغة أو على إضمار مضاف { فهل أنتم مغنون عنا } دافعون عنا { من عذاب الله من شيء } من الأولى للبيان واقعة موقع الحال والثانية للتبعيض وواقعة موقع المفعول أي بعض الشيء الذي هو عذاب الله ويجوز أن تكونا للتبعيض أي بعض شيء هو بعض عذاب الله والإعراب ما سبق ويحتمل أن تكون الأولى مفعولا والثانية مصدرا أي فهل أنتم مغنون بعض العذاب بعض الإغناء { قالوا } أي الذين استكبروا جوابا عن معاتبة الأتباع واعتذارا عما فعلوا بهم { لو هدانا الله } للإيمان ووفقنا له { لهديناكم } ولكن ضللنا فأضللناكم أي اخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا أو لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لهديناكم وأغنيناه عنكم كما عرضناكم له لكن سد دوننا طريق الخلاص { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا } مستويان علينا الجزع والصبر { ما لنا من محيص } منجى ومهرب من العذاب من الحيص وهو العدل على جهة الفرار وهو يحتمل أن يكون مكانا كالمبيت ومصدرا كالمغيب ويجوز أن يكون قوله { سواء علينا } من كلام الفريقين ويؤيده ما روي أنهم يقولون : تعالوا نجزع فيجزعون خمسمائة عام فلا ينفعهم فيقولون تعالوا نصبر فيصبرون كذلك ثم يقولون { سواء علينا }

22 - { وقال الشيطان لما قضي الأمر } أحكم وفرغ منه ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار خطيبا في الأشقياء من الثقلين { إن الله وعدكم وعد الحق } وعدا من حقه أن ينجزه أو وعدا أنجزه وهو الوعد بالبعث والجزاء { ووعدتكم } وعد الباطل وهو أن لا بعث ولا حساب وإن كانا فلأصنام تشفع لكم { فأخلفتكم } جعل تبين خلف وعده كالاخلاف منه { وما كان لي عليكم من سلطان } تسلط فألجئكم إلى الكفر والمعاصي { إلا أن دعوتكم } إلا دعائي إياكم إليها بتسويلي وهو ليس من جنس السلطان وكلنه على طريقة قولهم :
( تحية بينهم ضرب وجيع )
ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعا { فاستجبتم لي } أسرعتم إجابتي { فلا تلوموني } بوسوستي فإن من صرح العداوة لا يلام بأمثال ذلك { ولوموا أنفسكم } حيث أطعتموني إذ دعوتكم ولم تطيعوا ربكم لما دعاكم واحتجت المعتزلة بأمثال ذلك على استقلال العبد بأفعاله وليس فيها ما يدل عليه إذ يكفي لصحتها أن يكون لقدرة العبد مدخل ما في فعله وهو الكسب الذي يقوله أصحابنا { ما أنا بمصرخكم } بمغيثكم من العذاب { وما أنتم بمصرخي } بمغيثي وقرأ حمزة بكسر الياء على الأصل في التقاء الساكنين وهو أصل مرفوض في مثله لما فيه من اجتماع ياءين وثلاث كسرات مع أن حركة ياء الإضافة الفتح فإذا لم تكسر وقبلها ألف فبالحري أن لا تكسر وقبلها ياء أو على لغة من يزيد ياء على ياء الإضافة إجراء لها مجرى الهاء والكاف في : ضربته وأعطيتكه وحذف الياء اكتفاء بالكسرة { إني كفرت بما أشركتمون من قبل } ما إما مصدرية و { من } متعلقة أشركتموني أي كفرت اليوم بإشراككم إياي من قبل هذا اليوم أي في الدنيا بمعنى تبرأت منه واستنكرته كقوله : { ويوم القيامة يكفرون بشرككم } أو موصولة بمعنى من نحو ما في قولهم : سبحان ما سخركن لنا و { من } متعلقة ب { كفرت } أي كفرت بالذي أشركتمونيه وهو الله تعالى بطاعتكم إياي فيما دعوتكم إليه من عبادة الأصنام وغيرها من قبل إشراككم حين رددت أمره بالسجود لآدم عليه الصلاة و السلام وأشرك منقول من شركت زيدا للتعدية إلى مفعول ثان { إن الظالمين لهم عذاب أليم } تتمة كلامه أو ابتداء كلام من الله تعالى وفي حكاية أمثال ذلك لطف للسامعين وإيقاظ لهم حتى يحاسبوا أنفسهم ويتدبروا عواقبهم

23 - { وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم } بإذن الله تعالى وأمره والمدخلون هم الملائكة وقرئ { وأدخل } على التكلم فيكون قوله : { بإذن ربهم } متعلقا بقوله : { تحيتهم فيها سلام } أي تحييهم الملائكة فيها بالسلام بإذن ربهم

24 - { ألم تر كيف ضرب الله مثلا } كيف اعتمده ووضعه { كلمة طيبة كشجرة طيبة } أي جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة وهو تفسير لقوله { ضرب الله مثلا } ويجوز أن تكون { كلمة } بدلا من { مثلا } و { كشجرة } صفتها أو خبر مبتدأ محذوف أي هي { كشجرة } وأن تكون أول مفعولي ضرب أجراء له مجرى جعل وقد قرئت بالرفع على الابتداء { أصلها ثابت } في الأرض ضارب بعروقه فيها { وفرعها } وأعلاها { في أسماء } ويجوز أن يريد وفروعها أي أفنائها على الاكتفاء بلفظ الجنس لا كتسابه الاستغراق من الإضافة وقرئ ثابت أصلها والأول على أصله ولذلك قيل إنه أقوى ولعل الثاني أبلغ

25 - { تؤتي أكلها } تعطي ثمرها { كل حين } وقته الله تعالى لإثمارها { بإذن ربها } بإرادة خالقها تكوينه { ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون } لأن في ضربها زيادة إفهام وتذكير فإنه تصوير للمعاني وإدناء من الحس

26 - { ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة } كمثل شجرة خبيثة { اجتثت } استؤصلت وأخذت جثتها بالكلية { من فوق الأرض } لأن عروقها قريبة منه { ما لها من قرار } استقرار واختلف في الكلمة الخبيثة والشجرة ففسرت الكلمة الطيبة : بكلمة التوحيد ودعوة الإسلام والقرآن والكلمة الخبيثة بالشرك بالله تعالى والدعاء إلى الكفر تكذيب الحق ولعل المراد بهما ما يعم ذلك فالكلمة الطيبة ما أعرب عن حق أودعا إلى صلاح والكلمة الخبيثة ما كان على خلاف ذلك وفسرت الشجرة الطيبة بالنخلة وروي ذلك مرفوعا وبشجرة في الجنة والخبيثة بالحنظلة والكشوث ولعل المراد بهما أيضا ما يعم ذلك

27 - { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت } الذي ثبت الحجة عندهم وتمكن في قلوبهم { في الحياة الدنيا } فلا يزالون إذا فتنوا في دينهم كزكريا ويحيى عليهما السلام وجرجيس وشمعون والذين فتنهم أصحاب الأخدود { وفي الآخرة } فلا يتلعثمون إذا سئلوا عن معتقدهم في الموقف ولا تدهشهم أهوال يوم القيامة [ وروي أنه صلى الله عليه و سلم ذكر قبض روح المؤمن فقال : ثم تعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه في قبره ويقولان له : من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ فيقول : ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد صلى الله عليه و سلم فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي ] فذلك قوله : { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت } { ويضل الله الظالمين } الذين ظلموا أنفسهم بالاقتصار على التقليد فلا يهتدون إلى الحق ولا يثبتون في مواقف الفتن { ويفعل الله ما يشاء } من تثبيت بعض وإضلال آخرين من غير اعتراض عليه

28 - { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا } أي شكر نعمته كفرا بأن وضعوه مكانه أو بدلوا نفس النعمة كفرا فإنهم لما كفروها سلبت منهم فصاروا تاركين لها محصلين للكفر بدلها كأهل مكة خلقهم الله تعالى وأسكنهم حرمه وجعلهم قوام بيته ووسع عليهم أبواب رزقه وشرفهم بمحمد صلى الله عليه و سلم فكفروا ذلك فقحطوا سبع سنين وأسروا وقتلوا يوم بدر وصاروا أذلاء فبقوا مسلوبي النعمة وموصوفين بالكفر وعن عمر وعلي رضى الله تعالى عنهما : هم الأفجران من قريش بنو المغيرة وبنو أمية فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين { وأحلوا قومهم } الذين شايعوهم في الكفر { دار البوار } دار الهلاك بحملهم على الكفر

29 - { جهنم } عطف بيان لها { يصلونها } حال منها أو من القوم أي داخلين فيها مقاسين لحرها أو مفسر لفعل مقدر ناصب لجهنم { وبئس القرار } أي وبئس المقر جهنم

30 - { وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله } الذي هو التوحيد وقرأ ابن كثر و أبو عمرو و رويس عن يعقوب بفتح الياء وليس الضلال ولا الإضلال غرضهم في اتخاذ الأنداد لكن لما كان نتيجته جعل كالغرض { قل تمتعوا } بشهواتكم أو بعبادة الأوثان فإنها من قبيل الشهوات التي يتمتع بها وفي التهديد بصيغة الأمر إيذان بأن المهدد عليه كالمطلوب لإفضائه إلى المهدد به وأن الأمرين كائنان لا محالة ولذلك علله بقوله : { فإن مصيركم إلى النار } وأن المخاطب لانهماكه فيه كالمأمور به من أمر مطاع

31 - { قل لعبادي الذين آمنوا } خصهم بالإضافة تنويها لهم وتنبيها على أنهم المقيمون لحقوق العبودية ومفعول { قل } محذوف يدل عليه جوابه : أي قل لعبادي الذين أمنوا أقيموا الصلاة وأنفقوا { يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم } فيكون إيذانا بأنهم لفرط مطاوعتهم للرسول صلى الله عليه و سلم بحيث لا ينفك فعلهم عن أمره وأنه كالسبب الموجب له ويجوز أن يقدرا بلام الأمر ليصح تعلق القول بهما وإنما حسن ذلك ها هنا ولم يحسن في قوله :
( محمد تفد نفسك كل نفس ... إذا ما خفت من أمر تبالا )
لدلالة قل عليه وقيل هما جوابا أقيموا أنفقوا مقامين مقامهما وهو ضعيف لأنه لا بد من مخالفة ما بين الشرط وجوابه ولأن أمر المواجهة لا يجاب بلفظ الغيبة إذا كان الفاعل واحدا { سرا وعلانية } منتصبان على المصدر أي إنفاق سر وعلانية أو على الحال أي ذوي سر وعلانية أو على الظرف أي وقتي سر وعلانية والأحب إعلان الواجب وإخفاء المتطوع به { من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه } فيبتاع المقصر ما يتدارك به تقصره أو يفدي به نفسه { ولا خلال } ولا مخالة فيشفع لك خليل أو من قبل أن يأتي يوم لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مخالة وإنما ينتفع فيه بالإنفاق لوجه الله تعالى وقرأ ابن كثير و أبو عمرو و يعقوب بالفتح فيهما على النفي العام

32 - { الله الذي خلق السموات والأرض } مبتدأ وخبره { وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم } تعيشونه وهو يشمل المطعوم والملبوس مفعول لأخرج و { من الثمرات } بيان له وحال منه ويحتمل عكس ذلك ويجوز أن يراد به المصدر فينتصب بالعلة أو المصدر لن أخرج في معنى رزق { وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره } بمشيئته إلى حيث توجهتم { وسخر لكم الأنهار } فجعلها معدة لانتفاعكم وتصرفكم وقيل تسخير هذه الأشياء تعليم كيفية اتخاذها

33 - { وسخر لكم الشمس والقمر دائبين } يدأبان في سيرهما وإنارتهما وإصلاح ما يصلحانه من المكونات { وسخر لكم الليل والنهار } يتعاقبان لسباتكم ومعاشكم

34 - { وآتاكم من كل ما سألتموه } أي بعض جميع ما سألتموه يعني من كل شيء سألتموه شيئا فإن الموجود من كل صنف بعض ما في قدرة الله تعالى ولعل المراد ب { ما سألتموه } ما كان حقيقا بأن يسأل لاحتياج الناس إليه سئل أو لم يسأل وما يحتمل أن تكون موصولة وموصوفة ومصدرية ويكون المصدر بمعنى المفعول وقرئ { من كل } بالتنوين أي وآتاكم من كل شيء ما احتجتم إليه وسألتموه بلسان الحال ويجوز أن تكون ما نافية في موقع الحال أي وآتاكم من كل شيء غير سائليه { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } لا تحصروها ولا تطيقوا عد أنواعها فضلا عن أفرادها فإنها غير متناهية وفيه دليل على أن المفرد يفيد الاستغراق بالإضافة { إن الإنسان لظلوم } يظلم النعمة بإغفال شكرها أو يظلم نفسه بأن يعرضها للحرمان { كفار } شديد الكفران وقيل ظلوم في الشدة يشكو ويجزع كفار في النعمة يجمع ويمنع

35 - { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد } بلدة مكة { آمنا } ذا أمن لمن فيها والفرق بينه وبين قوله : { اجعل هذا بلدا آمنا } أن المسؤول في الأول إزالة الخوف عنه وتصييره آمنا وفي الثاني جعله من البلاد الآمنة { واجنبني وبني } بعدين و إياهم { أن نعبد الأصنام } واجعلنا منها في جانب وقرئ { واجنبني } وهما على لغة نجد وأما أهل الحجاز فيقولون جنبني شره وفيه دليل على أن عصمة الأنبياء بتوفيق الله وحفظه إياهم وهو بظاهره لا يتناول أحفاده وجميع ذريته وزعم ابن عيينة أن أولاد إسماعيل عليه الصلاة و السلام لم يعبدوا الصنم محتجا به وإنما كانت لهم حجارة يدورون بها ويسمونها الدوار ويقولون البيت حجر فحيثما نصبنا حجرا فهو بمنزلته

36 - { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس } فلذلك سألت منك العصمة واستعذت بك من إضلالهن وإسناد الإضلال إليهم باعتبار السببية كقوله تعالى : { وغرتهم الحياة الدنيا } { فمن تبعني } على ديني { فإنه مني } أي بعضي لا ينفك عني في أمر الدين { ومن عصاني فإنك غفور رحيم } تقدر أن تغفر له وترحمه ابتداء او بعد التوفيق للتوبة وفيه دليل على أن كل ذنب فلله أن يغفره حنى الشرك إلا أن الوعيد فرق بينه وبين غيره

37 - { ربنا إني أسكنت من ذريتي } أي بعض ذريتي أو ذرية من ذريتي فحذف المفعول وهم إسماعيل ومن ولد منه فإن إسكانه متضمن لإسكانهم { بواد غير ذي زرع } يعني وادي مكة فإنها حجرية لا تنبت { عند بيتك المحرم } الذي حرمت التعرض له والتهاون به أو لم يزل معظما ممنعا يهابه الجبابرة أو منع منه الطوفان فلم يستول عليه ولذلك سمي عتيقا أي اتق منه ولو دعا بهذا الدعاء أول ما قدم فلعله قال ذلك باعتبار ما كان أو ما سيؤول إليه روي أن هاجر كانت لسارة رضي الله عنها فوهبتها لإبراهيم عليه السلام فولدت منه إسماعيل عليه السلام فغارت عليهما فناشدته أن يخرجهما من عندها فأخرجهما إلى أرض مكة فأظهر الله عين زمزم ثم إن جرهم رأوا ثم طيورا فقالوا لا طير إلا على الماء فقصدوه فرأوهما وعندهما عين فقالوا اشركينا في مائك نشركك في ألباننا ففعلت { ربنا ليقيموا الصلاة } اللام لام كي وهي متعلقة ب { أسكنت } أي ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع من كمل مرتفق ومرتزق إلا لإقامة الصلاة عند بيتك المحرم وتكرير النداء وتوسيطه للاشعار بأنها المقصودة بالذات من إسكانهم ثمة والمقصود من الدعاء توفيقهم لها وقيل لام الأمر والمراد هو الدعاء لهم بإقامة الصلاة كأنه طلب منهم الإقامة وسأل من الله تعالى أن يوفقهم لها { فاجعل أفئدة من الناس } أي أفئدة من افئدة الناس و { من } للتبعيض ولذلك قيل لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليهم فارس والروم ولحجت اليهود والنصارى أو بالابتداء كقولك : القلب مني سقيم أي أفئدة ناس وقرأ هشام أفيدة بخلف عنه بياء بعد الهمزة وقرئ آفدة وهو يحتمل أن يكون مقلوب أفئدة كآدر في أدؤر وأن يكون اسم فاعل من أفدت الرحلة إذا عجلت أي جماعة يعجلون نحوهم وأفدة بطرح الهمزة للتخفيف وإن كان الوجه فيه إخراجهما بين بين ويجوز أن يكون من أفد { تهوي إليهم } تسرع إليهم شوقا وودادا وقرئ تهوى على البناء للمفعول أهوى إليه غيره وتهوى من هوى يهوي إذا أحب وتعديته بإلى لتضمنه معنى النزوع { وارزقهم من الثمرات } مع سكناهم واديا لا نبات فيه { لعلهم يشكرون } بتلك النعمة فأجاب الله عز و جل دعوته فجعله حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء حتى توجد فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد

38 - { ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن } تعلم سرنا كما تعلم علننا والمعنى إنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا وأرحم بنا منا بأنفسنا فلا حاجة لنا إلى الطلب لكنا ندعوك إظهارا لعبوديتك وافتقارا إلى رحمتك واستعجالا لنيل ما عندك وقيل ما نخفي من وجد الفرقة وما نعلن من التضرع إليك والتوكل عليك وتكرير النداء للمبالغة في التضرع و اللجأ إلى الله تعالى { وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء } لأنه العالم بعلم ذاتي يستوي نسبته إلى كل معلوم ومن للاستغراق

39 - { الحمد لله الذي وهب لي على الكبر } أي وهب لي وأنا كبير آيس من الولد قيد الهبة بحال الكبر استعظاما للنعمة وإظهار لم فيها من آلائه { إسماعيل وإسحاق } روي أنه ولد له إسماعيل لتسع و تسعين سنة وإسحاق لمائة واثنتي عشرة سنة { إن ربي لسميع الدعاء } أي لمجيبه من قولك سمع الملك كلامي إذا اعتد به وهو من أبنية المبالغة العاملة عمل الفعل أضيف إلى مفعوله أو فاعله على إسناد السماع إلى دعاء الله تتعالى على المجاز وفيه إشعار بأنه دعا ربه وسأل منه الولد فأجابه ووهب له سؤله حين ما وقع اليأس منه ليكون من أجل النعم وأجلاها

40 - { رب اجعلني مقيم الصلاة } معدلا لها مواظبا عليها { ومن ذريتي } عطف على المنصوب في { اجعلني } والتبعيض لعلمه بإعلام الله أو استقراء عادته في الأمم الماضية أن يكون في ذريته كفار { ربنا وتقبل دعاء } واستجب دعائي أو وتقبل عبادتي

41 - { ربنا اغفر لي ولوالدي } وقرئ ولأبوي وقد تقدم عذر استغفار لهما وقيل أراد بهما آدم وحواء { وللمؤمنين يوم يقوم الحساب } يثبت مستعار من القيام على الرجل كقولهم : قامت الحرب على ساق أو يقوم إليه أهله فحذف المضاف أو أسند إليه قيامهم مجازا

42 - { ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون } خطاب لرسول الله صلى الله عليه و سلم والمراد به تثبيته على ما هو عليه من أنه تعالى مطلع على أحوالهم وأفعالهم لا يخفى عليه خافية والوعيد بأنه معاقبهم على قليله وكثيره لا محالة أو لك من توهم غفلته جهلا بصفاته واغترارا بإمهاله وقيل إنه تسلية للمظلوم وتهديد للظالم { إنما يؤخرهم } يؤخر عذابهم وعن أبي عمرو بالنون { ليوم تشخص فيه الأبصار } أي تشخص فيه أبصارهم فلا تقر في أماكنها من هول ما ترى

43 - { مهطعين } أي مسرعين إلى الداعي أو مقبلين بأبصارهم لا يطوفون هيبة وخوفا وأصل الكلمة هو الإقبال على الشيء { مقنعي رؤوسهم } رافعيها { لا يرتد إليهم طرفهم } بل تثبت عيونهم شاخصة لا تطرف أولا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم { وأفئدتهم هواء } خلاء أي خالية عن الفهم لفرط الحيرة والدهشة ومنه يقال للأحمق وللجبان قلبه هواء أي لا رأي فيه ولا قوة قال زهير :
( من الظلمان جؤجؤه هواء )
وقيل خالية من الخير خاوية من الحق

44 - { وأنذر الناس } يا محمد { يوم يأتيهم العذاب } يعني يوم القيامة أو يوم الموت فإنه أول أيام عذابهم وهو مفعول ثان ل { أنذر } { فيقول الذين ظلموا } بالشرك والتكذيب { ربنا أخرنا إلى أجل قريب } أخر العذاب عنا أو ردنا إلى الدنيا وأمهلنا إلى حد من الزمان قريب أو أخر آجالنا وأبقنا مقدار ما نؤمن بك ونجيب دعوتك { نجب دعوتك ونتبع الرسل } جواب للأمر ونظيره { لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين } { أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال } على إرادة القول و { مالكم } جواب القسم جاء بلفظ الخطاب على المطابقة دون الحكاية والمعنى أقسمتم أنكم باقون في الدنيا لا تزالون بالموت ولعلهم أقسموا بطرا وغرورا أو دل عليه حالهم حيث بنوا شديدا وأملوا بعيدا وقيل أقسموا أنهم لا ينتقلون إلى دار أخرى وأنهم إذا ماتوا لا يزالون على تلك الحالة إلى حالة أخرى كقوله : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت }

45 - { وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم } بالكفر والمعاصي كعاد وثمود وأصل سكن أن يعدى بفي كقر وغني وأقام وقد يستعمل بمعنى التبوء فيجري مجراه كقولك سكنت الدار { وتبين لكم كيف فعلنا بهم } بما تشاهدونه في منازلهم من آثار ما نزل بهم وما تواتر عندكم من أخبارهم { وضربنا لكم الأمثال } من أحوالهم أي بينا لكم أنكم مثلهم في الكفر واستحقاق العذاب أو صفات ما فعلوا وفعل بهم التي هي في الغرابة كالأمثال المضروبة

46 - { وقد مكروا مكرهم } المستفرغ في جهدهم لإبطال الحق وتقرير الباطل { وعند الله مكرهم } ومكتوب عنده فعلهم فهو مجازيهم عليه أو عنده ما يمكرهم به جزاء لمكرهم وإبطالا له { وإن كان مكرهم } في العظم الشدة { لتزول منه الجبال } مسوى لإزالة الجبال وقيل إن نافية وللام مؤكدة لها كقوله : { وما كان الله ليعذبهم } على أن الجبال مثل لأمر النبي صلى الله عليه و سلم ونحوه وقيل مخففة من الثقيلة والمعنى أنهم مكروا ليزيلوا ما هو كالجبال الراسية ثباتا وتمكنا من آيات الله تعالى وشرائعه وقرأ الكسائي لتزول الفتح والرفع على أنها المخففة واللام هي الفاصلة ومعناه تعظيم مكرهم وقرئ بالفتح والنصب على لغة من يفتح لام كي وقرئ وإن كاد مكرهم

47 - { فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله } مثل قوله : { إنا لننصر رسلنا } { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي } وأصله مخلف رسله وعده فقدم المفعول الثاني إيذانا بأنه لا يخلف الوعد أصلا كقوله : { إن الله لا يخلف الميعاد } وإذا لم يخلف وعده أحدا فكيف يخلف رسله { إن الله عزيز } غالب لا يماكر قادر لا يدافع { ذو انتقام } لأوليائه من أعدائه

48 - { يوم تبدل الأرض غير الأرض } بدل من { يوم يأتيهم } أو ظرف للانتقام أو مقدر باذكر أو لا يخلف وعده ولا يجوز أن ينتصب بمخلف لأن ما قبل أن لا يعمل فيما بعده { والسموات } عطف على الأرض وتقديره والسموات غير السموات والتبديل يكون في الذات كقولك : بدلت الدراهم دنانير وعليه قوله : { بدلناهم جلودا غيرها } وفي صفة كقولك بدلت الحلقة خاتما إذا أذبتها وغيرت شكلها وعليه قوله : { يبدل الله سيئاتهم حسنات } والآية تحتملهما فعن علي رضي الله تعالى عنه : تبدل أرضا من فضة وسموات من ذهب وعن ابن مسعود وأنس رضي الله تعالى عنهما : يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطئ عليها أحد خطيئة وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : هي تلك الأرض وإنما تتغير صفاتها ويدل عليه ما روي أبو هريرة رضي الله تعالى عنه [ أنه عليه الصلاة و السلام قال : تبدل الأرض غير الأرض فتبسط وتمد مد الأديم العكاظي ] { لا ترى فيها عوجا ولا أمتا } واعلم أنه لا يلزم الوجود الأول أن يكون الحاصل بالتبديل أرضا وسماء على الحقيقة و ولا يبعد على الثاني أن يجعل الله الأرض جهنم والسموات الجنة على ما أشعر به قوله تعالى : { كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين } وقوله : { إن كتاب الفجار لفي سجين } { وبرزوا } من أجداثهم { لله الواحد القهار } لمحاسبته ومجازاته وتوصيفه بالوصفين لدلالة على أن الأمر في غاية الصعوبة كقوله : { لمن الملك اليوم لله الواحد القهار } فإن الأمر إذا كان لواحد غلاب لا يغالب فلا مستغاث لأحد إلى غيره ولا مستجار

49 - { وترى المجرمين يومئذ مقرنين } قرن بعضهم بعض بحسب مشاركتهم في العقائد والأعمال كقوله : { وإذا النفوس زوجت } أو قرنوا مع الشياطين أو مع ما اكتسبوا من العقائد الزائغة والملكات الباطلة أو قرنت أيدينهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال وهو يحتمل أن يكون تمثيلا لمؤاخذتهم على ما اقترفته أيديهم وأرجلهم { في الأصفاد } متعلق ب { مقرنين } أوحال من ضميره والصفد القيد وقيل الغل قال سلامة بن جندل :
( وزيد الخيل قد لاقى صفادا ... يعض بساعد وبعظم ساق )
وأصله الشد

سورة الحجر
50 - تين فيه وهو ما يتحلب من الأبهل فيطبخ فتهنأ به الإبل الجربى فيحرق الجرب بحدته وهو أسود منتن تشتعل فيه النار بسرعة تطلى به جلود أهل النار حتى يكون طلاؤه لهم كالقمص ليجتمع عليهم لذع القطران ووحشة لونه ونتن ريح مع إسراع النار في جلودهم على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين ويحتمل أن يكو تمثيلا لما يحيط بجوهر النفس من الملكات الرديئة والهيئات الوحشية فيجلب إليها أنواعا من الغموم والآلام وعن يعقوب قطرآن القطر النحاس أو الصفر المذاب والآني المتناهي حره والجملة حال ثانية أو حال من الضمير في { مقرنين } { وتغشى وجوههم النار } وتتغشاها لأنهم لم يتوجهوا بها إلى الحق ولم يستعملوا في تدبره مشاعرهم وحواسهم التي خلقت فيها لأجله كما تطلع على أفئدتهم لأنها فارغة عن المعرفة مملوءة بالجهالات ونظيره قوله تعالى : { أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة } وقوله تعالى : { يوم يسحبون في النار على وجوههم }

51 - { ليجزي الله كل نفس } أي يفعل بهم ذلك ليجزي كل نفس مجرمة { ما كسبت } أو كل نفس من مجرمة أو مطيعة لأنه إذا تبين أن المجرمين يعاقبون لإجرامهم علم أن المطيعين يثابون لطاعتهم ويتعين ذلك أن علق اللام ب { برزوا } { إن الله سريع الحساب } لأنه لا يشغله حساب عن حساب

52 - { هذا } إشارة إلى القرآن أو السورة أو مافية العظة والتذكير أو ما وصفه من قوله : { ولا تحسبن الله } { بلاغ للناس } كفاية لهم في الموعظة { ولينذروا به } عطف على محذوف أي ليصحوا ولينذروا بهذا البلاغ فتكون اللام متعلقة بالبلاغ ويجوز أن تتعلق بمحذوف تقديره : ولينذروا به أنزل أو تلي : وقرئ بفتح الياء من نذر به إذا علمه واستعد له
{ وليعلموا أنما هو إله واحد } بالنظر والتأمل فيما فيه من الآيات الدالة عليه أو المبهة على ما يدل عليه { وليذكر أولو الألباب } فيرتدعوا عما يرديهم ويتدرعوا بما يحظيهم واعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر لهذا البلاغ ثلاث فوائد هي الغاية والحكمة في إنزال الكتب تكميل الرسل للناس واستكمال القوة النظرية التي منتهى كمالها التوحيد واستصلاح القوة العملية الذي هو التدرع بلباس التقوى جعلنا الله تعالى من الفائزين بهما [ وعن النبي صلى الله عليه و سلم من قرأ سورة إبراهيم أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من عبد الأصنام وعدد من لم يعبدها ]

وهي تسع وتسعون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
1 - { الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين } الإشارة إلى آيات السورة و { الكتاب } هو السورة وكذا القرآن وتنكيره للتفخيم أي آيات الجامع لكونه كتابا كاملا وقرآنا يبين الرشد من الغي بيانا غريبا

2 - { ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين } حين عاينوا حال المسلمين عند نزول النصر أو حلول الموت أو يوم القيامة وقرأ نافع و عاصم { ربما } بالتخفيف وقرئ { ربما } بالفتح والتخفيف وفيه ثمان لغات ضم الراء وفتحها مع التشديد والتخفيف وبتاء التأنيث ودونها وما كافة تكفه عن الجر فيجوز دخوله على الفعل وحقه أن يدخل الماضي لكن لما كان المترقب في أخبار الله تعالى كالماضي في تحققه أجري مجراه وقيل : ما نكرة موصوفة كقوله :
( ربما تكره النفوس من الأمـ ... ر له فرجة كحل العقال )
ومعنى التقليل فيه الإيذان بأنهم لو كانوا يودون الإسلام مرة فبالحري أن يسارعوا إليه فكيف وهم يودونه كل ساعة وقيل تدهشهم أهوال القيامة فإن حانت منهم إفاقة في بعض الأوقات تمنوا ذلك والغيبة في حكاية ودادتهم كالغيبة في قولك : حلف بالله ليفعلن

3 - { ذرهم } دعهم { يأكلوا ويتمتعوا } بدنياهم { ويلههم الأمل } ويشغلهم توقعهم لطول الأعمار واستقامة الأحوال عن الاستعداد للمعاد { فسوف يعلمون } سوء صنيعهم إذا عاينوا جزاءه والغرض إقناط الرسول صلى الله عليه و سلم من ارعوائهم وإيذانه بأنهم من أهل الخذلان وإن نصحهم يعد اشتغال بما لا طائل تحته وفيه إلزام للحجة وتحذير عن إيثار التنعم وما يؤدي إليه طول الأمل

4 - { وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم } أجل مقدر كتب في اللوح المحفوظ والمستثنى حملة واقعة صفة لقرية والأصل أن لا تدخلها الواو كقوله : { إلا لها منذرون } ولكن لما شابهت صورتها الحال أدخلت تأكيدا للصوقها بالموصوف

5 - { ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون } أي وما يستأخرون عنه وتذكير ضمير { أمة } فيه للحمل على المعنى

6 - { وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر } نادوا به النبي صلى الله عليه و سلم على التهكم ألا ترى إلى ما نادوه له وهو قولهم { إنك لمجنون } ونظير ذلك قول فرعون : { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } والمعنى إنك لتقول قول المجانين حين تدعي أن الله تعالى نزل عليك الذكر أي القرآن

7 - { لو ما تأتينا } ركب { لو } مع { ما } كما ركبت مع لا لمعنيين امتناع الشيء لوجود غيره والتحضيض { بالملائكة } ليصدقوك ويعضدوك على الدعوة كقوله تعالى : { لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا } أو للعقاب على تكذيبنا لك كما أتت الأمم المكذبة قبل { إن كنت من الصادقين } في دعواك

8 - { ينزل الملائكة } بالياء ونصب { الملائكة } على أن الضمير لله تعالى وقرأ حمزة و الكسائي و حفص بالنون وأبو بكر بالتاء والبناء للمفعول ورفع { الملائكة } وقرئ { تنزل } بمعنى تتنزل { إلا بالحق } إلا تنزيلا ملتبسا الحق أي بالوجه الذي قدره واقتضته حكمته ولا حكمة في أن تأتيكم يصور تشاهدونها فإنه لا يزيدكم إلا لبسا ولا في معادلتكم بالعقوبة فإن منكم ومن ذراريكم من سبقت كلمتنا له بالإيمان وقيل الحق الوحي أو العذاب { وما كانوا إذا منظرين } { إذا } جواب لهم وجزاء لشرط مقدر أي ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين

9 - { إنا نحن نزلنا الذكر } رد لإنكارهم واستهزائهم ولذلك أكده من وجوه وقرره بقوله : { وإنا له لحافظون } أي من التحريف والزيادة والنقص بان جعلناه معجزا مباينا لكلام البشر بحيث لا يخفى تغيير نظمه على أهل اللسان أو نفي تطرق الخلل إليه في الدوام بضمان الحفظ له كما نفى أن يطعن فيه بأنه المنزل له وقيل الضمير في { له } للنبي صلى الله عليه و سلم

10 - { ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين } في فرقهم جمع شيعة وهي الفرقة المتفقة على طريق ومذهب من شاعه إذا تبعه واصله الشياع وهو الحطب الصغار توقد به الكبار ن والمعنى نبأنا رجالا فيهم وجعلناهم رسلا فيما بينهم

11 - { وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون } كما يفعل هؤلاء وهو تسلية للنبي عليه الصلاة السلام و { ما } للحال لا يدخل إلا مضارعا بمعنى الحال أو ماضيا قريبا منه وهذا على حكاية الحال الماضية

12 - { كذلك نسلكه } ندخله { في قلوب المجرمين } والسلك إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط والرمح في المطعون والضمير للاستهزاء وفيه دليل على أن الله تعالى يوجد الباطل في قلوبهم وقيل ل { الذكر } فإن الضمير الآخر في قوله :

13 - { لا يؤمنون به } له وهو خال من هذا الضمير و المعنى مثل ذلك السلك نسلك الذكر في قلوب المجرمين مكذبا غير مؤمن به أو بيان للجملة المتضمنة له وهذا الاحتجاج ضعيف إذ لا يلزم من تعاقب الضمائر توافقها في المرجوع إليه ولا يتعين أن تكون الجملة حالا من الضمير لجواز أن تكون حالا من المجرمين ولا ينافي كونها مفسرة للمعنى الأول بل يقويه { وقد خلت سنة الأولين } أي سنة الله فيهم بأن خذلهم وسلك الكفر في قلوبهم أو بإهلاك من كذب الرسل منهم فيكون وعيدا لأهل مكة

14 - { ولو فتحنا عليهم } أي على هؤلاء المقترحين { بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون } يصعدون إليها ويرون عجائبها طول نهارهم مستوضحين لما يرون أو تصعد الملائكة وهم يشاهدونهم

15 - { لقالوا } من غلوهم في العناد وتشكيكهم في الحق { إنما سكرت أبصارنا } سدت عن الأبصار بالسحر من السكر ويدل عليه قراءة ابن كثير بالتخفيف او حيرت من السكر ويدل عليه قراءة من قرأ { سكرت } { بل نحن قوم مسحورون } قد سحرنا محمد بذلك كما قالوه عند ظهور غيره من الآيات وفي كلمتي الحصر ولإضراب دلالة على البت بأن ما يرونه لا حقيقة له بل هو باطل خيل إليهم بنوع من السحر

16 - { ولقد جعلنا في السماء بروجا } اثني عشر مختلفة الهيئات والخواص على ما دل عليه الرصد والتجربة مع بساطة السماء { وزيناها } بالأشكال والهيئات البهية { للناظرين } المعتبرين المستدلين بها على قدرة مبدعها وتوحيد صانعها

17 - { وحفظناها من كل شيطان رجيم } فلا يقدر أن يصعد إليها ويوسوس إلى أهلها ويتصرف في أمرها ويطلع على أحوالها

18 - { إلا من استرق السمع } بدل من كل شيطان واستراق السمع اختلاسه سرا شيه به خطفتهم اليسيرة منقطان السموات لما بينهم من المناسبة في الجوهر أو بالاستدلال من أوضاع الكواكب وحركاته وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أنهم كانوا لا يحجبون عن السموات فما ولد عيسى عليه الصلاة و السلام منعوا من ثلاث سموات فلما ولد محمد صلى الله عليه و سلم منعوا من كلها بالشهب ولا يقدح فيه تكونها قبل المولد لجواز أن يكون لها أسباب أخر وقيل الاستثناء منقطع أي ولكن من استرق السمع { فأتبعه } فتبعه ولحقه { شهاب مبين } ظاهر للمبصرين والشهاب شعلة نار ساطعة وقد يطلق للكوكب والسنان لما فيهما من البريق

19 - { والأرض مددناها } بسطناها { وألقينا فيها رواسي } جبالا ثوابت { وأنبتنا فيها } في الأرض أو فيها وفي الجبال { من كل شيء موزون } مقدر بمقدار معين تقتضيه حكمته أو مستحسن مناسب من قولهم كلا م موزون ا ما يوزن ويقدر أوله وزن أبواب النعمة المنفعة

20 - { وجعلنا لكم فيها معايش } تعيشون بها من المطاعم والملابس وقرئ معائش بالهمزة على التشبيه بشمائل : { ومن لستم له برازقين } عطف على { معايش } أو على محل { لكم } ويريد به العيال والخدم والمماليك وسائر ما يظنون أنهم يرزقونهم ظنا كاذبا فإن الله يرزقهم وإياهم وفذلكة الآية الاستدلال يجعل الأرض ممدودة بمقدار وشكل معينين مختلفة الأجزاء في الوضع محدثو فيها أنواع النبات والحيوان المختلفة خلقة وطبيعة مع جواز أن لا تكون كذلك على كمال قدرته وتناهي حكمته والتفرد في الألوهية والامتنان على العباد بما أنعم عليهم في ذلك ليوحدوه ويعبدوه ثم بالغ في ذلك وقال :

21 - { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه } أي وما من شيء إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكونيه أضعاف ما وجد منه فضرب الخزائن مثلا لاقتداره أو شبه مقدوراته بالأشياء المخزونة التي لا يحوج إخراجها إلى كلفة واجتهاد { وما ننزله } من بقاع القدرة { إلا بقدر معلوم } حده الحكمة وتعلقت به المشيئة فغن تخصص بعضها بالإيجاد في بعض الأوقات مشتملا على بعض الصفات والحالات لا بد له من مخصص حكيم

22 - { وأرسلنا الرياح لواقح } حوامل شبه الريح التي جاءت بخير من إنشاء سحاب ماطر بالحامل كما شبه ما لا يكون كذلك بالعقيم أو ملقحات للشجر ونظيره الطوائح بمعنى المطيحات في قوله :
( ومختبط مما تطيح الطوائح )
وقرئ { وأرسلنا الرياح } على تأويل الجنس { فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه } فجعلناه لكم سقيا { وما أنتم له بخازنين } قادرين متمكنين من إخراجه نفى عنهم ما أثبته لنفسه أو حافظين في الغدران والعيون والآبار وذلك أيضا يدل على المدير الحكيم كما تدل حركة الهواء في بعض الأوقات من بعض الجهات على وجه ينتفع به الناس فإن طبيعة الماء تقتضي الغور فوقوفه دون حد لا بدل له من سبب مخصص

23 - { وإنا لنحن نحيي } بإيجاد الحياة في بعض الأجسام القابلة لها { ونميت } بإزالتها وقد أول الحياة بما يعم الحيوان والنبات تكرير الضمير للدلالة على الحصر { ونحن الوارثون } الباقون إذا مات الخلائق كلها

24 - { ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين } من استقدم ولادة وموتا ومن استأخر أومن خرج من أصلاب الرجال ومن لم يخرج بعد أو من تقدم في الإسلام والجهاد وسبق إلى الطاعة أو تأخر لا يخفى علينا شيء من أحوالكم وهو بيان لكمال علميه بعد الاحتجاج على كما لقدرته فإن ما يدل على قدرته دليل على علمه وقيل رغب رسول الله صلى الله عليه و سلم في الصف الأول فازدحموا عليه فنزلت وقيل إن امرأة حسناء كانت تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه و سلم فتقدم بعض القوم لئلا ينظر إليها وتأخر بعض ليبصرها فنزلت

25 - { وإن ربك هو يحشرهم } لا محالة للجزاء وتوسيط الضمير للدلالة على أنه القادر والمتولي لحشرهم لا غير وتصدير الجملة ب { إن } لتحقيق الوعد والتنبيه على أن ما تسبق من الدلالة على كما قدرته وعلمه بتفاصيل الأشياء بدل على صحة الحكم كما صرح به بقوله : { إنه حكيم } باهر الحكمة متقن في أفعاله { عليم } وسع علمه كل شيء

26 - { ولقد خلقنا الإنسان من صلصال } من طين يابس يصلصل أن يصوت إذا نقر وقيل هو من صلصل إذا أنتن تضعيف صل { من حمإ } طين تغير واسود من طول محاورة الماء وهو صفة صلصال أي كائن { من حمإ } { مسنون } مصور من سنه الوجه أو منصوب لييبس ويتصور كالجواهر المذابة تصب في القوالب من السن وهو الصب كأنه أفرغ الحمأ فصور منها تمثال إنسان أجوف فيبس حتى إذا نقر صلصل ثم غير ذلك طورا بعد طور حتى سواه ونفخ فيه من روحه أو منتن من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به فإن ما يسيل بينهما يكون منتنا ويسمى السنين

27 - { والجان } أبا الجن وقيل إبليس ويجوز أن يراد به الجنس كما هو الظاهر من الإنسان لأن تشعب الجنس لما كان من شخص واحد خلق من مادة واحدة كان الجنس بأسره مخلوقا منها وانتصابه بفعل يفسره { خلقناه من قبل } من قبل خلق الإنسان { من نار السموم } من نار الحر الشديد النافذ في المسام ولا يمتنع خلق الحياة في الأجرام البسيطة كما لا يمتنع خلقها في الجواهر المجردة فضلا عن الأجساد المؤلفة التي الغالب فيها الجزء الناري فإنها أقبل لها من التي الغالب فيها الجزء الأرضي وقوله { من نار } باعتبار الغالب كقوله : { خلقكم من تراب } ومساق الآية كما هو للدلالة على كمال قدرة الله تعالى وبيان بدء خلق الثقلين فهو للتنبيه على المقدمة الثانية التي يتوقف عليها إمكان الحشر وهو قبول للجمع والإحياء

28 - { وإذ قال ربك } واذكر وقت قوله : { للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون }

29 - { فإذا سويته } عدلت خلقته وهيأته لنفخ الروح فيه { ونفخت فيه من روحي } حتى جرى آثاره في تجاويف أعضاءه فحيي وأصل النفخ إجراء الريح في تجويف جسم آخر ولما كان الروح يتعلق أولا بالبخار اللطيف المنبعث من القلب وتفيض عليه القوة الحيوانية فيسري حاملا لها في تجاويف الشرايين إلى أعماق البدن جعل تعلقه بالبدن نفخا وإضافة الروح إلى نفسه لما مر في النساء { فقعوا له } فسقطوا له { ساجدين } أمر من وقع يقع

30 - { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } أكد بتأكيدين للمبالغة في التعميم ومنع التخصيص وقيل أكد بالكل للإحاطة و بأجمعين للدلالة على أنهم سجدوا مجتمعين دفعة وفيه نظر إذ لو كان الأمر كذلك كان الثاني حالا لا تأكيدا

31 - { إلا إبليس } إن جعل منقطعا اتصل به قوله : { أبى أن يكون مع الساجدين } أي ولكن إبليس أبى وإن جعل متصلا كان استئنافا على أنه جواب سائل قال هلا سجد

32 - { قال يا إبليس ما لك أن لا تكون } أي غرض لك في أن لا تكون { مع الساجدين } لآدم

33 - { قال لم أكن لأسجد } اللام لتأكيد النفي أي لا يصح مني وينافي حالي أن أسجد { لبشر } جسماني كثيف وأنا ملك روحاني { خلقته من صلصال من حمإ مسنون } وهو أخس العناصر وخلقتني من نار وهو أشرفها استنقص آدم عليه السلام باعتبار النوع والأصل وقد سبق الجواب عنه في سورة الأعراف

34 - { قال فاخرج منها } من السماء أو الجنة أو زمر الملائكة { فإنك رجيم } مطرود من الخير والكرامة فإن من يطرد يرجم بالحجر أو شيطان يرجم بالشهب وهو وعيد يتضمن الجواب عن شبهته

35 - { وإن عليك اللعنة } هذا الطرد والإبعاد { إلى يوم الدين } فإنه منتهى أمد اللعن فإنه يناسب أيام التكليف ومنه زمان الجزاء وما في قوله : { فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين } بمعنى آخر ينسى عنده هذه وقيل إنما حد اللعن به لأنه أبعد غاية يضر بهما الناس أو لأنه يعذب فيه بما ينسى اللعن معه فيصير كالزائل

36 - { قال رب فأنظرني } فأخرني والفاء متعلقة بمحذوف دل عليه { فاخرج منها فإنك رجيم } { إلى يوم يبعثون } أراد أن يجد فسحة في الإغواء أو نجاة من الموت إذ لا موت بعد وقت البعث فأجابه إلى الأول دون الثاني

37 - { قال فإنك من المنظرين }

38 - { إلى يوم الوقت المعلوم } المسمى فيه أجلك عند الله أو انقراض الناس كلهم وهو النفخة الأولى عند الجمهور ويجوز أن يكون المراد بالأيام الثلاثة يوم القيامة واختلاف العبارات لاختلاف الاعتبارات فعبر عنه أولا بيوم الجزاء لما عرفته وثانيا بيوم البعث إذ به يحصل العلم بانقطاع التكليف واليأس عن التضليل وثالثا بالمعلوم لوقوعه في الكلامين ولا يلزم من ذلك أن لا يموت فلعله يموت أول اليوم ويبعث مع الخلائق في تضاعيفه وهذه المخاطبة وإن لم تكن بواسطة لم تدل على منصب إبليس لأه خطاب الله له على سبيل الإهانة والإذلال

39 - { قال رب بما أغويتني } الباء للقسم وما مصدرة وجوابه { لأزينن لهم في الأرض } والمعنى أقسم بإغوائك إياي لأزينن لهم المعاصي في الدنيا التي هو دار الغرور كقوله : { أخلد إلى الأرض } وفي انعقاد القسم بأفعال الله تعالى خلاف وقيل للسببية والمعتزلة أولو الإغواء بالنسبة إلى الغي أو التسبب له بأمره إياه بالسجود لآدم عليه السلام أو بالإضلال عن طريق الجنة واعتذروا عن إمهال الله له وهو سبب لزيادة غيه وتسليط له على إغواء بني آدم بأن الله تعالى علم منه وممن تتبعه أنهم يموتون على الكفر ويصيرون إلى النار أمهل أو لم يمهل وأن في إمهاله تعريضا لمن خالفه لاستحقاق مزيد الثواب وضعف ذلك لا يخفى على ذوي الألباب { ولأغوينهم أجمعين } ولأحملنهم أجمعين على الغوية

40 - { إلا عبادك منهم المخلصين } الذين أخلصتهم لطاعتك وطهرتهم من الشوائب فلا يعمل فيهم كيدي وقرأ ابن كثير و ابن عامر و أبو عمرو بالكسر في كل القرآن أي الذين أخلصوا نفوسهم لله تعالى

41 - { قال هذا صراط علي } حق علي أن أراعيه { مستقيم } لا انحراف عنه والإشارة إلى ما تضمنه الاستثناء وهو تخليص المخلصين من إغوائه أو الإخلاص على معنى أنه طريق { علي } يؤدي إلى الوصول إلى من غير اعوجاج وضلال وقرئ على من علو الشرف

42 - { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } تصديق لإبليس فيما استثناه وتغيير الوضع لتعظيم { المخلصين } ولأن المقصود بيان عصمتهم وانقطاع مخالب الشيطان عنهم أو تكذيب له فيما أوهم أن له سلطانا على من ليس بمخلص من عباده فإن منتهى تزيينه التحريض والتدليس كما قال : { وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي } أقل من الباقي لإفضائه إلى تناقض الاستثناءين

43 - { وإن جهنم لموعدهم } لموعد الغاوين أو المتبعين { أجمعين } تأكيد للضمير أو حال والعامل فيها الموعد 'ن جعلته مصدرا على تقدير مضاف ومعنى الإضافة إن جعلته اسم مكان فإنه لا يعمل

44 - { لها سبعة أبواب } يدخلون منها كثرتهم أو طبقات ينزلونها بحسب مراتبهم في المتابعة وهي : جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية ولعل تخصيص العدد لانحصار مجامع المهلكات في الركون إلى المحسوسات ومتابعة القوة الشهوية والغضبية أو لأن أهلا سبع فرق { لكل باب منهم } من الأتباع { جزء مقسوم } أفرز له فأعلاها للموحدين العصاة والثاني لليهود والثالث للنصارى والرابع للصابئين والخامس للمجوس والسادس للمشركين والسابع للمنافقين وقرأ أبو بكر جزء بالتثقيل وقرئ جز على حذف الهمزة وإلقاء حركتها على الزاي ثم الوقف عليه بالتشديد ثم إجراء الوصل مجرى القف ومنهم حال منه أو من المستكن في الظرف لا في { مقسوم } لن الصفة لا تعمل فيما تقدم موصوفها

45 - { إن المتقين } من اتباعه في الكفر والفواحش فإن غيرها مكفرة { في جنات وعيون } لك واحد جنة وعين أو لك عدة منهما كقوله : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } ثم قوله : { ومن دونهما جنتان } وقوله : { مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن } الآية وقرأ نافع و حفص و أبو عمرو و هشام { وعيون } بضم العين حيث وقع والباقون بكسر العين

46 - { ادخلوها } على إرادة القول وقرئ بقطع الهمزة وكسر الخاء على أنه ماض فلا يكسر التنوين { بسلام } سالمين أو مسلما عليكم { آمنين } من الآفة والزوال

47 - { ونزعنا } في الدنيا بما ألف بين قلوبهم أو في الجنة بتطييب نفوسهم { ما في صدورهم من غل } من حقد كان في الدنيا وعن علي رضي الله تعالى عنه : أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم أو من التحاسد على درجات الجنة ومراتب القرب { إخوانا } حال من الضمير في جنات أو فاعل ادخلوها أو الضمير في آمنين أو الضمير المضاف إليه والعامل فيها معنى الإضافة وكذا قوله : { على سرر متقابلين } ويجوز أن يكونا صفتين لإخوانا أو حال من ضميره لأنه بمعنى متصافين وأن يكون متقابلين حالا من المستقر في على سرر

48 - { لا يمسهم فيها نصب } استئناف أو حال بعد حال أو حال من الضمير في متقابلين { وما هم منها بمخرجين } فإن تمام النعمة بالخلود

49 - { نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم }

50 - { وأن عذابي هو العذاب الأليم } فذلكة ما سبق من الوعد والوعيد وتقريره له وفي ذكر المغفرة دليل على أنه لم يرد بالمتقين من يتقي الذنوب بأسرها كبيرها وصغيرها وفي توصيف ذاته بالغفران والرحمة دون التعذيب ترجيح الوعد وتأكيده وفي عطف

51 - { ونبئهم عن ضيف إبراهيم } على { نبئ عبادي } تحقيق لهما بما يتعبرون به

52 - { إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما } أي نسلم عليك سلاما أو سلمنا سلاما { قال إنا منكم وجلون } خائفون وذلك لأنهم دخلوا بغير إذن وبغير وقت ولأنهم امتنعوا من الأكل والوجل اضطراب النفس لتوقع ما تكره

53 - { قالوا لا توجل } وقرئ لا تأجل و لا توجل من أوجله ولا تواجل من واجله بمعنى أوجله { إنا نبشرك } استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل فإن المبشر لا يخاف منه وقرأ حمزة نبشرك بفتح النون والتخفيف من البشر { بغلام } هو إسحاق عليه السلام لقوله { وبشرناه بإسحاق } { عليم } إذا بلغ

54 - { قال أبشرتموني على أن مسني الكبر } تعجب من أن يولد له مع مس الكبر إياه أو إنكار لأن يبشر به في مثل هذه الحالة وكذا قوله : { فبم تبشرون } أي فبأي أعجوبة تبشرون أو فبأي شيء تبشرون فإن البشارة بما لا يتصور وقوعه عادة بشرة بغير شيء وقرأ ابن كثير بكسر النون مشددة في كل القرآن على إدغام نون الجمع في نون الوقاية وكسرها وقرأ نافع بكسرها مخففة على حذف نون الجمع استثقالا لاجتماع المثلين ودلالة بإبقاء نون الوقاية وكسرها على الياء

55 - { قالوا بشرناك بالحق } بما يكون لا محالة أو باليقين الذي لا لبس فيه أو بطريقة هي حق وهو قول الله تعالى وأمره { فلا تكن من القانطين } من الآيسين من ذلك فإنه تعالى قادر على أن يخلق بشرا من غير أبوين فكيف من شيخ فان وعجوز عاقر وكان استعجاب إبراهيم عليه السلام باعتبار العادة دون القدرة ولذلك :

56 - { قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون } المخطئون طريق المعرفة فلا يرفون سعة رحمة الله تعالى وكمل علمه وقدرته كما قال تعالى : { إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون } وقرأ أبو عمرو و الكسائي يقنط بالكسر وقرئ بالضم وماضيهما قنط بالفتح

57 - { قال فما خطبكم أيها المرسلون } أي فما شأنكم الذي أرسلتم لأجله سوى البشارة ولعله علم أن كمال المقصود ليس البشارة لنهم كانوا عددا والبشارة لا تحتاج إلى العدد ولذلك اكتفى بالواحد في بشارة زكريا ومريم عليهما السلام أو لأنهم بشره في تضاعيف الحال لإزالة الوجل ولو كانت تمام المقصود لابتدءوا بها

58 - { قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين } يعني قوم لوط

59 - { إلا آل لوط } إن كان استثناء من { قوم } كان منقطعا إذ الـ { قوم } مقيد بالإجرام وإن كان استثناء من الضمير في { مجرمين } كان متصلا ولقوم والإرسال شاملين للمجرمين و { آل لوط } المؤمنين به وكأن المعنى : إنا أرسلنا إلى قوم أجرم كلهم إلا آل لوط منهم لنهلك المجرمين وننجي آل لوط منهم ويدل عليه قوله : { إنا لمنجوهم أجمعين } أي مما يعذب به القوم وهو استئناف إذا اتصل الاستثناء ومتصل بآل لوط جار مجرى خبر لكن إذا انقطع وعلى هذا جاز ا يكون قوله :

60 - { إلا امرأته } استثناء من { آل لوط } أو من ضميرهم وعلى الأول لا يكون إلا من ضميرهم لاختلاف الحكمين اللهم إلا أن يجعل { إنا لمنجوهم } اعتراضا وقرأ حمزة و الكسائي لمنجوهم مخففا { قدرنا إنها لمن الغابرين } الباقين مع الكفرة لتهلك معهم وقرأ أبو بكر عن عاصم قدرنا هنا وفي النمل بالتخفيف وإنما علق والتعليق من خواص أفعال القلوب لتضمنه معنى العلم ويجوز أن يكون { قدرنا } أجري مجرى قلنا لأن التقدير بمعنى القضاء قول أصله جعل الشيء على مقدار غيره وإسنادهم إياه إلى أنفسهم وهو فعل الله سبحانه وتعالى لمالهم من القرب والاختصاص به

61 - { فلما جاء آل لوط المرسلون }

62 - { قال إنكم قوم منكرون } تنكركم نفسي وتنفر عنكم مخافة أن تطرقوني بشر

63 - { قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون } أي ما جئناك بما تنكرنا لأجله بل جئناك بما بسرك ويشفي لك من عدوك وهو العذاب الذي توعدتهم به فيمترون فيه

64 - { وأتيناك بالحق } باليقين من عذابهم { وإنا لصادقون } فيما أخبرناك به

65 - { فأسر بأهلك } فاذهب بهم في الليل وقرأ الحجازيان بوصل الهمزة من السرى وهما بمعنى وقرئ فسر من السير { بقطع من الليل } في طائفة من الليل وقيل في آخره قال :
( افتحي الباب وانظري في النجوم ... كم علينا من قطع ليل بهيم )
{ واتبع أدبارهم } وكن على أثرهم تذودهم وتسرع بهم وتطلع على حالهم { ولا يلتفت منكم أحد } لينظر ما وراءه فيرى من الهول ما لا يطيقه أو فيصيبه ما أصابهم أو ولا ينصرف أحدكم ولا يتخلف امرؤ لغرض فيصيبه العذاب وقيل نهوا عن الالتفات ليوطنوا نفوسهم على المهاجرة { وامضوا حيث تؤمرون } إلى حيث أمركم الله بالمضي إليه وهو الشام أو مصر فعدي { وامضوا } إلى حيث تؤمرون إلى ضميره المحذوف على الاتساع

66 - { وقضينا إليه } أي وأوحينا إليه مقضيا ولذلك عدي بإلى { ذلك الأمر } مبهم يفسره { أن دابر هؤلاء مقطوع } ومحله النصب على البدل منه وفي ذلك تفخيم الأمر وتعظيم له وقرئ بالكسر على الاستئناف والمعنى : أنهم يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد { مصبحين } داخلين في الصبح وهو حال من هؤلاء أو من الضمير في مقطوع وجمعه للحل على المعنى ف { أن دابر هؤلاء } في معنى مدبري هؤلاء

67 - { وجاء أهل المدينة } سدوم { يستبشرون } بأضياف لوط طمعا فيهم

68 - { قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون } بفضيحة ضيفي فإن من أسيء إلى ضيفه فقد أسيء إليه

69 - { واتقوا الله } في ركوب الفاحشة { ولا تخزون } ولا تذلوني بسببهم من الخزي وهو الهوان أو لا تخجلوني فيهم من الخزاية وهو الحياء

70 - { قالوا أولم ننهك عن العالمين } على أن تجير منهم أحدا أو تمنع بيننا وبينهم فإنهم كانوا يتعرضون لكل أحد وكان لوط يمنعهم عنه بقدر وسعه أو عن ضيافة الناس وإنزالهم

71 - { قال هؤلاء بناتي } يعني نساء القوم فإن نبي كل أمة بمنزلة إليهم وفيه وجوه ذكرت في سورة هود { إن كنتم فاعلين } قضاء الوطر أو ما أقول لكم

72 - { لعمرك } قسم بحياة المخاطب والمخاطب في هذا القسم هو النبي عليه الصلاة السلام وقيل لوط عليه السلام قالت الملائكة له ذلك والتقدير لعمرك فسمي وهو لغة في العمر يختص به القسم لإيثار الأخف فيه لأنه كثير الدور على ألسنتهم { إنهم لفي سكرتهم } لفي غوايتهم أو شدة غلمتهم التي أزالت عقولهم وتمييزهم بين خطئهم والصواب الذي يشار به إليهم { يعمهون } يتحيرون فكيف يسمعون نصحك وقيل الضمير لقريش والجملة اعتراض

73 - { فأخذتهم الصيحة } يعني صيحة هائلة مهلكة وقيل صيحة جبريل عليه السلام { مشرقين } داخلين في وقت شروق الشمس

74 - { فجعلنا عاليها } عالي المدينة أو عالي قراهم { سافلها } وصارت منقلبة بهم { وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل } من طين متحجر أو طين عليه كتاب من السجل وقد تقدم مزيد بيان لهذه القصة في سورة هود

75 - { إن في ذلك لآيات للمتوسمين } للمتفكرين المتفرسين الذين يتشبثون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة الشيء بسمته

76 - { وإنها } وإن المدينة أو القرى { لبسبيل مقيم } ثابت يسلكه الناس ويرون آثارها

77 - { إن في ذلك لآية للمؤمنين } بالله ورسله

78 - { وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين } هم ثوم شعيب كانوا يسكنون الغيضة فبعثه الله إليهم فكذبوه فأهلكوا بالظلة و { الأيكة } الشجرة المتكاثفة

79 - { فانتقمنا منهم } بالإهلاك { وإنهما } يعني سدوم والأيكة وقيل الأيكة ومدين فإنه كان مبعوثا إليهما فكان ذكر إحداهما منبها على الأخرى { لبإمام مبين } لبطريق واضح والإمام اسم ما يؤتم به فسمي به الطريق ومطمر البناء واللوح لأنها مما يؤتم به

80 - { ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين } يعني ثمود كذبوا صالحا ومن كذب واحدا من الرسل فكأنما كذب الجميع ويجوز أن يكون المراد بالمرسلين صالحا ومن معه من المؤمنين و { الحجر } واد بين المدينة والشام يسكنونه

81 - { وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين } يعني آيات الكتاب المنزل على نبيهم أو معجزاته كالناقة وسقيها وشربها ودرها أو ما نصب لهم من الأدلة

82 - { وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين } من الانهدام ونقب اللصوص وتخريب الأعداء لوثاقتها أو من العذاب لفرط غفلتهم أو حسبانهم أن الجبال تحميهم منه

83 - { فأخذتهم الصيحة مصبحين }

84 - { فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } من بناء البيوت الوثيقة واستكثار الأموال والعدد

85 - { وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق } إلا خلقا ملتبسا بالحق لا يلائم استمرار الفساد ودوام الشرور فلذلك اقتضت الحكمة إهلاك أمثال هؤلاء وإزاحة فسادهم من الأرض { وإن الساعة لآتية } فينتقم الله لك فيها ممن كذبك { فاصفح الصفح الجميل } ولا تعجل بانتقام منهم وعاملهم معاملة الصفوح الحليم وقيل هو منسوخ بآية السيف

86 - { إن ربك هو الخلاق } الذي خلقك وخلقهم وبيده أمرك وأمرهم { العليم } بحالك وحالهم فهو حقيق بأن تكل ذلك إليه ليحكم بينكم أو هو الذي خلقكم وعلم الأصلح لكم وقد علم أن الصفح اليوم أصلح وفي مصحف عثمان وأبي رضي الله عنهما هو الخالق وهو يصلح للقليل والكثير و { الخلاق } يختص بالكثير

87 - { ولقد آتيناك سبعا } سبع آيات وهي الفاتحة وقيل سبع سور وهي الطوال وسابعتها الأنفال والتوبة فإنهما في حكم سورة ولذلك لم يفصل بينهما بالتسمية وقيل التوبة وقيل يونس أو الحواميم السبع قيل سبع صحائف وهي الأسباع { من المثاني } بيان للسبع والمثاني من التثنية أو الثناء فإن كل ذلك مثنى تكرر قرأته أو ألفاظه أو قصصه ومواعظه أو مثني عليه بالبلاغة والإعجاز أو مثن على الله بما هو أهله من صفاته العظمى وأسماءه كالحسنى ويجوز أن يراد ب { المثاني } القرآن أو كتب الله كلها فتكون { من } للتبعيض { والقرآن العظيم } إن أريد بالسبع الآيات أو السور فمن عطف الكل على البعض أو العام على الخاص وإن أريد به الأسباع فمن عطف أحد الوصفين على الآخر

88 - { لا تمدن عينيك } لا تطمح ببصرك طموح راغب { إلى ما متعنا به أزواجا منهم } أصنافا من الكفار فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته فإنه كمال مطلوب بالذات مفض إلى دوام اللذات وفي حديث أبي بكر رضي الله تعالى عنه من أوتي القرآن فرأى أن أحدا أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغر عظيما وعظم صغيرا وروي [ أنه عليه الصلاة و السلام وافى بأذرعات سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير فيها أنواع البز والطيب والجواهر وسائر الأمتعة فقال المسلمون : لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها وأنفقناها في سبيل الله فقال لهم : لقد أعطيتم سبع آيات هي خير من هذه القوافل السبع ] { ولا تحزن عليهم } أنهم لم يؤمنوا وقل إنهم المتمتعون به { واخفض جناحك للمؤمنين } وتواضع لهم وارفق بهم

89 - { وقل إني أنا النذير المبين } أنذركم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا

90 - { كما أنزلنا على المقتسمين } مثل العذاب الذي أنزلناه عليهم فهو وصف لمفعول النذير أقيم مقامه والمقتسمون هم الاثنا عشر الذين اقتسموا مداخل مكة أيام الموسم لينفروا الناس عن الإيمان بالرسول صلى الله عليه و سلم فأهلكهم الله تعالى يوم بدر أو الرهط الذين اقتسموا على أن يبيتوا صالحا عليه الصلاة و السلام وقيل هو صفة مصدر محذوف يدل عليه { ولقد آتيناك } فإنه بمعنى أنزلنا إليك والمقتسمون هم الذين جعلوا القرآن عضين حيث قالوا عنادا : بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل وبعضه باطل مخالف لهما أو قسموه إلى شعر وسحر وكهانة وأساطير الأولين أو أهل الكتاب آمنوا ببعض كتبهم وكفروا ببعض على أن القرآن ما يقرؤون من كتبهم فيكون ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه و سلم وقوله { لا تمدن عينيك } الخ اعتراضا ممدا لها

91 - { الذين جعلوا القرآن عضين } أجزاء جمع عضة وأصلها عضوة من عضى الشاة إذا جعلها أعضاء وقيل فعلة من عضهته إذا بهته وفي الحديث [ لعن رسول الله صلى الله عليه و سلم العاضهة والمستعضهة ] وقيل أسحارا وعن عكرمة العضة السحر وإنما جمع جمع السلامة جبرا لما حذف منه والموصول بصلته صفة للمقتسمين أو مبتدأ خبره

92 - { فوربك لنسألنهم أجمعين }

93 - { عما كانوا يعملون } من التقسيم أو النسبة إلى السحر فنجازيهم عليه وقيل هو عام في كل ما فعلوا من الكفر والمعاصي

94 - { فاصدع بما تؤمر } فاجهر به من صدع الحجة إذا تكلم بها جهارا أو فافرق به بين الحق والباطل وأصله الإبانة والتمييز وما مصدرة أو موصولة والراجع محذوف أي بما تؤمر به من الشرائع { وأعرض عن المشركين } ولا تلتفت إلى ما يقولون

95 - { إنا كفيناك المستهزئين } بقمعهم وإهلاكهم قيل كانوا خمسة من أشراف قريش : الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وعدي بن قيس والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب يبالغون في إيذاء النبي صلى الله عليه و سلم والاستهزاء به فقال جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه و سلم : أمرت أن أكفيكهم فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم فلم يتعطف تعظما لأخذه فأصاب عرقا في عقبه فقطعه فمات وأومأ إلى أخمص العاص فدخلت فيه شوكة فانتفخت رجله حتى صارت الرحى ومات وأشار إلى أنف عدي بن قيس فامتخط قيحا فمات وإلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة فجعل ينطح برأسه الشجرة ويضرب وجهه بالشوك حتى مات وإلى عيني الأسود بن المطلب فعمي

96 - { الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون } عاقبة أمرهم في الدارين

سورة النحل
97

98 - { فسبح بحمد ربك } فافزع إلى الله تعالى فيما نابك بالتسبيح والتحميد يكفك ويكشف الغم عنك أو فنزهه عما يقولون حامدا له على أن هداك للحق { وكن من الساجدين } من المصلين [ وعنه عليه الصلاة و السلام أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ]

99 - { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } أي الموت فإنه متيقن لحاقه كل حي مخلوق والمعنى فاعبده مادمت حيا ولا تخل بالعبادة لحظة [ عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من قرأ سورة الحجر كان له من الأجر عشر حسنات بعدد المهاجرين والأنصار والمستهزئين بمحمد صلى الله عليه و سلم ] والله أعلم

غير ثلاث آيات في آخرها وهي مائة وثمان وعشرون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
1 - { أتى أمر الله فلا تستعجلوه } كانوا يستعجلون ما أوعدهم الرسول صلى الله عليه و سلم من قيام الساعة أو إهلاك الله تعالى إياهم كما فعل يوم بدر استهزاء وتكذيبا ويقولون إن صح ما تقوله فالأصنام تشفع لنا وتخلصنا منه فنزلت والمعنى أن الأمر الموعود به بمنزلة الآتي المتحقق من حيث إنه واجب الوقوع فلا تستعجلوا وقوعه فإنه لا خير لكم فيه ولا خلاص لكم منه { سبحانه وتعالى عما يشركون } تبرأ وجل عن أن يكون له شريك فيدفع ما أراد بهم وقرأ حمزة و الكسائي بالتاء على وفق قوله : { فلا تستعجلوه } والباقون بالياء على تلوين الخطاب أو على أن الخطاب للمؤمنين أو لهم ولغيرهم لما روي [ أنه لما نزلت أتى أمر الله فوثب النبي صلى الله عليه و سلم ورفع الناس رؤوسهم فنزلت { فلا تستعجلوه } ]

2 - { ينزل الملائكة بالروح } بالوحي أو القرآن فإنه يحيي به القلوب الميتة بالجهل أو يقوم في الدين مقام الروح في الجسد وذكره عقيب ذلك إشارة إلى الطريق الذي به علم الرسول صلى الله عليه و سلم ما تحقق موعدهم به ودنوه وإزاحة لاستبعادهم اختصاصه بالعلم به وقرأ ابن كثر و أبو عمرو { ينزل } من أنزل وعن يعقوب مثله وعنه تنزل بمعنى تتنزل وقرأ أبو بكر تنزل على المضارع المبين للمفعول من التنزيل { من أمره } بأمره أو من أجله { على من يشاء من عباده } أن يتخذه رسولا { أن أنذروا } بأن أنذروا أي اعلموا من نذرت بكذا إذا علمته { أنه لا إله إلا أنا فاتقون } أن الشأن { لا إله إلا أنا فاتقون } أو خوفوا أهل الكفر والمعاصي بأنه { لا إله إلا أنا } وقوله { فاتقون } رجوع إلى مخاطبتهم بما هو المقصود و { أن } مفسرة لأن الروح بمعنى الوحي الدال على القول أو مصدرية في موضع الجر بدلا من الروح أو النصب ينزع الخافض أو مخففة من الثقيلة والآية تدل على أن نزول الوحي بواسطة الملائكة وأن حاصله التنبيه على التوحيد الذي هو منتهى كمال القوة العلمية والأمر بالتقوى الذي هو أقصى كما القوة العملية وأن النبوة عطائية والآيات التي بعدها دليل على وحدانيته من حيث إنها تدل على أنه تعالى هو الموجد لأصول العالم وفروعه على وفق الحكمة والمصلحة ولو كان اله شريكك لقدر على ذلك فيلزم التمانع

3 - { خلق السموات والأرض بالحق } أوجدهما على مقدار وشكل وأوضاع وصفات مختلفة قدرها وخصصها بحكمته { تعالى عما يشركون } منهما أو مما يفتقر في وجوده أو بقائه إليهم ومما لا يقدر على خلقهما وفيه دليل على أنه تعالى ليس قبيل الأجرام

4 - { خلق الإنسان من نطفة } جماد لا حس بها ولا حراك سيالة لا تحفظ الوضع والشكل { فإذا هو خصيم } منطيق مجادل { مبين } للحجة أو خصيم مكافح لخالقه قائل : { من يحيي العظام وهي رميم } [ روي أن أبي بن خلف أتى النبي صلى الله عليه و سلم بعظم رميم وقال : يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رم ] فنزلت

5 - { والأنعام } الإبل والبقر والغنم وانتصابها بمضمر يفسره { خلقها لكم } أو بالعطف على الإنسان ن وخلقها لكم بيان ما خلقت لأجله وما بعده تفصيل له { فيها دفء } ما يدفأ به فيقي البرد { ومنافع } نسلها وجرها وظهورها وإنما عبر عنها بالمنافع ليتناول عوضها { ومنها تأكلون } أي تأكلون ما يؤكل منها من اللحوم والشحوم والألبان وتقديم الظرف للمحافظة على رؤوس الآي أو لأن الأكل منها هو المعتاد المعتمد عليه في المعاش وأما الأكل من سائر الحيوانات المأكولة فعلى سبيل التداوي أو التفكه

6 - { ولكم فيها جمال } زينة { حين تريحون } تردونها من مراعيها إلى مراحها بالعشي { وحين تسرحون } تخرجونها بالغداة إلى المراعي فإن الأفنية تتزين بها في الوقتين ويجل أهلها في أعين الناظرين إليها وتقديم الإراحة لأن الجمال فيها أظهر فإنها تقبل ملأى البطون حافلة الضروع ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها وقرئ حينا على أن { تريحون } { تسرحون } وصفان له بمعنى { تريحون } فيه { تسرحون } فيه

7 - { وتحمل أثقالكم } أحمالكم { إلى بلد لم تكونوا بالغيه } أي إن لم تكن الأنعام ولم تخلق فضلا أن تحملوها على ظهوركم إليه { إلا بشق الأنفس } إلا بكلفة ومشقة وقرئ بالفتح وهو لغة فيه وقيل المفتوح مصدر شق الأمر عليه وأصله الصدع والمكسور بمنى النصف كأنه ذهب نصف قوته بالتعب { إن ربكم لرؤوف رحيم } حيث رحمكم بخلقها لانتفاعكم وتيسير الأمر عليكم

8 - { والخيل والبغال والحمير } عطف على { الأنعام } { لتركبوها وزينة } أي لتركبوها وتتزينوا بها زينة وقيل هي معطوفة على محل { لتركبوها } وتغيير النظم لأن الزينة بفعل الخالق والركوب ليس بفعله ولأن المقصود من خلقها الركوب وأما التزين بها فحاصل بالعرض وقرئ بغير واو وعلى هذا يحتمل أن يكون علة { لتركبوها } أو مصدرا في موضع الحال من أحد الضميرين أي : متزينين أو متزينا بها واستدل به على حرمة لحومها ولا دليل فيه إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه غالبا أن لا يقصد منه غيره أصلا ويدل عليه أن الآية مكية وعامة المفسرين والمحدثين على أن الحمر الأهلية حرمت عام خيبر { ويخلق ما لا تعلمون } لما فصل الحيوانات التي يحتاج إليها غالبا احتياجا ضروريا أو غير ضروري أجمل غيرها ويجوز أن يكون إخبارا بأن له من الخلائق ما لا علم لنابه وأن يراد به ما خلق في الحنة والنار مما لم يخطر على قلب بشر

9 - { وعلى الله قصد السبيل } بيان مستقيم الطريق الموصل إلى الحق ن أو إقامة السبيل وتعديلها رحمة وفضلا أو عليه قصد السبيل يصل إليه من يسلكه لا محالة يقال سبيل قصد وقاصد أي مستقيم كأنه يقصد الوجه الذي يقصده السالك لا يميل عنه والمراد من { السبيل } الجنس ولذلك أضاف إليه ال { قصد } وقال : { ومنها جائر } حائد عن القصد أو عن الله وتغيير الأسلوب لأنه ليس بحق على الله تعالى أن يبين طرق الضلالة او لأن المقصود بيان سبيله وتقسيم السبيل إلى القصد والجائر إنما جاء بالعرض وقرئ ومنكم جائر أي عن القصد { ولو شاء } الله { لهداكم أجمعين } أي ولو شاء هدايتكم أجمعين لهداكم إلى قصد السبيل هداية مستلزمة للاهتداء

10 - { هو الذي أنزل من السماء } من السحاب أو من جانب السماء { ماء لكم منه شراب } ما تشربونه { ولكم } صلة { أنزل } أو خبر { شراب } و { من } تبعيضية متعلقة به وتقديمها يوهم حصر المشروب فيه ولا بأس به لأن مياه العيون والآبار منه لقوله : { فسلكه ينابيع } وقوله { فأسكناه في الأرض } { ومنه شجر } ومنه يكون شجر يعني الشجر الذي ترعاه المواشي وقيل كل ما نبت على الأرض شجر قال :
( يعلفها اللحم إذا عز الشجر ... والخيل في إطعامها اللحم ضرر )
{ فيه تسيمون } ترعون من سامت الماشية وأسامها صاحبها ن وأصله السومة وهي العلامة لأنها تؤثر بالرعي علامات

11 - { ينبت لكم به الزرع } وقرأ أبو بكر بالنون على التفخيم { والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات } وبعض كلها إذا لم ينبت في الأرض كل ما يمكن من الثمار ولعل تقديم ما يسام فيه على ما يؤكل منه لأنه سيصير غذاء حيوانيا هو أشرف الأغذية ومن هذا تقديم الزرع والتصريح بالأجناس الثلاثة وترتيبها { إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } على وجود الصانع وحكمته فإن من تأمل أن الحبة تقع في الأرض وتصل إليها نداوة تنفذ فيها فينشق أعلاها ويخرج منه ساق الشجرة وينشق أسفلها فيخرج منه عروقها ثم ينمو ويخرج منه الأوراق والأزهار والأكمام والثمار ويشتمل كل منها على أجسام مختلفة الأشكال والطباع مع اتحاد المواد ونسبة الطبائع السفلية والتأثيرات الفلكية إلى الكل علم أن ذلك ليس إلا بفعل فاعل مختار مقدس عن منازعة الأضداد والأنداد ولعل فصل الآية به لذلك

12 - { وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم } بأن هيأها لمنافعكم { مسخرات بأمره } حال من الجميع أي نفعكم بها حال كونها مسخرات لله تعالى خلقها ودبرها كيف شاء أو لما خلقن له بإيجاده وتقديره أو لحكمه وفيه إيذان بالجواب عما عسى أن يقال إن المؤثر في تكوين النبات حركات الكواكب وأوضاعها فإن ذلك إن سلم فلا ريب في أنها أيضا ممكنة الذات والصفات واقعة على بعض الوجوه المحتملة فلا بد لها من موجد مخصص مختار واجب الوجود دفعا للدور والتسلسل أو مصدر ميمي جمع لاختلاف الأنواع وقرأ حفص { والنجوم مسخرات } على الابتداء والخبر فيكون تعميما للحكم بعد تخصيصه ورفع ابن عامر الشمس والقمر أيضا { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } جمع الآية وذكر العقل لأنها تدل أنواعا من الدلالة ظاهرة لذوي العقول السليمة غير محوجة إلى استيفاء فكر كأحوال النبات

13 - { وما ذرأ لكم في الأرض } عطف على { الليل } أي وسخر لكم ما خلق لكم فيها من حيوان وبنات { مختلفا ألوانه } أصنافه فإنها تتخالف باللون غالبا { إن في ذلك لآية لقوم يذكرون } إن اختلافها في الطباع والهيئات والمناظر ليس إلا بصنع صانع حكيم

14 - { وهو الذي سخر البحر } جعله بحيث تتمكنون من الانتفاع به بالركوب والاصطياد والغوص { لتأكلوا منه لحما طريا } هو السمك ووصفه بالطراوة لأنه أرطب اللحوم يسرع إليه الفساد فيسارع إلى أكله ولإظهار قدرته في خلقه عذبا طريا في ماء زعاق وتمسك به مالك و الثوري على أن من حلف أن لا يأكل لحما حنث بأكل السمك وأجيب عنه بأن مبنى الإيمان على العرف وهو لا يفهم منه عند الإطلاق ألا ترى أن الله تعالى سمى الكافر دابة ولا يحنث الخالق على أن لا يركب دابة بركوبه { وتستخرجوا منه حلية تلبسونها } كاللؤلؤ والمرجان أي تلبسها نساؤكم فأسند إليهم لأنهن من جملتهم ولأنهن يتزين بها لأجلهم { وترى الفلك } السفن { مواخر فيه } حواري فيه تشقه بحيزومها من المخر وهو شق الماء وقيل صوت حري الفلك { ولتبتغوا من فضله } من سعة رزقه بركوبها للتجارة { ولعلكم تشكرون } أي تعرفون نعم الله تعالى فتقومون بحقها ولعل تخصيصه بتعقيب الشكر لأنه أقوى في باب الأنعام من حيث أنه جعل المهالك سببا للانتفاع تحصيل المعاش

15 - { وألقى في الأرض رواسي } جبالا رواسي { أن تميد بكم } كراهة أن تميل بكم وتضطرب وذلك لأن الأرض قبل أن تخلق فيها الجبال كانت كرة خفيفة بسيطة الطبع وكان من حقها أن تتحرك بالاستدارة كالأفلاك أو أن تتحرك بأدنى سبب للتحريك فلما خلقت الجبال على وجهها تفاوتت جوانبها وتوجهت الجبال بثقلها نحو المركز فصارت كالأوتاد التي تمنعها عن الحركة وقيل لما خلق الله الأرض جعلت تمور فقالت الملائكة : ما هي بمقر أحد على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال { وأنهارا } وجعل فيها أنهارا لأن ألقى فيه معناه { وسبلا لعلكم تهتدون } لمقاصدكم أو إلى معرفة الله سبحانه وتعالى

16 - { وعلامات } معالم يستدل بها السابلة من جبل وسهل وريح ونحو ذلك { وبالنجم هم يهتدون } بالليل في البراري والبحار والمراد بالنجم الجنس ويدل عليه قراءة وبالنجم بضمتين وضمة وسكون على الجمع وقيل الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدي ولعل الضمير لقريش لأنهم كانوا كثيري الأسفار للتجارة مشهورين بالاهتداء في مسايرهم بالنجوم وإخراج الكلام عن سنن الخطاب وتقديم النجم وإقحام الضمير للتخصيص كأنه قيل : وبالنجم خصوصا هؤلاء خصوصا يهتدون فالاعتبار بذلك ولشكر عليه ألزم لهم وأوجب عليهم

17 - { أفمن يخلق كمن لا يخلق } إنكار بعد إقامة الدلائل المتكاثرة على كما لقدرته وتناهي حكمته والتفرد بخلق ما عدد من مبدعاته لأن يساويه ويستحق مشاركته ما لا يقدر على خلق شيء من ذلك بل على إيجاد شيء ما وكان حق الكلام أفمن لا يخلق كمن يخلق لكنه عكس تنبيها على أنهم بالإشراك بالله سبحانه وتعالى جعلوه من جنس المخلوقات العجزة شبيها بها والمراد بمن لا يخلق كل ما عبد من دون الله سبحانه وتعالى مغلبا فيه أولو العلم منهم أو الأصنام وأجروها مجرى أولي العلم لأنهم سموها آلهة ومن حق الإله أن يعلم أو للمشاكلة بينه وبين من مخلق أو للمبالغة وكأنه قيل : إن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم فكيف بما لا علم عنده { أفلا تذكرون } فتعرفوا فساد ذلك فإنه لجلائه كالحاصل للعقل الذي يحضر عنده بأدنى تذكر والتفات

18 - { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } لا تضبطوا عددها فضلا أن يطيقوا القيام بشكرها أتبع ذلك تعداد النعم وإلزام الحجة على تفرده باستحقاق العبادة تنبيها على أن وراء ما عدد نعما لا تنحصر وأن حق عبادته على غير مقدور { إن الله لغفور } حيث يتجاوز عن تقصير في أداء شكرها ز { رحيم } لا يقطعها لتفريطكم فيه ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها

19 - { والله يعلم ما تسرون وما تعلنون } من عقائدكم وأعمالكم وهو وعيد وتزييف للشرك باعتبار العلم بعد تزييفه باعتبار القدرة

20 - { والذين يدعون من دون الله } أي والآلهة الذين تعبدونهم من دونه وقرأ أبو بكر يدعون بالياء وقرأ حفص ثلاثتها بالياء { لا يخلقون شيئا } لما نفى المشاركة بين من يخلق ومن لا يخلق بين أنهم لا يخلقون شيئا لينتج أنهم لا يشاركونه ثم أكد ذلك بأن أثبت لهم صفات تنافي الألوهية فقال : { وهم يخلقون } لأنهم ذوات ممكنة مفتقرة الوجود إلى التخليق والإله ينبغي أن يكون واجب الوجود

21 - { أموات } هم أموات لا تعتريهم الحياة أو أموات حالا أو مآلا { غير أحياء } بالذات ليتناول كل معبود والإله ينبغي أن يكون حيا بالذات لا يعتريه الممات { وما يشعرون أيان يبعثون } ولا يعلمون وقت بعثهم أو بعث عبدتهم فكيف يكون لهم وقت جزاء على عبادتهم والإله ينبغي أن يكون عالما بالغيوب مقدرا للثواب والعقاب وفيه تنبيه على أن البعث من توابع التكليف

22 - { إلهكم إله واحد } تكرير للمدعى بعد إقامة الحجج { فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون } بيان لما اقتضى إصرارهم بعد وضوح الحق وذلك عدم إيمانهم بالآخرة فإن المؤمن بها يكون طالبا للدلائل متأملا فيما يسمع فينتفع به والكافر بها يكون حاله بالعكس وإنكار قلوبهم ما لا يعرف إلا بالبرهان إتباعا للأسلاف وركونا إلى المألوف فإنه ينافي النظر والاستكبار عن اتباع الرسول و تصديقه والالتفات إلى قوله والأول هو العمدة في الباب ولذلك رتب عليه ثبوت الآخرين

23 - { لا جرم } حقا { أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } فيجازيهم وهو في موضع الرفع ب { جرم } لأنه مصدر أو فعل { إنه لا يحب المستكبرين } فضلا عن الذين استكبروا عن توحيده أو اتباع الرسول

24 - { وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم } القائل بعضهم على التهكم أو الوافدون عليهم أو المسلمون { قالوا أساطير الأولين } أي ما تدعون نزوله أو المنزل أساطير الأولين وإنما سموه منزلا على التهكم أو على الفرض أي على تقدير أنه منزل فهو أساطير الأولين لا تحقيق فيه والقائلون قيل هم المقتسمون

25 - { ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة } أي قالوا ذلك إضلالا للناس فحملوا أوزار ضلالهم كاملة فإن إضلالهم نتيجة رسوخهم في الضلال { ومن أوزار الذين يضلونهم } وبعض أوزار ضلال من يضلونهم وهو حصة التسبب { بغير علم } حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال وفائدتها الدلالة على أن جهلهم لا يعذرهم ن إذ كان عليهم أن يبحثوا ويميزوا بين المحق والمبطل { ألا ساء ما يزرون } بئس شيئا يزرونه فعلهم

26 - { قد مكر الذين من قبلهم } أي سووا مصوبات ليمكروا بها رسل الله عليهم الصلاة والسلام { فأتى الله بنيانهم من القواعد } فأتاها أمره من جهة العمد التي بنوا عليها بأن ضعضعت { فخر عليهم السقف من فوقهم } وصار سبب هلاكهم { وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } لا يحتسبون ولا يتوقعون وهو على سبيل التمثيل وقيل المراد به نمروذ بن كنعان بنى الصرح ببابل سمكه خمسة آلاف ذراع ليترصد أمر السماء فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا

27 - { ثم يوم القيامة يخزيهم } يذلهم أو يعذبهم بالنار كقوله تعالى : { ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته } { ويقول أين شركائي } أضاف إلى نفسه استهزاء أو حكاية لإضافتهم زيادة في توبيخهم { الذين كنتم تشاقون فيهم } تعادون المؤمنين في شأنهم وقرأ نافع بكسر النون بمعنى تشاقونني فإن مشاقة المؤمنين كمشاقة الله عز و جل { وقال الذين أوتوا العلم } أي الأنبياء والعلماء الذين كانوا يدعونهم إلى التوحيد فيشاقونهم ويتكبرون عليهم أو الملائكة { إن الخزي اليوم والسوء } الذلة والعذاب { على الكافرين } وفائدة قولهم إظهار الشماتة بهم وزيادة الإهانة وحكايته لأن يكون لطفا ووعظا لمن سمعه

28 - { الذين تتوفاهم الملائكة } وقرأ حمزة بالياء وقرئ بإدغام في التاء وموضع الموصول يحتمل الأوجه الثلاثة { ظالمي أنفسهم } بأن عرضوها للعذاب المخلد { فألقوا السلم } فسالموا وأخبتوا حين عاينوا الموت { ما كنا } قائلين ما كنا { نعمل من سوء } كفر وعدوان ويجوز أن يكون تفسيرا ل { السلم } على أن المراد به القول الدال على الاستسلام { بلى } أي فتجيبهم الملائكة بلى { إن الله عليم بما كنتم تعملون } فهو يجازيكم عليه وقيل قوله : { فألقوا السلم } إلى آخر الآية استئناف ورجوع إلى شرح حالهم يوم القيامة وعلى هذا أول من لم يجوز الكذب يومئذ { ما كنا نعمل من سوء } بأنا لم نكن في زعمنا واعتقادنا عاملين سوءا ويحتمل أن يكون الراد عليهم هو الله تعالى أو أولو العلم

29 - { فادخلوا أبواب جهنم } كل صنف بابها المعد له وقيل أبواب جهنم أصناف عذابها { خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين } جهنم

30 - { وقيل للذين اتقوا } يعني المؤمنين { ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا } أي أنزل خيرا وفي نصبه دليل على أنهم لم يتلعثموا في الجواب وأطبقوه على السؤال معترفين بالإنزال على خلاف الكفرة روي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي صلى الله عليه و سلم فإذا جاء الوافد المقتسمين قالوا له ما قالوا وإذا جاء المؤمنين قالوا له ذلك { للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة } مكافأة في الدنيا { ولدار الآخرة خير } أي ولثوابهم في الآخرة خير منها وهو عدة للذين اتقوا على قولهم ويجوز أن يكون بما بعده حكاية لقولهم بدلا وتفسيرا ل { خيرا } على أنه منتصب ب { قالوا } { ولنعم دار المتقين } دار الآخرة فحذفت لتقدم ذكرها وقوله :

31 - { جنات عدن } خبر مبتدأ محذوف ويجوز أن يكون المخصوص بالمدح { يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاؤون } من أنواع المشتهيات وفي تقديم الظرف تنبيه على أن الإنسان لا يجد جميع ما يريده إلا في الجنة { كذلك يجزي الله المتقين } مثل هذا الجزاء يجزيهم وهو يؤيد الوجه الأول

32 - { الذين تتوفاهم الملائكة طيبين } طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصي لأنه في مقابلة { ظالمي أنفسهم } وقيل فرحين ببشارة الملائكة إياهم بالجنة أو طيبين بقبض أرواحهم لتوجه نفوسهم بالكلية إلى حضرة القدس { يقولون سلام عليكم } لا يحيقكم بعد مكروه { ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } حين تبعثون فإنها معدة لكم على أعمالكم وقيل هذا التوفي وفاة الحشر لأن الأمر بالدخول حينئذ

33 - { هل ينظرون } ما ينتظر الكفار المار ذكرهم { إلا أن تأتيهم الملائكة } لقبض أرواحهم وقرأ حمزة و الكسائي بالياء { أو يأتي أمر ربك } القيامة او العذاب المستأصل { كذلك } مثل ذلك الفعل من الشرك والتكذيب { فعل الذين من قبلهم } فأصابهم ما أصابوا { وما ظلمهم الله } بتدميرهم { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } بكفرهم معاصيهم والمؤدية إليه

34 - { فأصابهم سيئات ما عملوا } أي جزاء سيئات أعمالهم على حذف المضاف أو تسمية الجزاء باسمها { وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } وأحاط بهم جزاؤه والحيق لا يستعمل إلا في الشر

35 - { وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء } إنما قالوا ذلك استهزاء أو منعا للبعثة والتكليف متمسكين بأن ما شاء الله يجب وما لم يشأ يمتنع فما الفائدة فيها أو إنكار لقبح ما أنكر عليهم من الشرك وتحريم البحائر ونحوها محتجين بأنها لو كانت مستقبحة لما شاء الله صدورها عنهم ولشاء خلافه ملجئا إليه لا اعتذارا إذ لم يعتقدوا قبح أعمالهم وفيما بعده تنبيه على الجواب عن الشبهتين { كذلك فعل الذين من قبلهم } فأشركوا بالله وحرموا حله وردوا رسله { فهل على الرسل إلا البلاغ المبين } إلا الإبلاغ الموضح للحق وهو لا يؤثر في هدى من شاء الله هداه لكنه يؤدي إليه على سبيل التوسط وما شاء الله وقوعه إنما يجب وقوعه لا مطلقا بل بأسباب قدرها له ثم بين أن البعثة أمر جرت به السنة الإلهية في الأمم كلها سببا لهدى من أراد اهتداءه وزيادة لضلال من أراد ضلاله كالغذاء الصالح فإنه ينفع المزاج السوي ويقويه ويضر المنحرف ويفنيه بقوله تعالى :

36 - { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } يأمر بعبادة الله تعالى واجتناب الطاغوت { فمنهم من هدى الله } وفقهم للإيمان بإرشادهم { ومنهم من حقت عليه الضلالة } إذ لم يوفقهم ولم يرد هداهم وفيه تنبيه على فساد الشبهة الثانية لما فيه من الدلالة على أن تحقق الضلال وثباته بفعل الله تعالى وإرادته من حيث أنه قسم من هدى الله وقد صرح به في الآية الأخرى { فسيروا في الأرض } يا معشر قريش { فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } من عاد وثمود وغيرهم لعلكم تعتبرون

37 - { إن تحرص } يا محمد { على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل } من يريد ضلاله وهو المعني بمن حقت عليه الضلالة وقرأ غير الكوفيين { لا يهدي } على البناء للمفعول وهو أبلغ { وما لهم من ناصرين } من ينصرهم بدفع العذاب عنهم

38 - { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت } عطف على { وقال الذين أشركوا } إيذانا بأنهم كما أنكروا التوحيد أنكروا البعث مقسمين عليه زيادة في البت على فساده ولقد رد الله عليهم أبلغ رد فقال : { بلى } يبعثهم { وعدا } مصدر مؤكد لنفسه وهو ما دل عليه { بلى } فإن يبعث موعد الله { عليه } إنجازه لامتناع الخلف في وعده أو لأن البعث مقتضى حكمته { حقا } صفة أخرى للوعد { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أنهم يبعثون وإما لعدم علمهم بأنه من مواجب الحكمة التي حرت عادته بمراعاتها وإما لقصور نظرهم بالمألوف فيتوهمون امتناعه ثم إنه تعالى بين الأمرين فقال :

39 - { ليبين لهم } أي يبعثهم { ليبين لهم } { الذي يختلفون فيه } وهو الحق { وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين } فيما يزعمون وهو إشارة إلى السبب الداعي إلى البعث المقتضي له من حيث الحكمة وهو المميز بين الحق والباطل والمحق والمبطل بالثواب والعقاب ثم قال :

40 - { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } وهو بيان إمكانية وتقريره أن تكوين الله بمحض قدرته ومشيئته لا توقف له على سبق المواد والمدد وإلا لزم التسلسل فكما أمكن له تكوين الأشياء ابتداء بلا سبق مادة ومثال أمكن له تكوينها إعادة بعده ونصب ابن عامر و الكسائي ها هنا وفي يس فيكون عطفا على نقول أو جوابا للأمر

41 - { والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا } هم رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه المهاجرون ظلمهم قريش فهاجر بعضهم إلى الحبشة ثم إلى المدينة وبعضهم إلى المدينة أن المحبوسون المعذبون بمكة بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه و سلم وهم بلال وصهيب وخباب وعمار وعابس وأبو جندل وسهيل رضي الله تعالى عنهم وقوله : { في الله } أي في حقه ولوجهه { لنبوئنهم في الدنيا حسنة } مباءة حسنة وهي المدينة أو تبوئة حسنة { ولأجر الآخرة أكبر } مما يعجل لهم في الدنيا وعن عمر رضي الله تعالى عنه : أنه كان إذا أعطى رجلا من المهاجرين عطاء قال له خذ بارك الله لك فيه هذا ما وعدك الله في الدنيا وما أدخر لك في الآخرة أفضل { لو كانوا يعلمون } الضمير للكفار أي لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المهاجرين خير الدارين لوافقوهم أو للمهاجرين أي لو علموا ذلك لزادوا في اجتهادهم وصبرهم

42 - { الذين صبروا } على الشدائد كأذى الكفار ومفارقة الوطن ومحله النصب أو الرفع على المدح { وعلى ربهم يتوكلون } منقطعين إلى الله مفوضين إليه الأمر كله

43 - { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم } رد لقول قريش : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا أي جرت السنة الإلهية بأن لا يبعث للدعوة العامة إلا بشرا يوحي إليه على ألسنة الملائكة والحكمة في ذلك قد ذكرت في سورة الأنعام فإن شككتم فيه { فاسألوا أهل الذكر } أهل الكتاب أو علماء الأخبار ليعلموكم { إن كنتم لا تعلمون } وفي الآية دليل على أنه تعالى لم يرسل امرأة ولا ملكا للدعوة العامة وقوله : { جاعل الملائكة رسلا } معناه رسلا إلى الملائكة أو إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقيل لم يبعثوا إلى الأنبياء إلا متمثلين بصورة الرجال ورد بما [ روي : أنه عليه الصلاة و السلام رأي جبريل صلوات الله عليه على صورته التي هو عليها مرتين ] وعلى وجوب المراجعة إلى العلماء فيما لا يعلم

44 - { بالبينات و الزبر } أي أرسلناهم بالبينات والزبر أي المعجزات والكتب كأنه جواب : قائل قال : بم أرسلوا ؟ ويجوز أن يتعلق بما أرسلنا داخلا في الاستثناء مع رجالا أي : وما أرسلنا إلا رجالا بالبينات كقولك : ما ضربت إلا زيدا بالسوط أو صفة لهم أي رجالا ملتبسين بالبينات أو بيوحي على المفعولية أو الحال من القائم مقام فاعله على أن قوله فاسألوا اعتراض أو بلا تعلمون على أن الشرط للتبكيت والإلزام { وأنزلنا إليك الذكر } أي القرآن وإنما سمي ذكرا لأنه موعظة وتنبيه { لتبين للناس ما نزل إليهم } في الذكر بتوسط إنزاله إليك مما أمروا به ونهوا عنه أو مما تشابه عليهم والتبيين أعم من أن ينص المقصود أو يرشد إلى ما يدل عليه كالقياس ودليل العقل { ولعلهم يتفكرون } وإرادة أن يتأملوا فيه فيتنبهوا للحقائق

45 - { أفأمن الذين مكروا السيئات } أي المكرات السيئات وهم الذين احتالوا لهلاك الأنبياء أو الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه و سلم وراموا صد أصحابه عن الإيمان { أن يخسف الله بهم الأرض } كما خسف بقارون { أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون } بغتة من جانب السماء كما فعل بقوم لوط

46 - { أو يأخذهم في تقلبهم } أي متقلبين في مسايرهم ومتاجرهم { فما هم بمعجزين }

47 - { أو يأخذهم على تخوف } على مخافة بأن يهلك قوما قبلهم فيتخوفوا فيأتيهم العذاب وهم متخوفون أو على أن ينقصهم شيئا بعد شيء في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا من تخوفته إذا تنقصته روي أن عمر رضي الله تعالى عنه قال على المنبر : ما تقولون فيها فسكتوا فقام شيخ من هذيل فقال : هذه لغتنا التخوف التنقص فقال هل تعرف العرب ذلك في أشعارها قال نعم قال شاعرنا أبو كبير يصف ناقته :
( تخوف الرحل منها بامكا قردا ... كما تخوف عود النبعة السفن )
فقال عمر عليكم بديوانكم لا تضلوا قالوا : وما ديواننا قال : شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم { فإن ربكم لرؤوف رحيم } حيث لا يعاجلكم بالعقوبة

48 - { أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء } استفهام إنكار أي قد رأوا أمثال هذه الصنائع فما بالهم لم يتفكروا فيها ليظهر لهم كمال قدرته وقهره فيخافوا منه وما موصولة مبهمة بيانها { يتفيأ ظلاله } أي أو لم ينظروا إلى المخلوقات التي لها ظلال متفيئة وقرأ حمزة و الكسائي تروا بالتاء وأبو عمرو تتفيؤ بالتاء { عن اليمين والشمائل } عن أيمانها وعن شمائلها أي عن جانبي كل واحد منها استعارة من يمين الإنسان وشماله ولعل توحيد اليمين وجمع الشمائل باعتبار اللفظ والمعنى كتوحيد الضمير في ظلاله وجمعه في قوله : { سجدا لله وهم داخرون } وهما حالان من الضمير في ظلاله والمراد من السجود الاستسلام سواء كان بالطبع أو الاختيار يقال سجدت النخلة إذا مالت لكثرة الحمل وسجد البعير إذا طأطأ رأسه ليركب وسجدا حال من الظلال { وهم داخرون } حال من الضمير والمعنى يرجع الظلال بارتفاع الشمس وانحدارها أو باختلاف مشارقها ومغاربها بتقدير الله تعالى من جانب إلى جانب منقادة لما قدر لها من التفيؤ أو واقعة على الأرض ملتصقة بها على هيئة الساجد والأجرام في أنفسها أيضا داخرة أي صاغرة منقادة لأفعال الله تعالى فيها وجمع { داخرون } بالواو لن من جملتها من يعقل أو لأن الدخور من أوصاف العقلاء وقيل المراد بـ اليمين والشمائل يمين الفلك وهو جانبه الشرقي لأن الكواكب تظهر منه آخذة في الارتفاع والسطوع و شماله هو الجانب الغربي المقابل له من الأرض فإن الظلال في أول النهار تبتدئ من المشرق واقعة على الربع الغربي من الأرض وعند الزوال تبتدئ من المغرب واقعة على الربع الشرقي من الأرض

49 - { ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض } أي ينقاد انقيادا يعم الانقياد لإرادته وتأثيره طبعا والانقياد لتكليفه وأمره طوعا ليصح إسناده إلى عامة أهل السموات والأرض وقوله : { من دابة } بيان لهما لأن الدبيب هو الحركة الجسمانية سواء كانت في ارض أو سماء { والملائكة } عطف على المبين به عطف جبريل على الملائكة للتعظيم أو عطف المجردات على الجسمانيات وبه احتج من قال إن الملائكة أرواح مجردة أو بيان لما في ملائكتها من الحفظة وغيرهم وما لما استعمل للعقلاء كما استعمل لغيرهم كان استعماله حيث اجتمع القبيلان أولى من إطلاق من تغليبا للعقلاء { وهم لا يستكبرون } عن عبادته

50 - { يخافون ربهم من فوقهم } يخافونه أن يرسل عذابا من فوقهم أو يخافونه وهو فوقهم بالقهر كقوله تعالى : { وهو القاهر فوق عباده } والجملة حال من الضمير في { لا يستكبرون } أو بيان له وتقرير لأن من خاف الله تعالى لم يستكبر عن عبادته { ويفعلون ما يؤمرون } من الطاعة والتدبير وفيه دليل على أن الملائكة مكلفون مدارون بين الخوف والرجاء

51 - { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين } ذكر العدد مع أن المعدود يدل عليه دلالة على أن مساق النهي إليه أو إيماء بأن الاثنينية تنافي الألوهية كنا ذكر الواحد في قوله : { إنما هو إله واحد } للدلالة على أن المقصود إثبات الوحدانية دون الإلهية أو للتنبيه على أن الوحدة من لوازم الإلهية { فإياي فارهبون } نقل من الغيبة إلى التكلم مبالغة في الترهيب وتصريحا بالمقصود فكأنه قال : فأنا ذلك الإله الواحد فإياي فارهبون لا غير

52 - { وله ما في السموات والأرض } خلقا وملكا { وله الدين } أي الطاعة { واصبا } لازما لما تقرر من أنه الإله وحده و الحقيق بأن يرهب منه وقيل { واصبا } من الوصب أي وله الدين ذا كلفة وقيل الدين الجزاء أي وله الجزاء دائما لا ينقطع ثوابه لمن آمن وعقابه لمن كفر { أفغير الله تتقون } ولا ضار سواه كما لا نافع غيره كما قال تعالى

53 - { وما بكم من نعمة فمن الله } أي وأي شيء اتصل بكم من نعمة فهو من الله { وما } شرطية أو موصولة متضمنة معنى الشرط باعتبار الإخبار دون الحصول فإن استقرار النعمة بهم يكون سببا للإخبار بأنها من الله لا لحصولها منه { ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون } فما تتضرعون إلا إليه و الجؤار رفع الصوت في الدعاء والاستغاثة

54 - { ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم } وهم كفاركم { بربهم يشركون } بعبادة غيره هذا إذا كان الخطاب عاما فإن كان خاصا بالمشركين كان من للبيان كأنه قال : إذا فريق وهم أنتم ويجوز أن تكون من للتبعيض على أن يعتبر بعضهم كقوله تعالى : { فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد }

55 - { ليكفروا بما آتيناهم } من نعمة الكشف عنهم كأنهم قصدوا بشركهم كفران النعمة أو إنكار كونها من الله تعالى { فتمتعوا } أمر تهديد { فسوف تعلمون } أغلظ وعيده وقرئ فيمتعوا مبنيا للمفعول عطفا على { ليكفروا } وعلى هذا جاز أن تكون اللام لام الأمر الوارد للتهديد والفاء للجواب

56 - { ويجعلون لما لا يعلمون } أي لآلهتهم التي لا علم لها لأنها جماد فيكون الضمير { لما } أو التي لا يعلمونها فيعتقدون فيها جهالات مثل أنها تنفعهم و تشفع لهم على أن العائد إلى ما محذوف أو لجعلهم على أن ما مصدرية و المجهول له محذوف للعلم به { نصيبا مما رزقناهم } من الزروع و الأنعام { تالله لتسألن عما كنتم تفترون } من أنها آلهة حقيقية بالتقرب إليها و هو وعيد لهم عليه

57 - { ويجعلون لله البنات } كانت خزاعة وكنانة يقولون الملائكة بنات الله { سبحانه } تنزيه له من قولهم أو تعجب منه { ولهم ما يشتهون } يعني البنين ويجوز فيما يشتهون الرفع بالابتداء والنصب بالعطف على البنات على أن الجعل بمعنى الاختيار وهو وإن أفضى إلى أن يكون ضمير الفاعل والمفعول لشيء واحد لكنه لا يبعد تجويزه في المعطوف

58 - { وإذا بشر أحدهم بالأنثى } أخبر بولادتها { ظل وجهه } صار أو دام النهار كله { مسودا } من الكآبة والحياء من الناس واسوداد الوجه كناية عن الاغتمام والتشوير { وهو كظيم } مملوء غيظا من المرأة

59 - { يتوارى من القوم } يستخفي منهم { من سوء ما بشر به } من سوء المبشر به عرفا { أيمسكه } محدثا نفسه متفكرا في أن يتركه { على هون } ذل { أم يدسه في التراب } أي يخفيه فيه ويئده وتذكير الضمير للفظ { ما } وقرئ بالتأنيث فيهما { ألا ساء ما يحكمون } حيث يجعلون لمن تعالى عن الولد ما هذا محله عندهم

60 - { للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء } صفة السوء وهي الحاجة إلى الولد المنادية بالموت واستبقاء الذكور استظهارا بهم و كراهة الإناث ووأدهن خشية الإملاق { ولله المثل الأعلى } وهو الوجوب الذاتي والغنى المطلق والجود الفائق والنزاهة عن صفات المخلوقين { وهو العزيز الحكيم } المنفرد بكمال القدرة والحكمة

61 - { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم } بكفرهم ومعاصيهم { ما ترك عليها } على الأرض وإنما أضمرها من غير ذكر لدلالة الناس والدابة عليها { من دابة } قط بشؤم ظلمهم وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : كاد الجعل يهلك في حجره بذنب ابن آدم أو من دابة ظالمة وقيل لو أهلك الآباء بكفرهم لم يكن الأبناء { ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى } سماه لأعمارهم أو لعذابهم كي يتوالدوا { فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } بل هلكوا أو عذبوا حينئذ لا محالة ولا يلزم من عموم الناس وإضافة الظلم إليهم أن يكونوا كلهم ظالمين حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لجواز أن يضاف إليهم ما شاع فيهم وصدر عن أكثرهم

62 - { ويجعلون لله ما يكرهون } أي ما يكرهون لأنفسهم من البنات والشركاء في الرياسة والاستخفاف بالرسل وأراذل الأموال { وتصف ألسنتهم الكذب } مع ذله وهو { أن لهم الحسنى } أي عند الله كقوله : { ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى } وقرئ { الكذب } جمع كذوب صفة للألسنة { لا جرم أن لهم النار } رد لكلامهم وإثبات لضده { وأنهم مفرطون } مقدمون إلى النار من أفرطته في طلب الماء إذا قدمته وقرأ نافع بكسر الراء على أنه من الإفراط في المعاصي وقرئ بالتشديد مفتوحا من فرطته في طلب الماء ومكسورا من التفريط في الطاعات

63 - { تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم } فأصروا على قبائحها وكفروا بالمرسلين { فهو وليهم اليوم } أي في الدنيا وعبر باليوم عن زمانها أو فهو وليهم حين كان يزين لهم أو يوم القيامة على أنه حكاية حال ماضية أو آتية ويجوز أن يكون الضمير لقريش أي زين الشيطان للكفرة المتقدمين أعمالهم وهو ولي هؤلاء اليوم يغريهم ويغويهم وإن يقدر مضاف أي فهو ولي أمثالهم والولي القرين أو الناصر فيكون نفيا للناصر لهم على أبلغ الوجوه { ولهم عذاب أليم } في القيامة

64 - { وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم } للناس { الذي اختلفوا فيه } من التوحيد والقدر وأحوال المعاد وأحكام الأفعال { وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } معطوفان على محل لتبين فإنهما فعلا المنزل بخلاف التبيين

65 - { والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها } انبت فيها أنواع النبات بعد يبسها { إن في ذلك لآية لقوم يسمعون } سماع تدبر وإنصاف

66 - { وإن لكم في الأنعام لعبرة } دلالة يعبر بها من الجهل إلى العلم { نسقيكم مما في بطونه } استئناف لبيان العبرة وإنما ذكر الضمير ووحده ها هنا للفظ وأنثه في سورة المؤمنين للمعنى فإن الأنعام اسم جمع ولذلك عده سيبويه في المفردات المبنية على أفعال كأخلاق وأكياس ومن قال إنه جمع نعم جعل الضمير للبعض فإن اللبن لبعضها دون جميعها أو لواحده أو له على المعنى فإن المراد به الجنس وقرأ نافع و ابن عامر و أبو بكر و يعقوب { نسقيكم } بالتفتح هنا وفي المؤمنين { من بين فرث ودم لبنا } فإنه يخلق من بعض أجزاء الدم المتولد من الأجزاء اللطيفة التي في الفرث وهو الأشياء المأكولة المنهضمة بعض الإنهضام في الكرش وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أن البهيمة إذا اعتلفت وانطبخ العلف في كرشها كان أسفله فرثا وأوسطه لبنا وأعلاه دما ولعله إن صح فالمراد أن أوسطه يكون مادة اللبن وأعلاه مادة الدم الذي يغذي البدن لأنهما لا يتكونان في الكرش بل الكبد يجذب صفاوة الطعام المنهضم في الكرش ويبقي ثقله وهو الفرث ثم يمسكها ريثما يهضمها هضما ثانيا فيحدث أخلاطا أربعة معها مائية فتميز القوة المميزة تلك المائية بما زاد على قدر الحاجة من المرتين وتدفعها إلى الكلية والمرارة والطحال ثم يوزع الباقي على الأعضاء بحسبها فيجري إلى كل حقه على ما يليق به بتقدير الحكيم العليم ثم إن كان الحيوان أنثى زاد أخلاطها على قدر غذائها لاستيلاء البرد والرطوبة على مزاجها فيندفع الزائد أولا إلى الرحم لجل الجنين فإذا انفصل انصب ذلك الزائد أو بعضه إلى الضروع فيبيض بمجاورة لحومها الغددية البيض فيصير لبنا ومن تدبر صنع الله تعالى في إحداث الأخلاط والألبان وإعداد مقارها ومجاريها والأسباب المولدة لها والقوى المتصرفة فيها كل وقت على ما يليق به اضطر إلى الإقرار بكمال حكمته وتناهي رحمته و { من } الأولى تبعيضية لأن اللبن بعض ما في بطونها والثانية ابتدائية كقولك : سقيت من الحوض لأن بين الفرث والدم المحل الذي يبتدأ منه الإسقاء وهي متعلقة ب { سقيكم } أو حال من { لبنا } قدم عليه لتنكيره وللتنبيه على أنه موضع العبرة { خالصا } صافيا لا يستصحب لون الدم ولا رائحة الفرث أو مصفى عما يصحبه من الأجزاء الكثيفة بتضييق مخرجه { سائغا للشاربين } سهل المرور في حلقهم و قرئ سيغا بالتشديد والتخفيف

67 - { ومن ثمرات النخيل والأعناب } متعلق بمحذوف أي ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرهما وقوله : { تتخذون منه سكرا } استئناف لبيان الإسقاء أو ب { تتخذون } ومنه تكرير للظرف تأكيدا أو خبر لمحذوف صفته { تتخذون } أي ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه وتذكير الضمير على الوجهين الأولين لأنه للمضاف المحذوف الذي هو العصير أو لأن ال { ثمرات } بمعنى الثمر وال { سكر } مصدر سمي به الخمر { ورزقا حسنا } كالتمر والزبيب والدبس والخل والآية إن كانت سابقة على تحريم الخمر فدالة على كراهتها وإلا فجامعة بين العتاب والمنة وقيل ال { سكر } النبيذ وقيل الطعم قال :
( جعلت أعراض الكرام سكرا )
أي تنقلت بأعراضهم وقيل ما يسد الجوع من السكر فيكون الرزق ما يحصل من أثمانه { إن في ذلك لآية لقوم يعقلون } يستعملون عقولهم بالنظر والتأمل في الآيات

68 - { وأوحى ربك إلى النحل } ألهمها وقذف في قلوبها وقرئ { إلى النحل } بفتحتين { أن اتخذي } بأن اتخذي ويجوز أن تكون { أن } مفسرة لأن في الإيحاء معنى القول وتأنيث الضمير على المعنى فإن النحل مذكر { من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون } ذكر بحرف التبعيض لأنها لا تبني في كل جبل وكل شجر وكل ما يعرش من كرم أو سقف ولا في كل مكان منها وإنما سمي ما تبنيه لتتعسل فيه بيتا تشبيها ببناء الإنسان لما فيه من حسن الصنعة وحصة القسمة التي لا يقوى عليها أحذق المهندسين إلا بآلات وأنظار دقيقة ولعل ذكره لتنبيه على ذلك وقرئ { بيوتا } بكسر الباء وقرا ابن عامر و أبو بكر { يعرشون } بضم الراء

69 - { ثم كلي من كل الثمرات } من كل ثمرة تشتهينها مرها وحلوها { فاسلكي } ما أكلت { سبل ربك } في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النور المر عسلا من أجوافك أو { فاسلكي } الطرق التي ألهمك في عمل العسل أو فاسلكي راجعة إلى بيوتك { سبل ربك } لا تتوعر عليك ولا تلتبس { ذللا } جمع ذلول وهي حال من السبل أي مذللة ذللها الله تعالى وسهلها لك أو من الضمير في اسلكن أي وأنت ذلل منقادة لما أمرت به { يخرج من بطونها } كأنه عدل به عن خطاب النحل إلى خطاب الناس لأنه محل الإنعام عليهم والمقصود من خلق النحل وإلهامه لأجلهم { شراب } يعني العسل لأنه مما يشرب واحتج به من زعم أن النحل تأكل الأزهار والأوراق العطرة فتستحيل في بطنها عسلا ثم تفئ ادخارا للشتاء ومن زعم أنها تلتقط بأفواهها أجزاء طلية حلوة صغيرة متفرقة على الأوراق والأزهار وتضعها في بيوتها ادخارا فإذا اجتمع في بيوتها شيء كثير منها كان العسل فسر البطون بالأفواه { مختلف ألوانه } أبيض وأصفر وأحمر وأسود بحسب اختلاف سن النحل والفصل { فيه شفاء للناس } إما بنفسه كما في الأمراض البلغمية أو مع غيره كما في سائر الأمراض إذ قلما يكون معجون إلا والعسل جزء منه مع أن التنكير فيه مشعر يكون بالتبعيض ويجوز أن يكون للتعظيم وعن قتادة [ أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : إن أخي يشتكي بطنه فقال : اسقه العسل فذهب ثم رجع فقال : قد سقيته فما نفع فقال : اذهب وسقه عسلا فقد صدق الله وكذب بطن أخيك فسقاه فشفاه الله تعالى فبرأ فكأنما أنشط من عقال ] وقيل الضمير للقرآن أو لما بين الله من أحوال النحل { إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } فإن من تدبر اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والأفعال العجيبة حق التدبر علم قطعا أنه لا بد له من خالق قادر حكيم يلهمها ذلك ويحملها عليه

70 - { والله خلقكم ثم يتوفاكم } بآجال مختلفة { ومنكم من يرد } يعاد { إلى أرذل العمر } أخسه يعني الهرم الذي يشابه الطفولية في نقصان القوة والعقل وقيل هو خمس وتسعون سنة وقيل خمس وسبعون { لكي لا يعلم بعد علم شيئا } ليصير إلى حالة شبيهة بحالة الطفولية في النسيان وسوء الفهم { إن الله عليم } بمقادير أعماركم { قدير } يميت الشاب النشيط ويبقي الهرم الفاني وفيه تنبيه على أن تفاوت آجال الناس ليس إلا بتقدير قادر حكيم ركب أبنيتهم وعدل أمزجتهم على قدر معلوم ولو كان ذلك مقتضى الطبائع لم يبلغ التفاوت هذا المبلغ

71 - { والله فضل بعضكم على بعض في الرزق } فمنكم غني ومنكم فقير ومنكم موال يتولون رزقهم ورزق غيرهم ومنكم مماليك حالهم على خلاف ذلك { فما الذين فضلوا برادي رزقهم } بمعطي رزقهم { على ما ملكت أيمانهم } على مماليكهم فإنما يردون
عليهم رزقهم الذي جعله الله في أيديهم { فهم فيه سواء } فالموالي والمماليك سواء في أن الله رزقهم فالجملة لازمة للجملة المنفية أو مقررة لهاء ويجوز أن تكون واقعة موقع الجواب كأنه قيل : فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فيستووا في الرزق على أنه رد وإنكار على المشركين فإنهم يشركون بالله بعض مخلوقاته في الألوهية ولا يرضون أن يشاركهم عبيدهم فيما أنعم الله عليهم فيساورهم فيه { أفبنعمة الله يجحدون } حيث يتخذون له شركاء فإنه يقتضي أن يضاف إليهم بعض ما أنعم الله عليهم ويجحدوا أنه من عند الله أو حيث أنكروا أمثال هذه الحجج بعدما أنعم الله عليهم بإيضاحهم والباء لتضمن الجحود معنى الكفر وقرأ أبو بكر تجحدون بالتاء لقوله : { خلقكم } و { فضل بعضكم }

72 - { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا } أي من جنسكم لتأنسوا بها ولتكون أولادكم مثلكم وقيل هو خلق حواء من آدم { وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة } وأولاد أولاد أو بنات فإن الحافد هو المسرع في الخدمة والبنات يخدمن في البيوت أتم خدمة وقيل هم الأختان على البنات وقيل الربائب ويجوز أن يراد بها البنون أنفسهم والعطف لتغاير الوصفين { ورزقكم من الطيبات } من اللذائذ أو الحلالات و { من } للتبعيض فإن المرزوق في الدنيا أنموذج منها { أفبالباطل يؤمنون } وهو أن الأصنام تنفعهم أو أن من الطبيات ما يحرم كالبحائر و السوائب { وبنعمة الله هم يكفرون } حيث أضافوا نعمة إلى الأصنام أو حرموا ما أحل الله لهم وتقديم الصلة على الفعل إما للاهتمام أو لإيهام التخصيص مبالغة أو للمحافظة على الفواصل

73 - { ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السموات والأرض شيئا } من مطر ونبات و { رزقا } إن جعلته مصدرا فشيئا منصوب به وإلا فبدل منه { ولا يستطيعون } أن يتملكوه أو لا استطاعة لهم أصلا وجمع الضمير فيه وتوحيده في { لا يملك } لأن { ما } مفرد في معنى الألهة ويجوز أن يعود إلى الكفار أي ولا يستطيع هؤلاء مع أنهم أحياء متصرفون شيئا من ذلك فكيف بالجماد

74 - { فلا تضربوا لله الأمثال } فلا تجعلوا له مثلا تشركونه به أو تقيسونه عليه فإن ضرب المثل تشبيه حال بحال { إن الله يعلم } فساد ما تعولون عليه من القياس على أن عبدة عبيد الملك أدخل في التعظيم من عبادته وعظم جرمكم فيما تفعلون { وأنتم لا تعلمون } ذلك ولو علمتموه لما جرأتم عليه فهو عليم للنهي أو أنه يعلم كنه الأشياء وأنتم لا تعلمونه فدعوا رأيكم دون نصه ويجوز أن يراد فلا تضربوا لله الأمثال فإنه يعلم كيف تضرب الأمثال وانتم لا تعلمون ثم علمهم كيف يضرب فضرب مثلا لنفس ولمن عند دونه فقال :

75 - { ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون } مثل ما يشرك به بالمملوك العاجز عن التصرف رأسا ومثل نفسه بالحر المالك الذي رزقه الله مالا كثيرا فهو نتصرف فيه وينفق منه كيف يشاء واحتج بامتناع الاشتراك والتسوية بينهما مع تشاركهما في الجنسية و المخلوقية على امتناع التسوية بين الأصنام التي هي أعجز المخلوقات وبين الله الغني القادر على الإطلاق وقيل هو تمثيل للكافر المخذول والمؤمن الموفق وتقييد العبد بالمملوكية للتمييز عن الحر فإنه تمثيل عبد الله وبسلب القدرة للتمييز عن المكاتب والمأذون وجعله قسيما للمالك المتصرف يدل على أن المملوك لا يملك والأظهر أن { من } نكرة موصوفة ليطابق { عبدا } وجمع الضمير في { يستوون } لأنه للجنسين فإن المعنى هل يستوي الأحرار والعبيد ؟ { الحمد لله } كل الحمد له لا يستحقه غيره فضلا عن العبادة لأنه مولى النعم كلها { بل أكثرهم لا يعلمون } فيضيفون نعمة إلى غيره ويعبدونه لأجلها

76 - { وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم } ولد أخرس لا يفهم ولا يفهم { لا يقدر على شيء } من الصنائع والتدابير لنقصان عقله { وهو كل على مولاه } عيال وثقل على من يلي أمره { أينما يوجهه } حيثما يرسله مولاه في أمر وقرئ { يوجه } على البناء للمفعول و { يوجه } بمعنى يتوجه كقوله أينما أوجه ألق سعدا وتوجه بلفظ الماضي { لا يأت بخير } ينجح وكفاية مهم { هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل } ومن هو فهم منطيق ذو كفاية ورشد ينفع الناس بحثهم على العدل الشامل لمجامع الفضائل { وهو على صراط مستقيم } وهو في نفسه على طريق مستقيم لا يوجه إلى مطلب إلا ويبلغه بأقرب سعي وإنما قابل تلك الصفات بهذين الوصفين لنهما كمال ما يقابلهما وهذا تمثيل ثان ضربه الله تعالى لنفسه وللأصنام لإبطال المشاركة بينه وبينهم أو للمؤمن والكافر

77 - { ولله غيب السموات والأرض } يختص به علمه لا بعلمه غيره وهو ما غاب فيهما عن العباد بأن لم يكن محسوسا ولم يدل عليه محسوس وقيل يوم القيامة فإن علمه غائب عن أهل السموات والأرض { وما أمر الساعة } وما أمر قيام الساعة في سرعته وسهولته { إلا كلمح البصر } إلا كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها { أو هو أقرب } أو أمرها أقرب منه بأن يكون في زمان نصف تلك الحركة بل في الآن الذين تبتدئ فيه فإنه تعالى يحيي الخلائق دفعة وما يوجد دفعت كان في آن و { أو } للتخيير أو بمعنى بل وقيل معناه أن قيام الساعة وإن تراخى فهو عند الله كالشيء الذي تقولون فيه هو كلمح البصر أو هو أقرب مبالغة في استقرابه { إن الله على كل شيء قدير } فيقدر أن يحيي الخلائق دفعة كما قدر أن أحياهم متدرجا ثم دل على قدرته فقال :

78 - { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم } وقرأ الكسائي بكسر الهمزة على أنه لغة أو إتباع لما قبلها وحمزة بكسرها وكسر الميم والهاء مزيدة مثلها في أهراق { لا تعلمون شيئا } جهالا مستصحبين جهل الجمادية { وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة } أداة تتعلمون بها فتحسون بمشاعركم جزئيات الأشياء فتدركونها ثم تتنبهون بقلوبكم لمشاركات و مباينات بينها بتكرر الإحساس حتى تتحصل لكم العلوم البديهية وتتمكنوا من تحصيل المعالم الكسبية بالنظر فيها { لعلكم تشكرون } كي تعرفوا ما أنعم عليكم طورا بعد طور فتشكروه

79 - { ألم يروا إلى الطير } قرأ ابن عامر و حمزة و يعقوب بالتاء على أنه خطاب للعامة { مسخرات } مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المؤاتية له { في جو السماء } في الهواء المتباعد من الأرض { ما يمسكهن } فيه { إلا الله } فإن ثقل جسدها يقتضي سقوطها ولا علاقة فوقها ولا دعامة تحتها تمسكها { إن في ذلك لآيات } تسخير الطير للطيران بأن خلقها خلقة يمكن معها الطيران وخلق الجو بحيث يمكن الطيران فيه وإمساكها في الهواء على خلاف طبعها { لقوم يؤمنون } لأنهم هم المنتفعون بها

80 - { والله جعل لكم من بيوتكم سكنا } موضعا تسكنون فيه وقت إقامتكم كالبيوت المتخذة من الحجر والمدر فعل بمعنى مفعول { وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا } هي القباب المتخذة من الأدم ويجوز أن يتناول المتخذة من الوبر والصوف والشعر فإنها من حيث إنها نابتة على جلودها يصدق عليها أنها من جلودها { تستخفونها } تجدونها خفيفة يخف عليكم حملها ونقلها { يوم ظعنكم } وقت ترحالكم { ويوم إقامتكم } ووضعها أو ضربها وقت الحضر أو النزول وقرأ الحجازيان والبصريان يوم ظعنكم بالفتح وهو لغة فيه { ومن أصوافها و أوبارها وأشعارها } الصوف للضائنة والوبر للإبل والشعر للمعز وإضافتها إلى ضمير { الأنعام } لأنها من جملتها { أثاثا } ما يلبس ويفرش { ومتاعا } ما يتجر به { إلى حين } إلى مدة من الزمان فإنها لصلابتها تبقى مدة مديدة أو إلى حين مماتكم أو إلى أن تقضوا منه أو طاركم

81 - { والله جعل لكم مما خلق } من الشجر والجبل والأبنية وغيرها { ظلالا } تتقون بها حر الشمس { وجعل لكم من الجبال أكنانا } مواضع تسكنون بها من الكهوف والبيوت المنحوتة فيها جمع كن { وجعل لكم سرابيل } ثيابا من الصوف والكتان والقطن وغيرها { تقيكم الحر } خضه بالذكر اكتفاء بأحد الضدين أو لأن وقاية الحر كانت أهم عندهم { وسرابيل تقيكم بأسكم } يعني الدروع والجواشن والسربال يعم كل ما يلبس { كذلك } كإتمام هذه النعم التي تقدمت { يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون } أي تنظرون في نعمه فتؤمنون به وتنقادون لحكمه وقرئ تسلمون من السلامة أي تشكرون فتسلمون من العذاب أو تنظرون فيها فتسلمون من الشرك قيل { تسلمون } من الجراح بلبس الدروع

82 - { فإن تولوا } أعرضوا ولم يقبلوا منك { فإنما عليك البلاغ المبين } فلا يضرك فإنما عليك البلاغ وقد بلغت وهذا من إقامة السبب مقام المسبب

83 - { يعرفون نعمة الله } أي يعرف المشركون نعمة الله التي عددها عليهم وغيرها حيث يعترفون بها وبأنها من الله تعالى { ثم ينكرونها } بعبادتهم غير المنعم بها وقولهم إنها بشفاعة آلهتنا أو بسبب كذا أو بإعراضهم عن أداء حقوقها وقيل نعمة الله نبوة محمد صلى الله عليه و سلم عرفوها بالمعجزات ثم أنكروها عنادا ومعنى ثم استبعاد الإنكار بعد المعرفة { وأكثرهم الكافرون } الجاحدون عنادا وذكر الأكثر إما لأن بعضهم لم يعرف الحق لنقصان العقل أو التفريط في النظر أو لم تقم عليه الحجة لأنه لم يبلغ حد التكليف وإما لأنه يقام مقام الكل كما في قوله : { بل أكثرهم لا يعلمون }

84 - { ويوم نبعث من كل أمة شهيدا } وهو نبيها يشهد لهم وعليهم بالإيمان والكفر { ثم لا يؤذن للذين كفروا } في الاعتذار إذ لا عذر لهم وقيل في الرجوع إلى الدنيا و { ثم } لزيادة ما يحيق بهم من شدة المنع عن الاعتذار لما فيه من الإقناط الكلي على ما يمنون به من شهادة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام { ولا هم يستعتبون } ولا هم يسترضون من العتبى وهي الرضا وانتصاب يوم بمحذوف تقديره اذكر أو خوفهم أو يحيق بهم ما يحيق وكذا قوله :

85 - { وإذا رأى الذين ظلموا العذاب } عذاب جهنم { فلا يخفف عنهم } أي العذاب { ولا هم ينظرون } يمهلون

86 - { وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم } أوثانهم التي ادعوها شركاء أو الشياطين الذين شاركوهم في الكفر بالحمل عليه { قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك } نعبدهم أو نطيعهم وهو اعتراف بأنهم كانوا مخطئين في ذلك أو التماس لأن يشطر عذابهم { فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون } أي أجابوهم بالتكذيب في أنهم شركاء الله أو أنهم ما عبدوهم حقيقة وإنما عبدوا أهواءهم كقوله تعالى { كلا سيكفرون بعبادتهم } ولا يمتنع إنطاق الله الأصنام به حينئذ أوفي أنهم حملوهم على الكفر وألزموهم إياه كقوله : { وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي }

87 - { وألقوا } وألقى الذين ظلموا { إلى الله يومئذ السلم } الاستسلام لحكمه بعد الاستكبار في الدنيا { وضل عنهم } وضاع عنهم وبطل { ما كانوا يفترون } من أن آلهتهم ينصرونهم ويشفعون لهم حين كذبوهم وتبرؤوا منهم

88 - { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } بالمنع عن الإسلام والحمل على الكفر { زدناهم عذابا } لصدهم { فوق العذاب } المستحق بكفرهم { بما كانوا يفسدون } بكونهم مفسدين بصدهم

89 - { ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم } يعني نبييهم فإن نبي كل أمة بعث منهم { وجئنا بك } يا محمد { شهيدا على هؤلاء } على أمتك { ونزلنا عليك الكتاب } استئناف أوحال بإضمار قد { تبيانا } بيانا بليغا { لكل شيء } من أمور الدين على التفصيل أو الإجمال بالإحالة إلى السنة أو القياس { وهدى ورحمة } للجميع وإنما حرمان المحرم من تفريطه { وبشرى للمسلمين } خاصة

90 - { إن الله يأمر بالعدل } بالتوسط في الأمور اعتقادا كالتوحيد المتوسط بين التعطيل والتشريك والقول بالكسب المتوسط بين محض الخبر والقدر وعملا كالتعبد بأداء الواجبات المتوسط بين البطالة والترهب وخلقا كالجود المتوسط بين البخل والتبذير { والإحسان } إحسان الطاعات وهو إما بحسب الكمية كالتطوع بالنوافل أو بحسب الكيفية كما قال عليه الصلاة و السلام [ الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ] { وإيتاء ذي القربى } وإعطاء الأقارب ما يحتاجون إليه وهو تخصيص بعد تعميم للمبالغة { وينهى عن الفحشاء } عن الإفراط في متابعة القوة الشهوية كالزنا فإنه أقبح أحوال الإنسان وأشنعها { والمنكر } ما ينكر على متعاطيه في إثارة القوة الغضبية { والبغي } والاستعلاء والاستيلاء على الناس والتجبر عليهم فإنها الشيطنة التي هي مقتضى القوة الوهمية ولا يوجد من الإنسان شر إلا وهو مندرج في هذه الأقسام صادر بتوسط إحدى هذه القوى الثلاث ولذلك قال ابن مسعود رضى الله عنه : هي أجمع آية في القرآن للخير والشر وصارت سبب إسلام عثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنه ولو لم يكن في القرآن غير هذه الآية لصدق عليه أنه تبيان لكل شيء وهدى ورحمة للعالمين
ولعل إيرادها عقب قوله : { ونزلنا عليك الكتاب } للتنبيه عليه { يعظكم } بالأمر والنهي والميز بين الخير والشر { لعلكم تذكرون } تتعظون

91 - { وأوفوا بعهد الله } يعني البيعة لرسول الله صلى الله عليه و سلم لقوله تعالى : { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } وقيل كل أمر يجب الوفاء به ولا يلائمه قوله : { إذا عاهدتم } وقيل النذور وقيل الإيمان بالله { ولا تنقضوا الأيمان } أي أيمان البيعة أو مطلق الأيمان { بعد توكيدها } بعد توثيقها بذكر الله تعالى ومنه أكد بقلب الواو همزة { وقد جعلتم الله عليكم كفيلا } شاهدا بتلك البيعة فإن الكفيل مراع لحال المكفول به رقيب عليه { إن الله يعلم ما تفعلون } من نقض الإيمان والعهود

92 - { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها } ما غزلته مصدر بمعنى المفعول { من بعد قوة } متعلق ب { نقضت } أي نقضت غزلها من بعد إبرام وإحكام { أنكاثا } طاقات نكث فتلها جمع نكث وانتصابه على الحال من { غزلها } أو المفعول الثاني لنقضت فإنه بمعنى صيرت والمراد به تشبيه الناقض بمن هذا شأنه وقيل هي ريطة بنت سعد بن تيم القرشية إنها كانت خرقاء تفعل ذلك { تخذون أيمانكم دخلا بينكم } حال من الضمير في { ولا تكونوا } أو في الجار الواقع موقع الخبر أي لا تكونوا متشبهين بامرأة هذا شأنها متخذي أيمانكم مفسدة ودخلا بينكم وأصل الدخل ما يدخل الشيء ولم يكن من { أن تكون أمة هي أربى من أمة } لأن تكون جماعة أزيد عددا وأوفر مالا من جماعة والمعنى لا تغدروا بقوم لكثرتكم وقلتهم أن لكثرة منابذتهم وقوتهم كقريش فإنهم كانوا إذا رأوا شوكة في أعادي حلفائهم نقضوا عهدهم وحالفوا أعداءهم { إنما يبلوكم الله به } الضمير لن تكون أمة لأنه بمعنى المصدر أي يختبركم بكونهم أربى لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وبيعة رسوله أم تغترون بكثرة قريش وشوكتهم وقلة المؤمنين وضعفهم وقيل الضمير للرياء وقيل للأمر بالوفاء { وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون } إذا جازاكم على أعمالكم بالثواب والعقاب

93 - { ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة } متفقة على الإسلام { ولكن يضل من يشاء } بالخذلان { ويهدي من يشاء } بالتوفيق { ولتسألن عما كنتم تعملون } سؤال تبكيت ومجازة

94 - { ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم } تصريح بالنهي عنه بعد التضمين تأكيدا ومبالغة في قبح المنهي { فتزل قدم } أي عن محجة الإسلام { بعد ثبوتها } عليها والمراد أقدامهم وإنما وحد ونكر للدلالة على أن زلل قدم واحدة عظيم فيكف بأقدام كثيرة { وتذوقوا السوء } العذاب في الدنيا { بما صددتم عن سبيل الله } بصدكم عن الوفاء أن صدكم غيركم عنه فإن من نقض البيعة وارتد جعل ذلك سنة لغيره { ولكم عذاب عظيم } في الآخرة

95 - { ولا تشتروا بعهد الله } ولا تستبدلوا عهد الله وبيعة رسوله صلى الله عليه و سلم { ثمنا قليلا } عرضا يسيرا وهو ما كانت قريش يعدون لضعفاء المسلمين ويشترطون لهم على الارتداد { إنما عند الله } من النصر والتغنيم في الدنيا والثواب في الآخرة { هو خير لكم } مما يعدونكم { إن كنتم تعلمون } إن كنتم من أهل العلم والتمييز

96 - { ما عندكم } من أعراض الدنيا { ينفد } ينقضي ويفنى { وما عند الله } من خزائن رحمته { باق } لا ينفد وهو تعليل للحكم السابق ودليل على أن نعيم أهل الجنة باق { ولنجزين الذين صبروا أجرهم } على الفاقة وأذى الكفار أو على مشاق التكاليف وقرأ ابن كثير و عاصم بالنون { بأحسن ما كانوا يعملون } بما يرجح فعله من أعمالهم كالواجبات والمندوبات أو بحزاء أحسن من أعمالهم

97 - { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى } بينه بالنوعين دفعا للتخصيص { وهو مؤمن } إذ لا اعتداد بأعمال الكفرة في استحقاق الثواب وإنما المتوقع عليها تخفيف العذاب { فلنحيينه حياة طيبة } في الدنيا يعيش عيشا طيبا فإنه إن كان موسرا فظاهر وإن كان معسرا يطيب عيشه بالقناعة والرضا بالقسمة وتوقع الأجر العظيم في الآخرة بخلاف الكافر فإنه إن كان معسرا فظاهر وإن كان موسرا لم يدعه الحرص وخوف الفوات أن يتهنأ بعيشه وقيل في الآخرة { ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } من الطاعة

98 - { فإذا قرأت القرآن } إذا أردت قراءته كقوله تعالى : { إذا قمتم إلى الصلاة } { فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } فاسأل الله أن يعيذك كم وساوسه لئلا يوسوسك في القراءة والجمهور على أنه للاستحباب وفيه دليل على أن المصلى يستعيذ في كل ركعة لأن الحكم المترتب على شرط يتكرر بتكرره قياسا وتعقيبه لذلك العمل الصالح والوعد عليه إيذان بأن الاستعاذة عند القرءاة من هذا القبيل وعن ابن مسعود [ قرأت على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت : أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم فقال : قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أقرأنيه جبريل عن القلم عن اللوح المحفوظ ]

99 - { إنه ليس له سلطان } تسلط وولاية { على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } على أولياء الله تعالى المؤمنين به والمتوكلين عليه فإنهم لا يطيعون أوامره ولا يقبلون وساوسه إلا فيما يحتقرون على ندور وغفلة ولذلك أمروا بالاستعاذة فذكر السلطنة بعد الأمر بالاستعاذة لئلا يتوهم منه أن له سلطانا

100 - { إنما سلطانه على الذين يتولونه } يحبونه ويطيعونه { والذين هم به } بالله أو بسبب الشيطان { مشركون }

101 - { وإذا بدلنا آية مكان آية } بالنسخ فجعلنا الآية الناسخة مكان المنسوخة لفظا أو حكما { والله أعلم بما ينزل } من المصالح فلعل ما يكون مصلحة في وقت يصير مفسدة بعده فينسخه وما لا يكون مصلحة حينئذ يكون مصلحة الآن فيثبته مكانه وقرأ ابن كثير و أبو عمرو ينزل بالتخفيف { قالوا } أي الكفرة { إنما أنت مفتر } متقول على الله تأمر بشيء ثم يبدو لك فتنهى عنه وجواب { إذا } { والله أعلم بما ينزل } اعتراض لتوبيخ الكفار على قولهم والتنبيه على فساد سندهم ويجوز أن يكون حالا { بل أكثرهم لا يعلمون } حكمة الأحكام ولا يميزون الخطأ من الصواب

102 - { قل نزله روح القدس } يعني جبريل عليه الصلاة و السلام وإضافة الروح إلى القدس وهو الطهر كقولهم : حاتم الجود وقرأ ابن كثير روح القدس بالتخفيف وفي { ينزل } و { نزله } تنبيه على أن إنزاله مدرجا على حسب المصالح بما يقتضي التبديل { من ربك بالحق } ملتبسا بالحكمة { ليثبت الذين آمنوا } ليثبت الله الذين آمنوا على الإيمان بأنه كلامه وأنهم إذا سمعوا الناسخ وتدبروا ما فيه من رعاية الصلاح والحكمة رسخت عقائدهم واطمأنت قلوبهم { وهدى وبشرى للمسلمين } المنقادين لحكمه وهما معطوفان على محل { ليثبت } أي تثبيتا وهداية وبشارة وفيه تعريض بحصول أضداد ذلك لغيرهم وقرئ { ليثبت } بالتخفيف

103 - { ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر } يعنون جبرا الرومي غلام عامر بن الحضرمي وقيل جبرا ويسارا كانا يصنعان السيوف بمكة ويقرأن التوراة والإنجيل وكان الرسول صلى الله عليه و سلم يمر عليهما ويسمع ما يقرأنه وقيل عائشا غلام حويطب بن عبد العزى قد أسلم وكان صاحب كتب وقيل سلمان الفارسي { لسان الذي يلحدون إليه أعجمي } لغة الرجل الذي يميلون قولهم عن الاستقامة إليه مأخوذ من لحد القبر وقرأ حمزة و الكسائي يلحدون بفتح الياء والحاء لسان أعجمي غير بين { وهذا } وهذا القرآن { لسان عربي مبين } ذو بيان وفصاحة والجملتان مستأنفتان لإبطال طعنهم وتقريره يحتمل وجهين أحدهما : أن ما سمعه منه كلام أعجمي لا يفهمه هو ولا أنتم والقرآن عربي تفهمونه بأدنى تأمل فيكف يكون ما تلقفه منه وثانيهما : هب أنه تعلم منه المعنى باستماع كلامه لكن لم يتلقف منه اللفظ لأن ذلك أعجمي وهذا عربي والقرآن كما هو معجز باعتبار المعنى فهو معجز من حيث اللفظ مع أن العلوم الكثيرة التي في القرآن لا يمكن تعلمها إلا بملازمة معلم فائق فيتلك العلوم مدة متطاولة فيكف تعلم جميع ذلك من غلام سوقي سمع منه في بعض أوقات مروره عليه كلمات أعجمية لعلهما لم يعرفا معناها وطعنهم في القرآن بأمثال هذه الكلمات الركيكة دليل على غاية عجزهم

104 - { إن الذين لا يؤمنون بآيات الله } لا يصدقون أنها من عند الله { لا يهديهم الله } إلى الحق أو إلى سبيل النجاة وقيل إلى الجنة { ولهم عذاب أليم } في الآخرة هددهم على كفرهم بالقرآن بعدما أماط شبهتهم ورد طعنهم فيه ثم قلب الأمر عليهم فقال :

105 - { إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله } لأنهم لا يخافون عقابا يردعهم عنه { وأولئك } إشارة إلى الذين كفروا أو إلى قريش { هم الكاذبون } أي الكاذبون على الحقيقة أو الكاملون في الكذب لأن تكذيب آيات الله والطعن فيها بهذه الخرافات أعظم الكذب أو الذين عادتهم الكذب لا يصرفهم عنه دين ولا مروءة أو الكاذبون في قولهم : { إنما أنت مفتر } { إنما يعلمه بشر }

106 - { من كفر بالله من بعد إيمانه } بدل من الذين لا يؤمنون وما بينهما اعتراض أومن { أولئك } أو من { الكاذبون } أو مبتدأ خبره محذوف دل عليه قوله : { فعليهم غضب } ويجوز أن ينتصب بالذم وأن تكون من شرطية محذوف الجواب دل عليه قوله : { إلا من أكره } على الافتراء أو كلمة الكفر استثناء متصل لأن الكفر لغة يعم القول والعقد كالإيمان { وقلبه مطمئن بالإيمان } لم تتغير عقدته وفيه دليل على أن الإيمان هو التصديق بالقلب { ولكن من شرح بالكفر صدرا } اعتقده وطاب به نفسا { فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم } إذ لا أعظم من جرمه [ روي أن قريشا أكرهوا عمارا وأبويه ياسرا وسمية على الارتداد فربطوا سمية بين بعيرين وجيء بحربة في قبلها وقالوا : إنك أسلمت من أجل الرجال فقتلت وقتلوا ياسرا وهما أول قتيلين في الإسلام وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا مكرها فقيل : يا رسول الله إن عمارا كفر فقال : كلا إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يبكي فجعل رسول الله صلى الله عليه و سلم يمسح عينيه ويقول : ما لك إن عادوا لك فعد لهم بما قلت ]
وهو دليل على جواز التكلم بالكفر عند الإكراه وإن كان الأفضل أن يتجنب عنه إعزازا للدين كما فعله أبواه لما [ روي أن مسيلمة أخذ رجلين فقال لأحدهما : ما تقول في محمد ؟ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : فما تقول في فقال : أنت فخلاه وقال للآخر ما تقول في محمد قال : رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ قال فما تقول في ؟ قال : أنا أصم فأعاد عليه ثلاثا فأعاد جوابه فقتله فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : أما الأول فقد أخذ رخصة الله وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئا له ]

107 - { ذلك } إشارة إلى الكفر بعد الإيمان أو الوعيد { بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة } بسبب أنهم آثروها عليها { وأن الله لا يهدي القوم الكافرين } أي الكافرين في علمه إلى ما يوجب ثبات الإيمان ولا يعصمهم من الزيغ

108 - { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم } فأبت عن إدراك الحق والتأمل فيه { وأولئك هم الغافلون } الكاملون في الغفلة إذ أغفلتهم الحالة الراهنة عن تدبر العواقب

109 - { لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون } إذ ضيعوا أعمارهم وصرفوها فيما أفضى بهم إلى العذاب المخلد

110 - { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا } أي عذبوا كعمار رضي الله تعالى عنه بالولاية والنصر و { ثم } لتباعد حال هؤلاء عن حال أولئك وقرأ ابن عامر فتنوا بالفتح أي من بعد ما عذبوا المؤمنين كالحضرمي أكره مولاه جبرا حتى ارتد ثم أسلم وهاجر { ثم جاهدوا وصبروا } على الجهاد وما أصابهم من المشاق { إن ربك من بعدها } من بعد الهجرة والجهاد والصبر { لغفور } لما فعلوا قبل { رحيم } منعم عليهم مجازاة على ما صنعوا بعد

111 - { يوم تأتي كل نفس } منصوب ب { رحيم } أو باذكر { تجادل عن نفسها } تجادل عن ذاتها وتسعى في خلاصها لا يهمها شأن غيرها فتقول نفسي نفسي { وتوفى كل نفس ما عملت } جزاء ما عملت { وهم لا يظلمون } لا ينقصون أجورهم

112 - { وضرب الله مثلا قرية } أي جعلها مثلا لكل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة فكفروا فأنزل الله بهم نقمته أو لمكة { كانت آمنة مطمئنة } لا يزعج أهلها خوف { يأتيها رزقها } أقواتها { رغدا } واسعا { من كل مكان } من نواحيها { فكفرت بأنعم الله } بنعمه جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع أو جمع نعم كبؤس وأبؤس { فأذاقها الله لباس الجوع والخوف } استعار الذوق لإدراك أثر الضرر واللباس لما غشيهم واشتمل عليهم من الجوع والخوف وأوقع الإذاقة عليه بالنظر إلى المستعار له كقول كثير :
( عمر الرداء إذا تبسم ضاحكا ... غلقت لضحكته رقاب المال )
فإنه استعار الرداء للمعروف لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لما يلقى عليه وأضاف إليه الغمر الذي هو وصف المعروف والنوال لا وصف الرداء نظرا إلى المستعار له وقد ينظر إلى المستعار كقوله :
( ينازعني ردائي عبد عمرو ... رويدك يا أخا عمرو بن بكر )
( لي الشطر الذي ملكت يميني ... ودونك فاعتجر منه بشطر )
استعار الرداء لسيفه ثم قال فاعتجر نظرا إلى المستعار { بما كانوا يصنعون } بصنيعهم

113 - { ولقد جاءهم رسول منهم } يعني محمدا صلى الله عليه و سلم والضمير لأهل مكة عاد إلى ذكرهم بعد ما ذكر مثلهم { فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون } أي حال التباسهم بالظلم والعذاب ما أصابهم من الجدب الشديد أو وقعة بدر

114 - { فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا } أمرهم بأكل ما أحل الله لهم وشكر ما أنعم عليهم بعدما زجرهم عن الكفر وهددهم عليه بما ذكر من التمثيل والعذاب الذي حل بهم صدا لهم عن صنيع الجاهلية ومذاهبها الفاسدة { واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون } تطيعون أو إن صح زعمكم أنكم تقصدون بعبادة الآلهة عبادته

115 - { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم } لما أمرهم بتناول ما أحل الهم عدد عليهم محرماته ليعلم أن ما عداها حل لهم ثم أكد ذلك بالنهي عن التحريم والتحليل بأهوائهم فقال :

116 - { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام } كما قالوا { ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا } الآية ومقتضى سياق الكلام وتصدير الجملة بإنما حصر المحرمات في الأجناس الأربعة إلا ما ضم إليه دليل : كالسباع والحمر الأهلية وانتصاب { الكذب } ب { ولا تقولوا } و { هذا حلال وهذا حرام } بدل منه أو متعلق بتصف على إرادة القول أي : ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم فتقولوا هذا حلال وهذا حرام أو مفعول { لا تقولوا } و { الكذب } منتصب ب { تصف } وما مصدرية أي ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب أي : لا تحرموا ولا تحللوا بمجرد قول تنطق به ألسنتكم من غير دليل ووصف ألسنتهم الكذب مبالغة فيوصف كلامهم بالكذب كأن حقيقة الكذب كانت مجهولة وألسنتكم تصفها وتعرفها بكلامهم هذا ولذلك عد من تصحيح الكلام كقولهم : وجهها يصف الجمال وعينها تصف السحر وقرئ { الكذب } بالجر بدلا من ما و { الكذب } جمع كذوب أو كذاب بالرفع صفة للألسنة وبالنصب على الذم أو بمعنى الكلم الكواذب { لتفتروا على الله الكذب } تعليل لا يتضمن الغرض { إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون } لما كان المعتري يفتري لتحصيل مطلوب نفي عنهم الفلاح وبينه بقوله :

117 - { متاع قليل } أي ما يفترون لأجله أو ما هم فيه منفعة قليلة تنقطع عن قريب { ولهم عذاب أليم } في الآخرة

118 - { وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك } أي وفي سورة الأنعام في قوله : { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر } { من قبل } متعلق ب { قصصنا } أو ب { حرمنا } { وما ظلمناهم } بالتحريم { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } حيث فعلوا ما عوقبوا به عليه وفيه تنبيه على الفرق بينهم وبين غيرهم في التحريم وأنه كما يكون المضرة يكون العقوبة

119 - { ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة } بسببها او ملتبسين بها ليعم الجهل بالله وبعقابه وعدم التدبر في العواقب لغلبة الشهوة والسوء يعم الافتراء على الله وغيره { ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها } من بعد التوبة { لغفور } لذلك السوء { رحيم } يثيب على الإنابة

120 - { إن إبراهيم كان أمة } لكماله واستجماعه فضائل لا تكاد توجد إلا مفرقة في أشخاص كثيرة كقوله :
( ليس من الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد )
وهو رئيس الموحدين وقدوة المحققين الذي جادل فرق المشركين وأبطل مذاهبهم الزائغة بالحجج الدامغة ولذلك عقب ذكره بتزييف مذاهب المشركين من الشرك والطعن في النبوة وتحريم ما أحله أو لأنه كان وحده مؤمنا وكان سائر الناس كفارا وقيل هي فعلة بمعنى مفعول كالرحلة والنخبة من أمه إذا قصده أو اقتدى به فإن الناس كانوا يؤمونه للاستفادة ويقتدون بسيرته كقوله : { إني جاعلك للناس إماما } { قانتا لله } مطيعا له قائما بأوامره { حنيفا } مائلا عن الباطل { ولم يك من المشركين } كما زعموا فإن قريشا كانوا يزعمون أنهم على ملة إبراهيم

121 - { شاكرا لأنعمه } ذكر بلفظ القلة للتنبيه على أنه كان لا يخل بشكر النعم القليلة فيكف بالكثيرة { اجتباه } للنبوة { وهداه إلى صراط مستقيم } في الدعوة إلى الله

122 - { وآتيناه في الدنيا حسنة } بأن حببه إلى الناس حتى أن أرباب الملل يتولونه ويثنون عليه ورزقه أولادا طيبة وعمرا طويلا في السعة والطاعة { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } لمن أهل الجنة كما سأله بقوله : { وألحقني بالصالحين }

123 - { ثم أوحينا إليك } يا محمد و { ثم } إما لتعظيمه والتنبيه على أن أحل ما أوتي إبراهيم اتباع الرسول عليه الصلاة و السلام ملته أو لتراخي أيامه { أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا } في التوحيد والدعوة إليه بالرفق وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى والمجادلة مع كل أحد على حسب فهمه { وما كان من المشركين } بل كان قدوة الموحدين

124 - { إنما جعل السبت } تعظيم السبت أو التخلي فيه للعبادة { على الذين اختلفوا فيه } أي على نبيهم وهم اليهود أمرهم موسى عليه السلام أن يتفرغوا للعبادة يوم الجمعة فأبوا وقالوا : نريد يوم السبت لأنه تعالى فرغ فيه من خلق السموات والأرض فألزمهم الله السبت وشدد الأمر عليهم وقيل معناه إنما جعل وبال السبت وهو المسخ على الذين اختلفوا فيه فأحلوا الصيد في تارة وحرموه أخرى واحتالوا له الحيل وذكرهم هنا لتهديد المشركين كذكر القرية التي كفرت بأنعم الله { وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } بالمجازاة على الاختلاف أو بمجازاة كل فريق بما يستحقه

125 - { ادع } من بعثت إليهم { إلى سبيل ربك } إلى الإسلام { بالحكمة } بالمقالة المحكمة وهو الدليل الموضح للحق المزيح للشبهة { والموعظة الحسنة } الخطابات المقنعة والعبر النافعة فالأولى لدعوة خواص الأمة الطالبين للحقائق و الثانية لدعوة عوامهم { وجادلهم } وجادل معانديهم { بالتي هي أحسن } بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين وإيثار الوجه الأيسر والمقدمات التي هي أشهر فإن ذلك أنفع في تسكين لهبهم وتبين شغبهم { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } أي إنما عليك البلاغ والدعوة وأما حصول الهداية والضلال والمجازاة عليهما فلا إليك بل الله أعلم بالضالين والمهتدين وهو المجازي لهم

سورة الإسراء
126 - دل مع من يناصبهم فإن الدعوة لا تنفك عنه من حيث إنها تتضمن رفض العادات وترك الشهوات والقدح في دين الأسلاف والحكم عليهم بالكفر والضلال وقيل إنه عليه الصلاة و السلام [ لما رأى حمزة وقد مثل به فقال : ( والله لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك ) فنزلت ] فكفر عن يمينه وفيه دليل على أن للمقتص أن يماثل الجاني وليس له أن يجاوزه وحث على العفو تعريضا بقوله : { وإن عاقبتم } وتصريحا على الوجه الآكد بقوله : { ولئن صبرتم لهو } أي الصبر { خير للصابرين } من الانتقام للمنتقمين ثم صرح بالأمر به لرسوله لأنه أولى الناس به لزيادة لعلمه بالله ووثوقه عليه فقال :

127 - { واصبر وما صبرك إلا بالله } إلا بتوفيقه وتثبيته { ولا تحزن عليهم } على الكافرين أو على المؤمنين وما فعل بهم { ولا تك في ضيق مما يمكرون } في ضيق صدر من مكرهم وقرأ ابن كثير في { ضيق } بالكسر هنا وفي النمل وهما لغتان كالقول والقيل ويجوز أن يكون الضيق تخفيف ضيق

128 - { إن الله مع الذين اتقوا } المعاصي { والذين هم محسنون } في أعمالهم بالولاية والفضل أو مع الذين اتقوا الله بتعظيم أمره والذين هم محسنون بالشفقة على خلقه [ عن النبي صلى الله عليه و سلم من قرأ سورة النحل لم يحاسبه الله بما أنعم عليه في دار الدنيا وإن مات في يوم تلاها أو ليلة كان له من الأجر كالذي مات وأحسن الوصية ]

وقيل إلا قوله تعالى : { وإن كادوا ليفتنونك } إلى آخر ثمان آيات وهي مائة وإحدى عشرة آية
بسم الله الرحمن الرحيم
1 - { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا } سبحان اسم بمعنى التسبيح { الذي } هو التنزيه يستعمل علما له فيقطع عن الإضافة ويمنع عن الصرف قال :
( قد قلت لما جاءني فخره ... سبحان من علقمة الفاخر )
وانتصابه بفعل متروك إظهاره وتصدير الكلام به للتنزيه عن العجز عما ذكر بعد و { أسرى } وسرى بمعنى و { ليلا } نصب على الظرف وفائدته الدلالة بتنكيره على تقليل مدة الإسراء ولذلك قرئ : من الليل أي بعضه كقوله : { ومن الليل فتهجد به } { من المسجد الحرام } بعينه [ لما روي أنه عليه الصلاة السلام قال : بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق ] أو من الحرم وسماه المسجد الحرام لأنه كله مسجد أو لأنه محيط به أو ليطابق المبدأ المنتهى [ لما روي أنه صلى الله عليه و سلم كان نائما في بيت أم هانئ بعد صلاة العشاء فأسري به ورجع من ليلته وقص القصة عليها وقال : مثل لي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فصليت بهم ثم خرج إلى المسجد الحرام وأخبر به قريشا فتعجبوا منه استحالة وارتد ناس ممن آمن به وسعى رجال إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقال : إن كان قال لقد صدق فقالوا : أتصدقه على ذلك فقال : إني لأصدقه على أبعد من ذلك فسمي الصديق و استنعته طائفة سافروا إلى بيت المقدس فجلى له فطفق ينظر إليه وينعته لهم فقالوا : أما النعت فقد أصاب فقالوا أخبرنا عن عيرنا فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها وقال تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس بقدمها جمل أورق فخرجوا يشتدون إلى الثنية فصادفوا العير كما أخبر ثم لم يؤمنوا وقالوا ما هذا إلا سحر مبين وكان ذلك قبل الهجرة بسنة ] واختلف في أنه كان في المنام أو في اليقظة بروحه أو بجسده والأكثر على أنه أسري بجسده إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السموات حتى انتهى إلى سدرة المنتهى ولذلك تعجب قريش و استحالوه والاستحالة مدفوعة بما ثبت في الهندسة أن ما بين طرفي قرص الشمس ضعف ما بين طرفي كرة الأرض مائة ونيفا وستين مرة ثم إن طرفها الأسفل يصل موضع طرفها الأعلى في أقل من ثانية وقد برهن في الكلام أن الأجسام متساوية في قبول الأعراض وأن الله قادر على كل الممكنات فيقدر أن يخلق مثل هذه الحركة السريعة في بدن النبي صلى الله عليه و سلم أو فيما يحمله والتعجب من لوازم المعجزات { إلى المسجد الأقصى } بيت المقدس لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد { الذي باركنا حوله } ببركات الدين والدنيا لأنه مهبط الوحي ومتعبد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من لدن موسى عليه الصلاة و السلام ومحفوف بالأنهار والأشجار { لنريه من آياتنا } كذهابه في برهة من الليل مسرة شهر ومشاهدته بيت المقدس وتمثل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام له ووقوفه على مقاماتهم وصرف الكلام من الغيبة إلى التكلم لتعظيم تلك البركات والآيات وقرئ ليريه بالياء { إنه هو السميع } لأقوال محمد صلى الله عليه و سلم { البصير } بأفعاله فيكرمه ويقربه على حسب ذلك

2 - { وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل أن لا تتخذوا } على أن لا تتخذوا كقولك : كتبت إليك إن افعل كذا وقرأ أبو عمرو بالياء على أن لا يتخذوا { من دوني وكيلا } ربا تكلون إليه أموركم غيري

3 - { ذرية من حملنا مع نوح } نصب على الاختصاص أو النداء أن قرئ أن لا تتخذوا بالتاء على النهي يعني : قلنا لهم لا تتخذوا من دوني وكيلا أو على أنه أحد مفعولي { لا تتخذوا } و { من دوني } حال من { وكيلا } فيكون كقوله : { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا } وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو بدل من واو { تتخذوا } و { ذرية } بكسر الذال وفيه تذكير بإنعام الله تعالى عليهم في إنجاء آبائهم من الغرق بحملهم مع نوح عليه السلام في السفينة { إنه } إن نوحا عليه السلام { كان عبدا شكورا } يحمد الله تعالى على مجامع حالاته وفيه إيماء بأن إنجاءه ومن معه كان ببركة شكره وحث للذرية على الاقتداء به وقيل الضمير لموسى عليه الصلاة و السلام

4 - { وقضينا إلى بني إسرائيل } وأوحينا إليهم وحيا مقضيا مبتوتا { في الكتاب } في التوراة { لتفسدن في الأرض } جواب قسم محذوف أو قضينا على إجراء القضاء المبتوت مجرى القسم { مرتين } إفسادتين أولاهما مخالفة أحكام التوراة وقتل شعياء وقيل أرمياء وثانيهما قتل زكريا ويحيى وقصد قتل عيسى عليهم السلام { ولتعلن علوا كبيرا } ولتستكبرن عن طاعة الله تعالى أو لتظلمن الناس

5 - { فإذا جاء وعد أولاهما } وعد عقاب أولاهما { بعثنا عليكم عبادا لنا } بختنصر عامل لهراسف على بابل وجنوده وقيل جالوت الجزري وقيل سنحاريب من أهل نينوى { أولي بأس شديد } ذوي قوة وبطش في الحرب شديد { فجاسوا } فترددوا لطلبكم وقرئ بالحاء المهملة هما أخوان { خلال الديار } وسطها للقتل والغارة فقتلوا كبارهم وسبوا صغارهم وحرقوا التوراة وخربوا المسجد والمعتزلة لما منعوا تسليط الله الكافر على ذلك أولوا البعث بالتخلية وعدم المنع { وكان وعدا مفعولا } وكان وعد عقابهم لا بد أن يفعل

6 - { ثم رددنا لكم الكرة } أي الدولة والغلبة { عليهم } على الذين بعثوا عليكم وذلك بأن ألقى الله في قلوب بهمن بن اسفنديار لما ورث الملك من جده كشتاسف بن لهراسف شفقة عليهم فرد أسراهم إلى الشام وملك دانيال عليهم فاستولوا على من كان فيها من أتباع بختنصر أو بأن سلط الله داود عليه الصلاة و السلام على جالوت فقتله { وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا } مما كنتم والنفير من ينفر مع الرجل من قومه وقيل جمع نفر وهم المجتمعون للذهاب إلى العدو

7 - { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم } لأن ثوابه لها { وإن أسأتم فلها } فإن وباله عليها وإنما ذكرها باللازم ازدواجا { فإذا جاء وعد الآخرة } وعد عقوبة المرة الآخرة { ليسوءوا وجوهكم } أي بعثناهم { ليسوءوا وجوهكم } أي يجعلوها بادية آثار المساءة فيها فحذف لدلالة ذكره أولا عليه وقرأ أبن عامر و حمزة ليسوء على التوحيد والضمير فيه للوعد أو للبعث أو لله ويعضده قراءة الكسائي بالنون وقرئ لنسوأن بالنون والياء والنون المخففة والمثقلة والنسوأن بفتح اللام على الأوجه الأربعة على أنه جواب إذا واللام في قوله : { وليدخلوا المسجد } متعلق بمحذوف هو بعثناهم { كما دخلوه أول مرة وليتبروا } ليهكلوا { ما علوا } ما غلبوه واستولوا عليه أو مدة علوهم { تتبيرا } ذلك بأن سلط الله عليهم الفرس مرة أخرى فغزاهم ملك بابل من ملوك الطوائف اسمه جودرز و قيل حردوس قيل دخل صاحب الجيش مذبح قرابينهم فوجد فيه دما يغلي فسألهم عنه فقالوا : دم قربان لم يقبل منا فقال : ما صدقوني فقتل عليه ألوفا منهم فلم يهدأ الدم ثم قال إن لم تصدقوني ما تركت منكم أحدا فقالوا : إنه دم يحيى فقال لمثل هذا ينتقم ربكم منكم ثم قال يا يحيى قد علم ربي وربك ما أصاب قومك من أجلك فاهدأ بإذن الله تعالى قبل أن لا أبقي أحدا منهم فهدأ

8 - { عسى ربكم أن يرحمكم } بعد المرة الآخرة { وإن عدتم } نوبة أخرى { عدنا } مرة ثالثة إلى عقوبتكم وقد عادوا بتكذيب محمد صلى الله عليه سلم وقصد قتله فعاد الله تعالى بتسليطه عليهم فقتل قريظة وأجلى بني النضير وضرب الجزية على الباقين هذا لهم في الدنيا { وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا } محبسا لا يقدرون على الخروج منها أبد الآباد وقيل بساطا كما يبسط الحصير

9 - { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } للحالة أو الطريقة التي هي أقوم الحالات أو الطلاق { ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا } وقرأ حمزة و الكسائي { ويبشر } بالتخفيف

10 - { وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما } عطف على { أن لهم أجرا كبيرا } والمعنى أنه يبشر المؤمنين ببشارتين ثوابهم وعقاب أعدائهم أو على { يبشر } بإضمار يخبر

11 - { ويدع الإنسان بالشر } ويدعوالله تعالى عند غضبه بالشر على نفسه وأهله وماله أو يدعوه بما يحسبه خيرا وهو شر { دعاءه بالخير } مثل دعائه بالخير { وكان الإنسان عجولا } يسارع إلىكل ما يخطر بباله لا ينظر عاقبته وقيل المراد آدم عليه الصلاة و السلام فإنه لما انتهى الروح إلىسرته ذهب لينهض فسقط [ روي : أنه عليه السلام دفع أسيرا إلى سودة بنت زمعة فرحمته لأنينه فأرخت كتافه فهرب فدعا عليها بقطع اليد ثم ندم فقال عليه السلام : اللهم إنما أنا بشر فمن دعوة عليه فاجعل دعائي رحمة له فنزلت ] ويجوز أن يريد بالإنسان الكافر وبالدعاء استعجاله بالعذاب استهزاء كقول النضر بن الحارث : اللهم انصر خيرا الحربين { اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك } الآية فأجيب له فضرب عنقه صبرا يوم بدر

12 - { وجعلنا الليل والنهار آيتين } تدلان على القادر الحكيم بتعاقبهما على نسق واحد بإمكان غيره { فمحونا آية الليل } أي الآية التي هي الليل بالإشراف و الإضافة فيهما للتبيين كإضافة العدد إلى المعدود { وجعلنا آية النهار مبصرة } مضيئة أو مبصرة للناس من أبصره فبصر أو مبصرا أهله كقوله : أجبن الرجل إذا كان أهله جبناء وقيل الآيتان القمر والشمس وتقدير الكلام وجعلنا نيري الليل و النهار آيتين أو جعلنا الليل والنهار ذوي آيتين ومحو آية الليل التي هي القمر جعلها مظلمة في نفسها مطموسة النور أو نقص نورها شيئا فشيئا إلى المحاق وجعل آية النهار التي هي الشمس مبصرة جعلها ذات شعاع تبصر الأشياء بضوئها { لتبتغوا فضلا من ربكم } لتطلبوا في بياض النهار أسباب معاشكم وتتوصلوا به إلى استبانة أعمالكم { ولتعلموا } باختلافهما أو بحركاتهما { عدد السنين والحساب } وجنس الحساب { وكل شيء } تفتقرون إله في أمر الدين والدنيا { فصلناه تفصيلا } بيناه بيانا غير ملتبس

13 - { وكل إنسان ألزمناه طائره } علمه وما قدر له كأنه طير إليه من عش الغيب ووكر القدر لما كانوا يتيمنون ويتشاءمون بسنوح الطائر وبروحه استعير لما هو سبب الخير والشر من قدر الله تعالى وعمل العبد { في عنقه } لزوم الطوق في عنقه { ونخرج له يوم القيامة كتابا } هي صحيفة علمه أو نفسه المنتقشة بآثار أعماله فإن الأعمال الاختيارية تحدث في النفس أحوالا ولذلك يفيد تكريرها لها ملكات ونصبه بأنه مفعول أو حال من مفعول محذوف وهو ضمير الطائر ويعضده قراءة يعقوب ويخرج من خرج ويخرج وقرئ ويخرج أي الله عز و جل { يلقاه منشورا } لكشف الغطاء وهما صفتان للكتاب أو { يلقاه } صفة و { منشورا } حال من مفعول وقرأ ابن عامر يلقاه على البناء للمفعول من لقيته كذا

14 - { اقرأ كتابك } على إرادة القول { كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } أي كفى نفسك والباء مزيدة و { حسيبا } تمييز وعلى صلته لأنه إما بمعنى الحاسب كالصريم بمعنى الصارم وضريب القداح بمعنى ضاربها من حسب عليه كذا أو بمعنى الكافي فوضع موضع الشهيد لأنه يكفي المدعي ما أهمه وتذكيره على أن الحساب والشهادة مما يتولاه الرجال أو على تأويل النفس بالشخص

15 - { من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها } لا ينجي اهتداؤه غيره ولا يردي ضلاله سواه { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ولا تحمل نفس حاملة وزرا وزر نفس أخرى بل إنما تحمل وزرها { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } يبين الحجج ويمهد الشرائع فيلزمهم الحجة وفيه دليل على أن لا وجوب قبل الشرع

16 - { وإذا أردنا أن نهلك قرية } وإذا تعلقت إرادتنا بإهلاك قوم لا نفاذ قضائنا السابق أو دنا وقته المقدر كقولهم : إذا أراد المريض أن يموت ازداد مرضه شدة { أمرنا مترفيها } متنعميها الطاعة على لسان رسول بعثناه إليهم ويدل على ذلك ما قبله وما بعده فإن الفسق هو الخروج عن الطاعة والتمرد في العصيان فيدل على الطاعة من طريق المقابلة وقيل أمرناهم بالفسق لقوله : { ففسقوا فيها } كقولك أمرته فقرأ فإنه لا يفهم منه إلا الأمر بالقراءة على أن الأمر مجاز من الحمل عليه أو التسبب له بأن صب عليهم من النعم ما أبطرهم وأفضى بهم إلى الفسوق ويحتمل أن لا يكون له مفعول منوي كقولهم : أمرته فعصاني وقيل معناه كثرنا يقال : أمرت الشيء وآمرته فأمر إذا كثرته وفي الحديث [ خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة ] أي كثيرة النتاج وهو أيضا مجاز من معنى الطلب ويؤيده قراءة يعقوب آمرنا ورواية { أمرنا } عن أبي عمرو ويحتمل أن يكون منقولا من أمر بالضم أمارة أي جعلناهم أمراء وتخصيص المترفين لأن غيرهم يتبعهم ولأنهم أسرع إلى الحماقة وأقدر على الفجور { فحق عليها القول } يعني كلمة العذاب السابقة بحلوله أو بظهور معاصيهم أو بانهماكهم في المعاصي { فدمرناها تدميرا } أهكلناها بإهلاك أهلها وتخريب ديارهم

17 - { وكم أهلكنا } وكثيرا أهلكنا { من القرون } بيان لكم وتمييز له { من بعد نوح } كعاد وثمود { وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا } يدرك بواطنها وظواهرها فيعاقب عليها وتقديم الخبير لتقديم متعلقه

18 - { من كان يريد العاجلة } مقصورا عليها همه { عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد } قيد المعجل والمعجل له بالمشيئة والإرادة لأنه لا يجد كل متمن ما يتمناه ولا كل واجد جميعا يهواه وليعلم أن الأمر بالمشيئة والهم فضل و { لمن نريد } بدل من له بدل البعض وقرئ ما يشاء والضمير فيه لله تعالى حتى يطابق المشهورة وقيل { لمن } فيكون مخصوصا بمن أراد الله تعالى به ذلك وقيل الآية في المنافقين كانوا يراءون المسلمين ويغزون معهم ولم يكن غرضهم إلا مساهمتهم في الغنائم ونحوها { ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا } مطرودا من رحمة الله تعالى

19 - { ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها } حقها من السعي وهو الإتيان بما أمر به والانتهاء عما نهى عنه لا التقرب بما يخترعون بآرائهم وفائدة اللام اعتبار النية والإخلاص { وهو مؤمن } إيمانا صحيحا لا شرك معه ولا تكذيب فإنه العمدة { فأولئك } الجامعون للشروط الثلاثة { كان سعيهم مشكورا } من الله تعالى أي مقبولا عنده مثابا عليه فإن شكر الله الثواب على الطاعة

20 - { كلا } كل واحد من الفريقين والتنوين بدل من المضاف إليه { نمد } بالعطاء مرة بعد أخرى ونجعل آنفه مددا لسالفه { هؤلاء وهؤلاء } بدل من { كلا } { من عطاء ربك } من معطاه متعلق ب { نمد } { وما كان عطاء ربك محظورا } ممنوعا لا يمنعه في الدنيا من مؤمن ولا كافر تفضلا

21 - { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض } في الرزق وانتصاب { كيف } ب { فضلنا } على الحال { وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا } أي التفاوت في الآخرة أكبر لأن التفاوت فيها بالجنة ودرجاتها والنار ودركاتها

22 - { لا تجعل مع الله إلها آخر } الخطاب للرسول صلى الله عليه و سلم والمراد به أمته أو لكل أحد { فتقعد } فتصير من قولهم شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة أو فتعجز من قولهم قعد عن الشيء إذا عجز عنه { مذموما مخذولا } جامعا على نفسك الذم من الملائكة والمؤمنين والخذلان من الله تعالى ومفهومه أن الموحد يكون ممدوحا منصورا

23 - { وقضى ربك } وأمر أمرا مقطوعا به { أن لا تعبدوا } بأن لا تعبدوا { إلا إياه } لأن غاية التعظيم لا تحق إلا لمن له غاية العظمة ونهاية الإنعام وهو كالتفصيل لسعي الآخرة ويجوز أن تكون { أن } مفسرة و { لا } ناهية { وبالوالدين إحسانا } وبأن تحسنوا أو وأحسنوا بالوالدين إحسانا لأنهما السبب الظاهر للوجود والتعيش ولا يحوز أن تتعلق الباء بالإحسان لأن صلته لا تتقدم عليه { إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما } { إما } هي إن الشرطية زيدت عليها ما تأكيدا ولذلك صح لحوق النون والمؤكدة للفعل وأحدهما فاعل { يبلغن } ويدل على قراءة حمزة و الكسائي من ألف يبلغان الراجع إلى الوالدين وكلاهما عطف على أحدهما فاعلا أو بدلا ولذلك لم يجز أن يكون تأكيدا للألف ومعنى { عندك } أن يكونا في كنفك وكفالتك { فلا تقل لهما أف } فلا تتضجر مما يستقذر منهما وتستثقل من مؤنتهما وهو صوت يدل على تضجر وقيل هو اسم الفعل الذي هو أتضجر وهو مبنى على الكسر لالتقاء الساكنين وتنوينه في قراءة نافع و حفص للتنكير وقرأ ابن كثير و ابن عامر و يعقوب بالفتح على التخفيف وقرئ منونا والضم للاتباع كمنذ منونا وغير منون والنهي عن ذلك يدل على المنع من سائر أنواع الإيذاء قياسا بطريق الأولى وقيل عرفا كقولك : فلان لا يملك النقير والقطمير ولذلك منع رسول الله صلى الله عليه و سلم حذيفة من قتل أبيه وهو في صف المشركين نهى عما يؤذيهما بعد الأمر بالإحسان بهما { ولا تنهرهما } ولا تزجرهما عما لا يعجبك بإغلاظ وقيل النهي والنهر والنهم أخوات { وقل لهما } بدل التأفيف والنهر { قولا كريما } جميلا لا شراسة فيه

24 - { واخفض لهما جناح الذل } تذلل لهما وتواضع فيهما وجعل للذل جناحا كما جعل لبيد في قوله :
( وغداة ... ريح قد كشفت وقرة إذ أصبحت بيد الشمال زمامها )
للشمال يدا أو للقرة زماما وأمرره بخفضه مبالغة أو أراد جماحه كقوله تعالى : { واخفض جناحك للمؤمنين } وإضافته إلى الذل للبيان والمبالغة كما أضيف حاتم إلى الجود والمعنى واخفض لهما جناحك الذليل وقرئ الذل بالكسر وهو الانقياد والنعت منه ذلول { من الرحمة } من فرط رحمتك عليهما لافتقارهما إلى من كان أفقر خلق الله تعالى إليهما بالأمس { وقل رب ارحمهما } وادع الله تعالى أن يرحمهما برحمته الباقية ولا تكتف برحمتك الفانية وإن كانا كافرين لن من الرحمة أن يهديهما : { كما ربياني صغيرا } رحمة مثل رحمتهما علي وتربيتهما وإرشادهما لي في صغري وفاء بوعدك للراحمين روي [ أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه و سلم : إن أبوي بلغا من الكبر أن ألي منهما ما وليا مني في الصغر فهل قضيتهما حقهما قال : لا فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك وأنت تفعل ذلك وتريد موتهما ]

25 - { ربكم أعلم بما في نفوسكم } من قصد البر إليهما واعتقاد ما يحب لهما من التوقير وكأنه تهديد على أن يضمر لهما كراهة واستثقالا { إن تكونوا صالحين } قاصدين للصلاح { فإنه كان للأوابين } للتوابين { غفورا } ما فرط منهم عند حرج الصدر من أذية أو تقصير وفيه تشديد عظيم ويجوز أن يكون عاما لكل تائب ويندرج فيه الجاني على أبويه التائب من جنايته لوروده على أثره

26 - { وآت ذا القربى حقه } من صلة الرحم وحسن المعاشرة والبر عليهم وقال أبو حنيفة : حقهم إذا كانوا محارم فقراء أن ينفق عليهم وقيل المراد بذي القربى أقارب الرسول صلى الله عليه و سلم { والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا } بصرف المال فيما لا ينبغي وإنفاقه على وجه الإسراف وأصل التبذير التفريق وعن النبي صلى الله عليه و سلم [ أنه قال لسعد وهو يتوضأ : ما هذا السرف قال : أو في الوضوء سرف قال : نعم وإن كنت على نهر جار ]

27 - { إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين } أمثالهم في الشرارة فإن التضييع و الإتلاف شر أو أصدقاءهم وأتباعهم لأنهم يطيعونهم في الإسراف والصرف في المعاصي روي : أنهم كانوا ينحرون الإبل ويتياسرون عليها ويبذرون أموالهم في السمعة فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم بالإنفاق في القربات { وكان الشيطان لربه كفورا } مبالغا في الكفر به فينبغي أن لا يطاع

28 - { وإما تعرضن عنهم } وإن أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل حياء من الرد ويجوز أن يراد بالإعراض عنهم أن لا ينفعهم على سبيل الكناية { ابتغاء رحمة من ربك ترجوها } لانتظار رزق من الله ترجوه أن يأتيك فتعطيه أو منتظرين له وقيل معناه لفقد رزق من ربك ترجوه أن يفتح لك فوضع الابتغاء موضعه لأنه مسبب عنه ويجوز أن يتعلق بالجواب الذي هو قوله : { فقل لهم قولا ميسورا } أي فقل لهم قولا لينا ابتغاء رجمة الله برحمتك عليهم بإجمال القول لهم ولميسور وهو اليسر مثل أغناكم الله تعالى ورزقنا الله وإياكم

29 - { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط } تمثيلان لمنع الشحيح وإسراف المبذر نهى عنهما آمرا بالاقتصاد بينهما الذي هو الكرم { فتقعد ملوما } فتصير ملوما عند الله وعند الناس بالإسراف وسوء التدبير { محسورا } نادما أو منقطعا بك لا شيء عندك من حسرة السفر إذا بلغ منه وعن جابر [ بينا رسول الله صلى الله عليه و سلم جالس أتاه صبي فقال : إن أمي تستكسيك درعا فقال صلى الله عليه و سلم من ساعة إلى ساعة فعد إلينا فذهب إلى أمه فقالت : قل له إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك فدخل داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عريانا وأذن بلال وانتظروه للصلاة فلم يخرج فأنزل الله ذلك ] ثم سلاه بقوله : { إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } يوسعه ويضيقه بمشيئته التابعة للحكمة البالغة فليس ما يرهقك من الإضافة إلا لمصلحتك { إنه كان بعباده خبيرا بصيرا } يعلم سرهم وعلنهم فيعلم من مصالحهم ما يخفى عليهم ويجوز أن يراد أن البسط والقبض من أمر الله تعالى العالم بالسرائر والظواهر فأما العباد فعليهم أن يقتصدوا أو أنه تعالى يبسط تارة ويقبض أخرى فاستنوا بسنته ولا تقبضوا كل القبض ولا تبسطوا كل البسط وأن يكون تمهيدا لقوله تعالى :

30 - { إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } يوسعه ويضيقه بمشيئته التابعة للحكمة البالغة فليس ما يرهقك من الإضافة إلا لمصلحتك { إنه كان بعباده خبيرا بصيرا } يعلم سرهم وعلنهم فيعلم من مصالحهم ما يخفى عليهم ويجوز أن يراد أن البسط والقبض من أمر الله تعالى العالم بالسرائر والظواهر فأما العباد فعليهم أن يقتصدوا أو أنه تعالى يبسط تارة ويقبض أخرى فاستنوا بسنته ولا تقبضوا كل القبض ولا تبسطوا كل البسط وأن يكون تمهيدا لقوله تعالى :

31 - { و لا تقتلوا أولادكم خشية إملاق } مخافة الفاقة وقتلهم أولادهم هو وأدهم بناتهم مخافة الفقر فنهاهم عنه وضمن لهم أرزاقهم فقال : { نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا } ذنبا كبيرا لما فيه من قطع التناسل وانقطاع النوع وال { خطأ } الإثم يقال خطئ خطأ كأثم إثما وقرأ ابن عامر خطأ وهو اسم من اخطأ يضاد الصواب وقيل لغة فيه كمثل ومثل وحذر وحذر وقرأ ابن كثير خطاء بالمد والكسر وهو إما لغة فيه أو مصدر خاطأ وهو وإن لم يسمع لكنه جاء تخاطأ في وقوله :
( تخاطأه القاص حتى وجدته ... وخرطومه في منقع الماء راسب )
وهو مبني عليه وقرئ خطاء بالفتح والمد وخطا بحذف الهمزة مفتوحا ومكسورا

32 - { ولا تقربوا الزنى } بالعزم والإتيان بالمقدمات فضلا عن أن تباشروه { إنه كان فاحشة } فعلة ظاهرة القبح زائدته { وساء سبيلا } وبئس طريقا طريقه وهو الغصب على الابضاع المؤدي إلى قطع الأنساب وهيج الفتن

33 - { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل مؤمن معصوم عمدا { ومن قتل مظلوما } غير مستوجب للقتل { فقد جعلنا لوليه } للذي يلي أمره بعد وفاته وهو الوارث { سلطانا } تسلطا بالمؤاخذة بمقتضى القتل على من عليه أو بالقصاص على القاتل فإن قوله تعالى { مظلوما } بدل على أن القتل عمدا عدوان فإن الخطأ لا يسمى ظلما { فلا يسرف } أي القاتل { في القتل } بأن يقتل من لا يستحق قتله فإن العاقل لا يفعل ما يعود عليه بالهلاك أو الولي بالمثلة أو قتل غير القاتل ويؤيد الأول قراءة أبي فلا تسرفوا وقرأ حمزة و الكسائي فلا تسرف على خطاب أحدهما { إنه كان منصورا } علة النهي على الاستئناف والضمير إما للمقتول فإنه منصور في الدنيا بثبوت القصاص بقتله وفي الآخرة بالثواب وإما لوليه فإن الله تعالى نصره حيث أوجب القصاص له وأمر الولاة بمعونته وإما للذي يقتله الولي إسرافا بإيجاب القصاص أو التعزيز والوزر على المسرف

34 - { ولا تقربوا مال اليتيم } فضلا أن تتصرفوا فيه { إلا بالتي هي أحسن } إلا بالطريقة التي هي أحسن { حتى يبلغ أشده } غاية لجواز التصرف الذي دل عليه الاستثناء { وأوفوا بالعهد } بما عاهدكم الله من تكاليفه أو ما عاهدتموه وغيره { إن العهد كان مسؤولا } مطلوبا يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به أو مسؤولا عنه يسأل الناكث ويعاتب عليه لم نكثت أو يسأل العهد تبكيتا للناكث كما يقال للموءودة { بأي ذنب قتلت } فيكون تخييلا ويجوز أ يراد أن صاحب العهد كان مسؤولا

35 - { وأوفوا الكيل إذا كلتم } ولا تبخسوا فيه { وزنوا بالقسطاس المستقيم } بالميزان السوي وهو رومي عرب ولا يقدح ذلك في عربية القرآن لأن العجمي إذا استعملته العرب وأجرته مجرى كلامهم في الإعراب والتعريف والتنكير ونحوها صار عربيا وقرأ حمزة و الكسائي و حفص بكسر القاف هنا وفي الشعراء { ذلك خير وأحسن تأويلا } وأحسن عاقبة تفعيل من آل إذا رجع

36 - { ولا تقف } ولاتتبع وقرئ { ولا تقف } من قاف أثره إذا قفاه ومنه القافة { ما ليس لك به علم } ما لم يتعلق به علمك تقليدا أو رجما بالغيب واحتج به من منع اتباع الظن وجوابه أن المراد بالعلم هو الاعتقاد الراجح المستفاد من سند سواء كان قطعا أو ظنا واستعماله بهذا المعنى سائغ شائع وقيل إنه مخصوص بالعقائد وقيل بالرمي وشهادة الزور ويؤيده [ قوله عليه الصلاة و السلام من قفا مؤمنا بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج ] وقال الكميت :
( ولا أرمي البريء بغير ذنب ... ولا أقفو الحواصن إن قفينا )
{ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك } أي كل هذه الأعضاء فأجراها مجرى العقلاء لما كانت مسؤولة عن أحولها شاهدة على صاحبها هذا وإن أولاء وإن غلب في العقلاء لكنه من حيث إنه اسم جمع لذا وهو يعم القبيلين جاء لغيرهم كقوله :
( والعيش بعد أولئك الأيام )
{ كان عنه مسؤولا } في ثلاثتها ضمير كل أي كان كل واحد منها مسؤولا عن نفسه يعني عما فعل به صاحبه ويجوز أن يكون الضمير في عنه لمصدر { لا تقف } أو لصاحب السمع والبصر وقيل { مسؤولا } مسند إلى { عنه } كقوله تعالى : { غير المغضوب عليهم } والمعنى يسأل صاحبه عنه وهو خطأ لأن الفاعل وما يقوم مقامه لا يتقدم وفيه دليل على أن العبد مؤاخذ بعزمه على المعصية وقرئ { والفؤاد } بقلب الهمزة واوا بعد الضمة ثم إبدالها بالفتح

37 - { ولا تمش في الأرض مرحا } أي ذا مرح وهو الاختيال وقرئ { مرحا } وهو باعتبار الحكم أبلغ وغن كان المصدر آكد من صريح النعت { إنك لن تخرق الأرض } لن تجعل فيها خرقا بشدة وطأتك { ولن تبلغ الجبال طولا } بتطاولك وهو تهكم بالمختال وعليل للنهي بأن الاختيال حماقة مجردة لا تعود بجدوى ليس في التذلل

38 - { كل ذلك } إشارة إلى الخصال الخمس والعشرين المذكورة من قوله تعالى : { لا تجعل مع الله إلها آخر } وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أنها المكتوبة في ألواح موسى عليه السلام { كان سيئه } يعني المنهي عنه فإن المذكورات مأمورات ومناه وقرأ الحجازيان والبصريان { سيئه } على أنها خبر { كان } والاسم ضمير { كل } و { ذلك } إشارة إلى ما نهى عنه خاصة وعلى هذا قوله : { عند ربك مكروها } بدل من { سيئه } أو صفة لها محمولة على المعنى فإنه بمعنى سيئا وقد قرئ به ويجوز أن ينتصب مكروها على الحال من المستكن في { كان } أو في الظرف على أنه صفة { سيئه } والمراد به المبغوض المقابل للمرضى لا ما يقابل المراد ليقام القاطع على أن الحوادث كلها واقعة بإرادته تعالى

39 - { ذلك } إشارة إلى الأحكام المتقدمة { مما أوحى إليك ربك من الحكمة } التي هي معرفة الحق لذاته والخير للعمل به { ولا تجعل مع الله إلها آخر } كرره للتنبيه على أن التوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه فإن من لا قصد له بطل علمه ومن قصد يفعله أو تركه غيره ضاع سعيه وأنه رأس الحكمة وملاكها ورتب عليه أولا ما هو عائده الشرك في الدنيا وثانيا ما هو نتيجته في العقبى فقال تعالى : { فتلقى في جهنم ملوما } تلوم نفسك { مدحورا } مبعدا من رحمة الله تعالى

40 - { أفأصفاكم ربكم بالبنين } خطاب لمن قالوا الملائكة بنات الله والهمزة للإنكار والمعنى : أفخصكم ربكم بأفضل الأولاد وهم البنون { واتخذ من الملائكة إناثا } بنات لنفسه وهذا خلاف ما عليه عقولكم وعادتكم { إنكم لتقولون قولا عظيما } بإضافة الأولاد إليه وهي خاصة بعض الأجسام لسرعة زوالها ثم بتفصيل أنفسكم عليه حيث تجعلون له ما تكرهون ثم يجعل الملائكة الذين هم من أشرف خلق الله أدونهم

41 - { ولقد صرفنا } كررنا هذا المعنى بوجوه من التقرير { في هذا القرآن } في مواضع منه ويجوز أن يراد بهذا القرآن إبطال إضافة البنات إليه على تقدير : ولقد صرفنا هذا القول في هذا لمعنى أو أوقعنا التصريف فيه وقرئ { صرفنا } بالتخفيف { ليذكروا } ليتذكروا وقرأ حمزة و الكسائي هنا وفي الفرقان { ليذكروا } من الذكر الذي هو بمعنى التذكر { وما يزيدهم إلا نفورا } عن الحق وقلة طمأنينة إليه

42 - { قل لو كان معه آلهة كما يقولون } أيها المشركون وقرأ ابن كثير و حفص عن عاصم بالياء فيه وفيما بعده على أن الكلام مع الرسول صلى الله عليه و سلم أن يخاطب به المشركين والثانية مما نزه به نفسه عن مقالتهم { إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا } جواب عن قولهم وجزاء للو والمعنى : لطلبوا إلى من هو مالك الملك سبيلا بالمعازة كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض أو بالتقرب إليه والطاعة لعلمهم بقدرته وعجزهم كقولهم تعالى : { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة }

43 - { سبحانه } ينزه تنزيها { وتعالى عما يقولون علوا } تعاليا { كبيرا } متباعدا غاية البعد عما يقولون فإنه في أعلى مراتب الوجود وهو كونه واجب الوجود والبقاء لذاته واتخاذ الولد من أدنى مراتبه فإنه من خواص ما يمتنع بقاؤه

44 - { تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده } ينزهه عما هو من لوازم الإمكان وتوابع الحدوث بلسان الحال حيث تدل بإمكانها وحدوثها على الصانع القديم الواجب لذاته { ولكن لا تفقهون تسبيحهم } أيها المشركون لإخلالكم بالنظر الصحيح الذي به يفهم تسبيحهم ويجوز أن يحمل التسبيح على المشترك بين اللفظ والدلالة لإسناده إلى ما يتصور منه اللفظ وإلى ما لا يتصور منه وعليهما عند من جوز إطلاق اللفظ على معنييه وقرأ ابن كثير و ابن عامر و نافع و أبو بكر يسبح بالياء { إنه كان حليما } حيث لم يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وشرككم { غفورا } لمن تاب منكم

45 - { وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا } يحجبهم عن فهم ما تقرؤه عليهم { مستورا } ذا ستر كقوله تعالى : { وعده مأتيا } وقولهم سيل مفعم أو مستورا عن الحس أو بحجاب آخر لا يفهمون أنهم لا يفهمون نفي عنهم أن يفهموا ما أنزل عليهم من الآيات بعدما نفى عنهم التفقه للدلالات المنصوبة في الأنفس والآفاق تقريرا له وبيانا لكونهم مطبوعين على الضلالة كما صرح به بقوله :

46 - { وجعلنا على قلوبهم أكنة } تكنها وتحول دونها عن إدراك الحق وقبوله { أن يفقهوه } كراهة أن يفقهوه ويجوز أن يكون مفعولا لما دل عليه قوله : { وجعلنا على قلوبهم أكنة } أي منعناهم أن يفقهوه { وفي آذانهم وقرا } يمنعهم عن استماعه ولما كان القرآن معجزا من حيث اللفظ والمعنى أثبت لمنكريه ما يمنع عن فهم المعنى وإدراك اللفظ { وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده } واحدا غير مشفوع به آلهتهم مصدر وقع موقع الحال وأصله يحد وحده بمعنى واحدا وحده { ولوا على أدبارهم نفورا } هربا من استماع التوحيد ونفرة أو تولية و يجوز أن يكون جمع نافر كقاعد وقعود

47 - { نحن أعلم بما يستمعون به } بسببه ولأجله من الهزء بك وبالقرآن { إذ يستمعون إليك } ظرف ل { أعلم } وكذا { وإذ هم نجوى } أي نحن أعلم بغرضهم من الاستماع حين هم مستمعون إليك مضمرون له وحين هم ذوو نجوى يتناجون به و { نجوى } مصدر ويحتمل أن يكون جمع نجى { إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } مقدر باذكر أو بدل من { إذ هم نجوى } على وضع { الظالمون } موضع الضمير للدلالة على أن تناجيهم بقولهم هذا من باب الظلم والمسحور هو الذي سحر فزال عقله وقيل الذي له سحر وهو الرئة أي إلا رجلا يتنفس ويأكل ويشرب مثلكم

48 - { انظر كيف ضربوا لك الأمثال } مثلوك بالشاعر والساحر والكاهن والمحنون { فضلوا } عن الحق في جميع ذلك { فلا يستطيعون سبيلا } إلى طعن موجه فيتهافتون ويخبطون كالمتحير في أمره لا يدري ما يصنع أو إلى الرشاد

49 - { وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا } حطاما { أإنا لمبعوثون خلقا جديدا } على الإنكار و الاستبعاد لما بين غضاضة الحي ويبوسة الرميم من المباعدة والمنافاة والعامل في إذا ما دل عليه مبعوثون لا نفسه لأن ما بعد إن لا يعمل فيما قبلها و { خلقا } مصدر أوحال

50 - { قل } جوابا لهم { كونوا حجارة أو حديدا }

51 - { أو خلقا مما يكبر في صدوركم } أي مما يكبر عندكم عن قبول الحياة لكونه أبعد شيء منها فإن قدرته تعالى لا تقصر عن إحيائكم لاشتراك الأجسام في قبول الإعراض فكيف إذا كنتم عظاما مرفوتة وقد كانت غضة مرصوفة بالحياة قبل والشيء أقبل لما عهد فيه مما لم يعهد { فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة } وكنتم ترابا وما هو أبعد منه من الحياة { فسينغضون إليك رؤوسهم } فسيحركونها نحوك تعجبا واستهزاء { ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا } فإن كل ما هو آت قريب وانتصابه على الخبر أو الظرف أي يكون في زمان قريب و { أن يكون } اسم { عسى } أو خبره والاسم مضمر

52 - { يوم يدعوكم فتستجيبون } أي يوم يبعثكم فتنبعثون استعار لهما الدعاء والاستجابة للتنبيه على سرعتهما وتيسر أمرهما وأن المقصود منهما الإحضار للمحاسبة والجزاء { بحمده } حال منهم أي حامدين الله تعالى كمال قدرته كما قيل إنهم ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون : سبحانك اللهم وبحمدك أو منقادين لبعثه انقياد الحامدين علي { وتظنون إن لبثتم إلا قليلا } وتستقصرون مدة لبثكم في القبور كالذي مر على قرية أو مدة حياتكم لما ترون من الهول

53 - { وقل لعبادي } يعني المؤمنين { يقولوا التي هي أحسن } الكلمة التي هي أحسن ولا يخاشنوا المشركين { إن الشيطان ينزغ بينهم } يهيج بينهم المراء والشر فلعل المخاشنة بهم تفضي إلى العناد وازدياد الفساد { إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا } ظاهر العداوة

54 - { ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم } تفسير ل { التي هي أحسن } وما بينهما اعتراض أي قولوا لهم هذه الكلمة ونحوها ولا تصرحوا بأنهم من أهل النار فإنه يهيجهم على الشر مع أن ختام أمرهم غيب لا يعلمه إلا الله { وما أرسلناك عليهم وكيلا } موكولا إليك أمرهم تقسرهم على الإيمان وإنما أرسلناك مبشرا ونذيرا فدارهم ومر أصحابك بالاحتمال منهم وروي أن المشركين أفرطوا في إيذائهم فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فنزلت وقيل شتم عمر رضي الله تعالى عنه رجل منهم فهم به فأمره الله بالعفو

55 - { وربك أعلم بمن في السموات والأرض } وبأحوالهم فيختار منهم لنبوته وولايته من يشاء وهو رد لاستبعاد قريش أن يكون يتيم أبي طالب نبيا وأن يكون العراة الجؤع أصحابه { ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض } بالفضائل النفسانية والتبري عن العلائق الجسمانية لا بكثرة الأموال والأتباع حتى داود عليه الصلاة السلام فإن شرفه بما أوحى إليه من الكتاب لا بما أوتيه من الملك قيل هو إشارة إلى تفضيل رسول الله صلى الله عليه و سلم وقوله : { وآتينا داود زبورا } تنبيه على وجه تفضيله وهو أنه خاتم الأنبياء وأمته خير الأمم المدلول عليه بما كتب في الزبور من أن الأرض يرثها عبادي الصالحون وتنكيره ها هنا وتعريفه في قوله تعالى : { ولقد كتبنا في الزبور } لأنه في الأصل فعول للمفعول كالحلوب أو المصدر كالقبول ويؤيده قراءة حمزة بالضم وهو كالعباس أو الفضل أو لأن المراد وآتينا داود بعض الزبر أو بعضا من الزبور فيه ذكر الرسول عليه الصلاة و السلام

56 - { قل ادعوا الذين زعمتم } أنها آلهة { من دونه } كالملائكة والمسيح و عزير { فلا يملكون } فلا يستطيعون { كشف الضر عنكم } كالمرض والفقر والقحط { ولا تحويلا } ولا تحويل ذلك منكم إلى غيركم

57 - { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة } هؤلاء الآلهة يبتغون إلى الله القرابة بالطاعة { أيهم أقرب } بدل من واو { يبتغون } أي يبتغي من هو أقرب منهم إلى الله الوسيلة فيكف بغير الأقرب { ويرجون رحمته ويخافون عذابه } كسائر العباد فيكف تزعمون أنهم آلهة { إن عذاب ربك كان محذورا } حقيقا بأن يحذره كل أحد حتى الرسل والملائكة

58 - { وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة } بالموت والاستئصال { أو معذبوها عذابا شديدا } بالقتل وأنواع البلية { كان ذلك في الكتاب } في اللوح المحفوظ { مسطورا } مكتوبا

59 - { وما منعنا أن نرسل بالآيات } ما صرفنا عن إرسال الآيات التي اقترحها قريش { إلا أن كذب بها الأولون } إلا تكذيب الأولين الذين هم أمثالهم في الطبع كعاد وثمود وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك واستوجبوا الاستئصال على ما مضت به سنتنا وقد قضينا أن لا نستأصلهم لأنه منهم من يؤمن أو يلد من يؤمن ثم ذكر بعض الأمم المهلكة بتكذيب الآيات المقترحة فقال :
{ وآتينا ثمود الناقة } بسؤالهم { مبصرة } بينة ذات أبصار أو بصائر أو جاعلتهم ذوي بصائر وقرئ بالفتح { فظلموا بها } فكفروا بها أو فظلموا أنفسهم بسبب عقرها { وما نرسل بالآيات } أي بالآيات المقترحة { إلا تخويفا } من نزول العذب المستأصل فإن لم يخافوا نزل أو بغير المقترحة كالمعجزات وآيات القرآن إلا تخويفا بعذاب الآخرة فإن أمر من بعثت إليهم مؤخر إلى يوم القيامة والياء مزيدة أو في موقع الحال والمفعول محذوف

60 - { وإذ قلنا لك } واذكر إذ أوحينا إليك { إن ربك أحاط بالناس } فهم في قبضة قدرته أو أحاط بقريش بمعنى أهلكهم من أحاط بهم العدو فهي بشارة بوقعة بدر والتعبير بلفظ الماضي لتحقق وقوعه { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك } ليلة المعراج وتعل به من قال إنه كان في المنام ومن قال إنه كان في اليقظة فسر الرؤيا بالرؤية أو عام الحديبية حين رأى أنه دخل مكة وفيه أن الآية مكية إلا أن يقال رآها بمكة وحكاها حينئذ ولعله رؤيا رآها في وقعة بدر لقوله تعالى : { إذ يريكهم الله في منامك قليلا } ولما روي [ أنه لما ورد ماءه قال لكأني أنظر إلى مصارع القوم هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان فتسامعت به قريش و استسخروا منه ] وقيل [ رأى قوما من بني أمية يرقون منبره و ينزون عليه نزو القردة فقال : هذا حظهم من الدنيا يعطونه بإسلامهم ] وعلى هذا كان المراد بقوله : { إلا فتنة للناس } ما حدث في أيامهم { والشجرة الملعونة في القرآن }
عطف على { الرؤيا } وهي شجرة الزقوم لما سمع المشركون ذكرها قالوا إن محمدا يزعم أن الجحيم تحرق الحجارة ثم يقول ينبت فيها الشجر ولم يعلموا أن من قدر أن يحمي وبر السمندل من أن تأكله النار وأحشاء النعامة من أذى الجمر وقطع الحديد المحماة الحمر التي تبتلعها قدر أن يخلق في النار شجرة لا تحرقها ولعنها في القرآن لعن طاعميها وصفت به على المجاز للمبالغة أو وصفها بأنها في أصل الجحيم فإنه أبعد مكان من الرحمة أو بأنها مكروهة مؤذية من قولهم طعام ملعون لما كان ضارا وقد أولت بالشيطان وأبي جهل والحكم بن أبي العاص وقرئت بالرفع على الابتداء والخبر محذوف أي والشجرة الملعونة في القرآن كذلك { ونخوفهم } بأنواع التخويف { فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا } إلا عتوا متجاوز الجد

61 - { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا } لمن خلقته من طين فنصب بنزع الخافض ويجوز أن يكون حالا من الراجع إلى الموصول أي خلقته وهو طين أو منه أي أأسجد له وأصله طين وفيه على الوجوه الثلاثة إيماء بعلة الإنكار

62 - { قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي } الكاف لتأكيد الخطاب لا محل له من الإعراب وهذا مفعول أو والذي صفته والمفعول الثاني محذوف لدلالة صلته عليه والمعنى أخبرني عن هذا الذي كرمته علي بأمري بالسجود له لم كرمته علي { لئن أخرتن إلى يوم القيامة } كلام مبتدأ واللام موطئة للقسم وجوابه : { لأحتنكن ذريته إلا قليلا } أي لأستأصلنهم بالإغواء إلا قليلا لا أقدر أن أقاوم شكيمتهم من احتنك الجراد الأرض إذا جرد ما عليها أكلا مأخوذ من الحنك وإنما علم أن ذلك يتسهل له إما استنباطا من قوله الملائكة { أتجعل فيها من يفسد فيها } مع التقرير أو تفرسا من خلقه ذا وهم وشهوة وغضب

63 - { قال اذهب } امض لما قصدته وهو طرد وتخلية بينه وبين ما سولت له نفسه { فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم } جزاؤك وجزاؤهم فغلب المخاطب على الغائب وبجوز أن يكون الخطاب للتابعين على الالتفات { جزاء موفورا } مكملا من قولهم فر لصاحبك عرضه وانتصاب جزاء على المصدر بإضمار فعله أو بما في { جزاؤكم } من معنى تجازون أو حال موطئة لقوله { موفورا }

64 - { واستفزز } واستخفف { من استطعت منهم } أن تستفزه والفز الخفيف { بصوتك } بدعائك إلى الفساد { وأجلب عليهم } وصح عليهم من الجلبة وهي الصياح { بخيلك ورجلك } بأعوانك من راكب وراجل والخيل الخيالة ومنه قوله عليه ولصلاة والسلام [ يا خيل الله اركبي ] والرجل اسم جمع للراجل كالصحب والكب ويجوز أن يكون تمثيلا لتسلطه على من يغويه بمغوار صوت على قوم فاستفزهم من أماكنهم وأجلب عليهم بجنده حتى استأصلهم وقرأ حفص { ورجلك } بالكسر وغيره بالضم وهما لغتان كندس وندس ومعناه : وجمعك الرجل وقرئ ورجالك ورجالك { وشاركهم في الأموال } بحملهم على كسبها وجمعها من الحرام والتصرف فيها على مالا ينبغي { والأولاد } بالحث على التوصل إلى الولد بالسبب المحرم والإشراك فيه بتسميته عبد العزى والتضليل بالحمل على الأديان الزائغة والحرف الذميمة والأفعال القبيحة { وعدهم } المواعيد الباطلة كشافعة الآلهة والاتكال على كرامة الآباء وتأخير التوبة لطول الأمل { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } اعتراض لبيان مواعيد الباطلة والغرور تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب

65 - { إن عبادي } يعني المخلصين وتعظيم الإضافة والتقييد في قوله : { إلا عبادك منهم المخلصين } يخصصهم { ليس لك عليهم سلطان } أي على إغوائهم قدرة { وكفى بربك وكيلا } يتوكلون عليه في الاستعاذة منك على الحقيقة

66 - { ربكم الذي يزجي } هو الذين يجزي { لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله } الريح وأنواع الأمتعة التي لا تكون عندكم { إنه كان بكم رحيما } حيث هيأ لكم ما تحتاجون إليه وسهل عليكم ما تعسر من أسبابه

67 - { وإذا مسكم الضر في البحر } خوف الغرق { ضل من تدعون } ذهب عن خواطركم كل من تدعونه في حوادثكم { إلا إياه } وحده فإنكم حينئذ لا يخطر ببالكم سواه فلا تدعون لكشفه إلا إياه أو ضل كل من تعبدونه عن إغاثتكم إلا الله { فلما نجاكم } من الغرق { إلى البر أعرضتم } عن التوحيد وقيل اتسعتم في كفران النعمة كقول ذي الرمة :
( عطاء فتى تمكن في المعالي ... فأعرض في المكارم واستطالا )
{ وكان الإنسان كفورا } كالتعليل للإعراض

68 - { أفأمنتم } الهمزة فيه للإنكار والفاء للعطف على محذوف تقديره : أنجوتم فأمنتم فحملكم ذلك على الإعراض فإن من قدر أن يهلككم في البحر بالغرق قدر أن يهلككم في البر بالخسف وغيره { أن يخسف بكم جانب البر } أن يقلبه الله وأنتم عليه أو يقلبه بسببكم فبكم حال أو صلة ليخسف وقرأ ابن كثير و أبو عمرو بالنون فيه وفي الأربعة التي بعده وفي ذكر الجانب تنبيه على أنهم لما وصلوا الساحل كفروا وأعرضوا وأن الجوانب والجهات في قدرته سواء لا معقل يؤمن فيه من أسباب الهلاك { أو يرسل عليكم حاصبا } ريحا تحصب أي ترمي بالحصباء { ثم لا تجدوا لكم وكيلا } يحفظكم من ذلك فإنه لا رادا لفضله

69 - { أم أمنتم أن يعيدكم فيه } في البحر { تارة أخرى } بخلق دواع تلجئكم إلى أن ترجعوا فتركبوه { فيرسل عليكم قاصفا من الريح } لا تمر بشيء إلا قصفته أي كسرته { فيغرقكم } وعن يعقوب بالتاء على إسناده إلى ضمير { الريح } { بما كفرتم } بسبب إشراككم أو كفرانكم نعمة الإنجاء { ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا } مطالبا يتبعنا بانتصار أو صرف

70 - { ولقد كرمنا بني آدم } بحسن الصورة والمزاج الأعدل واعتدال القامة والتمييز بالعقل والإفهام بالنطق والإشارة والخط والتهدي إلى أسباب المعاش والمعاد والتسلط على ما في الأرض والتمكن من الصناعات وانسياق الأسباب والمسببات العلوية والسفلية إلى ما يعود عليهم بالمنافع إلى غير ذلك مما يقف الحصر دون إحصائه ومن ذلك ما ذكره ابن عباس وهو أن كل حيوان يتناول طعامه بفيه إلا الإنسان فإنه يرفعه إليه بيده { وحملناهم في البر والبحر } على الدواب والسفن من حملته حملا إذا جعلت له ما يركبه أو حملناهم فيهما حتى لم تخسف بهم الأرض ولم يغرقهم الماء { ورزقناهم من الطيبات } المستلذات مما يحصل بفعلهم وبغير فعلهم { وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } بالغلبة والاستيلاء أو بالشرف والكرامة والمستثنى جنس الملائكة عليهم الصلاة والسلام أو الخواص منهم ولا يلزم من عدم تفضيل الجنس عدم تفضيل بعض أفراده والمسألة موضع نظر وقد أول الكثير بالكل وفيه تعسف

71 - { يوم ندعو } نصب بإضمار اذكر أو ظرف لما دل عليه { ولا يظلمون } وقرئ يدعو ويدعي ويدعو قال قلب الألف واوا في لغة من يقول أفعو في أفعى أو على أن الواو علامة الجمع كما في قوله : { وأسروا النجوى الذين ظلموا } أو ضميره وكل بدل منه والنون محذوفة لقلة المبالاة بها فإنها ليست إلا علامة الرفع وهو قد يقدر كما في يدعي { كل أناس بإمامهم } بمن ائتموا به من نبي أو مقدم في الدين أو كتاب أو دين وقيل بكتاب أعمالهم التي قدموها فيقال يا صاحب كتاب كذا أي تنقطع علقة الأنساب وتبقى نسبة الأعمال وقيل بالقوى الحاملة لهم على عقائدهم وأفعالهم وقيل بأمهاتهم جمع أم كخف وخفاف والحكمة في ذلك إجلال عيسى عليه السلام وإظهار شرف الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما وأن لا يفتضح أولاد الزنا { فمن أوتي } من المدعوين { كتابه بيمينه } أي كتاب علمه { فأولئك يقرؤون كتابهم } ابتهاجا وتبجحا بما يرون فيه { ولا يظلمون فتيلا } ولا ينقصون من أجورهم أدنى شيء وجمع اسم الإشارة والضمير لأن من أوتي في معنى الجمع وتعليق القراءة بإيتاء الكتاب باليمين يدل على أن من أوتي كتاب بشماله إذا اطلع ما فيه غشيهم من الخجل والحيرة ما يحبس ألسنتهم عن القراءة ولذلك لم يذكرهم مع أن قوله :

72 - { ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى } أيضا مشعر بذلك فإن الأعمى لا يقرأ الكتاب والمعنى ومن كان في هذه الدنيا أعمى القلب لا يبصر رشده كان في الآخرة أعمى لا يرى طريق النجاة { وأضل سبيلا } منه في الدنيا لزوال الاستعداد فقدان الآلة والمهلة وقيل لأن الاهتداء بعد لا ينفعه والأعمى مستعار من فاقد الحاسة وقيل الثاني للتفضيل من عمي بقلبه كالأجهل والأبله ولذلك لم يمله أبو عمرو و يعقوب فإن أفعل التفضيل تمامه بمن فكانت ألفه في حكم المتوسطة كما في أعمالكم بخلاف النعت فإن ألفه واقعة ف الطرف لفظا وحكما فكانت معرضة للإمالة من حيث إنها تصير ياء في التثنية وقد أمالهما حمزة و الكسائي و أبو بكر وقرأ ورش بين بين فيهما

73 - { وإن كادوا ليفتنونك } نزلت في ثقيف قالوا لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب لا نعشر ولا نحشر ولا نجبى في صلاتنا وكل ربا لنا فهو لنا وكل ربا علينا فهو موضوع عنا وأن تمتعنا باللات سنة وأن تحرم وادينا كما حرمت مكة فإن قالت العرب لم فعلت ذلك فقل إن الله أمرني وقيل في قريش قالوا لا نمكنك من استلام الحجر حتى تلم بآلهتنا وتمسها بيدك وإن هي المخففة واللام هي الفارقة والمعنى : أن الشأن قاربوا بمبالغتهم أن يوقعوك في الفتنة بالاستنزال { عن الذي أوحينا إليك } من الأحكام { لتفتري علينا غيره } غير ما أوحينا إليك { وإذا لاتخذوك خليلا } ولو اتبعت مرادهم لاتخذوك بافتتانك وليا لهم بريئا من ولايتي

74 - { ولولا أن ثبتناك } ولولا تثبيتنا إياك { لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا } لقاربت أن تميل إلى ابتاع مرادهم والمعنى أنك كنت على صدد الركون إليهم لقوة خدعهم وشدة احتيالهم لكن أدركتك عصمتنا فمنعت أن تقرب من الركون فضلا عن أن تركن إليهم وهو صريح في أنه عليه الصلاة و السلام ما هم بإجابتهم مع قوة الدواعي إليها ودليل على أن العصمة بتوفيق الله وحفظه

75 - { إذا لأذقناك } أي لو قاربت لأذقناك { ضعف الحياة وضعف الممات } أي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ضعف ما نعذب به في الدارين بمثل هذا الفعل غيرك لأن خطأ الخطير أخطر وكان أصل الكلام عذابا ضعفا في الحياة وعذابا ضعفا في الممات بمعنى مضاعفا ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه ثم أضيفت كما يضاف موصوفها وقيل الضعف من أسماء العذاب وقيل المراد ب { ضعف الحياة } عذاب الآخرة { وضعف الممات } عذاب القبر { ثم لا تجد لك علينا نصيرا } يدفع العذاب عنك

76 - { وإن كادوا } وإن كاد أهل مكة { ليستفزونك } ليزعجوك بمعاداتهم { من الأرض } أرض مكة { ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك } ولو خرجت لا يبقون بعد خروجك { إلا قليلا } إلا زمانا قليلا وقد كان كذلك فإنهم أهلكوا ببدر بعد هجرته بسنة وقيل الآية : نزلت في اليهود حسدوا مقام النبي بالمدينة فقالوا : الشام مقام الأنبياء فإن كنت نبيا فالحق بها حتى نؤمن بك فوقع ذلك في قلبه فخرج مرحلة فنزلت فرجع ثم قتل منهم بنو قريظة وأجلى بنو النضير بقليل وقرئ لا يلبثوا منصوبا ب { إذا } على أنه معطوف على جملة قوله : { وإن كادوا ليستفزونك } لا على خبر كاد فإن إذا لا تعمل إذا كان معتمدا ما بعدها على ما قبلها وقرأ ابن عامر و حمزة و الكسائي و يعقوب و حفص { خلافك } وهو لغة فيه قال الشاعر :
( عفت الديار خلافهم فكأنما ... بسط الشواطب بينهن حصيرا )

77 - { سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا } نصب على المصدر أي سن الله ذلك سنة وهو أن يهلك كل أمة أخرجوا رسولهم من بين أظهرهم فالسنة لله وإضافتها إلى الرسل لأنها من أجلهم ويدل عليه { ولا تجد لسنتنا تحويلا } أي تغييرا

78 - { أقم الصلاة لدلوك الشمس } لزوالها ويدل عليه قوله عليه الصلاة و السلام [ أتاني جبريل لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر ] وقيل لغروبها وأصل التركيب للانتقال ومنه الدلك فإن الدلك لا تستقر يده وكذا كل ما تركب من الدال واللام : كدلج ودلح ودلع ودلف ودله وقيل الدلوك من الدلك لأن الناظر إليها يدلك عينيه ليدفع شعاعها وللام للتأقيت مثلها في : لثلاث خلون { إلى غسق الليل } إلى ظلمته وهو وقت صلاة العشاء الأخيرة { وقرآن الفجر } وصلاة الصبح سميت قرآنا لأنه ركنها كما سميت ركوعا وسجودا واستدل به على وجوب القراءة فيها ولا دليل فيه لجواز أن يكون التجوز لكونها مندوبة فيها نعم لو فسر القراءة في صلاة الفجر دل الأمر بإقامتها على الوجوب فيها نصا وفي غيرها قياسا { إن قرآن الفجر كان مشهودا } تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار أو شواهد القدرة من تبدل الظلمة بالضياء والنوم الذي هو أخو الموت بالانتباه أو كثير من المصلين أو من حقه أن يشهده الجم الغفير والآية جامعة للصلوات الخمس إن فسر الدلوك بالزوال ولصلوات الليل وحدها إن فسر بالغروب وقيل المراد بالصلاة صلاة المغرب وقوله { لدلوك الشمس إلى غسق الليل } بيان لمبدأ الوقت ومنتهاه واستدل به على أن الوقت يمتد إلى غروب الشفق

79 - { ومن الليل فتهجد به } وبعض الليل فاترك الهجود للصلاة والضمير لل { قرآن } { نافلة لك } فريضة زائدة لك على الصلوات المفروضة أو فضيلة لك لاختصاص وجوبه بك { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } مقاما يحمده القائم فيه وكل من عرفه وهو مطلق في كل مكان يتضمن كرامة والمشهور أنه مقام الشفاعة لما روي أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أنه عليه الصلاة و السلام قال : [ هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي ] ولإشعاره بأن الناس يحمدونه لقيامه فيه وما ذاك إلا مقام الشفاعة وانتصابه على الظرف بإضمار فعله أي فيقيمك مقاما أو بتضمين { يبعثك } معناه أو الحال بمعنى أن يبعثك ذا مقام

80 - { وقل رب أدخلني } أي في القبر { مخرج صدق } إدخالا مرضيا { وأخرجني } أي منه عند البعث { مخرج صدق } إخراجا ملقى بالكرامة وقيل المراد إدخال المدينة والإخراج من مكة وقيل إدخاله مكة ظاهرا عليها وإخراجه منها آمنا من المشركين وقيل إدخاله الغار وإخراجه منه سالما وقيل إدخاله فيما حمله من أعباء الرسالة وإخراجه منه مؤديا حقه وقيل إدخاله في كل ما يلابسه من مكان أو أمر وإخراجه منه وقرئ مدخل ومخرج بالفتح على معنى أدخلني فأدخل دخولا وأخرجني فأخرج خروجا { واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا } حجة تنصرين على من خالفني أو ملكا ينصر الإسلام على الكفر فاستجاب له بقوله : { فإن حزب الله هم الغالبون } { ليظهره على الدين كله } { ليستخلفنهم في الأرض }

81 - { وقل جاء الحق } الإسلام { وزهق الباطل } وذهب وهلك الشرك من زهق روحه إذا خرج { إن الباطل كان زهوقا } مضمحلا غير ثابت عن ابن مسعود رضي الله عنه [ أنه عليه والصلاة والسلام دخل مكة يوم الفتح وفيها ثلاثمائة وستون صنما ينكت بمخصرته في عين واحد واحد منها فيقول جاء الحق وزهق الباطل فينكب لوجهه حتى ألقى جميعها وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة وكان من صفر فقال : يا علي ارم به فصعد فرمى به فكسره ]

82 - { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين } ما هو في تقويم دينهم واستصلاح نفوسهم كالدواء الشافي للمرضى و { من } للبيان فإن كله كذلك وقيل إنه للتبعيض والمعنى أن منه ما يشفي من المرض كالفاتحة وآيات الشفاء وقرأ البصريان { ننزل } بالتخفيف { ولا يزيد الظالمين إلا خسارا } لتكذيبهم وكفرهم به

83 - { وإذا أنعمنا على الإنسان } بالصحة والسعة { أعرض } عن ذكر الله { ونأى بجانبه } لوى عطفه وبعد بنفسه عنه كأنه مستغن مستبد بأمره ويجوز أن يكون كناية عن الاستكبار لأنه من عادة المستكبرين وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان هنا وفي فصلت { ونأى } على القلب أو على أنه معنى نهض { وإذا مسه الشر } من مرض أو فقر { كان يؤوسا } شديد اليأس من روح الله

84 - { قل كل يعمل على شاكلته } قل كل أحد يعمل على طريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضلالة أو جوهر روحه وأحواله التابعة لمزاج بدنه { فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا } أسد طريقا وأبين منهجا وقد فسرت الشاكلة بالطبيعة والعادة والدين

85 - { ويسألونك عن الروح } الذي يحيا به بدن الإنسان ويدبره { قل الروح من أمر ربي } من الإبداعيان الكائنة ب { كن } من غير مادة وتولد من أصل كأعضاء جسده أو وجد بأمره وحدث بتكونيه على أن السؤال عن قدمه وحدوثه وقيل مما استأثر الله بعلمه لما روي : أن اليهود قالوا لقريش سلوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فإن أجاب عنها أو سكت فليس بنبي وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح وهو مبهم في التوراة وقيل الروح جبريل وقيل خلق أعظم من الملك وقيل القرآن ومن أمر ربي معناه من وحيه { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } تستفيدونه بتوسط حواسكم فإن اكتساب العقل للمعارف النظرية إنما هو من الضروريات المستفادة من إحساس الجزئيات ولذلك قيل من فقد حسا فقد فقد علما ولعل أكثر الأشياء لا يدركه الحس ولا شيئا من أحواله المعروفة لذاته وهو إشارة إلى أن الروح مما لا يمكن معرفة ذاته إلا بعوارض تميزه عما يلتبس به فلذلك اقتصر على هذا الجواب كما اقتصر موسى في جواب : وما رب العالمين بذكر بعض صفاته روي : أنه عليه الصلاة و السلام لما قال لهم ذلك قالوا : أنحن مختصون بهذا الخطاب ؟ فقال : بل نحن وأنتم فقالوا : ما أعجب شأنك ساعة تقول { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا } وساعة تقول هذا فنزلت { ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام } وما قالوه لسوء فهمهم لأن الحكمة الإنسانية أن يعلم من الخير والحق ما تسعه القوة البشرية بل ما ينتظم به معاشه ومعاده وهو والإضافة إلى معلومات الله التي لا نهاية لها قليل ينال به خير الدارين وهو بالإضافة إليه كثيرا

86 - { ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك } اللام الأولى موطئة للقسم و { لنذهبن } جوابه النائب مناب جزاء الشرط والمعنى إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه من المصاحف والصدور { ثم لا تجد لك به علينا وكيلا } من يتوكل علينا استرداده مسطورا محفوظا

87 - { إلا رحمة من ربك } فإنها إن نالتك فلعها تسترده عليك ويجوز أن يكون استثناء منقطعا معنى ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به فيكون امتنانا بإبقائه بعد المنة في تنزيله { إن فضله كان عليك كبيرا } كإرساله وإنزال الكتاب عليه وإبقائه في حفظه

88 - { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن } في البلاغة وحسن النظم وكمال المعنى { لا يأتون بمثله } وفيهم العرب العرباء وأرباب البيان وأهل التحقيق وهو جواب قسم محذوف دل عليه اللام الموطئة ولولا هي لكان جواب الشرط بلا جزم لكون الشرط ماضيا كقول زهير :
( وإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول لا غائب مالي ولا حرم )
{ ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } ولو تظاهروا على الإتيان به ولعله لم يذكر الملائكة لأن إتيانهم بمثله لا يخرجه عن كونه معجزا ولأنهم كانوا وسائط في إتيانه ويجوز أن تكون الآية تقريرا لقوله : { ثم لا تجد لك به علينا وكيلا }

89 - { ولقد صرفنا } كررنا بوجوه مختلفة زيادة في التقرير والبيان { للناس في هذا القرآن من كل مثل } من كل معنى كالمثل في غرابته ووقوعه موقعها في الأنفس { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } إلا جحودا وإنما جاز ذلك ولم يجز : ضربت إلا زيدا لأنه متأول بالنفي

90 - { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } تعنتا واقتراحا بعد ما لزمتهم الحجة بيان إعجاز القرآن وانضمام غيره من المعجزات إليه وقرأ الكوفيون ويعقوب { تفجر } بالتخفيف والأرض ارض مكة والينبوع عين لا ينضب ماؤها يفعول من نبع الماء كيعبوب من عب الماء إذا زخر

91 - { أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا } أو يكون لك بستان يشتمل على ذلك

92 - { أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا } يعنون قوله تعالى : { أو نسقط عليهم كسفا من السماء } وهو كقطع لفظا ومعنى وقد سكنه ابن كثير و أبو عمرو و حمزة و الكسائي و يعقوب في جميع القرآن إلا في الروم و ابن عامر إلا في هذه السورة وأبو بكر و نافع في غيرهما و حفص فيما عدا الطور وهو إما مخفف من المفتوح كسدرة وسدر أو فعل بمعنى مفعول كالطحن { أو تأتي بالله والملائكة قبيلا } كفيلا بما تدعيه أي شاهدا على صحته ضامنا لدركه أو مقابلا كالعشير بمعنى المعاشر وهو حال من الله وحال الملائكة محذوفة لدلالتها عليها كما حذف الخبر في قوله :
( فإني وقيار بها لغريب )
أو جماعة فيكون حالا من { الملائكة }

93 - { أو يكون لك بيت من زخرف } من ذهب وقد قرئ به وأصله الزينة { أو ترقى في السماء } في معارجها { ولن نؤمن لرقيك } وحده { حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه } وكان فيه تصديقك { قل سبحان ربي } تعجبا من اقتراحاتهم أو تنزيها لله من أن يأتي أو يتحكم عليه أو يشاركه أحد في القدرة وقرأ ابن كثير و ابن عامر : قال سبحان ربي أي قال الرسول : { هل كنت إلا بشرا } كسائر الناس { رسولا } كسائر الرسل وكانوا لا يأتون قومهم إلا بما يظهره الله عليهم على ما يلائم حال قومهم ولم يكن أمر الآيات إليهم ولا لهم أن يتحكموا على الله حتى يتخيروها علي هذا هو الجواب المجمل وأما التفصيل فقد ذكر في آيات أخر كقوله : { ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس } { ولو فتحنا عليهم بابا }

94 - { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى } أي وما منعهم الإيمان بعد نزول الوحي وظهور الحق { إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا } إلا قولهم هذا والمعنى أنه لم يبق لهم شبهة تمنعهم عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه و سلم والقرآن إلا إنكارهم أن يرسل الله بشرا

95 - { قل } جوابا لشبهتهم { لو كان في الأرض ملائكة يمشون } كما يمشي بنو آدم { مطمئنين } ساكنين فيها { لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا } لتمكنهم من الاجتماع به والتلقي منه وأما الإنس فعامتهم عماة عن إدراك الملك والتلقف منه فإن ذلك مشروط بنوع من التناسب والتجانس وملكا يحتمل أن يكون حالا من رسولا وأن يكون موصوفا به وكذلك بشرا والأول أوفق

96 - { قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم } على أني رسول الله إليكم بإظهاره المعجزة على وفق دعواي أو على أني بلغت ما أرسلت به إليكم وأنكم عاندتم وشهيدا نصب على الحال أو التمييز { إنه كان بعباده خبيرا بصيرا } يعلم أحوالهم الباطنة منها والظاهرة فيجازيهم عليهما وفيه تسلية للرسول صلى الله عليه و سلم وتهديد للكفار

97 - { ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه } يهدونه { ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم } يسحبون عليها أو يمشوهن بها [ روي أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه و سلم كيف يمشون على وجوههم قال : إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم ] { عميا وبكما وصما } لا يبصرون ما يقر أعينهم ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم ولا ينطقون بما يقبل منهم لأنهم في دنياهم لم يستبصروا بالآيات والعبر و تصاموا عن استماع الحق وأبوا أن ينطقوا بالصدق ويجوز أن يحشروا بعد الحساب من الموقف إلى النار مؤفي القوى والحواس { مأواهم جهنم كلما خبت } سكن لهبها بأن أكلت جلودهم ولحومهم { زدناهم سعيرا } توقدا بأن نبدل جلودهم ولحومهم فتعود ملتهبة مستعرة كأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جزاهم الله بأن لا يزالوا على الإعادة والإفناء وإليه أشار بقوله :

98 - { ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا } لأن الإشارة إلى ما تقدم من عذابهم

99 - { أو لم يروا } أو لم يعلموا { أن الله الذي خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم } فإنهم ليسوا أشد خلقا منهن ولا الإعادة أصعب عليه من الإبداء { وجعل لهم أجلا لا ريب فيه } هو الموت أو القيامة { فأبى الظالمون } مع وضوح الحق { إلا كفورا } إلا جحودا

100 - { قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي } خزائن رزقه وسائر نعمه وأنتم مرفوع بفعل يفسره ما بعده كقول حاتم : لو ذات سوار لطمتني وفائدة هذا الحذف والتفسير المبالغة مع الإيجاز والدلالة على الاختصاص { إذا لأمسكتم خشية الإنفاق } لبخلتم مخافة النفاد بالنفاق إذ لا أحد إلا ويختار النفع لنفسه ولو آثر غيره بشيء فإنما يؤثره لعوض يفوقه فهو إذن بخيل بالإضافة إلى جود الله تعالى وكرمه هذا وإن البخلاء أغلب فيهم { وكان الإنسان قتورا } بخيلا لأن بناء أمره على الحاجة والضنة بما يحتاج إليه وملاحظة العوض فيما يبذله

101 - { ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات } هي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم وانفجار الماء من الحجر وانفلاق البحر ونتق الطور على بني إسرائيل وقيل الطوفان والسنون ونقص الثمرات مكان الثلاثة الأخيرة [ وعن صفوان أن يهوديا سأل النبي صلى الله عليه و سلم عنها فقال : أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرفوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف وعليكم خاصة اليهود أن لا تعدوا في السبت فقبل اليهودي يده ورجله ] فعلى هذا المراد بالآيات الأحكام العامة للملل الثابتة في كل الشرائع سميت بذلك لأنها تدل على حال من يتعاطى متعلقها في الآخرة من السعادة أو الشقاوة وقوله وعليكم خاصة اليهود أن لا تعدوا حكم مستأنف زائد على الجواب ولذلك غير فيه سياق الكلام { فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم } فقلنا له سلهم من فرعون ليرسلهم معك أو سلهم عن حال دينهم ويؤيده قراءة رسول الله صلى الله عليه و سلم فسأل على لفظ المضي بغير همز وهو لغة قريش و { إذ } متعلق بقلنا أو اسأل على هذه القراءة أو فاسأل يا محمد بني إسرائيل عما جرى بين موسى وفرعون إذ جاءهم أو عن الآيات ليظهر للمشركين صدقك أو لتتسلى نفسك أو لتعلم أنه تعالى لو أتى بما اقترحوا لأصروا على العناد والمكابرة كمن قبلهم أو ليزداد يقينك لأن تظاهر الأدلة يوجب قوة اليقين وطمأنينة القلب وعلى هذا كان { إذ } نصبا بآيتنا أو بإضمار يخبروك على أنه جواب الأمر أو بإضمار اذكر على الاستئناف { فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا } سحرت فتخبط عقلك

102 - { قال لقد علمت } يا فرعون وقرأ الكسائي بالضم على إخباره عن نفسه { ما أنزل هؤلاء } يعني الآيات { إلا رب السموات والأرض بصائر } بينات تبصرك صدقي ولكنك تعاند وانتصابه على الحال { وإني لأظنك يا فرعون مثبورا } مصروفا عن الخير مطبوعا على الشر من قولهم : ما ثبرك عن هذا أي ما صرفك أو هالكا قارع ظنه بظنه وشتان ما بين الظنين فإن ظن فرعون كذب بحت وظن موسى يحوم حول اليقين من تظاهر أماراته وقرئ وإن أخالك يا فرعون لمثبورا على أن المخففة وللام هي الفارقة

103 - { فأراد } فرعون { أن يستفزهم } أن يستخف موسى وقومه ونفيهم { من الأرض } أرض مصر أو الأرض مطلقا بالقتل والاستئصال { فأغرقناه ومن معه جميعا } فعكسنا عليه مكره فاستفززناه وقومه بالإغراق

104 - { وقلنا من بعده } من بعد فرعون أو إغراقه { لبني إسرائيل اسكنوا الأرض } التي أراد أن يستفزكم منها { فإذا جاء وعد الآخرة } الكرة أو الحياة أو الساعة أو الدار الآخرة يعين قيام القيامة { جئنا بكم لفيفا } مختلطين إياكم وإياهم ثم نحكم بينك ونمير سعداءكم من أشقيائكم واللفيف الجماعات من قبائل شتى

105 - { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل } أي وما أنزلنا القرآن إلا ملتبسا بالحق المقتضي لإنزاله وما نزل على الرسول إلا ملتبسا بالحق الذي اشتمل عليه وقيل وما أنزلناه من السماء إلا محفوظا بالرصد من الملائكة وما نزل على الرسول إلا محفوظا بهم من تخليط الشياطين ولعله أراد به نفي اعتراء البطلان له أو الأمر وآخره { وما أرسلناك إلا مبشرا } للمطيع بالثواب { ونذيرا } للعاصي بالعقاب فلا عليك إلا التبشير والإنذار

106 - { وقرآنا فرقناه } نزلناه مفرقا منجما وقيل فرقنا فيه الحق من الباطل فحذف الجار كما في قوله : ويوما شهدناه وقرئ بالتشديد لكثرة نجومه فإنه نزل في تضاعيف عشرين سنة { لتقرأه على الناس على مكث } على مهل وتؤدة فإنه أيسر للحفظ وأعون في الفهم وقرئ بالفتح وهو لغة فيه { ونزلناه تنزيلا } على حسب الحوادث

107 - { قل آمنوا به أو لا تؤمنوا } فإن إيمانكم بالقرآن لا يزيده كمالا وامتناعكم عنه لا يورثه نقصا وقوله : { إن الذين أوتوا العلم من قبله } تعليل له أي إن لم تؤمنون به فقد آمن به من هو خير منكم وهم العلماء الذين قرؤوا الكتب السابقة وعرفوا حقيقة الوحي وأمارات النبوة وتمكنوا من الميز بين المحق والمبطل أو رأوا نعتك وصفة ما أنزل إليك في تلك الكتب وبجوز أن يكون تعليلا ل { قل } على سبيل التسلية كأنه قيل : تسل بإيمان العلماء عن إيمان الجهلة ولا تكترث بإيمانهم وإعراضهم { إذا يتلى عليهم } القرآن { يخرون للأذقان سجدا } يسقطون على وجوههم تعظيما لأمر الله أو شكرا لإنجاز وعده في تلك الكتب ببعثه محمد صلى الله عليه و سلم على فترة من الرسل وإنزال القرآن عليه

108 - { ويقولون سبحان ربنا } عن خلف الموعد { إن كان وعد ربنا لمفعولا } إنه كان وعده كائنا لا محالة

سورة الكهف
109 - ن مواعظ القرآن حال كونهم باكين من خشية الله وذكر الذقن لأنه أول ما يلقى الأرض من وجه الساجد واللام فيه لاختصاص الخرور به { ويزيدهم } سماع القرآن { خشوعا } كما يزيدهم علما ويقينا بالله

110 - { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } [ نزلت حين سمع المشركون رسول الله يقول : يا الله يا رحمن فقالوا إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلها آخر ] أو قالت اليهود : إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثره الله في التوراة والمراد على الأول هو التسوية بين اللفظين بأنهما يطلقان على ذات واحدة وإن اختلف اعتبار إطلاقهما والتوحيد إنما هو للذات الذي هو المعبود المطلق وعلى الثاني أنهما سيان في حسن الإطلاق والإفضاء إلى المقصود وهو أجود لقوله : { أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى } والدعاء في الآية بمعنى التسمية وهو يتعدى إلى مفعولين حذف أولهما استغناء عنه وأو للتخيير والتنوين في { أيا } عوض عن المضاف إليه و { ما } صلة لتأكيد ما في { أيا } من الإبهام والضمير في { فله } للمسمى لأن التسمية له لا للاسم وكان أصل الكلام { أيا ما تدعوا } فهو حسن فوضع موضعه فله الأسماء الحسنى للمبالغة والدلالة على ما هو الدليل عليه وكونها حسنى لدلالتها على صفات الجلال والإكرام { ولا تجهر بصلاتك } بقراءة صلاتك حتى تسمع المشركين فإن ذلك يحملهم على السب واللغو فيها { ولا تخافت بها } حتى لا تسمع من خلفك من المؤمنين { وابتغ بين ذلك } بين الجهر والمخافتة { سبيلا } وسطا فإن الاقتصاد في جميع الأمور محبوب [ روي أن أبا بكر رضي الله عنه كان يخفت ويقول : أناجي ربي وقد علم حاجتي وعمر رضي الله عنه كان يجهر ويقول أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان فلما نزلت أمر رسول الله أبا بكر أن يرفع قليلا وعمر أن يخفض قليلا ] وقيل معناه لا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها بأسرها وابتغ بين ذلك سبيلا بالإخفات نهارا والجهر ليلا

111 - { وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك } في الألوهية { ولم يكن له ولي من الذل } ولي يواليه من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته نفى عنه أن يكون له ما يشاركه من جنسه ومن غير جنسه اختيارا واضطرارا وما يعاونه ويقويه ورتب الحمد عليه للدلالة على أنه الذي يستحق جنس الحمد لأنه الكامل الذات المنفرد بالإيجاد المنعم على الإطلاق وما عداه ناقص مملوك نعمة أو منعم عليه ولذلك عطف عليه قوله : { وكبره تكبيرا } وفيه تنبيه على أن العبد وإن بالغ في التنزيه والتمجيد واجتهد في العبادة والتحميد ينبغي أن يعترف بالقصور عن حقه في ذلك
روي [ أنه صلى الله عليه و سلم كان إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه هذه الآية ] [ وعنه عليه الصلاة و السلام من قرأ سورة بني إسرائيل فرق قلبه عند ذكر الوالدين كان له قنطار في الجنة ] والقنطار ألف أوقية ومائتا أوقية والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب

وقيل إلا قوله { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم } الآية وهي مائة وإحدى عشر آية
بسم الله الرحمن الرحيم
1 - { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب } يعني القرآن رتب استحقاق الحمد على إنزاله تنبيها على أنه أعظم نعمائه وذلك لأنه الهادي إلى ما فيه كمال العباد والداعي إلى ما يه ينتظم صلاح المعاش والمعاد { ولم يجعل له عوجا } شيئا من العوج باختلال في اللفظ وتناف في المعنى أو انحراف من الدعوة إلى جانب الحق وهو في المعاني كالعوج في الأعيان

2 - { قيما } مستقيما معتدلا لا إفراط فيه ولا تفريط أو { قيما } بمصالح العباد فيكون وصفا له بالتكميل بعد وصفه بالكمال أو على الكتب السابقة يشهد بصحتها وانتصابه بمضمر تقديره جعله قيما أو على الحال من الضمير في { له } أو من { الكتاب } على أن الواو { ولم يجعل } للحال دون القطف إذ لو كان العطف كان المعطوف فاصلا بين أبعاض المعطوف عليه ولذلك قيل فيه تقديم وتأخير { قيما } { لينذر بأسا شديدا } أي لينذر الذين كفروا عذابا شديدا فحذف المفعول الأول اكتفاء بدلالة القرينة واقتصارا على الغرض المسوق إليه { من لدنه } صادرا من عنده وقرأ أبو بكر بإسكان الدال كإسكان الباء من سبع مع الإشمام ليدل على أصله وكسر النون لالتقاء الساكنين وكسر الهاء للإتباع { و يبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا } هو الجنة

3 - { ماكثين فيه } في الأجر { أبدا } بلا انقطاع

4 - { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا } خصهم بالذكر وكرر والإنذار متعلقا بهم استعظاما لكفرهم وإنما لم يذكر المنذر به استغناء بتقدم ذكره

5 - { ما لهم به من علم } أي بالولد أو باتخاذه أو بالقول والمعنى أنهم يقولونه عن جهل مفرط وتوهم كاذب أو تقليد لما سمعوه من أوائلهم من غير علم بالمعنى الذي أرادوا به فإنهم كانوا يطلقون الأب والابن بمنى المؤثر والأثر أو بالله إذ لو علموه لما جوزوا نسبة الاتخاذ إليه { ولا لآبائهم } الذين تقولوه بمعنى التبني { كبرت كلمة } عظمت مقالتهم هذه في الكفر لما فيها من التشبيه والتشريك وإيهام احتياجه تعالى إلى ولد يعينه ويخلفه إلى غير ذلك من الزيغ و { كلمة } نصب على التمييز وقرئ بالرفع على الفاعلية والأول أبلغ وأدل على المقصود { تخرج من أفواههم } صفة لها تفيد استعظام اجترائهم على إخراجها من أفواهم والخارج بالذات هو الهواء الحامل لها وقيل صفة محذوف هو المخصوص بالذم لأن كبرها هنا بمعنى بئس وقرئ { كبرت } بالسكون مع الإشمام { إن يقولون إلا كذبا }

6 - { فلعلك باخع نفسك } قاتلها { على آثارهم } إذا ولوا عن الإيمان لما يداخله من الوجد على توليهم بمن فارقته أعزتاه فهو يتحسر على آثارهم ويبخع نفسه وجدا عليهم وقرئ { باخع نفسك } على الإضافة { إن لم يؤمنوا بهذا الحديث } بهذا القرآن { أسفا } للتأسف عليهم أو متأسفا عليهم والأسف فرط الحزن والغضب وقرئ أن بالفتح على لأن فلا يجوز إعمال باخع إلا إذا جعل حكاية حال ماضية

7 - { إنا جعلنا ما على الأرض } من الحيوان والنبات والمعادن { زينة لها } ولأهلها { لنبلوهم أيهم أحسن عملا } في تعاطيه وهو من زهد فيه ولم يغتر به وقنع منه بما يزجي به أيامه وصرفه على ما ينبغي وفيه تسكين لرسول الله صلى الله عليه و سلم

8 - { وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا } تزهيد فيه والجرز الأرض التي قطع نباتها مأخوذ من الجرز وهو القطع والمعنى إنا لنعيد ما عليها من الزينة ترابا مستويا بالأرض ونجعله كصعيد أملس لا نبات فيه

9 - { أم حسبت } بل أحسبت { أن أصحاب الكهف والرقيم } في إبقاء حياتهم مدة مديدة { كانوا من آياتنا عجبا } وقصتهم بالإضافة إلى خلق ما على الأرض من الأجناس والأنواع الفائتة للحصر على طبائع متباعدة وهيئات متخالفة تعجب الناظرين من مادة واحدة ثم ردها إليها ليس بعجيب مع أنه من آيات الله كالنزر الحقير و { الكهف } الغار الواسع في الجبل و { الرقيم } اسم الجبل أو الوادي الذي فيه كهفهم أو اسم قريتهم أن كلبهم قال أمية بن أبي الصلت :
( وليس بها إلا الرقيم مجاورا ... وصيدهمو والقوم في الكهف هجد )
أو لوح رصاصي أو حجري رقمت فيه أسماؤهم وجعل على باب الكهف وقيل أصحاب الرقيم قوم آخرون كانوا ثلاثة خرجوا يرتادون لأهلهم فأخذتهم السماء فأووا إلى الكهف فانحطت صخرة وسدت بابه فقال أحدهم اذكروا أيكم عمل حسنة لعل الله يرحمنا ببركته فقال أحدهم : استعملت أجراء ذات يوم فجاء رجل وسط النهار وعمل في بقيته مثل عملهم فأعطينه مثل أجرهم فغضب أحدهم وترك أجره فوضعته في جانب البيت ثم مر بي بقر فاشتيرت به فصيلة فبلغت ما شاء الله فرجع إلى بعد حين شيخا ضعيفا لا أعرفه وقال : إنه لي عندك حقا وذكره لي حتى عرفته فدفعتها إليه جميعا اللهم إن كنت فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا فانصدع الجبل حتى رأوا الضوء وقال آخر : كان في فضل وأصابت الناس شدة فجاءتني امرأة فطلبت مني معروفا فقلت : والله ما هو دون نفسك فأبت وعادت ثم رجعت ثلاثا ثم ذكرت لزوجها فقال أجيبي له وأغيثي عيالك فأتت وسلمت إلي نفسها فلما تكشفتها وهممت بها ارتعدت فقلت : مالك قالت أخاف الله فقلت لها : خفته في الشدة ولم أخفه في الرخاء فتركتها وأعطيتها ملتمسها اللهم إن كنت فعلته لوجهك فافرج عنا فانصدع حتى تعارفوا وقال الثالث كان لي أبوان هرمان وكانت لي غنم وكنت أطعمهما وأسقيهما ثم أرجع إلى غنمي فحبسني ذات يوم غيث فلم أبرح حتى أمسيت فأتيت أهلي وأخذت محلبي فحلبت فيه ومضيت إليهما فوجدتهما نائمين فشق علي أن أوقظهما فتوقعت جالسا و محلبي على يدي حتى أيقظهما الصبح فسقيتهما اللهم إن كنت فعلته لوجهك فافرج عنا ففرج الله عنهم فخرجوا وقد رفع ذلك نعمان بن بشير

10 - { إذ أوى الفتية إلى الكهف } يعني فتية من أشراف الروم أرادهم دقيانوس على الشرك فأبوا وهربوا إلى الكهف { فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة } توج لنا المغفرة والرزق والأمن من العدو { وهيئ لنا من أمرنا } من الأمر الذي نحن عليه من مفارقة الكفار { رشدا } نصير بسببه راشدين مهتدين أو اجعل أمرانا كله رشدا كقولك : رأيت منك أسدا وأصل التهيئة إحداث هيئة الشيء

11 - { فضربنا على آذانهم } أي ضربنا عليهم حجابا يمنع السماع بمعنى أنمناهم إنامة لا تنبههم فيها الأصوات فحذف المفعول كما حذف في قولهم : بنى على امرأته : { في الكهف سنين } ظرفان لضربنا { عددا } أي ذوات عدد ووصف السنين به يحتمل التكثير والتقليل فإن مدة لبثهم كبعض يوم عنده

12 - { ثم بعثناهم } أيقظناهم { لنعلم } ليتعلق علمنا تعلقا حاليا مطابقا لتعلقه أولا تعلقا استقباليا { أي الحزبين } المختلفين منهم أو من غيرهم في مدة لبثهم { أحصى لما لبثوا أمدا } ضبط أمد الزمان لبثهم وما في أي من معنى الاستفهام علق عنه لنعلم فهو مبتدأ و { أحصى } خبره وهو فعل ماض و { أمدا } مفعول له و { لما لبثوا } حال منه أو مفعول له وقيل إن المفعول واللام مزيدة وما موصولة و { أمدا } تمييز وقيل { أحصى } اسم تفضيل من الإحصاء بحذف الزوائد كقولهم : هو أحصى للمال وأفلس من ابن المذلق و { أمدا } نصب بفعل دل عليه { أحصى } كقوله :
( وأضرب منا بالسيوف القوانسا )

13 - { نحن نقص عليك نبأهم بالحق } بالصدق { إنهم فتية } شبان جمع فتى كصبي وصبية { آمنوا بربهم وزدناهم هدى } بالتثبيت

14 - { وربطنا على قلوبهم } وقويناها بالصبر على هجر الوطن والأهل والمال والجراءة على إظهار الحق والرد على دقيانوس الجبار { إذ قاموا } بين يديه { فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا } والله لقد قلنا قولا ذا شطط أي ذا بعد عن الحق مفرط في الظلم

15 - { هؤلاء } مبتدأ { قومنا } عطف بيان { اتخذوا من دونه آلهة } خبره وهو إخبار في معنى إنكار { لولا يأتون } هلا يأتون { عليهم } على عبادتهم { بسلطان بين } ببرهان ظاهر فإن الدين لا يؤخذ إلا به وفيه دليل على أن ما لا دليل عليه من الديانات مردود وأن التقليد فيه غير جائز { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } بنسبة الشريك إليه

16 - { وإذ اعتزلتموهم } خطاب بعضهم لبعض { وما يعبدون إلا الله } عطف على الضمير المنصوب أي وإذا اعتزلتم القوم ومعبوديهم إلا الله فإنهم كانوا يعبدون الله ويعبدون الأصنام كسائر المشركين وبجوز أن تكون { ما } مصدرية على تقدير وإذ اعتزلتموهم وعبادتهم إلا عبادة الله وأن تكون نافية على أنه إخبار من الله تعالى عن الفتية بالتوحيد معترض بين { إذ } وجوابه لتحقيق اعتزالهم { فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم } يبسط الرزق الكم ويوسع عليكم { من رحمته } في الدارين { ويهيئ لكم من أمركم مرفقا } ما ترتفقون به أي تنتفعون و جزمهم بذلك لنصوع يقينهم وقوة وثوقهم بفضل الله تعالى وقرأ نافع و ابن عامر { مرفقا } بفتح الميم وكسر الفاء وهو مصدر جاء شاذا كالمرجع والمحيض فإن قياسه الفتح

17 - { وترى الشمس } لو رأيتهم و الخطاب لرسول الله صلى الله عليه و سلم أو لكل أحد { إذا طلعت تزاور عن كهفهم } تميل عنه ولا يقع شعاعها عليهم فيؤذيهم لأن الكهف كان جنوبيا أو لأن الله تعالى زورها عنهم وأصله تتزاور فأدغمت التاء في الزاي وقرأ الكوفيون بحذفها وأبن عامر و يعقوب تزور كتحمر وقرئ تزوار كتحمار وكلها من الزور بمعنى الميل { ذات اليمين } جهة اليمين وحقيقتها الجهة ذات اسم اليمين { وإذا غربت تقرضهم } تقطعهم و تصرم عنهم { ذات الشمال } يعني يمين الكهف وشماله لقوله : { وهم في فجوة منه } أي وهم في متسع من الكهف يعني في وسطه بحيث ينالهم روح الهواء ولا يؤذيهم كرب الغار ولا حر الشمس وذلك لأن باب الكهف في مقابلة بنات نعش وأقرب المشارق والمغارب إلى محاذاته مشرق رأس السرطان ومغربه والشمس إذا كان مدارها مداره تطلع مائلة عنه مقابلة لجانبه الأبيض وهو الذي يلي المغرب و تغرب محاذية لجانبه الأيسر فيقع شعاعها على جانبيه ويحلل عفونته ويعدل هواءه ولا يقع عليهم فيؤذي أجسادهم ويبلي ثيابهم { ذلك من آيات الله } أي شأنهم وإيواؤهم إلى كهف شأنه كذلك أو إخبارك قصتهم أو ازورار الشمس عنهم وقرضها طالعة وغربة من آيات الله { من يهد الله } بالتوفيق { فهو المهتد } الذي أصاب الفلاح والمراد به إما الثناء عليهم أو التنبيه على أن أمثال هذه الآيات كثيرة ولكن المنتفع بها من وفقه الله للتأمل فيها و الاستبصار بها { ومن يضلل } ومن يخذله { فلن تجد له وليا مرشدا } من يليه ويرشده

18 - { وتحسبهم أيقاظا } لانفتاح عيونهم أو لكثرة تقلبهم { وهم رقود } نيام { و نقلبهم } في رقدتهم { ذات اليمين وذات الشمال } كيلا تأكل الأرض ما يليها من أبدانهم على طول الزمان وقرئ و يقلبهم بالياء والضمير الله تعالى و تقلبهم على المصدر منصوبا بفعل يدل عليه تحسبهم أي وترى تقلبهم { وكلبهم } هو كلب مروا به فتبعهم فطردوه فأنطقه الله تعالى فقال : أنا أحب أحباء الله فناموا وأنا أحرسكم أو كلب راع مروا به فتبعهم وتبعه الكلب ويؤيده قراءة من قرأ : وكالبهم أي وصاحب كلبهم { باسط ذراعيه } حكاية حال ماضية ولذلك أعمل اسم الفاعل { بالوصيد } بفناء الكهف وقيل الصيد الباب وقيل العتبة { لو اطلعت عليهم } فنظرت إليهم وقرئ لو اطلعت بضم الواو { لوليت منهم فرارا } لهربت منهم و { فرارا } يحتمل المصدر لأنه نوع من التولية والعلة والحال { ولملئت منهم رعبا } خوفا يملأ صدرك بما ألبسهم الله من الهيبة أو لعظم أجرامهم وانفتاح عيونهم وقيل لوحشة مكانهم وعن معاوية رضي الله عنه أنه غزا الروم فمر بالكهف فقال : لو كشفت لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال اله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ليس لك ذلك قد منع الله تعالى منه من هو خير منك فقال { لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا } فلم يسمع وبعث ناسا فلما دخلوا جاءت ريح فأحرقتهم وقرأ الحجازيان لملئت بالتشديد للمبالغة و ابن عامر و الكسائي و يعقوب { رعبا } بالتثقيل

19 - { وكذلك بعثناهم } وكما أنمناهم آية بعثناهم آية على كمال قدرتنا { ليتساءلوا بينهم } ليسأل بعضهم بعضا فتعرفوا حالهم وما صنع الله بهم فيزدادوا يقينا على كمال قدرة الله تعالى ويستبصروا به أمر البعث ويشكروا ما أنعم الله به عليهم { قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم } يناء على غالب ظنهم لأن النائم لا يحصي مدة نومه ولذلك أحالوا العلم إلى الله تعالى { قالوا ربكم أعلم بما لبثتم } ويجوز أن يكون ذلك قول بعضهم وذا إنكار الآخرين عليهم وقيل إنهم دخلوا الكهف غدوة وانتبهوا ظهيرة وظنوا أنهم في يومهم أو اليوم الذي بعده قالوا ذلك فلما نظروا إلى طول أظفارهم وأشعراهم قالوا هذا ثم لما علموا أن الأمر ملتبس لا طريق لهم إلى علمه أخذوا فيما يهمهم وقالوا : { فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة } والورق الفضة مضروبة كانت أو غير مضروبة وقرأ أبو بكر و أبو عمرو و حمزة و روح عن يعقوب بالتخفيف وقرئ بالتثقيل وإدغام القاف في الكاف وبالتخفيف مكسور الواو مدغما وغير مدغم ورد المدغم لالتقاء الساكنين على غير حده وحملهم له دليل على أن التزود أي المتوكلين والمدينة طرسوس { فلينظر أيها } أي أهلها { أزكى طعاما } أحل وأطيب أو أكثر وأرخص { فليأتكم برزق منه وليتلطف } وليتكلف اللطف في المعاملة حتى لا يغبن أو في التخفي حتى لا يعرف { ولا يشعرن بكم أحدا } ولا يفعلن ما يؤدي إلى الشعور

20 - { إنهم إن يظهروا عليكم } أي يطلعوا عليكم أو يظفروا بكم والضمير لأهل المقدر في { أيها } { يرجموكم } يقتلوكم بالرجم { أو يعيدوكم في ملتهم } أو يصيروكم إليها كرها من العود بمعن